ينفرد مزراحي بين جميع كبار المخرجين الأوائل الذين قامت على أكتافهم صناعة السينما في مصر ، بأنه كان يهوديا ، حاصلا على درجة دكتوراه في الاقتصاد من فرنسا ، مجيدا أكثر من لغة ، خاصة الفرنسية و الايطالية ، و الأهم أنه كان غزير الانتاج ، اخرج خلال ستة عشر عاما اثنين و ثلاثين فيلما .

و أول عهده بالسينما كان عام 1930 ، حين أخرج فيلم “الكوكايين” الذي عرض فيه لمضار الإدمان ، و كان أول عرض له تحت اسم آخر “الهاوية” و في مدينة الأسكندرية ، حيث كان يمتلك ستوديو خاصا في حي باكوس .
و لم ينتقل مزراحي الي القاهرة بنشاطه الا في أثناء عام 1938 ، فبدءا من ذلك التاريخ ، استأجر ستوديو وهبى كي يجعل منه مقرا له ، و منطلقا للإنتاج ، و أكيد أن الدور الكبير الذي لعبه في الأخذ بيد السينما و هي لا تزال تحبو ، أهله لأن يكون أهم مخرج مصري خلال الفترة الأولى من عمر تلك السينما .
ومما يعرف عنه ، أنه في إبداعه لأفلامه كان أقرب الي المخرج و المؤلف ، فهو المنتج و كاتب السيناريو و مصمم المناظر و المؤلف ، بل و الممثل في بعض الأحيان ، و أنه لم يترك نوعا من الأنواع السينمائية السائدة في زمنه الممتد من 1930 حتى 1941 ، إلا و كان له شأن معه بأكثر من فيلم .
فأفلامه من بينها ايضا أفلام تاريخية ، و اخرى مستوحاه من التراث ، و خاصة ما كان منه متصلا بحكايات الف ليلة و ليلة و لأنه كان يعشق السينما ، و معها فن التمثيل ، فقد عمل في البداية ، على تغيير أسمه الى “أحمد مشرقي” حتى يستطيع الظهور في أفلامه ، دون أن يؤدي ذلك الى إيذاء شعور أسرته .
و على كل ، فهذا التغيير جاء متمشيا مع تقليد كان سائدا وقتذاك ، بموجبه يستبدل الممثل المنتمي الي الطائفة اليهودية بأسمه الوارد في شهادة الميلاد ، اسما فنيا جديدا ، يكاد يكون مشتركا بين الديانات الثلاث ، اليهودية و المسيحية و الأسلام ، و مؤكدا أن صاحب الاسم الجديد غير منتم الي دين معين بالتحديد ، و مع ذلك فمزراحي لم يحتفظ بأسمه الجديد زمنا طويلا .
و من ابتكاراته الكثير رسمه لشخصية يهودية واضحة المعالم ، أسماها شالوم مع إسناده البطولة لها في أربعة أفلام “المندوبان” (1934) ،”شالوم الترجمان” (1935) ، “شالوم الرياضي” و “العز بهدلة” (1937) .
و مما ينسب اليه أنه جعل من بربري مصر الوحيد الممثل الهزلي “علي الكسار” نجما سينمائيا في تسعة أفلام ، لأذكر من بينها “ألف ليلة و ليلة” (1941) ، “علي بابا و الأربعين حرامي” (1942) و “نور الدين و البحارة الثلاثة” (1944) .
و كما يبين من أسماء الأفلام الثلاثة ، فهي مستوحاه من التراث الأدبي العربي القديم .
و من العجب ، أنه بعد إتهام صاحبه بالصهيونية مما دفعه الي الخروج من مصر الي ايطاليا ، حيث عاش بهاجرا ، حتى جاءه الموت ، بعد ذلك ، لم يحاول أحد من كبار مخرجي السينما المصرية أن يغترف من ذلك التراث الغني شيئا .
و لعل واحد من أهم إنجازاته أنه جعل من المطربة “ليلى مراد” ممثلة و نجمة ، و ذلك بفضل خمسة أفلام ، اخرها “ليلى في الظلام” (1944) .
و عن قيامه بإسناد دور الفتاة العمياء لها ذكرت “ليلى مراد” في كتيب الدعاية الخاص بهذا الفيلم الآتي :
“لما عرض فيلم ليلى و لقى نجاحا كبيرا ، جاء يعرض علي تمثيل الفتاة العمياء في فيلم ليلى في الظلام ، فضحكت قائلة يا دهوتي !! طيب تمثيل أدوار المرض و الموت عرفناها انما أدوار العمى أمثلها إزاي ؟ و لكني مثلت الدور..و كان الفضل له دائما” .
و عن ادائها الدور كتب الأديب الصحفي “أحمد الصاوي محمد” عن تجربته في مشاهدة الفيلم مع الأديب “توفيق الحكيم” :
“تأثرنا بتمثيل ليلى مراد أشد التأثير ، و خرجنا في نهاية الفيلم و توفيق الحكيم يقسم لي أن هذه أول مرة تدمع عيناه في فيلم مصري” .
و اخيرا ، فلقد كان “سلامة” (1946) واحدا من أهم أفلامه ، قبل الخروج من مصر ، و قصته و ياللعجب مستوحاه من التاريخ العربي القديم ، و بفضل أغانيه ، و هي من تأليف “بيرم التونسي” و تلحين “زكريا أحمد” ، و بفضل إيقاعه السريع ، حقق الفيلم نجاحا كبيرا ، و كان أحسن فيلم مثلته “أم كلثوم” سيدة الغناء العربي على مر العصور .

