الوردة البيضاء (1933)

الوردة البيضاء فيلم له منزلة في تاريخ السينما المصرية متعادل المنزلة التي يشغلها مغني الجاز فيلم “وارنر اخوان” (6 أكتوبر 1927) ، في تاريخ السينما الأمريكية .

فمثلما كان “مغني الجاز” أول فيلم روائي أمريكي ناطق و موسيقي في آن ، كان الوردة البيضاء (سينما رويال 4/12/1933 ) أول فيلم ناطق ، موسيقي لمخرج مصري “محمد كريم” .

حقا ، سبقه في العرض بضعة أفلام ناطقة ، تعد على أصابع اليدين ، كان أولها “أولاد الذوات” (سينما رويال 24/3/1932) ، كما سبقه فيلم ناطق موسيقي تحت أسم “أنشودة الفؤاد” (سينما ديانا 14/4/1932) .

و لكن كلا الفيلمين جاء مشوبا بعيب أو أكثر ، حال دون أعتباره عملا سينمائيا رائدا ، سواء في مجال الموسيقى ، و بالتحديد الغناء ، “فأولاد الذوات” لم يكن ناطقا إلا بنسبة خمسين في المائة  أو أكثر قليلا ( طوله ثلاثة آلاف و أربعمائة متر غير ناطق منها سوى الفي متر ) .

و لم تكن الأفلام الآخرى ، بما فيها “أنشودة الفؤاد” بأحسن حالا ، فذلك الفيلم جاء ، هو الآخر  مشوبا بنفس عيب “أولاد الذوات” ، و بعيوب آخرى ، لعل أهمها أن مخرجه “ماريو فولبي” و مطربته “نادرة” كليهما غير مصري ، هو إيطالي ، و هي سوريه ، ليس عندها لا صيت ، و لا منزلة مطربة “الوردة البيضاء” ، في عالم الغناء .

و مما له دلالة ، أن جميع الأفلام الروائية الناطقة و السابقة على “الوردة البيضاء” و يدخل في عدادها “أنشودة الفؤاد” ، قد أختفى سالبها من الوجود ، و بحكم ذلك الأختفاء ، صارت في ذمة التاريخ ، هي و العدم سواء .

و على كل ، فالوردة البيضاء يعد ثالث فيلم روائي يخرجه “محمد كريم” ، بعد بضعة أعوام قضاها دارسا لفن السينما في المانيا .

فقبله قام بأخراج “زينب” المستوحى من قصة بنفس الأسم للدكتور “محمد حسنين هيكل” ، ثم “أولاد الذوات” ، و كلا الفيلمين أحدث دويا كبيرا ، مؤذنا بمولد مخرج سيكون له شان في مسار السينما المصرية ، على أمتداد أكثر من ربع قرن من عمر الزمان .

و هذا ما حدا لاريب ، بالموسيقار “محمد عبدالوهاب” الى أختياره ، كي يكون مخرجا لأول فيلم يتيح له فرصة الظهور أمام عشاق صوته الذهبي ، ممثلا و مطربا ، على الشاشة البيضاء.

ففي ذلك الزمن الموغل في القدم كان “عبدالوهاب” في أوج مجده ، بفضل صوته الحلو الرنان  كان بحق ، كما قيل ، ولا يزال يقال ، مطرب الملوك و الأمراء ، و كان عامة الناس في شوق و لهفة الى مشاهدته ، و هو يغني ، حتى يطربون به صورة و صوتا ، مثلهم في ذلك مثل خاصة الناس الذين حالفهم الحظ ، فأتاح لهم فرصة الأستمتاع مشاهدته ، و هو يغني على خشبة المسرح أو في مجالس الأعيان ، و في جلسات أحيطت بالسرية و الكتمان ، بدأ الأثنان “عبدالوهاب” و “كريم” مشوار البحث عن رواية تنعقد بطولتها حول الأول ، حيث تدور أحداثها حوله وجودا و عدما و لكن ، و على غير المألوف ، وقع أختيارهما على أسم للفيلم ، و ذلك قبل العثور على الرواية المنشودة .

و كان الأسم الذي وقع عليه الأختيار “الوردة البيضاء” ، بعد حيرة و تردد بين أسماء أخرى ، أحدهما “الوردة الحمراء” !!

و كعهدنا مع “عبدالوهاب” في جميع أفلامه السبعة ، أصر على أن يقدم في فيلمه الأول وجها نسائيا جديدا ، و كان أن وقع الأختيار على “سميرة خلوصي” ، و هي فتاة من أم فرنسية ، و أب مصري ، و ليس لها من العمر سسوى ستة عشر ربيعا .

أما الرواية التي جرى أختيارها لأسم “الوردة البيضاء” ، فكانت للكاتب الإذاعي “محمد متولي” ووقائعها تخلص في أن الشاب “محمد جلال” (عبدالوهاب) توفى والده دون أن يترك له من متاع الدنيا شيئا و حتى يواجه متطلبات الحياة ذهب الى حيث يقيم “إسماعيل بك” (سليمان نجيب) صديق والده القديم طالبا العمل في ضيعته الغناء .

و بينما هو على سلم القصر التقى “رجاء” (سميرة خلوصي) أبنة “إسماعيل بك” ، و قد أنفرط عقدها ، فساعدها في التقاط حباته حتى آخر حبة .

فكان أن كافأته بهدية رمزية عبارة عن وردة بيضاء ، و ما أن عاد الى منزله حتى أخذ يتأمل الوردة المهداه ، و يحاكيها مغنيا “يا وردة الحب الصافي” أول أغاني الفيلم ، و أكثرها ذيوعا .

و في أثناء قيامه بالعمل الذي أسنده اليه والدها التقى بها في القرية ، حيث لم يستطيعا ضبط مواطنهما المتأججة ، فتبادلا قبلة ، رآها “شفيق” (زكي رستم) ، الذي كان يطمع في الزواج من “رجاء” بمساندة شقيقته “دولت ابيض” ، و أم رجاء ، فما كان منه الا أن ذهب اليها في القصر ، حيث كشف لها هي و زوجها ، علاقة الحب ، بين الأثنين “محمد و رجاء” ، و طبعا ثار “إسماعيل بك” غاضبا ، و طرد “محمد” الذي أخذ يهيم في شوارع القاهرة ، باكيا ، و مغنيا “يا لوعتي يا شقايا .. يا ضنا حالي ..و كان سلام التلاقي أصبح سلام الوداع ” .

و في نفس الوقت مصرا على تحقيق الحلم الذي يراوده و هو أن يصبح مطربا مشهورا ، و فعلا يتحقق الحلم ، و يستمر قلبه متعلقا بحب “رجاء” و قلبها متعلقا بحبه .

الى أن يرجوه والدها أن يضحي بحبه لها ، لأنه لا رجاء فيه ، و ذلك لأنه مجرد مطرب ، و هي أبنة أكابر.

فيستجيب الى الرجاء ، مثلما فعلت “مارجريت” في “غادة الكاميليا” ، و عندما يعلم بموعد زفاف حبيبته الى “شفيق” يتجه الى سور القصر ، حيث يغني ملتاعا ” عاهدت أهلك أغيب .. و أنت المنى و الروح .. أبكي و أنوح على أساكي .. و أضحي قلبي في يوم هناكي ” .

و لأن صناعة السينما كانت لا تزال تحبو ، فقد جرى تصوير مشاهد الفيلم الداخلية و الطبع و تسجيل الصوت بأستديوهات “توبيس Topis ” في باريس ، و قام بالتصوير الإيطالي (بريما فيرا ) .

و رغم أن أداء كل من “عبدالوهاب” و “سميرة” كان ضعيفا ، بل قل رديئا ، ألا أنه بفضل إجتهاد “كريم” في إستخدام وسائل التوليف و براعته في تحريك الكاميرا ، و توظيف مفردات لغة السينما ، وذلك في حدود الأمكانيات الضئيلة التي كانت متاحة وقتذاك .

و كذلك ، و بطبيعة الحال ، بفضل صوت “عبدالوهاب” الذي كان في عنفوان الشباب نجح الفيلم  حتى أن عرضه أستمر ستة أسابيع مسجلا بذلك رقما قياسيا في مدة العرض في ذلك الحين ، و من الغرائب التي حدثت أثناء عرض الفيلم أن مشيخة الأزهر أحتجت لدى إدارة الأمن العام ، على لقطة “عبدالوهاب” ، و هو يقبل البطلة ، مرتديا الطربوش ، أما لماذا الأحتجاج ، فذلك لأن الطربوش شعار مصر القومي ، و لا تصح القبلة مع ما يجب له من أحترام و تبجيل !!

و تمر الأيام أعواما بعد أعوام ، و إذا بذلك الشعار يصير أثرا ، مثيرا أحيانا للسخرية ، و أحيانا للرثاء .

مصطفى درويش

  • عناوين الفيلم :-

فكرة : محمد متولي

أعدها للسينما : محمد كريم

حوار و تأليف : سليمان نجيب – توفيق المردنلي 

أغاني : أحمد رامي

ألحان : محمد عبدالوهاب

اخراج : محمد كريم

  • أداء الأدوار :-

محمد عبدالوهاب    محمد جلال

سميرة خلوصي     رجاء

سليمان نجيب      اسماعيل بك

دولت أبيض       زوجة اسماعيل بك

زكي رستم        شفيق                                    

محمد عبدالقدوس  باشكاتب الدايرة 

نعيمة عاكف 1929-1966

صعدت نعيمة في دنيا الأطياف كالشهاب ، و لما لم يكن لها من العمر سوى عشرين عاما ، ثم سرعان ما انطفأ ضوؤها بالموت بالسرطان و ليس لها من العمر سوى سبعة و ثلاثون عاما .

و في أثناء هذه الأعوام القليلة ، تحقق لها من النجاح و الشهرة ما فاق كل التوقعات ، و مما ساعدها على الصعود المفاجئ ، أنها و هي التي ولدت في وسط الدلتا ، و بالذات في مدينة طنطا  قد بدأت حياتها الفنية مبكرة ، عندما كانت طفلة ، في الرابعة من عمرها ، في سيرك أبيها “عاكف” حيث جرى تدريبها على فن القفز على الحبال .

و ما أن أصبحت شابة ممشوقة القوام ، حتى أمتهنت الرقص في كازينو “بديعة مصابني” ، كما أتيحت لها فرصة الظهور على الشاشة لدقائق معدودات في فيلم “ست البيت” (1949) للمخرج “أحمد كامل مرسي” ، و ذلك بفضل رقصة أدتها من نوع تلك الرقصات التي يجري حشرها في الأفلام الجادة ، من باب الترفيه ، بشئ مثير يخفف من وقع الأحداث الجسام .

كل ذلك أهلها لأن تكون نجمة ساطعة في سماء السينما المصرية من أول فيلم لها ، مثلها في ذلك مثل “ليلى مراد” ، قبل عشرة أعوام .

و هذا الفيلم ليس “ست البيت” حيث أقتصر ظهورها على نمرة راقصة ، و أنما فيلمها الأول مع المخرج “حسين فوزي” الذي كان له فضل أكتشافها ، بوصفها فنانة شاملة ، كما جرى نعتها ، فيما بعد ، عندما تعلقت بها الجماهير حبا ، و أصبحت من المشاهير .

و هذا الأكتشاف له قصة ، بدأت مشاهدة المخرج ” كامل” لها ، و هي ترقص في ملهى ليلي ، و أفتتانه بها على وجه أدى به الى الأسراع بأستصحاب شقيقه “حسين فوزي” الى حيث ترقص
 و ما أن شاهدها “حسين” حتى أحس أنه عثر على ضالته المنشودة ، فتاة تسع موهبتها الرقص و الغناء و الأكروبات و التمثيل ، كل ذلك مع وجه جميل و قوام كغصن البان .

و من هنا قيامه بأسناد البطولة النسائية لها في فيلمه “العيش و الملح” (1949) أمام المطرب “سعد عبدالوهاب” أبن شقيق “محمد عبدالوهاب” مطرب الملوك و الأمراء ، و لأن الفيلم حقق نجاحا كبيرا ، بفضل حضورها ، و مواهبها المتعددة و ذلك رغم ثقل ظل “سعد عبدالوهاب” ، فقد دفع ذلك “حسين فوزي” الى أحتكارها لحساب ما هو فعل على أخراجه من أفلام .

و ما لبثت العلاقة بينهما أن تطورت ، حتى وصلت بهما الى شاطئ الزواج ، و ذلك رغم أنه كان يكبرها سنا بحوالي أربعة و عشرين عاما ، و المدهش أن من الأحد عشر فيلما الأولى التي مثلت فيها “نعيمة” ، جميعها كانت من اخراج “حسين” ، و سيناريو معظمها كان من تأليفه ، و هذا أمر غير مسبوق ، و لا ملحوق في تاريخ السينما المصرية ، و ربما ليس له نظير في اية سينما آخرى .

و بعد أنقطاع بفيلم واحد “أربعة بنات و ظابط” اخرجه “أنور وجدي” (1954) ، عاد “حسين” فأسند لها الدور الرئيسي في “بحر الغرام” (1955) ، و لأول مرة أقتسم البطولة معها “رشدي أباظة” ، و قد تكرر الأنقطاع بفيلم آخر “مدرسة البنات” (1955) أخرجه “كامل التلمساني” بعده ، و قبل أن ينفصلا بالطلاق ، عاد “حسين” فأخرج لها فيلمين أولهما “تمر حنة” (1957) و ثانيهما “أحبك يا حسن” (1957) ، أسدل الستار نهائيا على ظاهرة فريدة ، هي أن يقوم مخرج مع نجمة ، هي زوجته ، بأبداع أربعة عشر فيلما ، أغلبها حقق نجاحا كبيرا ، و كلها من لون الملهاة الغنائية الأستعراضية ، التي قدارها بطلة ، بنت بلد ، خفيفة الظل، مشاكسة ، فهي فيها تارة فتاة أستعراض في فرقة شعبية ، يعشقها فتى أبن باشا “لهاليبو” (1949) ، أو فتاة من حارة شعبية يحاول أحد البشاوات أغراءها ، دون جدوى بماله “بلدي و خفة” (1950) ، أو فتاة من الحارة تسعى لأن يعمل أهلها في المسرح “فرجت” (1951) ، أو فتاة تعمل في سيرك وقع في غرامها فتى من أولاد الذوات “فتاة السيرك” (1951) ، أو راقصة في ملهى ليلي و تكتشف أن أباها عامل البار “النمر” (1952) ، و هكذا ،، و هكذا في جميع أفلام الثنائي “حسين” و “نعيمة” الآخرى .

و مع أنتهاء الثنائي بالطلاق ، بدأ نجم الأثنين في الأفول ، حتى وافى “حسين” الأجل في عام 1962 ، ووفاها هي الأجل ، بعده بأربعة أعوام .

مصطفى درويش 

عطيات الأبنودي وأيام الديمقراطية في كلمات

يتمحور فيلم أيام الديمقراطية حول نساء رشحن أنفسهن لعضوية مجلس الشعب في الأنتخابات الأخيرة التي جرت قبل عام  ، وبضع عام .

وصاحبته “عطيات الأبنودي” ولدت تحت سماء مصر ، حيث عاشت وسط المعذبين على أرضها و عانت .

ومن خلال أفلام تسجيلية ، بدءا من “حصان الطين” ، عبرت عن الآلام والأحلام الممكنة لهؤلاء المعذبين .

وأيام الديمقراطية لا هو بالفيلم الطويل ، ولا هو بالقصير ، أنه فيلم صغير، مدته لا تزيد علي سبعين دقيقة ، مثله في ذلك مثل “بروڨة أوركسترا”، فيلم “فيلليني” الذي أخرجه تعبيرا عن غضبه ومعاناته لمصرع „الدو مورو” رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي ، بأيدي أرهابيين منتمين الى الألوية الحمراء .

ففيلم “عطيات” هو الأخر تعبير عن غضبها ومعاناتها من وضع المرأة المصرية الآخذ في التردي على مر السنين .

والحق أنه فيلم مركز أشد تركيز ، لا يحيد قيد أنملة عن القضية التي يعرض لها بوضوح وجلاء ، قضية مشاركة المرأة في الحياة النيابية ، أي حكم البلاد .

وقصة دخول المرأة المجلس النيابي تبدأ ، حسب الفيلم ، مع معركة تأميم قناة السويس فوقتذاك صدر تشريع ، منحها حق الترشيح والأنتخاب .

ونتيجة لذلك التشريع دخلت نائبتان المجلس النيابي ، وكان أسمه حينذاك مجلس الأمة ، وعلى مر السنين ، أخذ عدد النائبات في الأزدياد ، حتى وصل الى خمس و ثلاثين في مجلس 1984  الا أن هذا العدد سرعان ما تقلص الى أربع عشرة نائبة في مجلس 1987 ، ثم الى عشر نائبات في مجلس 1990 ، فخمس نائبات فقط في مجلس 1995 .

وعلى كل ، فمذبحة النساء في معركة الانتخابات للمجلس الأخير ، مدار فيلم عطيات ، ففي تلك المعركة لم ترشح جميع الأحزاب سوى تسع عشرة امراة ، وذلك في مجتمع نصفه أو ربما أكثر من النساء ، والأكثر غرابة ، أن الفائزات ، وعددهن لا يزيد على أصابع اليد الواحدة جميعهن من حزب واحد ، الحزب الحاكم .

هذا ، ومفاجأة فيلم “عطيات” الكبرى كانت في أقاصي الصعيد المجيد ، فتحت عنوان “البحث عن نفيسة” ، و يبدأ آخر و أجمل مشهد في الفيلم ، جليا في قسمات وجهها التي تتسم بالحزم والعزم ، ووعيها باحتياجات أهل دائرتها ، وحبهم الكبير لها ، كل ذلك أنما يؤهلها لأن تكون ، لا زعيمة محلية فحسب ، وأنما زعيمة بطول وعرض البلاد ، أنها والحق يقال ، أهم رمز في أيام الديمقراطية .

وبذلك الرمز ، أستطاعت “عطيات” أن تكشف عن القبر الضائع في التراب .

نقلا عن مجلة الهلال عدد فبراير 1997                                        مصطفى درويش