ولد نجيب إلياس الريحاني بالقاهرة عن أب عراقي و أم قبطية ، و لأنه كان يهوى التمثيل منذ أن كان صغيرا في مدرسة الفرير ، فما أن تعرف في البنك الزراعي ، حيث كان يعمل ، بعد حصوله على البكالوريا ، على المخرج السوري الشاب “عزيز عيد” ، حتى بادر بترك الوظيفة مؤثرا عليها العمل هو و “عيد” كومبارس في دار الأوبرا .

و عندما نجح “عيد” في تكوين أولى فرقه المسرحية ، سارع “الريحاني” الأنضمام اليها ، و في صيف 1915 ، عندما كون “عيد” فرقة الكوميدي العربي شارك فيها “الريحاني” مع آخرين ، ولقد تعلم “الريحاني” في تلك الفرقة فن الاخراج ، كما تعرف تكنيك الفارس farce الفرنسي الذي قدر أن يكون له التأثير الأكبر على مسرحه مستقبلا .
هذا الى أنه تيقن من أن موهبته التمثيلية تتألق في فن الملهاة ، و لم يمكث “الريحاني” طويلا في تلك الفرقة ، و سرعان ما دب الخلاف بينه و بين “عيد” ، خاصة حول كيفية الاقتباس .
فعيد كان يرى أنه لزاما على المسرحية المقتبسة أن تكون مطابقة للأصل الفرنسي ، لا تحيد عنه قيد أنملة ، أما “الريحاني” فكان على العكس من ذلك يرى أن يراعي في الأقتباس أن يجئ متمشيا مع ذوق و عادات و تقاليد المصريين .
و عن ذلك المنحى عبر “الريحاني” باسلوبه الخاص الساخر “عايزين مسرح مصري ، مسرح أبن بلد ، فيه ريحة الطعمية و الملوخية مش ريحة البطاطس المسلوقة و البفتيك” .
و بفضل هذا المنحى الواضع في الأعتبار الواقع المصري ، أبدع خياله أشهر ثنائي فكاهي في تاريخ الملهاة المصرية ، و هو “كشكش بك” و تابعه “زعرب” .
و كما رسمه الريحاني كان “كشكش بك” عمدة قرية أسمها “كفر البلاص” و فيه تجسم بأسلوب كاريكاتوري ساخر ، التناقض الصارخ بين أخلاق القرية ، و أخلاق المدينة الصاخبة .
و مع مجئ الشهرة و المال ، بفضل “كشكش بك” سارع “الريحاني” الى تكوين فرقة خاصة به كانت أولى مسرحياتها “حمار و حلاوة” (1917) و في هذه الأثناء ، شاءت له الأيام أن يلتقي برفيق الدرب ، الكاتب المسرحي “بديع خيري” .
و معا أبدعا مسرحيات كثيرة ، أبرزها “30 يوم في السجن” و “حسن و مرقص و كوهين” ، و شاءت له كذلك أن يشاهد أفلام “شارلي شابلن” ، فكان أن تأثر بها و من فرط تأثره وقع في حب السينما .
و لأن صناعة أفلام روائية جاءت مصر متأخرة بعض الشئ ، ففرصة الظهور على الشاشة ، لم تتح “للريحاني” الا بدءا من عام 1931 ، في الفيلم الصامت “صاحب السعادة كشكش بك” .
أما أول فيلم متكلم له فكان “ياقوت أفندي” (1934) و “سلامة في خير” (1937) .
بدأت الأفلام الستة التي بعضها أصبح من الخالدين سينمائيا ، وهي “سي عمر”
(1941) ، “لعبة الست” ، “أحمر شفايف” (1946) ، “أبو حلموس” (1947) ثم “غزل البنات” (1949) فيلمه الأخير الذي جاءه الموت قبل أن يشاهده ، و هو من أكثر أفلام الملهاة المصرية ذيوعا و رسوخا في قلوب و عقول المصريين .
و لا غرابة في هذا ، فضلا عن الروح المرحة المشبع بها ، كان فيلما موسيقيا ، شاركت فيه “ليلى مراد” التمثيل و الغناء ، عندما كانت في أوج الشهرة و العطاء
و هذه الأفلام ، يبدو فيها تأثير “شابلن” على “الريحاني” واضحا ، فتحت هذا التأثير ، و قبل هذه الأيام كان “الريحاني” قد خلع قناع “كشكش بك” و عباءته ، و لحيته و مسبحته ، و أنعتق من أسار هذه الشخصية النمطية ، منطلقا الى شخصية اخرى ، تشبه من قريب شخصية “شابلن” في سماتها النفسية ، و في مواقفها و أهدافها ، و هذا الأنعتاق و الأنطلاق نراه متجليا في الأفلام الستة ، حيث تقمص “الريحاني” شخصية أشبه بشخصية “شابلن” ، الرجل المسحوق ، الفصيح اللسان ذو الموهبة ، المنتصر دائما للفقراء ، في مواجهة الأغنياء ، الرجل الذي يظهر الشجاعة أحيانا ، و الجبن أحيانا اخرى ، و الذي يزج بنفسه في مغامرات لا تنتهي ، يجلب بها على رأسه المصائب ، و لكنه يخرج منها جميعا منتصرا ، و هو الى هذا جائع دائما متطلع دائما الي متع الحياة ، مقدرا دائما أن النساء هن أجمل زهور حياتنا

