نعيمة عاكف 1929-1966

صعدت نعيمة في دنيا الأطياف كالشهاب ، و لما لم يكن لها من العمر سوى عشرين عاما ، ثم سرعان ما انطفأ ضوؤها بالموت بالسرطان و ليس لها من العمر سوى سبعة و ثلاثون عاما .

و في أثناء هذه الأعوام القليلة ، تحقق لها من النجاح و الشهرة ما فاق كل التوقعات ، و مما ساعدها على الصعود المفاجئ ، أنها و هي التي ولدت في وسط الدلتا ، و بالذات في مدينة طنطا  قد بدأت حياتها الفنية مبكرة ، عندما كانت طفلة ، في الرابعة من عمرها ، في سيرك أبيها “عاكف” حيث جرى تدريبها على فن القفز على الحبال .

و ما أن أصبحت شابة ممشوقة القوام ، حتى أمتهنت الرقص في كازينو “بديعة مصابني” ، كما أتيحت لها فرصة الظهور على الشاشة لدقائق معدودات في فيلم “ست البيت” (1949) للمخرج “أحمد كامل مرسي” ، و ذلك بفضل رقصة أدتها من نوع تلك الرقصات التي يجري حشرها في الأفلام الجادة ، من باب الترفيه ، بشئ مثير يخفف من وقع الأحداث الجسام .

كل ذلك أهلها لأن تكون نجمة ساطعة في سماء السينما المصرية من أول فيلم لها ، مثلها في ذلك مثل “ليلى مراد” ، قبل عشرة أعوام .

و هذا الفيلم ليس “ست البيت” حيث أقتصر ظهورها على نمرة راقصة ، و أنما فيلمها الأول مع المخرج “حسين فوزي” الذي كان له فضل أكتشافها ، بوصفها فنانة شاملة ، كما جرى نعتها ، فيما بعد ، عندما تعلقت بها الجماهير حبا ، و أصبحت من المشاهير .

و هذا الأكتشاف له قصة ، بدأت مشاهدة المخرج ” كامل” لها ، و هي ترقص في ملهى ليلي ، و أفتتانه بها على وجه أدى به الى الأسراع بأستصحاب شقيقه “حسين فوزي” الى حيث ترقص
 و ما أن شاهدها “حسين” حتى أحس أنه عثر على ضالته المنشودة ، فتاة تسع موهبتها الرقص و الغناء و الأكروبات و التمثيل ، كل ذلك مع وجه جميل و قوام كغصن البان .

و من هنا قيامه بأسناد البطولة النسائية لها في فيلمه “العيش و الملح” (1949) أمام المطرب “سعد عبدالوهاب” أبن شقيق “محمد عبدالوهاب” مطرب الملوك و الأمراء ، و لأن الفيلم حقق نجاحا كبيرا ، بفضل حضورها ، و مواهبها المتعددة و ذلك رغم ثقل ظل “سعد عبدالوهاب” ، فقد دفع ذلك “حسين فوزي” الى أحتكارها لحساب ما هو فعل على أخراجه من أفلام .

و ما لبثت العلاقة بينهما أن تطورت ، حتى وصلت بهما الى شاطئ الزواج ، و ذلك رغم أنه كان يكبرها سنا بحوالي أربعة و عشرين عاما ، و المدهش أن من الأحد عشر فيلما الأولى التي مثلت فيها “نعيمة” ، جميعها كانت من اخراج “حسين” ، و سيناريو معظمها كان من تأليفه ، و هذا أمر غير مسبوق ، و لا ملحوق في تاريخ السينما المصرية ، و ربما ليس له نظير في اية سينما آخرى .

و بعد أنقطاع بفيلم واحد “أربعة بنات و ظابط” اخرجه “أنور وجدي” (1954) ، عاد “حسين” فأسند لها الدور الرئيسي في “بحر الغرام” (1955) ، و لأول مرة أقتسم البطولة معها “رشدي أباظة” ، و قد تكرر الأنقطاع بفيلم آخر “مدرسة البنات” (1955) أخرجه “كامل التلمساني” بعده ، و قبل أن ينفصلا بالطلاق ، عاد “حسين” فأخرج لها فيلمين أولهما “تمر حنة” (1957) و ثانيهما “أحبك يا حسن” (1957) ، أسدل الستار نهائيا على ظاهرة فريدة ، هي أن يقوم مخرج مع نجمة ، هي زوجته ، بأبداع أربعة عشر فيلما ، أغلبها حقق نجاحا كبيرا ، و كلها من لون الملهاة الغنائية الأستعراضية ، التي قدارها بطلة ، بنت بلد ، خفيفة الظل، مشاكسة ، فهي فيها تارة فتاة أستعراض في فرقة شعبية ، يعشقها فتى أبن باشا “لهاليبو” (1949) ، أو فتاة من حارة شعبية يحاول أحد البشاوات أغراءها ، دون جدوى بماله “بلدي و خفة” (1950) ، أو فتاة من الحارة تسعى لأن يعمل أهلها في المسرح “فرجت” (1951) ، أو فتاة تعمل في سيرك وقع في غرامها فتى من أولاد الذوات “فتاة السيرك” (1951) ، أو راقصة في ملهى ليلي و تكتشف أن أباها عامل البار “النمر” (1952) ، و هكذا ،، و هكذا في جميع أفلام الثنائي “حسين” و “نعيمة” الآخرى .

و مع أنتهاء الثنائي بالطلاق ، بدأ نجم الأثنين في الأفول ، حتى وافى “حسين” الأجل في عام 1962 ، ووفاها هي الأجل ، بعده بأربعة أعوام .

مصطفى درويش 

عطيات الأبنودي وأيام الديمقراطية في كلمات

يتمحور فيلم أيام الديمقراطية حول نساء رشحن أنفسهن لعضوية مجلس الشعب في الأنتخابات الأخيرة التي جرت قبل عام  ، وبضع عام .

وصاحبته “عطيات الأبنودي” ولدت تحت سماء مصر ، حيث عاشت وسط المعذبين على أرضها و عانت .

ومن خلال أفلام تسجيلية ، بدءا من “حصان الطين” ، عبرت عن الآلام والأحلام الممكنة لهؤلاء المعذبين .

وأيام الديمقراطية لا هو بالفيلم الطويل ، ولا هو بالقصير ، أنه فيلم صغير، مدته لا تزيد علي سبعين دقيقة ، مثله في ذلك مثل “بروڨة أوركسترا”، فيلم “فيلليني” الذي أخرجه تعبيرا عن غضبه ومعاناته لمصرع „الدو مورو” رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي ، بأيدي أرهابيين منتمين الى الألوية الحمراء .

ففيلم “عطيات” هو الأخر تعبير عن غضبها ومعاناتها من وضع المرأة المصرية الآخذ في التردي على مر السنين .

والحق أنه فيلم مركز أشد تركيز ، لا يحيد قيد أنملة عن القضية التي يعرض لها بوضوح وجلاء ، قضية مشاركة المرأة في الحياة النيابية ، أي حكم البلاد .

وقصة دخول المرأة المجلس النيابي تبدأ ، حسب الفيلم ، مع معركة تأميم قناة السويس فوقتذاك صدر تشريع ، منحها حق الترشيح والأنتخاب .

ونتيجة لذلك التشريع دخلت نائبتان المجلس النيابي ، وكان أسمه حينذاك مجلس الأمة ، وعلى مر السنين ، أخذ عدد النائبات في الأزدياد ، حتى وصل الى خمس و ثلاثين في مجلس 1984  الا أن هذا العدد سرعان ما تقلص الى أربع عشرة نائبة في مجلس 1987 ، ثم الى عشر نائبات في مجلس 1990 ، فخمس نائبات فقط في مجلس 1995 .

وعلى كل ، فمذبحة النساء في معركة الانتخابات للمجلس الأخير ، مدار فيلم عطيات ، ففي تلك المعركة لم ترشح جميع الأحزاب سوى تسع عشرة امراة ، وذلك في مجتمع نصفه أو ربما أكثر من النساء ، والأكثر غرابة ، أن الفائزات ، وعددهن لا يزيد على أصابع اليد الواحدة جميعهن من حزب واحد ، الحزب الحاكم .

هذا ، ومفاجأة فيلم “عطيات” الكبرى كانت في أقاصي الصعيد المجيد ، فتحت عنوان “البحث عن نفيسة” ، و يبدأ آخر و أجمل مشهد في الفيلم ، جليا في قسمات وجهها التي تتسم بالحزم والعزم ، ووعيها باحتياجات أهل دائرتها ، وحبهم الكبير لها ، كل ذلك أنما يؤهلها لأن تكون ، لا زعيمة محلية فحسب ، وأنما زعيمة بطول وعرض البلاد ، أنها والحق يقال ، أهم رمز في أيام الديمقراطية .

وبذلك الرمز ، أستطاعت “عطيات” أن تكشف عن القبر الضائع في التراب .

نقلا عن مجلة الهلال عدد فبراير 1997                                        مصطفى درويش

يــوســف شــاهــيــن 1926-2008

يوسف شاهين أو “چو” مختصر اسمه عند أقرب الأقربين ، وحيد نوعه بين المخرجين المصريين.

ذلك أنه اكثرهم شهرة ، وطلبا للعالمية عن طريق المشاركة بلأفلامه في مهرجانات السينما في مشارق الأرض و مغاربها ، لا سيما مهرجان “كان” .

هذا الى أن ، على عكسهم جميعا ، لا يحسن الكلام بالعربية ، و ذلك لأن الفرنسية هي لغته الأم بحكم إنحداره من أسرة لبنانية مارونية ، أستقرت في الأسكندرية ، وقت أن كان للمتمصرين و الجاليات الأجنبية نفوذ كبير ، أتاح لهم الأستمتاع بتلك الحياة اللذيذة ، التي تغنى بها “لورنس داربل” في رباعيته الشهيرة و أغنته في نفس الوقت عن الكلام بلغة الضاد .

فچو في صباه التحق بمدارس تلك الجاليات و ما أن تخرج في كلية فيكتوريا ، حتى سافر الي الولايات المتحدة ، حيث درس الدراما عامين في معهد باسادنيا ، بولاية كاليفورنيا .

فلما عاد الى مصر (1948) إبتسم له الحظ سريعا ، سرعان ما أتيحت له فرصة إخراج أولى أفلامه “بابا أمين” (1950) و الذهاب بثاني أفلامه “فتى النيل” (1951) الى مهرجان “كان” و لما يكن له من العمر سوى خمسة و عشرين عاما .

و ينحصر حصاد الخمسة عشر عاما الأولى من مشواره السينمائي في ستة عشر فيلما روائيا طويلا ، أي بواقع فيلم كل عام .

و أغلب تلك الأفلام من نوع الملهاة أو الميلودراما ذات الطابع التجاري العادي ، فلم يتميز من بينها سوى “باب الحديد” (1958) و “الناصر صلاح الدين” (1963) .

والفيلم الأول تدور أحداثه في محطة السكة الحديدية الرئيسية بالقاهرة ، حيث لعب “شاهين” دور بائع جرائد معقد جنسيا ، بسبب عاهه أعجزته عن تحقيق حلم الزواج من بائعة مياه غازية تتفجر أنوثة ، لعبت دورها “هند رستم” نجمة الإغراء قبال خمسين عاما إلا قليلا .

أما “صلاح الدين” ففيلم تاريخي ، و هو من نوع الإنتاج الضخم ، و فيه عرض “شاهين” ملحمة الصراع بين العرب و الصليبيين على أرض فلسطين ، و من الأفلام المصرية الأولى التي صورت بالألوان .

و يحسب لشاهين خلال تلك السنوات ، قيامه بإكتشاف “عمر الشريف” ، و إسناد الدور الرئيسي له في فيلمه السادس “صراع في الوادي” (1954) ، و يعرف عن “عمر الشريف” أنه الوحيد من بين جميع الممثلين الذين إكتشفهم “شاهين” و هم كثير ، الذي إستطاع أن يشق طريقه بنجاح و صنع الأفلام في هوليوود ، حيث جعلوا منه نجما عالميا .

هذا و بعد إنتهائه من إخراج “فجر يوم جديد” (1964) لحساب القطاع العام ، هاجر “شاهين” الى لبنان حيث أخرج فيلما تسجيليا ، و فيلمين روائيين ، أحدهما “بائع الخواتم” بطولة المطربة “فيروز” .

و مع فشل محاولة نقل مركز الإنتاج السينمائي من القاهرة الى بيروت فشلا ذريعا ، عاد “شاهين” الى ديار مصر ، حيث أخرج لحساب القطاع العام فيلمين أحدهما “الناس و النيل” (1968) في تمجيد بناء السد العالي و “الأرض” (1969) في تمجيد كفاح الفلاحين ضد الأقطاعيين ، و الذي اشترك به في المسابقة الرسمية لمهرجان “كان” (1969) .

و بدءا من “العصفور” (1973) اتخذت أفلام “شاهين”طابعا سياسيا ، أخذ في الإزدياد على مر الأعوام و لأن معظمها وليد إنتاج مشترك مع شركات فرنسية بالذات ، فقد جنح شاهين في بعضها الى الإشادة ، فبعضها ذو نزعة فرانكوفونية ، و احيانا يشيد بدور فرنسا الحضاري  كما هو الحال في “وداعا بونابارت” (1984) الذي اشترك به “شاهين” في المسابقة الرسمية لمهرجان “كان” (1985) .

و هنا و أنا أقدم هذا العرض السريع قدرت عليه من مسيرة “شاهين” السينمائية و لسبب أطمع أن يبلغ القارئ المهتم مكان الرضا و إنما أرجو أن يقع من توقع النفع في غير مشقة ولا إحلال و من دون ، لا يفوتني أن أذكر أنه من بين جميع المخرجين في ديار مصر قد إنفرد بتناول سيرته الذاتية سينمائيا في رباعية أستهلها “اسكندريه ليه” (1978) الفائز بجائزة التحكيم الخاصة لأحسن فيلم في مهرجان برلين (1979) ، “حدوته مصرية” (1982) ، “فاسكندرية كمان و كمان” (1989) و أختتمها “باسكندرية – نيويورك” (2003) .

و الوحيد الذي ابتكرت له لجنة تحكيم مهرجان “كان” في عيده الخمسيني (1997) جائزة خاصة لمجموع أعماله ، تعويضا عن عدم فوزه بالسعفة الذهبية عن فيلمه الأخير “المصير” الذي كان ضمن الأفلام المتسابقة على جوائز ذلك المهرجان .