مــحـمــد كـــريــــم 1896-1972

كان كريم الأول أكثر من مرة ، كان أول مصري يمثل في فيلم ، وكان أول صانع أطياف يخرج فيلما ماخوذ عن قصة لأديب مصري ، و القصة “زينب” ، أما الأديب فالدكتور “محمد حسين هيكل” (باشا) ، وكان أول واحد من أبناء مصر يخرج فيلما متكلما “أولاد الذوات” (1932) ، وكان الوحيد من بين المخرجين جميعا الذي أنفرد بإخراج جميع أفلام مطرب الملوك والأمراء “محمد عبد الوهاب” بدءا من فيلمه الأول “الوردة البيضاء” (1933) واخيرا ، وهو يقترب من نهاية المشوار، كان أول عميد لمعهد السينما.

وكل هذا ، كان لابد وأن يؤهله للقب “شيخ المخرجين” ، ويعرف عنه ولعه بالسينما منذ أن كان صغيرا يشع نفدة الصبا وزهو الشباب.

ومع بداية العقد الثاني من القرن العشرين سافر الى روما ، ومنها الى برلين ، حيث حاول أقتحام عالم التمثيل ، وفي أثناء أقامته في العاصمة الالمانية ، أتاحت له الأقدار فرصة ذهبية الا وهي مراقبة المخرج الالماني الشهير “فريتز لانج”، و هو يبدع فيلمه الشهير “متروبوليس”  داخل استديوهات “أوفا”.

وعن تلك التجربة الفريدة كتب في مذكراته ما يلي “ذهبت مرة اخرى الى المخرج  “فريتز لانج” وطلبت منه تصريحا بحضور عملية الاخراج كلها ، ودخول الاستديو في أي وقت ، وكان الرجل سمح النفس ، فأعطاني التصريح وفي ستوديوهات “أوفا” عرفوا أني أدرس الاخراج فقدموا لي كل المساعدات المتاحة لأتعلم على الطبيعة ” ، وكان تصوير “متروبوليس” يحتاج الى ادارة خمس عشرة كاميرا في وقت واحد ، كلها تدار باليد ، وكانت صداقتي تسمح لي بالنظر في الكاميرا الي زوايا التصوير ، وأدهش من الدقة والاحكام اللذين كان يتم بهما هذا العمل ، وكنت أسجل كل الدروس التي أراها ، وكأني في أكبر الكليات الجامعية ، وهل تتاح في الدراسات الجامعية مثل هذه التجربة التي لا تتكرر؟.

فإذا قلت أني خريج “متروبوليس” ، فانما أعني السنة التي قضيتها بين عمالقة فن الاخراج وصناعاته في ستديوهات “أوفا”.

وخلال عام 1926 عاد “كريم” الى مصر ، حيث اخرج فيلما تسجيليا قصيرا “حدائق الحيوان” (1927) لحساب شركة مصر للتمثيل و السينما.

وبفضل “يوسف وهبى” صديقه الحميم ، اخرج فيلمه الروائي الأول “زينب” ، وكان صامتا ، ثم فيلمه الروائي الثاني “أولاد الذوات”، و كان متكلما ، وكلاهما من انتاج ذلك الصديق.

واذ جاءته الشهرة نتيجة هذين الفيلمين، وكان مطرب الملوك والأمراء تواقا لطرق باب السينما ، فقد رتبت الأمور بحيث يلتقي الاثنان في حفل أقامه الصحفي الشهير “فكري أباظة” في مدينة الزقازيق ، شرقي الدلتا، وفي لقائهما الأول هذا عرف “كريم” أن “عبد الوهاب” يرغب في أن يظهر على الشاشة، ويريد أن يخرج له فيلما.

وبطبيعة الحال وافق “كريم”، واتفق الاثنان على أن يستعينا في انتاج الفيلم بالكتمان وفي سرية وتكتم شديدين، بدأت جلسات البحث عن رواية تصلح لأن يكون بطلها مطرب الملوك والأمراء وعلى عكس كل ما هو متعارف عليه في صناعة الأفلام ، بدأ العمل في الفيلم بأختيار الاسم، وكان ثمة اسمان مطروحان، “الوردة الحمراء” أم “الوردة البيضاء”، ووقع الأختيار على الاسم الاخير، وبطبيعة الحال نجح الفيلم، وكان استقبال الجمهور له حافلا. 

ولقد كان من آثار هذا النجاح أن أحتكر “عبد الوهاب” شيخ المخرجين، صار مخرجه الملاكي، كما كانوا يصفونه، وآية ذلك أنه لم يخرج طوال الفترة من 1933 وحتى 1944 الا أفلاما بطلها “عبد الوهاب”، وعندما حاول “كريم” أن يتحرر من أغلال هذا الأحتكار، باخراج أفلام أبطالها غير مطرب الملوك والأمراء، لم يصادفه التوفيق.

أم كــلثـــوم 1904 – 1975 + مـحـمـد عبـد الــوهـاب 1897 – 1990

كان محمد عبد الوهاب و أم كلثوم فرسا رهان ، متنافسان متخاصمان في كل شئ متصل بفن الغناء ، في الموسيقى الشرقية ، و كيف يكون التطور بها نحو الصعود و الأرتقاء ، في الشهرة و المجد ، بأن أتخذ هو لنفسه لقب مطرب الملوك و الأمراء ، و أتخذت هي لنفسها لقب كوكب الشرق ساطعه وحدها به في السماء .

في الوقت الذي أصبح فيه صوت كليهما ناضجا ، مكتمل النبرات مصقول المساحة ، بحيث أهلهما أن يقدما نفسيهما به الى المستمعين بوصفهما مطربين جديدين ، غير متفيئين بظلال المطربين القدماء ، فذلك الوقت كان منتصف العشرينات في إجتذاب السينما لهما ، فقد جاء هو الآخر في وقت يكاد يكون واحدا .

ففي النصف الأول من عقد الثلاثينات ، كان أمرا طبيعيا أن تتنافس الأفلام الغنائية حول “عبدالوهاب” و “أم كلثوم” كما كانت تتنافس حولهما شركات الأسطوانات في ذلك الحين .

فكلاهما كان في بداية ذلك العقد أشهر المطربين و المطربات ، و هكذا ظهر فيلم “الوردة البيضاء” (1933) الذي كان بداية مجد “عبدالوهاب” الفني و ثرائه ، و فيلم “وداد” (1936) أول إنتاج لشركة مصر للتمثيل و السينما و أول عمل سينمائي لأم كلثوم ، غردت فيه مجموعة من أغانيها المتطورة البديعة ، و تقاضت عنه خمسة الاف جنيه ، و كان أجرا خياليا ، في تلك الأيام ، و كانت الأرباح الوفيره التي تدفقت من عرض هذين الفيلمين حافزا للأستمرار في أستغلال صوت الاثنين في الأفلام الغنائية أما “عبد الوهاب” فقد آثر أن يستغل نفسه بنفسه ، و أنتج لحسابه الخاص جميع أفلامه .

و أما أم كلثوم ، فأستمرت تعمل لحساب شركات السينما نظير أجر كبير ، و الغريب أن عدد الأفلام التي لعب فيها كل واحد منهما دورا بالتمثيل و الغناء ، يكاد يكون متماثلا ، لم يزد بالنسبة لعبد الوهاب عن سبعة آخرها “لست ملاكا” (1946) ، و النسبة لأم كلثوم عن سنة آخرها “فاطمة” (1947) ، و ثمة أختلاف بين أفلام الاثنين ، “فعبد الوهاب” جميع أفلامه ، أحداثها لا تجري في الماضي ، و أنما في الحاضر ، في حين أن “أم كلثوم” أفلامها ، ازاء الماضي و الحاضر تنقسم نصفين بالتمام “فوداد” و “دنانير” (1940) و “سلامه” (1945) ، ترتد أحداثها الى الماضي البعيد ، أيام الأسلام الأولى ، و خاصة عصر العباسيين .

و باقي أفلامها “نشيد الأمل” (1937) و “عايدة” (1942) و “فاطمة” أحداثها تدور في العصر الحديث .

و يعرف عن أغاني أفلام “عبد الوهاب” سواء أكان هو مؤديها أم الممثلة التي تشاركه البطولة و هي “نجاة” في “دموع الحب” (1935) ، و “ليلى مراد” في “يحيا الحب” (1938) و “رجاء عبده” في “ممنوع الحب” (1942) ، يعرف عنها أنها جميعا من تلحينه ، دون شريك .

أما أغاني أفلام أم كلثوم ، فلم ينفرد بها ملحن ، و أنما تقاسم إبداع ألحانها ثلاثة كبار “محمد القصبجي” ، “زكريا أحمد” و “رياض السنباطي” .

و لأن صوت “عبد الوهاب” الذهي ، بجمال و كمال أوتاره ، كان اخذا في الضعف ، منذ “الوردة البيضاء” ، فقد عمل على اجتذاب أصوات نسائية واعدة ، تشاركه في أفلامه الغناء ، بدءا من “نجاة” ، و حتى “أسمهان” .

و كان صوت “أم كلثوم” على العكس من ذلك تماما فقد ظل قويا ، عفيا ، و من هنا أنفرادها بالغناء في جميع أفلامها ، و ذلك بأستثناء أغنية يتيمة في “وداد” لم يغرد صوتها بها و هي “على بلد المحبوب” و لكنها سرعان ما غنتها بنجاح على اسطوانة خارج الفيلم و بأستثناء “عايدة” ، حيث شاركها بطل الفيلم “إبراهيم حمودة” الغناء .

و ختاما ، فالأمر الأكيد أن “عبد الوهاب” و “أم كلثوم” كانا رائدين فتحا بأفلامهما الطريق لأزدهار السينما ، و ظهور مطربين و مطربات من جميع الأنواع أثروا بغنائهم الأفلام .

 

كــمـــال ســلـــيــــم 1913-1945

ولد مخرج “العزيمة” في أسرة متوسطة الحال و ما لبث ، و لما يزال تلميذا في الثانوية ، أن فقد أباه ، الذي مات مخلفا متجرا للحرير و لأنه كان أكبر إخوته ، فقد حددت الأسرة لحياته مسارا ، لا يحيد عنه ، و هو أن يخلف أباه في الأشراف على متجر الحرير .

و لكن عشق السينما منذ الصغر ، و إفتتانه بالنجم العالمي “رودلف فالنتينو” ، رسما له مسارا آخرا ، بدأ بهروبه من أسرته ، و سفره الى الخارج ، بأمل دراسة السينما في فرنسا ، حيث شاء له عبث الأقدار أن ترتكب جريمة إغتيال رئيس جمهورية فرنسا ، بعد وصوله الى ميناء مارسيليا بأيام ، و هو ما كان سببا في ترحيله الى مصر ، حيث أخذ يدرس السينما ، من خلال قراءة الصحف و المجلات السينمائية العالمية ، و مشاهدة الأفلام ، و في هذه الأثناء سعى جاهدا للحصول على بعثة دراسية ، عن طريق بنك مصر ، غير أن سعيه لم يصادفه التوفيق .

و من هنا إنصراف نيته الي ممارسة هوايته علميا ، و فعلا ، قام بتقمص شرفية رجل بائس في فيلم اسمه “إبتسامة الشيطان”.

و خلال عام 1937 كلفه صاحب شركة “أوديون للإسطوانات” ، بناءا على إلحاحه ، بإخراج فيلم “وراء الستار” ، الذي إقتسم بطولته المطربان “عبدالغني السيد و رجاء عبده” ، هذا و لم يصادف فيلمه الأول الذي كان ضعيفا فنيا ، نجاحا تجاريا ، في حين أن أغانيه ، على العكس من ذلك، لاقت نجاحا كبيرا .

و على كل ، فبفضله ، أتيحت له فرصة الالتحاق باستديو مصر ، في وظيفة كاتب سيناريو .

و بعد السيناريو الأول الذي كتبه لفيلم “الدكتور” (1939)، و نجح في إقناع مسئولي الاستديو بأمرين أنتاج فيلم عن سيناريو من تأليفه ، و تكليفه بترجمته الي لغة السينما ، بمعنى إخراجه .

و بداية كان الأسم المختار للفيلم “في الحارة” ، إلا أنه سرعان ما إستغنى عنه ، ليستبدل به اسم “العزيمة” (1939) ، الذي أصبح بعد نجاح الفيلم جماهيريا ، اسما يجري على كل لسان .

و شهرة “العزيمة” ، و صيرورته علامة بارزة في تاريخ السينما المصرية ، أنما ترجع الى أنه أول فيلم مصري ، يعرض لقضية ، قد تكون بسيطة ، و ربما ساذجة ، إلا أنه جرى تقديمها داخل إطار واقعي ، بالتحديد حارة ، تسكنها نماذج من الناس العاديين .

و كان المتوقع لأول فيلم يخرجه بعد ذلك ، و هو “الى الأبد” (1941) أن يكون على نفس مستوى “العزيمة” و لكن على عكس كل التوقعات ، جاء ضعيفا فنيا ، فاشلا تجاريا .

و بدءا من هذه النكسة ، أخذت أفلامه في الإنحدار ، بحيث أصبحت لا تمت بصلة الى “العزيمة” لا من قريب أو بعيد .

و بينما كان منهمكا في الإعداد لفيلم “ليلى بنت الفقراء” جاءه الموت ، و هو في الثانية و الثلاثين مخلفا تركه من عشرة أفلام ، لم يبرز من بينها سوى “العزيمة” ، أشهر فيلم مصري بلا جدال.