هــنــري بـــركــــات 1914-1997

الأكيد أن قصة “هنري بركات” مع أطياف السينما ، قصة حب كبير ، بدأت و هو غلام ليس له من العمر سوى عشرة أعوام ، هوايته المثلى أن يرى كل يوم أحد أطياف “ويليم هارت” ، “توم ميكس” و “جلاس فبربانكس” و “رودلف ڨالنتينو” تتحرك على شاشه بيضاء في سينما صيفي تحت كوبري في أول شارع جزيرة بدران .

و تمر الأيام أعواما بعد أعوام، و لا يتغير ولع “بركات” بالسينما ، و أنما الذي تغير مكان مشاهدته للأفلام ، اذ انتقل مشاهدته لها من حي شبرا الى ميدان العتبة ، حيث سينما أوليمبيا ، و الى حي عابدين حيث سينما إيديال .

و مع انتشار دور السينما ، و ارتقاء مستوى الأفلام ، أزداد هيام الفتى “بركات” بالأطياف و هنا شاءت له المقادير ، بعد تخرجه في كلية الحقوق ، الا يكون محاميا ، و انما صانع أطياف ، عندما قرر أخوه أنتاج فيلم “عنتر أفندي” ، و كلفه بمتابعة سير العمل أثناء التصوير .

فما أن دخل الاستوديو ، حتى مسه سحر ما يدور فيه من أحداث ، قوامها أمتزاج الواقع بالخيال و حتى أكتشف تحت تأثير هذا السحر أن مستقبله ليس في الترافع أمام القضاة ، و أنما في صناعة الأفلام .

و كما حدث مع “صلاح أبو سيف” و “كمال الشيخ” بدأ “بركات” مشوار الأبداع بالتوليف ، و بالذات توليف فيلم “أنتصار الشباب” للمخرج “أحمد بدر خان” (1940) .

و لم تمضي سوى شهور على ذلك ، حتى صعد الى مستوى الأخراج بأن عمل مخرجا مساعدا “لأحمد جلال” في فيلم “الزوج الخامس” (1941) ، ثم مخرجا لفيلمه الأول “الشرير” (1941) عن قصة للأديب الروسي “أنطون شيخوف” .

و بدءا من تاريخ الأخير لم ينقطع “بركات” عن الأخراج سواء على أرض مصر أو خارجها على أرض لبنان .

و لو القينا نظرة طائرة على أفلامه ، لتيبين لنا على وجه اليقين ، أنه واحد من أفضل المخرجين المصريين في تحريك الممثلات ، شأنه في ذلك شأن المخرج الأمريكي “جورج كوكور” .

و لعل خير مثل على مهارته في هذا المجال اداء “فاتن حمامة” نجمته المفضلة في أفلام كثيرة من ابداعه ، أذكر من بينها “دعاء الكروان” عن قصه “لطه حسين” (1959) ، “الباب المفتوح” عن قصة “للطيفة الزيات” (1963) و “الحرام” عن قصة “ليوسف إدريس” (1964) .

و إذا كانت أحداث “الباب المفتوح” تدور في المدينة حيث تشترك بطلة الفيلم في مظاهرات الجامعة ضد السلطة و ضد قوات الاحتلال ، و من خلال تلك المشاركة ، و بفضلها ، تتحرر متمردة على التقاليد .

فأن أحداث “دعاء الكروان” و “الحرام” ، تدور على العكس من ذلك ، في الريف ، و حول بسطائه و فلاحيه المعذبين في الأرض ، و هو أمر نادر الحدوث في السينما المصرية ، لعله غير مسبوق الا بفيلم “زينب” عن قصة “لمحمد حسين هيكل” (1930) و الذي أخرجه “محمد كريم” قبل أن تتكلم السينما المصرية ، ثم عاد فأخرجه بعد أن تكلمت بعشرين عاما (1952) .

و “بركات” في “الحرام” ، يعرض لمأساة عمال التراحيل في الريف ، انطلاقا من معاناة عاملة حملت في الحرام ، فأجهضت نفسها ، مخافة العار، و لكن الموت يجيئها في نهاية فاجعة و أهل القرية الظالمة ، يطاردونها ، بقسوة منقطعة النظير .

و قد عرض في مهرجان “كان” ، حيث لقى من أستحسان الجمهور و النقاد الشئ الكثير ، و لا غرابة في هذا ، “فالحرام” يقطر صدقا ، يضم بلا هوادة تقاليد عفى عليها الزمان .

و لو أن بركات لم يخرج سواه ، فكان ذلك كافيا للصعود به الى منزلة القلة القليلة من صانعي الأفلام المصريين الذين لعبوا دورا رائدا . 

آســـيـــا 1912-1986 – أحــمــد جــلال 1897-1947 – مــاري كــويـنـي 1916-2003

آسيا ، ماري كويني ، أحمد جلال ، حسين فوزي و عباس كامل ، هذا الخماسي كون بحكم القرابة و المصاهرة نواة سينمائية ، لعبت دورا رائدا في صناعة السينما المصرية ، من بدايتها  أيام أن كانت الأفلام صامتة ، و حتى يومنا هذا .

         

و بادئ ذي بدء ، فالفضل في نشأة هذه النواة أنما يرجع الى “آسيا” و “أحمد جلال” ، فهما و الحق يقال كانا فرسا الرهان في هذا المجال ، “فآسيا داغر” التي جاءت الى القاهرة مهاجرة من جبل لبنان (1922) كانت مولعة بقراءة الأدب و مشاهدة الأفلام ، أمل حياتها أن تصبح ممثلة ، يتحرك طيفها على الشاشة الفضية تنبهر به الأبصار .

و في بداية المشوار شاءت لها الأقدار أن تعمل كومبارس في فيلم “ليلى” (1927) ، و ذلك بعد موافقة ، أو بمعنى أصح عدم ممناعة عمها “أسعد داغر” الصفحي اللامع في جريدة الأهرام ، و رئيس تحرير مجلة “مصر الحديثة” المصورة ذات الميول و الأتجاهات الفنية .

و بعد نجاح هذا الفيلم ماديا و أدبيا ، أستطاع “وداد عرفي” الذي كانت قد تعرفت عليه في أثناء التصوير ، أن يقنعها بانتاج فيلم ، تنفرد فيه بالبطولة ، و لم لا ؟ و هي في ريعان الشباب ، شقراء تمتلك عينين ساحرتين ، و أبتسامة على شفاه تقطر رقة و عذوبة ، فتنة للناظرين .

و هكذا خرجت من الغيب فكرة عمل فيلم “غادة الصحراء” (1929) الذي يعد بحق ، باكورة انتاج “آسيا” ، و بفضله أصبحت نجمة لمدة سبعة عشر عاما ، أنتهت بفيلم “الهانم” (1946) و الغريب في أمر هذا الفيلم ، أنه و كما حدث مع “عزيزة أمير” منتجة و بطلة “ليلى” ، سرعان ما أكتشفت آسيا أن “وداد” محتال ، فكان أن أستبدلت به “أحمد جلال” ، و ذلك لأستكمال اخراج الفيلم ، و هو نفس ما سبق “لعزيزة أمير” أن فعلته ، عندما أستعانت به لأنقاذه من جهل و أحتيال “وداد” .

و على كل ، ففي الأول من مايو 1929 ، جرى عرض “غادة الصحراء” ، و هو يحمل الى جوار اسمي “آسيا” و “أحمد جلال” اسما ثالثا “ماري كويني” أبنة “مريم” شقيقة “آسيا” القادمة من جبل لبنان (1923) ، و كان دور “كويني” في الفيلم صغيرا ، و مع ذلك ، فمن رحمه ولد الثالوث السينمائي “آسيا ، أحمد جلال ، كويني” ، ذلك الثالوث الذي كان مقدرا له
أن يلعب دورا محوريا في اثراء السينما انتاجا و تأليفا و اخراجا و تمثيلا .

و حتى عام 1940 ، ظل هذا الثالوث قائما ، منافسا قويا لثالوث “إبراهيم و بدر لاما و بدرية رأفت”  حتى أنهياره بنهاية فاجعة ، موت الأخوين “لاما” و “بدر” و ليس له من العمر سوى 39 عاما ، و بعده إبراهيم بقتل زوجته ، ثم الأنتحار .

فبدءا من “غادة الصحراء” ، و حتى “فتاة متمردة” (1940) شارك الثلاثة في جميع أفلام شركة “آسيا” المسماه “لوتس” ، فيما عدا “وخز الضمير” (1931) الذي اخرجه”إبراهيم لاما” ، و ساعده “جلال” في كتابة السيناريو و الحوار و الاخراج .

فباستثنائه ، كان الثلاثة يشاركون بالتمثيل في أغلب الأحيان ، و “جلال” بالاخراج بطبيعة الحال و “كويني” بالتوليف “المونتاج” ، و كانت البطولة النسائية تتقاسمها “آسيا و كويني” ، مع مراعاة الأحتفاظ بالدور الأول للمنتجة و الخالة ، و أن ترسم الأدوار الرئيسية ، بحيث تكون نسائية قدر الإمكان ، و يكفي لتأكيد ذلك ذكر عناوين بعض أفلام شركة “لوتس” ” عندما تحب المرأة” (1933) ، “عيون ساحرة” (1934) ، “شجرة الدر” (1935) ، “زوجة بالنيابة” (1936) و “فتش عن المرأة” (1939) .

و يستمر الحال على هذا المنوال رتيبا الى أن يحدث أمران :

الأول : أن يكتب “جلال” سيناريو “فتاة متمردة” و هو أول فيلم من انتاج “آسيا” لم تشارك فيه بالتمثيل ، ربما لأن الدور الأول مرسوم لفتاة في عمر الزهور ، أي “كويني” ، و ربما لأن الدور الثاني يقتضي منها أن تلعب دور أم ، و ذلك كان يعني وقتذاك الأقتراب من نهاية المشوار. أما الأمر الثاني : فهو نجاح “فتاة متمردة” نجاحا مدويا صاحبه أعلان “كويني” موافقتها على  الزواج من “جلال” ، رغم فارق السن .

و يستمر التعاون بين “آسيا و جلال” بتقديم فيلمين ، دون مشاركة من “كويني” في التمثيل ، لأنشغالها في حمل وولادة “نادر جلال” الذي سيصبح هو الآخر مخرجا ، مثل والده و أعمامه “حسين فوزي” (1904-1962) و “عباس كمال” (1911-1985) ، و للأول فضل أكتشاف “نعيمة عاكف” ، فتاة السيرك ، المتعددة المواهب .

و كما يحدث غالبا بين الشركاء ، دب خلاف بين “آسيا” من ناحية ، و “جلال و كويني” من ناحية اخرى ، كان من نتيجته فض الشركة و ميلاد شركة “أفلام جلال” (1942) ، ثم “استديوهات جلال” (1944) .

و في صيف 1947 ، بينما كان “جلال” مع أسرته الصغيرة ، يصطاف في جبل لبنان ، جاءه الموت فجأة بالسكتة القلبية .

و مع أن “كويني” قد ترملت بموته ، و هي لا تزال في عز الشباب ، الا أنها كرست حياتها للسينما بالانتاج ، و التمثيل ، و تربية صغيرها ، بحيث يصبح مخرجا يكمل مشوار الأب و الأعمام و هو الآن ، واحد من أهم مخرجي أفلام الحركة في السينما المصرية ، و أكثرها معرفة بلغة الأطياف .

مــحـمــد كـــريــــم 1896-1972

كان كريم الأول أكثر من مرة ، كان أول مصري يمثل في فيلم ، وكان أول صانع أطياف يخرج فيلما ماخوذ عن قصة لأديب مصري ، و القصة “زينب” ، أما الأديب فالدكتور “محمد حسين هيكل” (باشا) ، وكان أول واحد من أبناء مصر يخرج فيلما متكلما “أولاد الذوات” (1932) ، وكان الوحيد من بين المخرجين جميعا الذي أنفرد بإخراج جميع أفلام مطرب الملوك والأمراء “محمد عبد الوهاب” بدءا من فيلمه الأول “الوردة البيضاء” (1933) واخيرا ، وهو يقترب من نهاية المشوار، كان أول عميد لمعهد السينما.

وكل هذا ، كان لابد وأن يؤهله للقب “شيخ المخرجين” ، ويعرف عنه ولعه بالسينما منذ أن كان صغيرا يشع نفدة الصبا وزهو الشباب.

ومع بداية العقد الثاني من القرن العشرين سافر الى روما ، ومنها الى برلين ، حيث حاول أقتحام عالم التمثيل ، وفي أثناء أقامته في العاصمة الالمانية ، أتاحت له الأقدار فرصة ذهبية الا وهي مراقبة المخرج الالماني الشهير “فريتز لانج”، و هو يبدع فيلمه الشهير “متروبوليس”  داخل استديوهات “أوفا”.

وعن تلك التجربة الفريدة كتب في مذكراته ما يلي “ذهبت مرة اخرى الى المخرج  “فريتز لانج” وطلبت منه تصريحا بحضور عملية الاخراج كلها ، ودخول الاستديو في أي وقت ، وكان الرجل سمح النفس ، فأعطاني التصريح وفي ستوديوهات “أوفا” عرفوا أني أدرس الاخراج فقدموا لي كل المساعدات المتاحة لأتعلم على الطبيعة ” ، وكان تصوير “متروبوليس” يحتاج الى ادارة خمس عشرة كاميرا في وقت واحد ، كلها تدار باليد ، وكانت صداقتي تسمح لي بالنظر في الكاميرا الي زوايا التصوير ، وأدهش من الدقة والاحكام اللذين كان يتم بهما هذا العمل ، وكنت أسجل كل الدروس التي أراها ، وكأني في أكبر الكليات الجامعية ، وهل تتاح في الدراسات الجامعية مثل هذه التجربة التي لا تتكرر؟.

فإذا قلت أني خريج “متروبوليس” ، فانما أعني السنة التي قضيتها بين عمالقة فن الاخراج وصناعاته في ستديوهات “أوفا”.

وخلال عام 1926 عاد “كريم” الى مصر ، حيث اخرج فيلما تسجيليا قصيرا “حدائق الحيوان” (1927) لحساب شركة مصر للتمثيل و السينما.

وبفضل “يوسف وهبى” صديقه الحميم ، اخرج فيلمه الروائي الأول “زينب” ، وكان صامتا ، ثم فيلمه الروائي الثاني “أولاد الذوات”، و كان متكلما ، وكلاهما من انتاج ذلك الصديق.

واذ جاءته الشهرة نتيجة هذين الفيلمين، وكان مطرب الملوك والأمراء تواقا لطرق باب السينما ، فقد رتبت الأمور بحيث يلتقي الاثنان في حفل أقامه الصحفي الشهير “فكري أباظة” في مدينة الزقازيق ، شرقي الدلتا، وفي لقائهما الأول هذا عرف “كريم” أن “عبد الوهاب” يرغب في أن يظهر على الشاشة، ويريد أن يخرج له فيلما.

وبطبيعة الحال وافق “كريم”، واتفق الاثنان على أن يستعينا في انتاج الفيلم بالكتمان وفي سرية وتكتم شديدين، بدأت جلسات البحث عن رواية تصلح لأن يكون بطلها مطرب الملوك والأمراء وعلى عكس كل ما هو متعارف عليه في صناعة الأفلام ، بدأ العمل في الفيلم بأختيار الاسم، وكان ثمة اسمان مطروحان، “الوردة الحمراء” أم “الوردة البيضاء”، ووقع الأختيار على الاسم الاخير، وبطبيعة الحال نجح الفيلم، وكان استقبال الجمهور له حافلا. 

ولقد كان من آثار هذا النجاح أن أحتكر “عبد الوهاب” شيخ المخرجين، صار مخرجه الملاكي، كما كانوا يصفونه، وآية ذلك أنه لم يخرج طوال الفترة من 1933 وحتى 1944 الا أفلاما بطلها “عبد الوهاب”، وعندما حاول “كريم” أن يتحرر من أغلال هذا الأحتكار، باخراج أفلام أبطالها غير مطرب الملوك والأمراء، لم يصادفه التوفيق.