صعدت نعيمة في دنيا الأطياف كالشهاب ، و لما لم يكن لها من العمر سوى عشرين عاما ، ثم سرعان ما انطفأ ضوؤها بالموت بالسرطان و ليس لها من العمر سوى سبعة و ثلاثون عاما .

و في أثناء هذه الأعوام القليلة ، تحقق لها من النجاح و الشهرة ما فاق كل التوقعات ، و مما ساعدها على الصعود المفاجئ ، أنها و هي التي ولدت في وسط الدلتا ، و بالذات في مدينة طنطا قد بدأت حياتها الفنية مبكرة ، عندما كانت طفلة ، في الرابعة من عمرها ، في سيرك أبيها “عاكف” حيث جرى تدريبها على فن القفز على الحبال .
و ما أن أصبحت شابة ممشوقة القوام ، حتى أمتهنت الرقص في كازينو “بديعة مصابني” ، كما أتيحت لها فرصة الظهور على الشاشة لدقائق معدودات في فيلم “ست البيت” (1949) للمخرج “أحمد كامل مرسي” ، و ذلك بفضل رقصة أدتها من نوع تلك الرقصات التي يجري حشرها في الأفلام الجادة ، من باب الترفيه ، بشئ مثير يخفف من وقع الأحداث الجسام .
كل ذلك أهلها لأن تكون نجمة ساطعة في سماء السينما المصرية من أول فيلم لها ، مثلها في ذلك مثل “ليلى مراد” ، قبل عشرة أعوام .
و هذا الفيلم ليس “ست البيت” حيث أقتصر ظهورها على نمرة راقصة ، و أنما فيلمها الأول مع المخرج “حسين فوزي” الذي كان له فضل أكتشافها ، بوصفها فنانة شاملة ، كما جرى نعتها ، فيما بعد ، عندما تعلقت بها الجماهير حبا ، و أصبحت من المشاهير .
و هذا الأكتشاف له قصة ، بدأت مشاهدة المخرج ” كامل” لها ، و هي ترقص في ملهى ليلي ، و أفتتانه بها على وجه أدى به الى الأسراع بأستصحاب شقيقه “حسين فوزي” الى حيث ترقص
و ما أن شاهدها “حسين” حتى أحس أنه عثر على ضالته المنشودة ، فتاة تسع موهبتها الرقص و الغناء و الأكروبات و التمثيل ، كل ذلك مع وجه جميل و قوام كغصن البان .
و من هنا قيامه بأسناد البطولة النسائية لها في فيلمه “العيش و الملح” (1949) أمام المطرب “سعد عبدالوهاب” أبن شقيق “محمد عبدالوهاب” مطرب الملوك و الأمراء ، و لأن الفيلم حقق نجاحا كبيرا ، بفضل حضورها ، و مواهبها المتعددة و ذلك رغم ثقل ظل “سعد عبدالوهاب” ، فقد دفع ذلك “حسين فوزي” الى أحتكارها لحساب ما هو فعل على أخراجه من أفلام .
و ما لبثت العلاقة بينهما أن تطورت ، حتى وصلت بهما الى شاطئ الزواج ، و ذلك رغم أنه كان يكبرها سنا بحوالي أربعة و عشرين عاما ، و المدهش أن من الأحد عشر فيلما الأولى التي مثلت فيها “نعيمة” ، جميعها كانت من اخراج “حسين” ، و سيناريو معظمها كان من تأليفه ، و هذا أمر غير مسبوق ، و لا ملحوق في تاريخ السينما المصرية ، و ربما ليس له نظير في اية سينما آخرى .
و بعد أنقطاع بفيلم واحد “أربعة بنات و ظابط” اخرجه “أنور وجدي” (1954) ، عاد “حسين” فأسند لها الدور الرئيسي في “بحر الغرام” (1955) ، و لأول مرة أقتسم البطولة معها “رشدي أباظة” ، و قد تكرر الأنقطاع بفيلم آخر “مدرسة البنات” (1955) أخرجه “كامل التلمساني” بعده ، و قبل أن ينفصلا بالطلاق ، عاد “حسين” فأخرج لها فيلمين أولهما “تمر حنة” (1957) و ثانيهما “أحبك يا حسن” (1957) ، أسدل الستار نهائيا على ظاهرة فريدة ، هي أن يقوم مخرج مع نجمة ، هي زوجته ، بأبداع أربعة عشر فيلما ، أغلبها حقق نجاحا كبيرا ، و كلها من لون الملهاة الغنائية الأستعراضية ، التي قدارها بطلة ، بنت بلد ، خفيفة الظل، مشاكسة ، فهي فيها تارة فتاة أستعراض في فرقة شعبية ، يعشقها فتى أبن باشا “لهاليبو” (1949) ، أو فتاة من حارة شعبية يحاول أحد البشاوات أغراءها ، دون جدوى بماله “بلدي و خفة” (1950) ، أو فتاة من الحارة تسعى لأن يعمل أهلها في المسرح “فرجت” (1951) ، أو فتاة تعمل في سيرك وقع في غرامها فتى من أولاد الذوات “فتاة السيرك” (1951) ، أو راقصة في ملهى ليلي و تكتشف أن أباها عامل البار “النمر” (1952) ، و هكذا ،، و هكذا في جميع أفلام الثنائي “حسين” و “نعيمة” الآخرى .
و مع أنتهاء الثنائي بالطلاق ، بدأ نجم الأثنين في الأفول ، حتى وافى “حسين” الأجل في عام 1962 ، ووفاها هي الأجل ، بعده بأربعة أعوام .
مصطفى درويش

