يــوســف شــاهــيــن 1926-2008

يوسف شاهين أو “چو” مختصر اسمه عند أقرب الأقربين ، وحيد نوعه بين المخرجين المصريين.

ذلك أنه اكثرهم شهرة ، وطلبا للعالمية عن طريق المشاركة بلأفلامه في مهرجانات السينما في مشارق الأرض و مغاربها ، لا سيما مهرجان “كان” .

هذا الى أن ، على عكسهم جميعا ، لا يحسن الكلام بالعربية ، و ذلك لأن الفرنسية هي لغته الأم بحكم إنحداره من أسرة لبنانية مارونية ، أستقرت في الأسكندرية ، وقت أن كان للمتمصرين و الجاليات الأجنبية نفوذ كبير ، أتاح لهم الأستمتاع بتلك الحياة اللذيذة ، التي تغنى بها “لورنس داربل” في رباعيته الشهيرة و أغنته في نفس الوقت عن الكلام بلغة الضاد .

فچو في صباه التحق بمدارس تلك الجاليات و ما أن تخرج في كلية فيكتوريا ، حتى سافر الي الولايات المتحدة ، حيث درس الدراما عامين في معهد باسادنيا ، بولاية كاليفورنيا .

فلما عاد الى مصر (1948) إبتسم له الحظ سريعا ، سرعان ما أتيحت له فرصة إخراج أولى أفلامه “بابا أمين” (1950) و الذهاب بثاني أفلامه “فتى النيل” (1951) الى مهرجان “كان” و لما يكن له من العمر سوى خمسة و عشرين عاما .

و ينحصر حصاد الخمسة عشر عاما الأولى من مشواره السينمائي في ستة عشر فيلما روائيا طويلا ، أي بواقع فيلم كل عام .

و أغلب تلك الأفلام من نوع الملهاة أو الميلودراما ذات الطابع التجاري العادي ، فلم يتميز من بينها سوى “باب الحديد” (1958) و “الناصر صلاح الدين” (1963) .

والفيلم الأول تدور أحداثه في محطة السكة الحديدية الرئيسية بالقاهرة ، حيث لعب “شاهين” دور بائع جرائد معقد جنسيا ، بسبب عاهه أعجزته عن تحقيق حلم الزواج من بائعة مياه غازية تتفجر أنوثة ، لعبت دورها “هند رستم” نجمة الإغراء قبال خمسين عاما إلا قليلا .

أما “صلاح الدين” ففيلم تاريخي ، و هو من نوع الإنتاج الضخم ، و فيه عرض “شاهين” ملحمة الصراع بين العرب و الصليبيين على أرض فلسطين ، و من الأفلام المصرية الأولى التي صورت بالألوان .

و يحسب لشاهين خلال تلك السنوات ، قيامه بإكتشاف “عمر الشريف” ، و إسناد الدور الرئيسي له في فيلمه السادس “صراع في الوادي” (1954) ، و يعرف عن “عمر الشريف” أنه الوحيد من بين جميع الممثلين الذين إكتشفهم “شاهين” و هم كثير ، الذي إستطاع أن يشق طريقه بنجاح و صنع الأفلام في هوليوود ، حيث جعلوا منه نجما عالميا .

هذا و بعد إنتهائه من إخراج “فجر يوم جديد” (1964) لحساب القطاع العام ، هاجر “شاهين” الى لبنان حيث أخرج فيلما تسجيليا ، و فيلمين روائيين ، أحدهما “بائع الخواتم” بطولة المطربة “فيروز” .

و مع فشل محاولة نقل مركز الإنتاج السينمائي من القاهرة الى بيروت فشلا ذريعا ، عاد “شاهين” الى ديار مصر ، حيث أخرج لحساب القطاع العام فيلمين أحدهما “الناس و النيل” (1968) في تمجيد بناء السد العالي و “الأرض” (1969) في تمجيد كفاح الفلاحين ضد الأقطاعيين ، و الذي اشترك به في المسابقة الرسمية لمهرجان “كان” (1969) .

و بدءا من “العصفور” (1973) اتخذت أفلام “شاهين”طابعا سياسيا ، أخذ في الإزدياد على مر الأعوام و لأن معظمها وليد إنتاج مشترك مع شركات فرنسية بالذات ، فقد جنح شاهين في بعضها الى الإشادة ، فبعضها ذو نزعة فرانكوفونية ، و احيانا يشيد بدور فرنسا الحضاري  كما هو الحال في “وداعا بونابارت” (1984) الذي اشترك به “شاهين” في المسابقة الرسمية لمهرجان “كان” (1985) .

و هنا و أنا أقدم هذا العرض السريع قدرت عليه من مسيرة “شاهين” السينمائية و لسبب أطمع أن يبلغ القارئ المهتم مكان الرضا و إنما أرجو أن يقع من توقع النفع في غير مشقة ولا إحلال و من دون ، لا يفوتني أن أذكر أنه من بين جميع المخرجين في ديار مصر قد إنفرد بتناول سيرته الذاتية سينمائيا في رباعية أستهلها “اسكندريه ليه” (1978) الفائز بجائزة التحكيم الخاصة لأحسن فيلم في مهرجان برلين (1979) ، “حدوته مصرية” (1982) ، “فاسكندرية كمان و كمان” (1989) و أختتمها “باسكندرية – نيويورك” (2003) .

و الوحيد الذي ابتكرت له لجنة تحكيم مهرجان “كان” في عيده الخمسيني (1997) جائزة خاصة لمجموع أعماله ، تعويضا عن عدم فوزه بالسعفة الذهبية عن فيلمه الأخير “المصير” الذي كان ضمن الأفلام المتسابقة على جوائز ذلك المهرجان .

 

هــنــري بـــركــــات 1914-1997

الأكيد أن قصة “هنري بركات” مع أطياف السينما ، قصة حب كبير ، بدأت و هو غلام ليس له من العمر سوى عشرة أعوام ، هوايته المثلى أن يرى كل يوم أحد أطياف “ويليم هارت” ، “توم ميكس” و “جلاس فبربانكس” و “رودلف ڨالنتينو” تتحرك على شاشه بيضاء في سينما صيفي تحت كوبري في أول شارع جزيرة بدران .

و تمر الأيام أعواما بعد أعوام، و لا يتغير ولع “بركات” بالسينما ، و أنما الذي تغير مكان مشاهدته للأفلام ، اذ انتقل مشاهدته لها من حي شبرا الى ميدان العتبة ، حيث سينما أوليمبيا ، و الى حي عابدين حيث سينما إيديال .

و مع انتشار دور السينما ، و ارتقاء مستوى الأفلام ، أزداد هيام الفتى “بركات” بالأطياف و هنا شاءت له المقادير ، بعد تخرجه في كلية الحقوق ، الا يكون محاميا ، و انما صانع أطياف ، عندما قرر أخوه أنتاج فيلم “عنتر أفندي” ، و كلفه بمتابعة سير العمل أثناء التصوير .

فما أن دخل الاستوديو ، حتى مسه سحر ما يدور فيه من أحداث ، قوامها أمتزاج الواقع بالخيال و حتى أكتشف تحت تأثير هذا السحر أن مستقبله ليس في الترافع أمام القضاة ، و أنما في صناعة الأفلام .

و كما حدث مع “صلاح أبو سيف” و “كمال الشيخ” بدأ “بركات” مشوار الأبداع بالتوليف ، و بالذات توليف فيلم “أنتصار الشباب” للمخرج “أحمد بدر خان” (1940) .

و لم تمضي سوى شهور على ذلك ، حتى صعد الى مستوى الأخراج بأن عمل مخرجا مساعدا “لأحمد جلال” في فيلم “الزوج الخامس” (1941) ، ثم مخرجا لفيلمه الأول “الشرير” (1941) عن قصة للأديب الروسي “أنطون شيخوف” .

و بدءا من تاريخ الأخير لم ينقطع “بركات” عن الأخراج سواء على أرض مصر أو خارجها على أرض لبنان .

و لو القينا نظرة طائرة على أفلامه ، لتيبين لنا على وجه اليقين ، أنه واحد من أفضل المخرجين المصريين في تحريك الممثلات ، شأنه في ذلك شأن المخرج الأمريكي “جورج كوكور” .

و لعل خير مثل على مهارته في هذا المجال اداء “فاتن حمامة” نجمته المفضلة في أفلام كثيرة من ابداعه ، أذكر من بينها “دعاء الكروان” عن قصه “لطه حسين” (1959) ، “الباب المفتوح” عن قصة “للطيفة الزيات” (1963) و “الحرام” عن قصة “ليوسف إدريس” (1964) .

و إذا كانت أحداث “الباب المفتوح” تدور في المدينة حيث تشترك بطلة الفيلم في مظاهرات الجامعة ضد السلطة و ضد قوات الاحتلال ، و من خلال تلك المشاركة ، و بفضلها ، تتحرر متمردة على التقاليد .

فأن أحداث “دعاء الكروان” و “الحرام” ، تدور على العكس من ذلك ، في الريف ، و حول بسطائه و فلاحيه المعذبين في الأرض ، و هو أمر نادر الحدوث في السينما المصرية ، لعله غير مسبوق الا بفيلم “زينب” عن قصة “لمحمد حسين هيكل” (1930) و الذي أخرجه “محمد كريم” قبل أن تتكلم السينما المصرية ، ثم عاد فأخرجه بعد أن تكلمت بعشرين عاما (1952) .

و “بركات” في “الحرام” ، يعرض لمأساة عمال التراحيل في الريف ، انطلاقا من معاناة عاملة حملت في الحرام ، فأجهضت نفسها ، مخافة العار، و لكن الموت يجيئها في نهاية فاجعة و أهل القرية الظالمة ، يطاردونها ، بقسوة منقطعة النظير .

و قد عرض في مهرجان “كان” ، حيث لقى من أستحسان الجمهور و النقاد الشئ الكثير ، و لا غرابة في هذا ، “فالحرام” يقطر صدقا ، يضم بلا هوادة تقاليد عفى عليها الزمان .

و لو أن بركات لم يخرج سواه ، فكان ذلك كافيا للصعود به الى منزلة القلة القليلة من صانعي الأفلام المصريين الذين لعبوا دورا رائدا . 

آســـيـــا 1912-1986 – أحــمــد جــلال 1897-1947 – مــاري كــويـنـي 1916-2003

آسيا ، ماري كويني ، أحمد جلال ، حسين فوزي و عباس كامل ، هذا الخماسي كون بحكم القرابة و المصاهرة نواة سينمائية ، لعبت دورا رائدا في صناعة السينما المصرية ، من بدايتها  أيام أن كانت الأفلام صامتة ، و حتى يومنا هذا .

         

و بادئ ذي بدء ، فالفضل في نشأة هذه النواة أنما يرجع الى “آسيا” و “أحمد جلال” ، فهما و الحق يقال كانا فرسا الرهان في هذا المجال ، “فآسيا داغر” التي جاءت الى القاهرة مهاجرة من جبل لبنان (1922) كانت مولعة بقراءة الأدب و مشاهدة الأفلام ، أمل حياتها أن تصبح ممثلة ، يتحرك طيفها على الشاشة الفضية تنبهر به الأبصار .

و في بداية المشوار شاءت لها الأقدار أن تعمل كومبارس في فيلم “ليلى” (1927) ، و ذلك بعد موافقة ، أو بمعنى أصح عدم ممناعة عمها “أسعد داغر” الصفحي اللامع في جريدة الأهرام ، و رئيس تحرير مجلة “مصر الحديثة” المصورة ذات الميول و الأتجاهات الفنية .

و بعد نجاح هذا الفيلم ماديا و أدبيا ، أستطاع “وداد عرفي” الذي كانت قد تعرفت عليه في أثناء التصوير ، أن يقنعها بانتاج فيلم ، تنفرد فيه بالبطولة ، و لم لا ؟ و هي في ريعان الشباب ، شقراء تمتلك عينين ساحرتين ، و أبتسامة على شفاه تقطر رقة و عذوبة ، فتنة للناظرين .

و هكذا خرجت من الغيب فكرة عمل فيلم “غادة الصحراء” (1929) الذي يعد بحق ، باكورة انتاج “آسيا” ، و بفضله أصبحت نجمة لمدة سبعة عشر عاما ، أنتهت بفيلم “الهانم” (1946) و الغريب في أمر هذا الفيلم ، أنه و كما حدث مع “عزيزة أمير” منتجة و بطلة “ليلى” ، سرعان ما أكتشفت آسيا أن “وداد” محتال ، فكان أن أستبدلت به “أحمد جلال” ، و ذلك لأستكمال اخراج الفيلم ، و هو نفس ما سبق “لعزيزة أمير” أن فعلته ، عندما أستعانت به لأنقاذه من جهل و أحتيال “وداد” .

و على كل ، ففي الأول من مايو 1929 ، جرى عرض “غادة الصحراء” ، و هو يحمل الى جوار اسمي “آسيا” و “أحمد جلال” اسما ثالثا “ماري كويني” أبنة “مريم” شقيقة “آسيا” القادمة من جبل لبنان (1923) ، و كان دور “كويني” في الفيلم صغيرا ، و مع ذلك ، فمن رحمه ولد الثالوث السينمائي “آسيا ، أحمد جلال ، كويني” ، ذلك الثالوث الذي كان مقدرا له
أن يلعب دورا محوريا في اثراء السينما انتاجا و تأليفا و اخراجا و تمثيلا .

و حتى عام 1940 ، ظل هذا الثالوث قائما ، منافسا قويا لثالوث “إبراهيم و بدر لاما و بدرية رأفت”  حتى أنهياره بنهاية فاجعة ، موت الأخوين “لاما” و “بدر” و ليس له من العمر سوى 39 عاما ، و بعده إبراهيم بقتل زوجته ، ثم الأنتحار .

فبدءا من “غادة الصحراء” ، و حتى “فتاة متمردة” (1940) شارك الثلاثة في جميع أفلام شركة “آسيا” المسماه “لوتس” ، فيما عدا “وخز الضمير” (1931) الذي اخرجه”إبراهيم لاما” ، و ساعده “جلال” في كتابة السيناريو و الحوار و الاخراج .

فباستثنائه ، كان الثلاثة يشاركون بالتمثيل في أغلب الأحيان ، و “جلال” بالاخراج بطبيعة الحال و “كويني” بالتوليف “المونتاج” ، و كانت البطولة النسائية تتقاسمها “آسيا و كويني” ، مع مراعاة الأحتفاظ بالدور الأول للمنتجة و الخالة ، و أن ترسم الأدوار الرئيسية ، بحيث تكون نسائية قدر الإمكان ، و يكفي لتأكيد ذلك ذكر عناوين بعض أفلام شركة “لوتس” ” عندما تحب المرأة” (1933) ، “عيون ساحرة” (1934) ، “شجرة الدر” (1935) ، “زوجة بالنيابة” (1936) و “فتش عن المرأة” (1939) .

و يستمر الحال على هذا المنوال رتيبا الى أن يحدث أمران :

الأول : أن يكتب “جلال” سيناريو “فتاة متمردة” و هو أول فيلم من انتاج “آسيا” لم تشارك فيه بالتمثيل ، ربما لأن الدور الأول مرسوم لفتاة في عمر الزهور ، أي “كويني” ، و ربما لأن الدور الثاني يقتضي منها أن تلعب دور أم ، و ذلك كان يعني وقتذاك الأقتراب من نهاية المشوار. أما الأمر الثاني : فهو نجاح “فتاة متمردة” نجاحا مدويا صاحبه أعلان “كويني” موافقتها على  الزواج من “جلال” ، رغم فارق السن .

و يستمر التعاون بين “آسيا و جلال” بتقديم فيلمين ، دون مشاركة من “كويني” في التمثيل ، لأنشغالها في حمل وولادة “نادر جلال” الذي سيصبح هو الآخر مخرجا ، مثل والده و أعمامه “حسين فوزي” (1904-1962) و “عباس كمال” (1911-1985) ، و للأول فضل أكتشاف “نعيمة عاكف” ، فتاة السيرك ، المتعددة المواهب .

و كما يحدث غالبا بين الشركاء ، دب خلاف بين “آسيا” من ناحية ، و “جلال و كويني” من ناحية اخرى ، كان من نتيجته فض الشركة و ميلاد شركة “أفلام جلال” (1942) ، ثم “استديوهات جلال” (1944) .

و في صيف 1947 ، بينما كان “جلال” مع أسرته الصغيرة ، يصطاف في جبل لبنان ، جاءه الموت فجأة بالسكتة القلبية .

و مع أن “كويني” قد ترملت بموته ، و هي لا تزال في عز الشباب ، الا أنها كرست حياتها للسينما بالانتاج ، و التمثيل ، و تربية صغيرها ، بحيث يصبح مخرجا يكمل مشوار الأب و الأعمام و هو الآن ، واحد من أهم مخرجي أفلام الحركة في السينما المصرية ، و أكثرها معرفة بلغة الأطياف .