أم كــلثـــوم 1904 – 1975 + مـحـمـد عبـد الــوهـاب 1897 – 1990

كان محمد عبد الوهاب و أم كلثوم فرسا رهان ، متنافسان متخاصمان في كل شئ متصل بفن الغناء ، في الموسيقى الشرقية ، و كيف يكون التطور بها نحو الصعود و الأرتقاء ، في الشهرة و المجد ، بأن أتخذ هو لنفسه لقب مطرب الملوك و الأمراء ، و أتخذت هي لنفسها لقب كوكب الشرق ساطعه وحدها به في السماء .

في الوقت الذي أصبح فيه صوت كليهما ناضجا ، مكتمل النبرات مصقول المساحة ، بحيث أهلهما أن يقدما نفسيهما به الى المستمعين بوصفهما مطربين جديدين ، غير متفيئين بظلال المطربين القدماء ، فذلك الوقت كان منتصف العشرينات في إجتذاب السينما لهما ، فقد جاء هو الآخر في وقت يكاد يكون واحدا .

ففي النصف الأول من عقد الثلاثينات ، كان أمرا طبيعيا أن تتنافس الأفلام الغنائية حول “عبدالوهاب” و “أم كلثوم” كما كانت تتنافس حولهما شركات الأسطوانات في ذلك الحين .

فكلاهما كان في بداية ذلك العقد أشهر المطربين و المطربات ، و هكذا ظهر فيلم “الوردة البيضاء” (1933) الذي كان بداية مجد “عبدالوهاب” الفني و ثرائه ، و فيلم “وداد” (1936) أول إنتاج لشركة مصر للتمثيل و السينما و أول عمل سينمائي لأم كلثوم ، غردت فيه مجموعة من أغانيها المتطورة البديعة ، و تقاضت عنه خمسة الاف جنيه ، و كان أجرا خياليا ، في تلك الأيام ، و كانت الأرباح الوفيره التي تدفقت من عرض هذين الفيلمين حافزا للأستمرار في أستغلال صوت الاثنين في الأفلام الغنائية أما “عبد الوهاب” فقد آثر أن يستغل نفسه بنفسه ، و أنتج لحسابه الخاص جميع أفلامه .

و أما أم كلثوم ، فأستمرت تعمل لحساب شركات السينما نظير أجر كبير ، و الغريب أن عدد الأفلام التي لعب فيها كل واحد منهما دورا بالتمثيل و الغناء ، يكاد يكون متماثلا ، لم يزد بالنسبة لعبد الوهاب عن سبعة آخرها “لست ملاكا” (1946) ، و النسبة لأم كلثوم عن سنة آخرها “فاطمة” (1947) ، و ثمة أختلاف بين أفلام الاثنين ، “فعبد الوهاب” جميع أفلامه ، أحداثها لا تجري في الماضي ، و أنما في الحاضر ، في حين أن “أم كلثوم” أفلامها ، ازاء الماضي و الحاضر تنقسم نصفين بالتمام “فوداد” و “دنانير” (1940) و “سلامه” (1945) ، ترتد أحداثها الى الماضي البعيد ، أيام الأسلام الأولى ، و خاصة عصر العباسيين .

و باقي أفلامها “نشيد الأمل” (1937) و “عايدة” (1942) و “فاطمة” أحداثها تدور في العصر الحديث .

و يعرف عن أغاني أفلام “عبد الوهاب” سواء أكان هو مؤديها أم الممثلة التي تشاركه البطولة و هي “نجاة” في “دموع الحب” (1935) ، و “ليلى مراد” في “يحيا الحب” (1938) و “رجاء عبده” في “ممنوع الحب” (1942) ، يعرف عنها أنها جميعا من تلحينه ، دون شريك .

أما أغاني أفلام أم كلثوم ، فلم ينفرد بها ملحن ، و أنما تقاسم إبداع ألحانها ثلاثة كبار “محمد القصبجي” ، “زكريا أحمد” و “رياض السنباطي” .

و لأن صوت “عبد الوهاب” الذهي ، بجمال و كمال أوتاره ، كان اخذا في الضعف ، منذ “الوردة البيضاء” ، فقد عمل على اجتذاب أصوات نسائية واعدة ، تشاركه في أفلامه الغناء ، بدءا من “نجاة” ، و حتى “أسمهان” .

و كان صوت “أم كلثوم” على العكس من ذلك تماما فقد ظل قويا ، عفيا ، و من هنا أنفرادها بالغناء في جميع أفلامها ، و ذلك بأستثناء أغنية يتيمة في “وداد” لم يغرد صوتها بها و هي “على بلد المحبوب” و لكنها سرعان ما غنتها بنجاح على اسطوانة خارج الفيلم و بأستثناء “عايدة” ، حيث شاركها بطل الفيلم “إبراهيم حمودة” الغناء .

و ختاما ، فالأمر الأكيد أن “عبد الوهاب” و “أم كلثوم” كانا رائدين فتحا بأفلامهما الطريق لأزدهار السينما ، و ظهور مطربين و مطربات من جميع الأنواع أثروا بغنائهم الأفلام .

كــمـــال ســلـــيــــم 1913-1945

ولد مخرج “العزيمة” في أسرة متوسطة الحال و ما لبث ، و لما يزال تلميذا في الثانوية ، أن فقد أباه ، الذي مات مخلفا متجرا للحرير و لأنه كان أكبر إخوته ، فقد حددت الأسرة لحياته مسارا ، لا يحيد عنه ، و هو أن يخلف أباه في الأشراف على متجر الحرير .

و لكن عشق السينما منذ الصغر ، و إفتتانه بالنجم العالمي “رودلف فالنتينو” ، رسما له مسارا آخرا ، بدأ بهروبه من أسرته ، و سفره الى الخارج ، بأمل دراسة السينما في فرنسا ، حيث شاء له عبث الأقدار أن ترتكب جريمة إغتيال رئيس جمهورية فرنسا ، بعد وصوله الى ميناء مارسيليا بأيام ، و هو ما كان سببا في ترحيله الى مصر ، حيث أخذ يدرس السينما ، من خلال قراءة الصحف و المجلات السينمائية العالمية ، و مشاهدة الأفلام ، و في هذه الأثناء سعى جاهدا للحصول على بعثة دراسية ، عن طريق بنك مصر ، غير أن سعيه لم يصادفه التوفيق .

و من هنا إنصراف نيته الي ممارسة هوايته علميا ، و فعلا ، قام بتقمص شرفية رجل بائس في فيلم اسمه “إبتسامة الشيطان”.

و خلال عام 1937 كلفه صاحب شركة “أوديون للإسطوانات” ، بناءا على إلحاحه ، بإخراج فيلم “وراء الستار” ، الذي إقتسم بطولته المطربان “عبدالغني السيد و رجاء عبده” ، هذا و لم يصادف فيلمه الأول الذي كان ضعيفا فنيا ، نجاحا تجاريا ، في حين أن أغانيه ، على العكس من ذلك، لاقت نجاحا كبيرا .

و على كل ، فبفضله ، أتيحت له فرصة الالتحاق باستديو مصر ، في وظيفة كاتب سيناريو .

و بعد السيناريو الأول الذي كتبه لفيلم “الدكتور” (1939)، و نجح في إقناع مسئولي الاستديو بأمرين أنتاج فيلم عن سيناريو من تأليفه ، و تكليفه بترجمته الي لغة السينما ، بمعنى إخراجه .

و بداية كان الأسم المختار للفيلم “في الحارة” ، إلا أنه سرعان ما إستغنى عنه ، ليستبدل به اسم “العزيمة” (1939) ، الذي أصبح بعد نجاح الفيلم جماهيريا ، اسما يجري على كل لسان .

و شهرة “العزيمة” ، و صيرورته علامة بارزة في تاريخ السينما المصرية ، أنما ترجع الى أنه أول فيلم مصري ، يعرض لقضية ، قد تكون بسيطة ، و ربما ساذجة ، إلا أنه جرى تقديمها داخل إطار واقعي ، بالتحديد حارة ، تسكنها نماذج من الناس العاديين .

و كان المتوقع لأول فيلم يخرجه بعد ذلك ، و هو “الى الأبد” (1941) أن يكون على نفس مستوى “العزيمة” و لكن على عكس كل التوقعات ، جاء ضعيفا فنيا ، فاشلا تجاريا .

و بدءا من هذه النكسة ، أخذت أفلامه في الإنحدار ، بحيث أصبحت لا تمت بصلة الى “العزيمة” لا من قريب أو بعيد .

و بينما كان منهمكا في الإعداد لفيلم “ليلى بنت الفقراء” جاءه الموت ، و هو في الثانية و الثلاثين مخلفا تركه من عشرة أفلام ، لم يبرز من بينها سوى “العزيمة” ، أشهر فيلم مصري بلا جدال.

تـــوجـــو مزراحــــي 1905-1986

ينفرد مزراحي بين جميع كبار المخرجين الأوائل الذين قامت على أكتافهم صناعة السينما في مصر ، بأنه كان يهوديا ، حاصلا على درجة دكتوراه في الاقتصاد من فرنسا ، مجيدا أكثر من لغة ، خاصة الفرنسية و الايطالية ، و الأهم أنه كان غزير الانتاج ، اخرج خلال ستة عشر عاما اثنين و ثلاثين فيلما .

و أول عهده بالسينما كان عام 1930 ، حين أخرج فيلم “الكوكايين” الذي عرض فيه لمضار الإدمان ، و كان أول عرض له تحت اسم آخر “الهاوية” و في مدينة الأسكندرية ، حيث كان يمتلك ستوديو خاصا في حي باكوس .

و لم ينتقل مزراحي الي القاهرة بنشاطه الا في أثناء عام 1938 ، فبدءا من ذلك التاريخ ، استأجر ستوديو وهبى كي يجعل منه مقرا له ، و منطلقا للإنتاج ، و أكيد أن الدور الكبير الذي لعبه في الأخذ بيد السينما و هي لا تزال تحبو ، أهله لأن يكون أهم مخرج مصري خلال الفترة الأولى من عمر تلك السينما .

ومما يعرف عنه ، أنه في إبداعه لأفلامه كان أقرب الي المخرج و المؤلف ، فهو المنتج و كاتب السيناريو و مصمم المناظر و المؤلف ، بل و الممثل في بعض الأحيان ، و أنه لم يترك نوعا من الأنواع السينمائية السائدة في زمنه الممتد من 1930 حتى 1941 ، إلا و كان له شأن معه بأكثر من فيلم .

فأفلامه من بينها ايضا أفلام تاريخية ، و اخرى مستوحاه من التراث ، و خاصة ما كان منه متصلا بحكايات الف ليلة و ليلة و لأنه كان يعشق السينما ، و معها فن التمثيل ، فقد عمل في البداية ، على تغيير أسمه الى “أحمد مشرقي” حتى يستطيع الظهور في أفلامه ، دون أن يؤدي ذلك الى إيذاء شعور أسرته .

و على كل ، فهذا التغيير جاء متمشيا مع تقليد كان سائدا وقتذاك ، بموجبه يستبدل الممثل المنتمي الي الطائفة اليهودية بأسمه الوارد في شهادة الميلاد ، اسما فنيا جديدا ، يكاد يكون مشتركا بين الديانات الثلاث ، اليهودية و المسيحية و الأسلام ، و مؤكدا أن صاحب الاسم الجديد غير منتم الي دين معين بالتحديد ، و مع ذلك فمزراحي لم يحتفظ بأسمه الجديد زمنا طويلا .

و من ابتكاراته الكثير رسمه لشخصية يهودية واضحة المعالم ، أسماها شالوم مع إسناده البطولة لها في أربعة أفلام “المندوبان” (1934) ،”شالوم الترجمان” (1935) ، “شالوم الرياضي” و “العز بهدلة” (1937) .

و مما ينسب اليه أنه جعل من بربري مصر الوحيد الممثل الهزلي “علي الكسار” نجما سينمائيا في تسعة أفلام ، لأذكر من بينها “ألف ليلة و ليلة” (1941) ، “علي بابا و الأربعين حرامي” (1942) و “نور الدين و البحارة الثلاثة” (1944) .

و كما يبين من أسماء الأفلام الثلاثة ، فهي مستوحاه من التراث الأدبي العربي القديم .

و من العجب ، أنه بعد إتهام صاحبه بالصهيونية مما دفعه الي الخروج من مصر الي ايطاليا ، حيث عاش بهاجرا ، حتى جاءه الموت ، بعد ذلك ، لم يحاول أحد من كبار مخرجي السينما المصرية أن يغترف من ذلك التراث الغني شيئا .

و لعل واحد من أهم إنجازاته أنه جعل من المطربة “ليلى مراد” ممثلة و نجمة ، و ذلك بفضل خمسة أفلام ، اخرها “ليلى في الظلام” (1944) .

و عن قيامه بإسناد دور الفتاة العمياء لها ذكرت “ليلى مراد” في كتيب الدعاية الخاص بهذا الفيلم الآتي : 

“لما عرض فيلم ليلى و لقى نجاحا كبيرا ، جاء يعرض علي تمثيل الفتاة العمياء في فيلم ليلى في الظلام ، فضحكت قائلة يا دهوتي !! طيب تمثيل أدوار المرض و الموت عرفناها انما أدوار العمى أمثلها إزاي ؟ و لكني مثلت الدور..و كان الفضل له دائما” .

و عن ادائها الدور كتب الأديب الصحفي “أحمد الصاوي محمد” عن تجربته في مشاهدة الفيلم مع الأديب “توفيق الحكيم” :

“تأثرنا بتمثيل ليلى مراد أشد التأثير ، و خرجنا في نهاية الفيلم و توفيق الحكيم يقسم لي أن هذه أول مرة تدمع عيناه في فيلم مصري” .

و اخيرا ، فلقد كان “سلامة” (1946) واحدا من أهم أفلامه ، قبل الخروج من مصر ، و قصته و ياللعجب مستوحاه من التاريخ العربي القديم ، و بفضل أغانيه ، و هي من تأليف “بيرم التونسي” و تلحين “زكريا أحمد” ، و بفضل إيقاعه السريع ، حقق الفيلم نجاحا كبيرا ، و كان أحسن فيلم مثلته “أم كلثوم” سيدة الغناء العربي على مر العصور .