الأكيد أن قصة “هنري بركات” مع أطياف السينما ، قصة حب كبير ، بدأت و هو غلام ليس له من العمر سوى عشرة أعوام ، هوايته المثلى أن يرى كل يوم أحد أطياف “ويليم هارت” ، “توم ميكس” و “جلاس فبربانكس” و “رودلف ڨالنتينو” تتحرك على شاشه بيضاء في سينما صيفي تحت كوبري في أول شارع جزيرة بدران .
و تمر الأيام أعواما بعد أعوام، و لا يتغير ولع “بركات” بالسينما ، و أنما الذي تغير مكان مشاهدته للأفلام ، اذ انتقل مشاهدته لها من حي شبرا الى ميدان العتبة ، حيث سينما أوليمبيا ، و الى حي عابدين حيث سينما إيديال .
و مع انتشار دور السينما ، و ارتقاء مستوى الأفلام ، أزداد هيام الفتى “بركات” بالأطياف و هنا شاءت له المقادير ، بعد تخرجه في كلية الحقوق ، الا يكون محاميا ، و انما صانع أطياف ، عندما قرر أخوه أنتاج فيلم “عنتر أفندي” ، و كلفه بمتابعة سير العمل أثناء التصوير .
فما أن دخل الاستوديو ، حتى مسه سحر ما يدور فيه من أحداث ، قوامها أمتزاج الواقع بالخيال و حتى أكتشف تحت تأثير هذا السحر أن مستقبله ليس في الترافع أمام القضاة ، و أنما في صناعة الأفلام .
و كما حدث مع “صلاح أبو سيف” و “كمال الشيخ” بدأ “بركات” مشوار الأبداع بالتوليف ، و بالذات توليف فيلم “أنتصار الشباب” للمخرج “أحمد بدر خان” (1940) .
و لم تمضي سوى شهور على ذلك ، حتى صعد الى مستوى الأخراج بأن عمل مخرجا مساعدا “لأحمد جلال” في فيلم “الزوج الخامس” (1941) ، ثم مخرجا لفيلمه الأول “الشرير” (1941) عن قصة للأديب الروسي “أنطون شيخوف” .
و بدءا من تاريخ الأخير لم ينقطع “بركات” عن الأخراج سواء على أرض مصر أو خارجها على أرض لبنان .
و لو القينا نظرة طائرة على أفلامه ، لتيبين لنا على وجه اليقين ، أنه واحد من أفضل المخرجين المصريين في تحريك الممثلات ، شأنه في ذلك شأن المخرج الأمريكي “جورج كوكور” .
و لعل خير مثل على مهارته في هذا المجال اداء “فاتن حمامة” نجمته المفضلة في أفلام كثيرة من ابداعه ، أذكر من بينها “دعاء الكروان” عن قصه “لطه حسين” (1959) ، “الباب المفتوح” عن قصة “للطيفة الزيات” (1963) و “الحرام” عن قصة “ليوسف إدريس” (1964) .
و إذا كانت أحداث “الباب المفتوح” تدور في المدينة حيث تشترك بطلة الفيلم في مظاهرات الجامعة ضد السلطة و ضد قوات الاحتلال ، و من خلال تلك المشاركة ، و بفضلها ، تتحرر متمردة على التقاليد .
فأن أحداث “دعاء الكروان” و “الحرام” ، تدور على العكس من ذلك ، في الريف ، و حول بسطائه و فلاحيه المعذبين في الأرض ، و هو أمر نادر الحدوث في السينما المصرية ، لعله غير مسبوق الا بفيلم “زينب” عن قصة “لمحمد حسين هيكل” (1930) و الذي أخرجه “محمد كريم” قبل أن تتكلم السينما المصرية ، ثم عاد فأخرجه بعد أن تكلمت بعشرين عاما (1952) .
و “بركات” في “الحرام” ، يعرض لمأساة عمال التراحيل في الريف ، انطلاقا من معاناة عاملة حملت في الحرام ، فأجهضت نفسها ، مخافة العار، و لكن الموت يجيئها في نهاية فاجعة و أهل القرية الظالمة ، يطاردونها ، بقسوة منقطعة النظير .
و قد عرض في مهرجان “كان” ، حيث لقى من أستحسان الجمهور و النقاد الشئ الكثير ، و لا غرابة في هذا ، “فالحرام” يقطر صدقا ، يضم بلا هوادة تقاليد عفى عليها الزمان .
و لو أن بركات لم يخرج سواه ، فكان ذلك كافيا للصعود به الى منزلة القلة القليلة من صانعي الأفلام المصريين الذين لعبوا دورا رائدا .

