آســـيـــا 1912-1986 – أحــمــد جــلال 1897-1947 – مــاري كــويـنـي 1916-2003

آسيا ، ماري كويني ، أحمد جلال ، حسين فوزي و عباس كامل ، هذا الخماسي كون بحكم القرابة و المصاهرة نواة سينمائية ، لعبت دورا رائدا في صناعة السينما المصرية ، من بدايتها  أيام أن كانت الأفلام صامتة ، و حتى يومنا هذا .

         

و بادئ ذي بدء ، فالفضل في نشأة هذه النواة أنما يرجع الى “آسيا” و “أحمد جلال” ، فهما و الحق يقال كانا فرسا الرهان في هذا المجال ، “فآسيا داغر” التي جاءت الى القاهرة مهاجرة من جبل لبنان (1922) كانت مولعة بقراءة الأدب و مشاهدة الأفلام ، أمل حياتها أن تصبح ممثلة ، يتحرك طيفها على الشاشة الفضية تنبهر به الأبصار .

و في بداية المشوار شاءت لها الأقدار أن تعمل كومبارس في فيلم “ليلى” (1927) ، و ذلك بعد موافقة ، أو بمعنى أصح عدم ممناعة عمها “أسعد داغر” الصفحي اللامع في جريدة الأهرام ، و رئيس تحرير مجلة “مصر الحديثة” المصورة ذات الميول و الأتجاهات الفنية .

و بعد نجاح هذا الفيلم ماديا و أدبيا ، أستطاع “وداد عرفي” الذي كانت قد تعرفت عليه في أثناء التصوير ، أن يقنعها بانتاج فيلم ، تنفرد فيه بالبطولة ، و لم لا ؟ و هي في ريعان الشباب ، شقراء تمتلك عينين ساحرتين ، و أبتسامة على شفاه تقطر رقة و عذوبة ، فتنة للناظرين .

و هكذا خرجت من الغيب فكرة عمل فيلم “غادة الصحراء” (1929) الذي يعد بحق ، باكورة انتاج “آسيا” ، و بفضله أصبحت نجمة لمدة سبعة عشر عاما ، أنتهت بفيلم “الهانم” (1946) و الغريب في أمر هذا الفيلم ، أنه و كما حدث مع “عزيزة أمير” منتجة و بطلة “ليلى” ، سرعان ما أكتشفت آسيا أن “وداد” محتال ، فكان أن أستبدلت به “أحمد جلال” ، و ذلك لأستكمال اخراج الفيلم ، و هو نفس ما سبق “لعزيزة أمير” أن فعلته ، عندما أستعانت به لأنقاذه من جهل و أحتيال “وداد” .

و على كل ، ففي الأول من مايو 1929 ، جرى عرض “غادة الصحراء” ، و هو يحمل الى جوار اسمي “آسيا” و “أحمد جلال” اسما ثالثا “ماري كويني” أبنة “مريم” شقيقة “آسيا” القادمة من جبل لبنان (1923) ، و كان دور “كويني” في الفيلم صغيرا ، و مع ذلك ، فمن رحمه ولد الثالوث السينمائي “آسيا ، أحمد جلال ، كويني” ، ذلك الثالوث الذي كان مقدرا له
أن يلعب دورا محوريا في اثراء السينما انتاجا و تأليفا و اخراجا و تمثيلا .

و حتى عام 1940 ، ظل هذا الثالوث قائما ، منافسا قويا لثالوث “إبراهيم و بدر لاما و بدرية رأفت”  حتى أنهياره بنهاية فاجعة ، موت الأخوين “لاما” و “بدر” و ليس له من العمر سوى 39 عاما ، و بعده إبراهيم بقتل زوجته ، ثم الأنتحار .

فبدءا من “غادة الصحراء” ، و حتى “فتاة متمردة” (1940) شارك الثلاثة في جميع أفلام شركة “آسيا” المسماه “لوتس” ، فيما عدا “وخز الضمير” (1931) الذي اخرجه”إبراهيم لاما” ، و ساعده “جلال” في كتابة السيناريو و الحوار و الاخراج .

فباستثنائه ، كان الثلاثة يشاركون بالتمثيل في أغلب الأحيان ، و “جلال” بالاخراج بطبيعة الحال و “كويني” بالتوليف “المونتاج” ، و كانت البطولة النسائية تتقاسمها “آسيا و كويني” ، مع مراعاة الأحتفاظ بالدور الأول للمنتجة و الخالة ، و أن ترسم الأدوار الرئيسية ، بحيث تكون نسائية قدر الإمكان ، و يكفي لتأكيد ذلك ذكر عناوين بعض أفلام شركة “لوتس” ” عندما تحب المرأة” (1933) ، “عيون ساحرة” (1934) ، “شجرة الدر” (1935) ، “زوجة بالنيابة” (1936) و “فتش عن المرأة” (1939) .

و يستمر الحال على هذا المنوال رتيبا الى أن يحدث أمران :

الأول : أن يكتب “جلال” سيناريو “فتاة متمردة” و هو أول فيلم من انتاج “آسيا” لم تشارك فيه بالتمثيل ، ربما لأن الدور الأول مرسوم لفتاة في عمر الزهور ، أي “كويني” ، و ربما لأن الدور الثاني يقتضي منها أن تلعب دور أم ، و ذلك كان يعني وقتذاك الأقتراب من نهاية المشوار. أما الأمر الثاني : فهو نجاح “فتاة متمردة” نجاحا مدويا صاحبه أعلان “كويني” موافقتها على  الزواج من “جلال” ، رغم فارق السن .

و يستمر التعاون بين “آسيا و جلال” بتقديم فيلمين ، دون مشاركة من “كويني” في التمثيل ، لأنشغالها في حمل وولادة “نادر جلال” الذي سيصبح هو الآخر مخرجا ، مثل والده و أعمامه “حسين فوزي” (1904-1962) و “عباس كمال” (1911-1985) ، و للأول فضل أكتشاف “نعيمة عاكف” ، فتاة السيرك ، المتعددة المواهب .

و كما يحدث غالبا بين الشركاء ، دب خلاف بين “آسيا” من ناحية ، و “جلال و كويني” من ناحية اخرى ، كان من نتيجته فض الشركة و ميلاد شركة “أفلام جلال” (1942) ، ثم “استديوهات جلال” (1944) .

و في صيف 1947 ، بينما كان “جلال” مع أسرته الصغيرة ، يصطاف في جبل لبنان ، جاءه الموت فجأة بالسكتة القلبية .

و مع أن “كويني” قد ترملت بموته ، و هي لا تزال في عز الشباب ، الا أنها كرست حياتها للسينما بالانتاج ، و التمثيل ، و تربية صغيرها ، بحيث يصبح مخرجا يكمل مشوار الأب و الأعمام و هو الآن ، واحد من أهم مخرجي أفلام الحركة في السينما المصرية ، و أكثرها معرفة بلغة الأطياف .

مــحـمــد كـــريــــم 1896-1972

كان كريم الأول أكثر من مرة ، كان أول مصري يمثل في فيلم ، وكان أول صانع أطياف يخرج فيلما ماخوذ عن قصة لأديب مصري ، و القصة “زينب” ، أما الأديب فالدكتور “محمد حسين هيكل” (باشا) ، وكان أول واحد من أبناء مصر يخرج فيلما متكلما “أولاد الذوات” (1932) ، وكان الوحيد من بين المخرجين جميعا الذي أنفرد بإخراج جميع أفلام مطرب الملوك والأمراء “محمد عبد الوهاب” بدءا من فيلمه الأول “الوردة البيضاء” (1933) واخيرا ، وهو يقترب من نهاية المشوار، كان أول عميد لمعهد السينما.

وكل هذا ، كان لابد وأن يؤهله للقب “شيخ المخرجين” ، ويعرف عنه ولعه بالسينما منذ أن كان صغيرا يشع نفدة الصبا وزهو الشباب.

ومع بداية العقد الثاني من القرن العشرين سافر الى روما ، ومنها الى برلين ، حيث حاول أقتحام عالم التمثيل ، وفي أثناء أقامته في العاصمة الالمانية ، أتاحت له الأقدار فرصة ذهبية الا وهي مراقبة المخرج الالماني الشهير “فريتز لانج”، و هو يبدع فيلمه الشهير “متروبوليس”  داخل استديوهات “أوفا”.

وعن تلك التجربة الفريدة كتب في مذكراته ما يلي “ذهبت مرة اخرى الى المخرج  “فريتز لانج” وطلبت منه تصريحا بحضور عملية الاخراج كلها ، ودخول الاستديو في أي وقت ، وكان الرجل سمح النفس ، فأعطاني التصريح وفي ستوديوهات “أوفا” عرفوا أني أدرس الاخراج فقدموا لي كل المساعدات المتاحة لأتعلم على الطبيعة ” ، وكان تصوير “متروبوليس” يحتاج الى ادارة خمس عشرة كاميرا في وقت واحد ، كلها تدار باليد ، وكانت صداقتي تسمح لي بالنظر في الكاميرا الي زوايا التصوير ، وأدهش من الدقة والاحكام اللذين كان يتم بهما هذا العمل ، وكنت أسجل كل الدروس التي أراها ، وكأني في أكبر الكليات الجامعية ، وهل تتاح في الدراسات الجامعية مثل هذه التجربة التي لا تتكرر؟.

فإذا قلت أني خريج “متروبوليس” ، فانما أعني السنة التي قضيتها بين عمالقة فن الاخراج وصناعاته في ستديوهات “أوفا”.

وخلال عام 1926 عاد “كريم” الى مصر ، حيث اخرج فيلما تسجيليا قصيرا “حدائق الحيوان” (1927) لحساب شركة مصر للتمثيل و السينما.

وبفضل “يوسف وهبى” صديقه الحميم ، اخرج فيلمه الروائي الأول “زينب” ، وكان صامتا ، ثم فيلمه الروائي الثاني “أولاد الذوات”، و كان متكلما ، وكلاهما من انتاج ذلك الصديق.

واذ جاءته الشهرة نتيجة هذين الفيلمين، وكان مطرب الملوك والأمراء تواقا لطرق باب السينما ، فقد رتبت الأمور بحيث يلتقي الاثنان في حفل أقامه الصحفي الشهير “فكري أباظة” في مدينة الزقازيق ، شرقي الدلتا، وفي لقائهما الأول هذا عرف “كريم” أن “عبد الوهاب” يرغب في أن يظهر على الشاشة، ويريد أن يخرج له فيلما.

وبطبيعة الحال وافق “كريم”، واتفق الاثنان على أن يستعينا في انتاج الفيلم بالكتمان وفي سرية وتكتم شديدين، بدأت جلسات البحث عن رواية تصلح لأن يكون بطلها مطرب الملوك والأمراء وعلى عكس كل ما هو متعارف عليه في صناعة الأفلام ، بدأ العمل في الفيلم بأختيار الاسم، وكان ثمة اسمان مطروحان، “الوردة الحمراء” أم “الوردة البيضاء”، ووقع الأختيار على الاسم الاخير، وبطبيعة الحال نجح الفيلم، وكان استقبال الجمهور له حافلا. 

ولقد كان من آثار هذا النجاح أن أحتكر “عبد الوهاب” شيخ المخرجين، صار مخرجه الملاكي، كما كانوا يصفونه، وآية ذلك أنه لم يخرج طوال الفترة من 1933 وحتى 1944 الا أفلاما بطلها “عبد الوهاب”، وعندما حاول “كريم” أن يتحرر من أغلال هذا الأحتكار، باخراج أفلام أبطالها غير مطرب الملوك والأمراء، لم يصادفه التوفيق.

أم كــلثـــوم 1904 – 1975 + مـحـمـد عبـد الــوهـاب 1897 – 1990

كان محمد عبد الوهاب و أم كلثوم فرسا رهان ، متنافسان متخاصمان في كل شئ متصل بفن الغناء ، في الموسيقى الشرقية ، و كيف يكون التطور بها نحو الصعود و الأرتقاء ، في الشهرة و المجد ، بأن أتخذ هو لنفسه لقب مطرب الملوك و الأمراء ، و أتخذت هي لنفسها لقب كوكب الشرق ساطعه وحدها به في السماء .

في الوقت الذي أصبح فيه صوت كليهما ناضجا ، مكتمل النبرات مصقول المساحة ، بحيث أهلهما أن يقدما نفسيهما به الى المستمعين بوصفهما مطربين جديدين ، غير متفيئين بظلال المطربين القدماء ، فذلك الوقت كان منتصف العشرينات في إجتذاب السينما لهما ، فقد جاء هو الآخر في وقت يكاد يكون واحدا .

ففي النصف الأول من عقد الثلاثينات ، كان أمرا طبيعيا أن تتنافس الأفلام الغنائية حول “عبدالوهاب” و “أم كلثوم” كما كانت تتنافس حولهما شركات الأسطوانات في ذلك الحين .

فكلاهما كان في بداية ذلك العقد أشهر المطربين و المطربات ، و هكذا ظهر فيلم “الوردة البيضاء” (1933) الذي كان بداية مجد “عبدالوهاب” الفني و ثرائه ، و فيلم “وداد” (1936) أول إنتاج لشركة مصر للتمثيل و السينما و أول عمل سينمائي لأم كلثوم ، غردت فيه مجموعة من أغانيها المتطورة البديعة ، و تقاضت عنه خمسة الاف جنيه ، و كان أجرا خياليا ، في تلك الأيام ، و كانت الأرباح الوفيره التي تدفقت من عرض هذين الفيلمين حافزا للأستمرار في أستغلال صوت الاثنين في الأفلام الغنائية أما “عبد الوهاب” فقد آثر أن يستغل نفسه بنفسه ، و أنتج لحسابه الخاص جميع أفلامه .

و أما أم كلثوم ، فأستمرت تعمل لحساب شركات السينما نظير أجر كبير ، و الغريب أن عدد الأفلام التي لعب فيها كل واحد منهما دورا بالتمثيل و الغناء ، يكاد يكون متماثلا ، لم يزد بالنسبة لعبد الوهاب عن سبعة آخرها “لست ملاكا” (1946) ، و النسبة لأم كلثوم عن سنة آخرها “فاطمة” (1947) ، و ثمة أختلاف بين أفلام الاثنين ، “فعبد الوهاب” جميع أفلامه ، أحداثها لا تجري في الماضي ، و أنما في الحاضر ، في حين أن “أم كلثوم” أفلامها ، ازاء الماضي و الحاضر تنقسم نصفين بالتمام “فوداد” و “دنانير” (1940) و “سلامه” (1945) ، ترتد أحداثها الى الماضي البعيد ، أيام الأسلام الأولى ، و خاصة عصر العباسيين .

و باقي أفلامها “نشيد الأمل” (1937) و “عايدة” (1942) و “فاطمة” أحداثها تدور في العصر الحديث .

و يعرف عن أغاني أفلام “عبد الوهاب” سواء أكان هو مؤديها أم الممثلة التي تشاركه البطولة و هي “نجاة” في “دموع الحب” (1935) ، و “ليلى مراد” في “يحيا الحب” (1938) و “رجاء عبده” في “ممنوع الحب” (1942) ، يعرف عنها أنها جميعا من تلحينه ، دون شريك .

أما أغاني أفلام أم كلثوم ، فلم ينفرد بها ملحن ، و أنما تقاسم إبداع ألحانها ثلاثة كبار “محمد القصبجي” ، “زكريا أحمد” و “رياض السنباطي” .

و لأن صوت “عبد الوهاب” الذهي ، بجمال و كمال أوتاره ، كان اخذا في الضعف ، منذ “الوردة البيضاء” ، فقد عمل على اجتذاب أصوات نسائية واعدة ، تشاركه في أفلامه الغناء ، بدءا من “نجاة” ، و حتى “أسمهان” .

و كان صوت “أم كلثوم” على العكس من ذلك تماما فقد ظل قويا ، عفيا ، و من هنا أنفرادها بالغناء في جميع أفلامها ، و ذلك بأستثناء أغنية يتيمة في “وداد” لم يغرد صوتها بها و هي “على بلد المحبوب” و لكنها سرعان ما غنتها بنجاح على اسطوانة خارج الفيلم و بأستثناء “عايدة” ، حيث شاركها بطل الفيلم “إبراهيم حمودة” الغناء .

و ختاما ، فالأمر الأكيد أن “عبد الوهاب” و “أم كلثوم” كانا رائدين فتحا بأفلامهما الطريق لأزدهار السينما ، و ظهور مطربين و مطربات من جميع الأنواع أثروا بغنائهم الأفلام .