تـــوجـــو مزراحــــي 1905-1986

ينفرد مزراحي بين جميع كبار المخرجين الأوائل الذين قامت على أكتافهم صناعة السينما في مصر ، بأنه كان يهوديا ، حاصلا على درجة دكتوراه في الاقتصاد من فرنسا ، مجيدا أكثر من لغة ، خاصة الفرنسية و الايطالية ، و الأهم أنه كان غزير الانتاج ، اخرج خلال ستة عشر عاما اثنين و ثلاثين فيلما .

و أول عهده بالسينما كان عام 1930 ، حين أخرج فيلم “الكوكايين” الذي عرض فيه لمضار الإدمان ، و كان أول عرض له تحت اسم آخر “الهاوية” و في مدينة الأسكندرية ، حيث كان يمتلك ستوديو خاصا في حي باكوس .

و لم ينتقل مزراحي الي القاهرة بنشاطه الا في أثناء عام 1938 ، فبدءا من ذلك التاريخ ، استأجر ستوديو وهبى كي يجعل منه مقرا له ، و منطلقا للإنتاج ، و أكيد أن الدور الكبير الذي لعبه في الأخذ بيد السينما و هي لا تزال تحبو ، أهله لأن يكون أهم مخرج مصري خلال الفترة الأولى من عمر تلك السينما .

ومما يعرف عنه ، أنه في إبداعه لأفلامه كان أقرب الي المخرج و المؤلف ، فهو المنتج و كاتب السيناريو و مصمم المناظر و المؤلف ، بل و الممثل في بعض الأحيان ، و أنه لم يترك نوعا من الأنواع السينمائية السائدة في زمنه الممتد من 1930 حتى 1941 ، إلا و كان له شأن معه بأكثر من فيلم .

فأفلامه من بينها ايضا أفلام تاريخية ، و اخرى مستوحاه من التراث ، و خاصة ما كان منه متصلا بحكايات الف ليلة و ليلة و لأنه كان يعشق السينما ، و معها فن التمثيل ، فقد عمل في البداية ، على تغيير أسمه الى “أحمد مشرقي” حتى يستطيع الظهور في أفلامه ، دون أن يؤدي ذلك الى إيذاء شعور أسرته .

و على كل ، فهذا التغيير جاء متمشيا مع تقليد كان سائدا وقتذاك ، بموجبه يستبدل الممثل المنتمي الي الطائفة اليهودية بأسمه الوارد في شهادة الميلاد ، اسما فنيا جديدا ، يكاد يكون مشتركا بين الديانات الثلاث ، اليهودية و المسيحية و الأسلام ، و مؤكدا أن صاحب الاسم الجديد غير منتم الي دين معين بالتحديد ، و مع ذلك فمزراحي لم يحتفظ بأسمه الجديد زمنا طويلا .

و من ابتكاراته الكثير رسمه لشخصية يهودية واضحة المعالم ، أسماها شالوم مع إسناده البطولة لها في أربعة أفلام “المندوبان” (1934) ،”شالوم الترجمان” (1935) ، “شالوم الرياضي” و “العز بهدلة” (1937) .

و مما ينسب اليه أنه جعل من بربري مصر الوحيد الممثل الهزلي “علي الكسار” نجما سينمائيا في تسعة أفلام ، لأذكر من بينها “ألف ليلة و ليلة” (1941) ، “علي بابا و الأربعين حرامي” (1942) و “نور الدين و البحارة الثلاثة” (1944) .

و كما يبين من أسماء الأفلام الثلاثة ، فهي مستوحاه من التراث الأدبي العربي القديم .

و من العجب ، أنه بعد إتهام صاحبه بالصهيونية مما دفعه الي الخروج من مصر الي ايطاليا ، حيث عاش بهاجرا ، حتى جاءه الموت ، بعد ذلك ، لم يحاول أحد من كبار مخرجي السينما المصرية أن يغترف من ذلك التراث الغني شيئا .

و لعل واحد من أهم إنجازاته أنه جعل من المطربة “ليلى مراد” ممثلة و نجمة ، و ذلك بفضل خمسة أفلام ، اخرها “ليلى في الظلام” (1944) .

و عن قيامه بإسناد دور الفتاة العمياء لها ذكرت “ليلى مراد” في كتيب الدعاية الخاص بهذا الفيلم الآتي : 

“لما عرض فيلم ليلى و لقى نجاحا كبيرا ، جاء يعرض علي تمثيل الفتاة العمياء في فيلم ليلى في الظلام ، فضحكت قائلة يا دهوتي !! طيب تمثيل أدوار المرض و الموت عرفناها انما أدوار العمى أمثلها إزاي ؟ و لكني مثلت الدور..و كان الفضل له دائما” .

و عن ادائها الدور كتب الأديب الصحفي “أحمد الصاوي محمد” عن تجربته في مشاهدة الفيلم مع الأديب “توفيق الحكيم” :

“تأثرنا بتمثيل ليلى مراد أشد التأثير ، و خرجنا في نهاية الفيلم و توفيق الحكيم يقسم لي أن هذه أول مرة تدمع عيناه في فيلم مصري” .

و اخيرا ، فلقد كان “سلامة” (1946) واحدا من أهم أفلامه ، قبل الخروج من مصر ، و قصته و ياللعجب مستوحاه من التاريخ العربي القديم ، و بفضل أغانيه ، و هي من تأليف “بيرم التونسي” و تلحين “زكريا أحمد” ، و بفضل إيقاعه السريع ، حقق الفيلم نجاحا كبيرا ، و كان أحسن فيلم مثلته “أم كلثوم” سيدة الغناء العربي على مر العصور .

نيـــــازي مصطفــــى 1911-1986

عاصر “نيازي” السينما المصرية أكثر من نصف قرن من عمر الزمان ، بدأ من أرهاصانها الأولى كصناعة في منتصف عقد الثلاثينيات ، و حتى 19 أكتوبر 1986 عندما عثر على جثته في شقته ، و قد فارق الحياة بجريمة قتل ، لا يعرف الدافع إليها ، ولا مرتكبوها حتى يومنا هذا  و الجانب المضئ من قصة حبه للسينما ، بدأ عندما نجح في إقناع والده بأن يتيح له فرصة السفر إلى المانيا ، كي يدرس الهندسة ، و لكنه ما أن وطأت قدماه أرض المانيا ، حتى إستبدل بدراسة الهندسة ، دراسة السينما في المعهد العالي للسينما بميونخ  و بعد تخرجه في ذلك المعهد ، تدرب في إستوديوهات “أوفا” ببرلين (1932) ، ثم عمل مساعدا للمخرج  الألماني “روبرت فولموت”  و ما أن عاد إلى مصر ، حتى عمل مساعدا للمخرج “يوسف وهبى” في فيلم “الدفاع” (1935) و ما أن لبس أن التحق بشركة مصر للتمثيل و السينما ، حيث بدأ مشواره مع الأطياف ، بأخراج أفلام تسجيلية عن أنشطة شركات بنك مصر كان من بينها “سوق الملاح” (1936) الذي كان لا يعدو أن يكون إسكتشا غنائيا راقصا لبديعه مصابني ، و فرقتها الإستعراضية ، التي كانت وقتذاك ، تضم بين صفوفها “تحية كاريوكا” راقصة مصر الأولى أبان عقدي الأربعينيات و الخمسينيات ، و لدى الأنتهاء من بناء ستوديو مصر ، جرى تعيينه فيه ، رئيسا لقسم التوليف (المونتاج).

كما جرى تكليفه بالإشراف على إنتاج الأعداد الأولى من جريدة “مصر الناطقة”، و من بين الأفلام التي ولفها ، قبل صيرورته مخرجا ، “وداد” (1936) و “لاشين” (1939)

 و كلاهما من إخراج الالماني “فريتز كامب” .

و أول فيلم روائي طويل قام “نيازي” إخراجه كان “سلامة في خير” (1937) الذي كشف عن موهبته ، و سرعة إستيعابه للغة السينما ، على وجه جعله متميزا ، بين جميع السينمائيين الأوائل. و في هذه الأثناء ، تزوج من مساعدته في التوليف ، السمراء “كوكا” التي سارع بإسناد البطولة لها في فيلم “مصنع الزوجات” (1941) و في أفلام اخرى ، بعد ذلك لعبت فيها دور بدوية لعل أهمها “رابحة” (1941) و “عنتر و عبلة” و “راويه” (1946).

بإستثناء فيلميه الهزليين “سلامة في خير” و “سي عمر” (1941) ، و كلاهما كان بطله “نجيب الريحاني” أشهر ممثل كوميدي في ذلك الحين ، و كلاهما حقق نجاحا كبيرا .     

فقد جنح في أفلام بداية عهده بالأخراج الى إبداع أعمال سينيمائية إجتماعية جاد ، تحمل رسالة  تثير الجدل ، إستهلها “بالدكتور” (1939) “فمدرسة الفتيات” ، “فوادي النجوم” (1943) .

و لأن الأفلام الثلاثة لم تحقق أي نجاح جماهيري ، هذا في الوقت الذي كانت أفلام الحركة

 و الرقص و الغناء و أكثرها تافه ، و لمخرجين أقل منه شأنا يتدافع على مشاهدتها الناس .

لذلك قرر أن ينحو بأفلامه منحنى تجاريا خالصا ، بدأ “برابحه” ثم “طاقية الأخفاء” حيث أستعمل الحيل السينمائية بحرفية ، لم تكن في وسع أحد سواه و رغم أن ميزانية الفيلم كانت متواضعة (8500 جنيه) و رغم أن ممثليه كانوا من نجوم الدرجة الثانية وقتذاك مثل “محمد الكحلاوي”

و “تحية كاريوكا” و “بشارة واكيم” ، الا أن الفيلم حقق إيرادات خيالية وصلت الى مائتين و خمسين ألف جنيه و هو رقم كبير بأسعار ذلك الزمان .

و بفضل هذا النجاح صعد نجم “نيازي” على وجه أتاح له فرصة إخراج عشرات الأفلام .

و الأكيد أن أحدا من المخرجين لا يستطيع أن يجاريه في عددها و في تنوعها .

و ليس محض صدفة أن يكون أخر فيلم له أسمه “القرداتي” (1986) ، و أن يسند “نيازي” البطولة المطلقة لقرد أسمه “سمسم” ، و أن يقتل قبل أستكماله لتوليفه (المونتاج) .

رشـــدي أبـــاظـــة 1927-1982

كان مختلفا في كل شئ ، فقد ولد لأم ايطالية ، وأب مصري من عائلة عريقة ، عميقة الجذور في محافظة الشرقية ، متفرعة شجرتها الى أعلى المراكز من أجهزة الدولة ، و مجالات الثقافة و الإعلام و الإقتصاد .

و حينما كان في كلية سان مارك بالأسكندرية ، لم ينصب أهتمامه على الدرس و التحصيل ، بقدر ما أنصب على تربية جسمه رياضيا ، فما كان سببا في تميزه بجسم مفتول العضلات ، متجانس الأعضاء ، كنجوم هوليوود ، في كل زمان ، فضلا عن وجه ذي ملامح تشع روحا مصرية متزاوجة بروح رومانية ، جعلت من صاحبه شابا وسيما ، ما أن التقت به عين الكاميرا ، حتى وقعت في أسر حبه ، و ظلت أسيرته ، لا تستطيع منه فكاكا ، زهاء ربع قرن من عمر الزمان .

هذا ، و مما أهله ، لأن يكون نجما ساطعا ، زمنا غير قصير ، خفة ظل أفتقدها نجوم كان لهم شأن كبير مثل “حسين صدقي” و “محسن سرحان” ، بالإضافة الى خفة حركة ، أهله لها مرونة جسمه و علاقته الحميمة بالكاميرا ، و الأهم مجيئه الى السينما مباشرة ، دون مرور بالمسرح ، الأمر الذي جعل أدواره سينمائيا خالصا ، غير مشوب بلغة المسرح ، و ذلك على عكس معظم نجوم ذلك العصر ، أمثال “يوسف وهبى” ، “يحيي شاهين” و “شكري سرحان” . و كان أول ظهور له على الشاشة في دور صغير في فيلم “المليونيرة الصغيرة” (1948) بطولة “فاتن حمامة” و إخراج “كمال كريم” .

و باستثناء المخرجين الايطاليين “چوفريدو السندريني” و “ڨيرنتشو” اللذين أسندا اليه أدوارا ، شدت اليه الأنتباه، الأول بفيلمه “أمينة” (1949) و الثاني بفيلميه “امرأة من نار” (1950) و “شم النسيم” (1952) ، باستثنائهما ، فأحد من المخرجين المصريين ، سواء أكانوا صغارا أم كبارا مثل “بركات” و “أبوسيف” و “الشيخ” ، لم يتنبه الى أن نجما جديدا ، آخذا في التكوين ، و بمولده ستنتقل السينما المصرية الى حال أفضل ، لو أحسن الأستغلال للنجم الوليد .

و من هنا أكتفاؤهم بإسناد أدوار صغيرة تافهة لرشدي في أكثر من فيلم لمدة من عمر الزمان طالت الى سبعة أعوام ، أو يزيد ، كان فيها يتقمص شخصية شاب مستهتر ، و أحيانا شرير . و لو كان قد كتب لحاله هذا مع الأفلام ، حينا أطول من الزمان لأنتهى الأمر بنجمه الى الأفول  قبل أن يضئ ، على كل ، فقد بدأ نجمه في الصعود ، عندما أسند اليه المخرج “حسين فوزي” بطولة فيلميه “بحر الغرام” (1955) و “تمر حنة” (1957) أمام “نعيمة عاكف” التي كانت في أوج مجدها حينذالك .

اثر ذلك اشتدت المنافسة على “رشدي” ، بين كبار صانعي الأفلام ، لم يشذ عنهم سوى “توفيق صالح” و “يوسف شاهين” ، و أقل أفلامهم معه التي لعب فيها دورا رئيسيا “تجار الموت” (1953) “لكمال الشيخ” ، و “طريق الأمل” (1957) ، و “امرأة في الطريق” (1958) “لعز الدين ذو الفقار” ، و في الفيلمين الآخريين نجح “رشدي” في سرقة الكاميرا من “شكري سرحان” الذي أقتسم معه البطولة ، و ذلك رغم أن كان فتى السينما الأول ، وقتذاك ، و مع مجئ الشهرة ، أغرقوه بالأفلام ، حتى أنه خلال عام واحد (1960) ، أسندوا اليه بطولة أحد عشر فيلما ، قام فيها بالتمثيل أمام عدد كبير من كواكب ذلك العصر من بينهم “كاريوكا” و “هدى سلطان” و “مريم فخر الدين” و “ماجدة” .

و في أثناء العام التالي أختاره المخرج “عباس كامل” بطلا لفيلمه “هـ 3” أمام “سعاد حسني” . و بدءا من هذا الفيلم تولد من النجمين “سعاد و رشدي” ثنائي جميل ، أشع عطرا و سحرا ، أستمرا زهاء ثلاثة عشر عاما ، من خلال أثنى عشر فيلما ، كان ختامها “أين عقلي” (1974) للمخرج “عاطف سالم”  

و بالأقتراب من الخمسين ، بدأت آثار اسرافه في البحث عن اللذات ، في الظهور ، فأعتلت صحته ، و ساءت أفلامه في الأعوام السبعة الأخيرة من حياته ، بحيث قد لا يبقى منها على شاشة ذاكرة السينما سوى “أريد حلا” (1975) “لبركات” و “عالم عيال عيال” (1975) “لمحمد عبد العزيز” ، و في العام الآخير من حياته ، بينما كان يمثل ، أشتدت عليه العلة ، فكان أن داهمه الموت ، قبل أن يكمل دوره في فيلم “الأقوياء” .