كــمـــال ســلـــيــــم 1913-1945

ولد مخرج “العزيمة” في أسرة متوسطة الحال و ما لبث ، و لما يزال تلميذا في الثانوية ، أن فقد أباه ، الذي مات مخلفا متجرا للحرير و لأنه كان أكبر إخوته ، فقد حددت الأسرة لحياته مسارا ، لا يحيد عنه ، و هو أن يخلف أباه في الأشراف على متجر الحرير .

و لكن عشق السينما منذ الصغر ، و إفتتانه بالنجم العالمي “رودلف فالنتينو” ، رسما له مسارا آخرا ، بدأ بهروبه من أسرته ، و سفره الى الخارج ، بأمل دراسة السينما في فرنسا ، حيث شاء له عبث الأقدار أن ترتكب جريمة إغتيال رئيس جمهورية فرنسا ، بعد وصوله الى ميناء مارسيليا بأيام ، و هو ما كان سببا في ترحيله الى مصر ، حيث أخذ يدرس السينما ، من خلال قراءة الصحف و المجلات السينمائية العالمية ، و مشاهدة الأفلام ، و في هذه الأثناء سعى جاهدا للحصول على بعثة دراسية ، عن طريق بنك مصر ، غير أن سعيه لم يصادفه التوفيق .

و من هنا إنصراف نيته الي ممارسة هوايته علميا ، و فعلا ، قام بتقمص شرفية رجل بائس في فيلم اسمه “إبتسامة الشيطان”.

و خلال عام 1937 كلفه صاحب شركة “أوديون للإسطوانات” ، بناءا على إلحاحه ، بإخراج فيلم “وراء الستار” ، الذي إقتسم بطولته المطربان “عبدالغني السيد و رجاء عبده” ، هذا و لم يصادف فيلمه الأول الذي كان ضعيفا فنيا ، نجاحا تجاريا ، في حين أن أغانيه ، على العكس من ذلك، لاقت نجاحا كبيرا .

و على كل ، فبفضله ، أتيحت له فرصة الالتحاق باستديو مصر ، في وظيفة كاتب سيناريو .

و بعد السيناريو الأول الذي كتبه لفيلم “الدكتور” (1939)، و نجح في إقناع مسئولي الاستديو بأمرين أنتاج فيلم عن سيناريو من تأليفه ، و تكليفه بترجمته الي لغة السينما ، بمعنى إخراجه .

و بداية كان الأسم المختار للفيلم “في الحارة” ، إلا أنه سرعان ما إستغنى عنه ، ليستبدل به اسم “العزيمة” (1939) ، الذي أصبح بعد نجاح الفيلم جماهيريا ، اسما يجري على كل لسان .

و شهرة “العزيمة” ، و صيرورته علامة بارزة في تاريخ السينما المصرية ، أنما ترجع الى أنه أول فيلم مصري ، يعرض لقضية ، قد تكون بسيطة ، و ربما ساذجة ، إلا أنه جرى تقديمها داخل إطار واقعي ، بالتحديد حارة ، تسكنها نماذج من الناس العاديين .

و كان المتوقع لأول فيلم يخرجه بعد ذلك ، و هو “الى الأبد” (1941) أن يكون على نفس مستوى “العزيمة” و لكن على عكس كل التوقعات ، جاء ضعيفا فنيا ، فاشلا تجاريا .

و بدءا من هذه النكسة ، أخذت أفلامه في الإنحدار ، بحيث أصبحت لا تمت بصلة الى “العزيمة” لا من قريب أو بعيد .

و بينما كان منهمكا في الإعداد لفيلم “ليلى بنت الفقراء” جاءه الموت ، و هو في الثانية و الثلاثين مخلفا تركه من عشرة أفلام ، لم يبرز من بينها سوى “العزيمة” ، أشهر فيلم مصري بلا جدال.

تـــوجـــو مزراحــــي 1905-1986

ينفرد مزراحي بين جميع كبار المخرجين الأوائل الذين قامت على أكتافهم صناعة السينما في مصر ، بأنه كان يهوديا ، حاصلا على درجة دكتوراه في الاقتصاد من فرنسا ، مجيدا أكثر من لغة ، خاصة الفرنسية و الايطالية ، و الأهم أنه كان غزير الانتاج ، اخرج خلال ستة عشر عاما اثنين و ثلاثين فيلما .

و أول عهده بالسينما كان عام 1930 ، حين أخرج فيلم “الكوكايين” الذي عرض فيه لمضار الإدمان ، و كان أول عرض له تحت اسم آخر “الهاوية” و في مدينة الأسكندرية ، حيث كان يمتلك ستوديو خاصا في حي باكوس .

و لم ينتقل مزراحي الي القاهرة بنشاطه الا في أثناء عام 1938 ، فبدءا من ذلك التاريخ ، استأجر ستوديو وهبى كي يجعل منه مقرا له ، و منطلقا للإنتاج ، و أكيد أن الدور الكبير الذي لعبه في الأخذ بيد السينما و هي لا تزال تحبو ، أهله لأن يكون أهم مخرج مصري خلال الفترة الأولى من عمر تلك السينما .

ومما يعرف عنه ، أنه في إبداعه لأفلامه كان أقرب الي المخرج و المؤلف ، فهو المنتج و كاتب السيناريو و مصمم المناظر و المؤلف ، بل و الممثل في بعض الأحيان ، و أنه لم يترك نوعا من الأنواع السينمائية السائدة في زمنه الممتد من 1930 حتى 1941 ، إلا و كان له شأن معه بأكثر من فيلم .

فأفلامه من بينها ايضا أفلام تاريخية ، و اخرى مستوحاه من التراث ، و خاصة ما كان منه متصلا بحكايات الف ليلة و ليلة و لأنه كان يعشق السينما ، و معها فن التمثيل ، فقد عمل في البداية ، على تغيير أسمه الى “أحمد مشرقي” حتى يستطيع الظهور في أفلامه ، دون أن يؤدي ذلك الى إيذاء شعور أسرته .

و على كل ، فهذا التغيير جاء متمشيا مع تقليد كان سائدا وقتذاك ، بموجبه يستبدل الممثل المنتمي الي الطائفة اليهودية بأسمه الوارد في شهادة الميلاد ، اسما فنيا جديدا ، يكاد يكون مشتركا بين الديانات الثلاث ، اليهودية و المسيحية و الأسلام ، و مؤكدا أن صاحب الاسم الجديد غير منتم الي دين معين بالتحديد ، و مع ذلك فمزراحي لم يحتفظ بأسمه الجديد زمنا طويلا .

و من ابتكاراته الكثير رسمه لشخصية يهودية واضحة المعالم ، أسماها شالوم مع إسناده البطولة لها في أربعة أفلام “المندوبان” (1934) ،”شالوم الترجمان” (1935) ، “شالوم الرياضي” و “العز بهدلة” (1937) .

و مما ينسب اليه أنه جعل من بربري مصر الوحيد الممثل الهزلي “علي الكسار” نجما سينمائيا في تسعة أفلام ، لأذكر من بينها “ألف ليلة و ليلة” (1941) ، “علي بابا و الأربعين حرامي” (1942) و “نور الدين و البحارة الثلاثة” (1944) .

و كما يبين من أسماء الأفلام الثلاثة ، فهي مستوحاه من التراث الأدبي العربي القديم .

و من العجب ، أنه بعد إتهام صاحبه بالصهيونية مما دفعه الي الخروج من مصر الي ايطاليا ، حيث عاش بهاجرا ، حتى جاءه الموت ، بعد ذلك ، لم يحاول أحد من كبار مخرجي السينما المصرية أن يغترف من ذلك التراث الغني شيئا .

و لعل واحد من أهم إنجازاته أنه جعل من المطربة “ليلى مراد” ممثلة و نجمة ، و ذلك بفضل خمسة أفلام ، اخرها “ليلى في الظلام” (1944) .

و عن قيامه بإسناد دور الفتاة العمياء لها ذكرت “ليلى مراد” في كتيب الدعاية الخاص بهذا الفيلم الآتي : 

“لما عرض فيلم ليلى و لقى نجاحا كبيرا ، جاء يعرض علي تمثيل الفتاة العمياء في فيلم ليلى في الظلام ، فضحكت قائلة يا دهوتي !! طيب تمثيل أدوار المرض و الموت عرفناها انما أدوار العمى أمثلها إزاي ؟ و لكني مثلت الدور..و كان الفضل له دائما” .

و عن ادائها الدور كتب الأديب الصحفي “أحمد الصاوي محمد” عن تجربته في مشاهدة الفيلم مع الأديب “توفيق الحكيم” :

“تأثرنا بتمثيل ليلى مراد أشد التأثير ، و خرجنا في نهاية الفيلم و توفيق الحكيم يقسم لي أن هذه أول مرة تدمع عيناه في فيلم مصري” .

و اخيرا ، فلقد كان “سلامة” (1946) واحدا من أهم أفلامه ، قبل الخروج من مصر ، و قصته و ياللعجب مستوحاه من التاريخ العربي القديم ، و بفضل أغانيه ، و هي من تأليف “بيرم التونسي” و تلحين “زكريا أحمد” ، و بفضل إيقاعه السريع ، حقق الفيلم نجاحا كبيرا ، و كان أحسن فيلم مثلته “أم كلثوم” سيدة الغناء العربي على مر العصور .

نيـــــازي مصطفــــى 1911-1986

عاصر “نيازي” السينما المصرية أكثر من نصف قرن من عمر الزمان ، بدأ من أرهاصانها الأولى كصناعة في منتصف عقد الثلاثينيات ، و حتى 19 أكتوبر 1986 عندما عثر على جثته في شقته ، و قد فارق الحياة بجريمة قتل ، لا يعرف الدافع إليها ، ولا مرتكبوها حتى يومنا هذا  و الجانب المضئ من قصة حبه للسينما ، بدأ عندما نجح في إقناع والده بأن يتيح له فرصة السفر إلى المانيا ، كي يدرس الهندسة ، و لكنه ما أن وطأت قدماه أرض المانيا ، حتى إستبدل بدراسة الهندسة ، دراسة السينما في المعهد العالي للسينما بميونخ  و بعد تخرجه في ذلك المعهد ، تدرب في إستوديوهات “أوفا” ببرلين (1932) ، ثم عمل مساعدا للمخرج  الألماني “روبرت فولموت”  و ما أن عاد إلى مصر ، حتى عمل مساعدا للمخرج “يوسف وهبى” في فيلم “الدفاع” (1935) و ما أن لبس أن التحق بشركة مصر للتمثيل و السينما ، حيث بدأ مشواره مع الأطياف ، بأخراج أفلام تسجيلية عن أنشطة شركات بنك مصر كان من بينها “سوق الملاح” (1936) الذي كان لا يعدو أن يكون إسكتشا غنائيا راقصا لبديعه مصابني ، و فرقتها الإستعراضية ، التي كانت وقتذاك ، تضم بين صفوفها “تحية كاريوكا” راقصة مصر الأولى أبان عقدي الأربعينيات و الخمسينيات ، و لدى الأنتهاء من بناء ستوديو مصر ، جرى تعيينه فيه ، رئيسا لقسم التوليف (المونتاج).

كما جرى تكليفه بالإشراف على إنتاج الأعداد الأولى من جريدة “مصر الناطقة”، و من بين الأفلام التي ولفها ، قبل صيرورته مخرجا ، “وداد” (1936) و “لاشين” (1939)

 و كلاهما من إخراج الالماني “فريتز كامب” .

و أول فيلم روائي طويل قام “نيازي” إخراجه كان “سلامة في خير” (1937) الذي كشف عن موهبته ، و سرعة إستيعابه للغة السينما ، على وجه جعله متميزا ، بين جميع السينمائيين الأوائل. و في هذه الأثناء ، تزوج من مساعدته في التوليف ، السمراء “كوكا” التي سارع بإسناد البطولة لها في فيلم “مصنع الزوجات” (1941) و في أفلام اخرى ، بعد ذلك لعبت فيها دور بدوية لعل أهمها “رابحة” (1941) و “عنتر و عبلة” و “راويه” (1946).

بإستثناء فيلميه الهزليين “سلامة في خير” و “سي عمر” (1941) ، و كلاهما كان بطله “نجيب الريحاني” أشهر ممثل كوميدي في ذلك الحين ، و كلاهما حقق نجاحا كبيرا .     

فقد جنح في أفلام بداية عهده بالأخراج الى إبداع أعمال سينيمائية إجتماعية جاد ، تحمل رسالة  تثير الجدل ، إستهلها “بالدكتور” (1939) “فمدرسة الفتيات” ، “فوادي النجوم” (1943) .

و لأن الأفلام الثلاثة لم تحقق أي نجاح جماهيري ، هذا في الوقت الذي كانت أفلام الحركة

 و الرقص و الغناء و أكثرها تافه ، و لمخرجين أقل منه شأنا يتدافع على مشاهدتها الناس .

لذلك قرر أن ينحو بأفلامه منحنى تجاريا خالصا ، بدأ “برابحه” ثم “طاقية الأخفاء” حيث أستعمل الحيل السينمائية بحرفية ، لم تكن في وسع أحد سواه و رغم أن ميزانية الفيلم كانت متواضعة (8500 جنيه) و رغم أن ممثليه كانوا من نجوم الدرجة الثانية وقتذاك مثل “محمد الكحلاوي”

و “تحية كاريوكا” و “بشارة واكيم” ، الا أن الفيلم حقق إيرادات خيالية وصلت الى مائتين و خمسين ألف جنيه و هو رقم كبير بأسعار ذلك الزمان .

و بفضل هذا النجاح صعد نجم “نيازي” على وجه أتاح له فرصة إخراج عشرات الأفلام .

و الأكيد أن أحدا من المخرجين لا يستطيع أن يجاريه في عددها و في تنوعها .

و ليس محض صدفة أن يكون أخر فيلم له أسمه “القرداتي” (1986) ، و أن يسند “نيازي” البطولة المطلقة لقرد أسمه “سمسم” ، و أن يقتل قبل أستكماله لتوليفه (المونتاج) .