كان محمد عبد الوهاب و أم كلثوم فرسا رهان ، متنافسان متخاصمان في كل شئ متصل بفن الغناء ، في الموسيقى الشرقية ، و كيف يكون التطور بها نحو الصعود و الأرتقاء ، في الشهرة و المجد ، بأن أتخذ هو لنفسه لقب مطرب الملوك و الأمراء ، و أتخذت هي لنفسها لقب كوكب الشرق ساطعه وحدها به في السماء .


في الوقت الذي أصبح فيه صوت كليهما ناضجا ، مكتمل النبرات مصقول المساحة ، بحيث أهلهما أن يقدما نفسيهما به الى المستمعين بوصفهما مطربين جديدين ، غير متفيئين بظلال المطربين القدماء ، فذلك الوقت كان منتصف العشرينات في إجتذاب السينما لهما ، فقد جاء هو الآخر في وقت يكاد يكون واحدا .
ففي النصف الأول من عقد الثلاثينات ، كان أمرا طبيعيا أن تتنافس الأفلام الغنائية حول “عبدالوهاب” و “أم كلثوم” كما كانت تتنافس حولهما شركات الأسطوانات في ذلك الحين .
فكلاهما كان في بداية ذلك العقد أشهر المطربين و المطربات ، و هكذا ظهر فيلم “الوردة البيضاء” (1933) الذي كان بداية مجد “عبدالوهاب” الفني و ثرائه ، و فيلم “وداد” (1936) أول إنتاج لشركة مصر للتمثيل و السينما و أول عمل سينمائي لأم كلثوم ، غردت فيه مجموعة من أغانيها المتطورة البديعة ، و تقاضت عنه خمسة الاف جنيه ، و كان أجرا خياليا ، في تلك الأيام ، و كانت الأرباح الوفيره التي تدفقت من عرض هذين الفيلمين حافزا للأستمرار في أستغلال صوت الاثنين في الأفلام الغنائية أما “عبد الوهاب” فقد آثر أن يستغل نفسه بنفسه ، و أنتج لحسابه الخاص جميع أفلامه .
و أما أم كلثوم ، فأستمرت تعمل لحساب شركات السينما نظير أجر كبير ، و الغريب أن عدد الأفلام التي لعب فيها كل واحد منهما دورا بالتمثيل و الغناء ، يكاد يكون متماثلا ، لم يزد بالنسبة لعبد الوهاب عن سبعة آخرها “لست ملاكا” (1946) ، و النسبة لأم كلثوم عن سنة آخرها “فاطمة” (1947) ، و ثمة أختلاف بين أفلام الاثنين ، “فعبد الوهاب” جميع أفلامه ، أحداثها لا تجري في الماضي ، و أنما في الحاضر ، في حين أن “أم كلثوم” أفلامها ، ازاء الماضي و الحاضر تنقسم نصفين بالتمام “فوداد” و “دنانير” (1940) و “سلامه” (1945) ، ترتد أحداثها الى الماضي البعيد ، أيام الأسلام الأولى ، و خاصة عصر العباسيين .
و باقي أفلامها “نشيد الأمل” (1937) و “عايدة” (1942) و “فاطمة” أحداثها تدور في العصر الحديث .
و يعرف عن أغاني أفلام “عبد الوهاب” سواء أكان هو مؤديها أم الممثلة التي تشاركه البطولة و هي “نجاة” في “دموع الحب” (1935) ، و “ليلى مراد” في “يحيا الحب” (1938) و “رجاء عبده” في “ممنوع الحب” (1942) ، يعرف عنها أنها جميعا من تلحينه ، دون شريك .
أما أغاني أفلام أم كلثوم ، فلم ينفرد بها ملحن ، و أنما تقاسم إبداع ألحانها ثلاثة كبار “محمد القصبجي” ، “زكريا أحمد” و “رياض السنباطي” .
و لأن صوت “عبد الوهاب” الذهي ، بجمال و كمال أوتاره ، كان اخذا في الضعف ، منذ “الوردة البيضاء” ، فقد عمل على اجتذاب أصوات نسائية واعدة ، تشاركه في أفلامه الغناء ، بدءا من “نجاة” ، و حتى “أسمهان” .
و كان صوت “أم كلثوم” على العكس من ذلك تماما فقد ظل قويا ، عفيا ، و من هنا أنفرادها بالغناء في جميع أفلامها ، و ذلك بأستثناء أغنية يتيمة في “وداد” لم يغرد صوتها بها و هي “على بلد المحبوب” و لكنها سرعان ما غنتها بنجاح على اسطوانة خارج الفيلم و بأستثناء “عايدة” ، حيث شاركها بطل الفيلم “إبراهيم حمودة” الغناء .
و ختاما ، فالأمر الأكيد أن “عبد الوهاب” و “أم كلثوم” كانا رائدين فتحا بأفلامهما الطريق لأزدهار السينما ، و ظهور مطربين و مطربات من جميع الأنواع أثروا بغنائهم الأفلام .