راسبوتين والقيصرة

الأيام التي لها تاريخ قليلة.. بل قليلة جداً.. ويوم 8 من شهر مارس سنة 1917 واحد من هذه الأيام.. بدأ فيه الشعب الروسي ثورة كُبرى ضد الحكم المطلق ازاحت نيقولا الثاني عن عرش القياصرة وانهت حكم آل رومانوف لروسيا الذي استمر ثلاثة قرون.. انهته إلى غير رجعة.
وحول هذه النهاية وكيف جاءت يدور فيلم “نيقولا والكسندرا” (1971) المستوحى عن قصة بنفس الاسم “لروبرت ماسي” اشترى حق انتاجها سينمائياً “سام سبيجل” صاحب “لورنس العرب” و”جسر على نهر كواي” ثم كَلَّف “فرانكلين شافنر” الحاصل على الأوسكار عن فيلمه “باتون” بإخراجها و”فريدي يونج” مبدع “دكتور جيفاجو” و”ابنة رايان” تصويرها. ولأمر ما شاءت الصدف “لنيقولا والكسندرا” أن يكون عرضه في القاهرة قريباً من ذكرى انقضاء ستين سنة على الثورة التي سُميت بثورة فبراير لطبيعة في التقويم الروسي القديم جعلته متأخراً عن التقويم الميلادي السائد أياماً قليلة.

نهاية قيصر آخر

وأن يبوء هذا العرض بالفشل فلا يمكث الفيلم في السينما إلا أسبوعاً واحداً، ويجيء من بعده- ودون حدٍ فاصل- فيلم آخر عن نهاية قيصر آخر “كل رجال الرئيس” للمخرج “آلن باكيولا” وهو نقلٌ أمين إلى لغة السينما لكتاب بنفس الاسم ألفه الصحفيان “بوب وودوارد” و”كارل برنشتين” (أدى دوريهما الممثلان روبرت ردفورد وداستن هوفمان) عن فضيحة ووترجيت ما هي؟ كيف ارتُكِبَت الجريمة.. وكيف أدى هذا الكشف بالرئيس السابع والثلاثين لأغنى دولة في العالم “ريتشارد ميلهاوس نيكسون” أن يخرج من البيت الأبيض مرتعش الصوت من فرط التأثر وهو يقول أن المرء لا يُدرك روعة القمة إلا عندما يذوق مرارة الحضيض.

إرادة الله
ولنيقولا والكسندرا (أدى دوريهما مايكل جايستون وجانيت سوزان الممثلان في فرقة شيكسبير الملكية) نهاية غير نهاية نيكسون.
والفيلم يكتفي بعرض سيرة القيصر والقيصرة من منتصفها لا من أولها، وهو يبدأ بداية سعيدة.. بلحظة من سنة 1904 يزف فيها الأطباء إلى القيصر بُشرى أن القيصرة قد أنجبت له أخيراً- وبعد أربع بنات- ولي عهد وزنه ثمانية أرطال يرث أرض روسيا المقدسة ومن عليها. ولكن السعادة لحظاتها لا تدوم.. فروسيا في حرب مع بلاد الشمس المشرقة تنتهي بالأسطول الروسي في قاع المحيط الهادي.
وولي العهد مريض بالهيموفيليا (نزف دم وراثي جاءه من أمه حفيدة الملكة فيكتوريا) لا يُرجى له شفاء.. يظل مُعلقاً بين اليأس والأمل حتى يُدركه الموت في سن الشباب.. والعمال في مظاهرتهم السلمية بقيادة الأب جابون يُطلق عليهم الرصاص فتصطبغ الثلوج بدماء ألف قتيل في ساحة قصر الشتاء حيث يُقيم القيصر ويحكم بإرادة الله (22 يناير 1905).
ولم يعرض الفيلم شيئاً من تفصيل حياة القيصر والقيصرة خلال هذه الحقبة السابقة على ثورة 1905، وإنما عرض خلاصتها في كثير جداً من الإيجاز. ولو عرض شيئاً من تفصيلها لظهر أمامنا القيصر رجلاً ضعيف الشخصية يؤمن أن الله وضعه على عرش روسيا.. وأن من حقه أن يحكم دون قيود من دستور ودون رقابة من مجلس نيابي منتخب انتخاباً حراً.. يظن أن شعب روسيا متعلق به وبعائلته حباً، إنهم يمارسون كل حقوقهم باسم الله.
ولظهرت القيصرة امرأة متعجرفة ألمانية الأصل.. الأسباب بينها وبين الشعب الروسي مُنقطعة. رسالتها في الحياة أن تساعد زوجها “نيقولا” في مقاومة ضغط هذا الشعب الذي هي عنه غريبة، والحفاظ على سلطاته القيصرية كاملة غير منقوصة له ولابنها ولي العهد من بعده.. تعتقد في الخزعبلات.. إذا ما اصطدمت مصالحها بالعلم وقوانينه لجأت إلى الروحانيات “ابني ليس مريضاً” وتطرد الأطباء لتبحث عن خلاص لها ولوحيدها العليل عند دجال من الذين يتاجرون بالدين اسمه “جريجوري افيموفيتش راسبوتين” (أدى دوره في الفيلم توم بيكر الممثل بالمسرح القومي الإنجليزي) تلتقي به هي والقيصر في إحدى الحفلات في نوفمبر سنة 1905.
ومع هذا اللقاء تتشابك خيوط المأساة وتتلاحم لتتصاعد بأحداثها إلى أن نرى القيصر وأفراد عائلته الستة قريباً من النهاية وقد ساقتهم العاصفة المميتة سجناء في مدينة ياكاترينبورج (سفردلفوف) على مشارف سايبريا (يولية سنة 1918).

الوعد الحق
وهذه النهاية التي هي تمهيد لنهاية أبشع سبقتها أحداث جسام في الحقبة ما بين ثورة 1905 وثورة أكتوبر 1917 (7 نوفمبر 1917) أعرضها كما جاءت في “نيقولا والكسندرا”- وهو فيلم طوله يكاد يقترب من ثلاث ساعات مشوقة تمر في غير إملال- أي من خلال رؤية المخرج التي تجعل من حياة القيصر والقيصرة عماد تاريخ روسيا في الربع الأول من القرن العشرين!!
اضطرت ثورة 1905 القيصر أن يتراجع فيخرج على الشعب ببيان صاغه “ويت” (لورنس أوليفر) يعد فيه بإقامه مجلس تشريعي منتخب (دوما) وبمنح حريات سياسية ومدنية وبالحكم من خلال مجلس وزراء يخضع لرقابة المجلس النيابي المنتخب.
غير أنه- مع عودة الهدوء إلى البلاد- إذا به يتراجع عما التزم به في بيانه فيحل المجلس النيابي ويقيد الحريات ويعزل مجلس الوزراء برئاسة “ويت” ذي الميول الليبرالية.. ويستمر في رجعته فحل كل مجلس لا يجيء على هواه ويعين “ستولبين” رئيساً للوزراء (1907) ليتحول مرة أخرى بروسيا سجناً للشعوب وليظل يحكمها بالحديد والنار إلى أن يغتاله يهودي بينما هو جالس مطمئن داخل مسرح بمدينة كييف، وفي حضور القيصر وأفراد عائلته (14 سبتمبر 1911) ورغم رجعية “ستولبين” فالقيصرة لم تكن تطمئن إليه.. شخص واحد كانت ترتاح إليه.. تثق فيه بل تبجله لأنها ترى فيه قديساً يقرأ قلوب الناس.. أرسله الله الرحيم الكريم لينقذ العرش وروسيا المقدسة، وليكون صوت الشعب الذي كانت تعتقد أنه لا يزال يدين بالولاء للقيصر حاكماً مُطلقاً وذلك على عكس مجتمع المتعلمين الذي كانت تخافه ولا تحمل له سوى الإزدراء.. هذا الشخص هو راسبوتين!!
وعند اندلاع نيران الحرب العالمية الأولى التف أعضاء المجلس التشريعي حول القيصر مؤيدين سياسة الاتجار بالشعب الروسي وقوداً للمدافع في اجماع لم يَشُذّ عنه سوى نفرٌ قليلٌ جداً من البلاشفة ذهب بهم السلطان إلى سيبريا.
فإذا ما تلاحقت الكوارث والفواجع على روسيا بسبب هذه الحرب وانكشف فساد النظام وعجزه عن إدارة الأمور.. اتسعت الهوة بين الشعب الذي ضاق بالحرب وأهوالها وبين النظام المندفع إلى الهاوية. ومما ساعد على اتساع الهوة اعتقاد القيصرة الراسخ في ضرورة الحكم المطلق ونجاحها في اقناع القيصر بمغادرة العاصمة إلى الجبهة ليتولى بنفسه قيادة المعارك، وبالتالي انفرادها بحكم البلاد بأسلوب غَلُب عليه التعسف والهوى.

لعنة راسبوتين
ولارتيابها في المجلس التشريعي.. وفي الوزارة المُنبثقة عنه برغم أنها محافظة فقد دأبت على الاستغناء عن الوزراء الأكفاء.. وعلى الاستعانة برجال نكرات أو إمعات ممن يسعون إلى الوصول بالفساد، وليس لهم من مؤهل أو سند سوى رضاء راسبوتين.
وبدلاً من أن تثوب إلى شيء من الرشد فتتخفف من ثقل مسئوليات الإنفراد بالحكم، وتسمع صوت النذير لاسيما بعد مصرع راسبوتين بتدبير من أمراء العائلة المالكة مساء ليلتي 30 و31 ديسمبر 1916 استمرت في عنادها لا تتعظ.. تحطم في طريقها كل من تحميه وتريد له الخلاص.. وكأن قوة غامضة تسعى بها إلى حتفها وحتف كل من تحب.
ولهذا كله فقد كان لا مناص من ثورة 8 مارس تُجبر القيصر- بعد ثمانية أيام من بدئها- على التنازل عن العرش لشقيقه الارشيدوق ميخائيل الذي اعتذر عن قبوله.. تحددت اقامته هو وأفراد عائلته الستة “بتزاركويي زيلو” إلى أن يؤمروا بالرحيل إلى غربي سيبريا في 14 أغسطس 1917.

عودة ثائر

قبل ذلك وبالتحديد في 16 إبريل 1917 عاد لينين من منفاه في سويسرا إلى روسيا عبر أرض الأعداء- ألمانيا.. وبعد شهر من ذهاب القيصر وعائلته إلى توبولسك غربي سيبريا أُعلنت الجمهورية واختفت القيصرية إلى الأبد.. فإذا ما جاء نوفمبر اهتزت الإنسانية لخبر انتصار أول ثورة اشتراكية في العالم.

وتمر أيام هي في حساب التاريخ أقرب في قيمتها إلى الأعوام ويُعقد صلح برست ليتوفسك الذي به تنتهي الحرب بين روسيا وألمانيا.
ولسوء الحظ فما أن توقفت هذه الحرب ومذبحتها التي استمرت أربع سنوات وذهب ضحيتها من الجيش الروسي سبعة ملايين من أبناء العمال والفلاحين، إلا وبدأت مذبحة ثانية بتحريض وتأييد من انجلترا وفرنسا والولايات المتحدة واليابان.. وكان لها ضحايا بالملايين من بينهم نيقولا الذي كان قيصراً وعائلته.. ففي ليل 29 يولية 1918 أُعدم هو وعائلته بالرصاص في بدروم منزل بياكاترينبورج قبل سقوطها في أيدي البيض المعادين للثورة بأيام.
وبمشهد إعدام العائلة التي أساءت حكم روسيا طوال ربع قرن من عمر الزمن ينتهي فيلم “نيقولا والكسندرا”.. وهو من تلك الأفلام التي تصور الثورة الروسية بغير حب بل بكثير من العداء.
ومن عجب أن صانعيه يريدون من المشاهد أن يتعاطف مع “نيقولا والكسندرا”.. ولكن المشاهد أخلف ظنهم.. فبرغم إظهار الفيلم الثوار غلاظاً بقلوب صهرت من حديد فالمشاهد لا يتعاطف مع “نيقولا” الطاغية الصغير الذي نسمعه يقول وهو قريب من لحظة النهاية الفاجعة: “لا أعرف أيُ خطأ اقترفت.. لو عرفت لاسترحت”!!

 

 

مذبحة البيت الأبيض

لا أتذكر أن فيلما لعب دورا في إسقاط رئيس وإنجاح آخر، مثل الدور الذي لعبه “كل رجال الرئيس”.
فالفيلم قد عرض في الولايات المتحدة قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية (نوفمبر ١٩٧٦) بأشهر قليلة.
وإذا كان جيرالد فورد قد سقط في هذه الإنتخابات، وكان بذلك أول رئيس أمريكي يفقد كرسي الحكم وهو في الحكم منذ فوز روزفلت علي الرئيس “هوفر” في انتخابات ١٩٣٢، فلأن اسمه اقترن بالحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه نيكسون الذي ورط البيت الأبيض بفضيحة ووترجيت، تلك الفضيحة التي ليس لفيلم “كل رجال الرئيس” موضوع سواها.
ومن المعروف أن هذا الفيلم مأخوذ عن قصة تحمل نفس الإسم ألفها صحفيا الواشنطن بوست بوب وودوارد (لعب دوره روبرت ريدفورد) وكارل برنشتين (لعب دوره داستن هوفمان) وذلك من واقع تجربتها التي كللت بالنجاح…. باستسلام نيكسون وخروجه من الرئاسة مستقيلا.
وقد أعاد المخرج “ألان باكيولا” في الفيلم بناء الماضي القريب في أحداث ووترجيت وأراه يقترب من التسجيلي أو يكاد.
ومما يثير الدهشة والإعجاب معا عند مشاهدة الفيلم، أن صاحبه قد التزم خط الفضيحة كما رسم في في قصة “كل رجال الرئيس” وكما استمتع بها الملايين الذين أقبلوا علي قراءتها، إثر فوزها بجائزة “بولتزر“ تتويجا لوقفة مؤلفيها الشجاعة في مواجهة فساد واستبداد سلطة تريد أن تكون فوق القانون.
ولو لم تكن “ووترجيت” تاريخا قريبا جدا، لذهب بنا الظن إلي أن “كل رجال الرئيس” فيلم بوليسي يقوم علي الإثارة والتشويق…من تلك الأفلام ذات النهاية السعيدة ينتصر فيها الأخيار علي الأشرار وهم في الفيلم رجال السلطة بزعامة نيكسون وقت أن كان رئيسا.
و”كل رجال الرءيس ” يبدأ يوم ٣٠ يناير ١٩٧٢ والشاشة مزدحمة بنيكسون وهو يغادر طائرته الهيلوكوبتر متجها إلي مبني الكابيتول ليحلف اليمين بعد انتخابه للمرة الثانية في نوفمبر ١٩٧٢ رئيسا للدولة الأعظم ثم وهو يدخل المبني وأعضاء الكونجرس والمحكمة العليا ومجلس وزارته له وقوف مهللين مكبرين. وينتهي به وقد تقلص في نفس المبني إلي صورة صغيرة يصفق لها رجال السلطات الحاكمة الثلاث، صورة حبيسة جهاز تليفزيون بقاعة التحرير بدار الواشنطن بوست وإلي يساره نري الصحفيين: “وودوارد وبرنشتاين“ وهما يدونان علي الآلة الكاتبة مقالا لهما عن الفضيحة التي يكون في نشر أسرارها القضاء علي هذا الرجل الذي نشاهده صغيرا علي الشاشة الصغيرة وهو يحلف اليمين بعزم وإيمان الواثقين!
وبين هذين المشهدين المدهشين، يعود بنا الفيلم إلي ماض قريب….. إلي يوم ١٧ يونيو ١٩٧٢، فإذا بنا وأمامنا خمسة من اللصوص يضبطون متلبسين ومعهم أدوات تصنت متقدمة بمبني ووترجيت بواشنطن، حيث مقر القيادة القومية للحزب الديموقراطي….. حزب المعارضة.
ثم تمر أحداث الفيلم متصاعدة في إيقاع سريع لنكتشف أن اللصوص ليسوا لصوصا، فمن وراءهم رجال الرئيس الذين وظفوهم لأداء مهمة قذرة، هي التجسس علي المعارضة لحساب الرئيس وبعلمه !!
و”كل رجال الرئيس” يقف في عرضه لفضيحة ووترجيت عند ٣٠ يناير ١٩٧٣ في حين أن الكتاب يستمر في سرده لأحداثها عاما آخر ……عاما لا يصمد فيه من رجال الرئيس أحد، الكل ينهار…يسقط… ويجر معه في الإنهيار والسقوط الرئيس نيكسون الذي يصل به الهوان إلي أن يقول أمام حشد من المحررين علي أرض ديزني بولاية فلوريدا وفي مواجهة عيون كاميرات التليفزيون التي لا ترحم “أنا لست محتالا” وبعد ذلك بأيام معدودات يستقيل لثبوت أنه محتال!!

عش المجانين الضحك والبكاء مع المجانين

“طار فوق عش المجانين” فيلم أراه غريبا في كل شيء، غريبا في موضوعه الذي يدور في مصحة نفسية، أو بمعني أصح مستشفي للأمراض العقلية لاتخرج منها الكاميرا إلا مرة واحدة في صحبة المجانين من نزلاء المستشفي إلي البحر الفسيح، في نزهة لا تطول…….غريبا في عدد جوائز الأوسكار التي توجته بها هوليوود ، فقد حصل منها علي الجوائز الخمس الأولي ، أي التي تمنح لأحسن فيلم و لأحسن تمثيل للرجال ( جاك نيكولسون ) و للنساء ( لويز فلتشر )علي حد سواء وللإخراج “ميلوش فورمان”، ولأحسن سيناريو مستوحي من عمل أدبي (لورانس هوبر وبو جولدمان) .
وأتذكر أن هذا الحدث ليس له مثيل في تاريخ السينما إلافي فيلم واحد “حدث ذات ليلة” الذي مثلته “كلوديت كولبيرت” مع “كلارك جيبل” وأخرجه “فرانك كابرا“ قبل نحو أربعين عاما، وبالتحديد سنة ١٩٣٤ .
ومن أوجه الغرابة في “طار فوق عش المجانين” أنه يبدأ بداية توحي بأننا سنلتقي بعمل ضاحك و لكنه عندما ينتهي إذا بِنَا نكتشف أن ما التقينا به إنما هو إلي المأساة أقرب.
ومما أثار دهشتي عند مشاهدة الفيلم للمرة الثانية، أن الجمهور كان يضحك مع المجانين ولا يضحك عليهم، وفرق كبير بين الأمرين …….فألا نضحك علي المجانين ونضحك معهم قد تحول ب “طار فوق عش المجانين” إلي عمل جاد بعيد عن الإسفاف والإبتذال……..وهذا دون شك يرجع إلي مهارة المخرج “ميلوش فورمان” وإنسانيته……… وهي إنسانية حمته من السقوط في هاوية سوقية الإتجار بآلام المعذبين بالجنون والإضحاك عليها.
ينتهي “طار فوق عش المجانين” بالفجر……… وهندي يجري بخطوات كالفراسخ نحو جبل شاهق ….. هذا الجبل الذي سبق وأن رأيناه في أول لقطة بدأ بها الفيلم….. إنه يجري منطلقا نحو الحرية من جهنم يتركها وراءه إلي الأبد….. وجهنم هذه التي يفر منها الهندي من النوع العصري…… جهنم مكيفة ألهواء، كل من فيها في خدمة النزلاء….. ينجز ما تشتهي أنفسهم وما تتمني….موسيقي حالمة، أصوات رقيقة تجري كالهمسات، كلمات حلوة تنساب في عذوبة الأنغام….. وحبوب من كل الألوان تنزل عليهم بردا و سلاما.
وداخل هذا الفردوس الأرضي تدور أحداث الفيلم المستوحي من قصة “طار فوق عش الوقواق” للكاتب الأمريكي “كن كيزي” وهو أديب موهوب، تعرضت حياته خلال الستينات لضروب من المحن والخطوب، فاتهم بتعاطي المخدرات، وامتحن في رزقه وحريته، فلم تنشر له أية قصة بعد “أحيانا فكرة عظيمة” سنة ١٩٦٤ لزمن امتد إلي أكثر من عشر سنوات، وطاردته المباحث الإتحادية الأمريكية لتجعل منه إنسانا مشردا مكرها علي الفرار عبر نهر “الريو جراند” إلي المكسيك وقلبه في حلقه جزعا.
وقصة “كن كيزي” تتسم بالقسوة والعنف وبقدر من الراديكالية، بالمفهوم الحرفي لهذه الكلمة.
والفيلم يرتفع إلي مستوي القصة ملتزما بسياق الأحداث فيها… يعيد خلق جوها الخانق، محتفظا بالمغزي الرمزي الذي تتميز به.
والوقواق في اللغة الدارجة الأمريكية معناها “المجذوب” وهو في الفيلم رجل اسمه “راندي ماكميرفي (جاك نيكولسون). رافض….متمرد، خاسر عن طيب خاطر …. إنه من نوع أبطال السينما الأمريكية الذين شاهدناهم في بعض الأفلام ل “بول موني” و “كيرك دوجلاس” و “بول نيومان”؛ هذا النوع المنفلت، الغاضب في غير فهم، الذي يسير نحو قدره النهائي وكأنه قد اختار الإنتحار.
و”ماكميرفي” يبدأ به الفيلم قادما من السجن، حيث ادعي الجنون ليلتحق بمصحة نفسية نموذجية، يعمل فيها علي نشر الفوضي إلي أن ينتهي به أصحاب السلطان إلي الجنون الحقيقي، ثم الراحة الأبدية بالموت قتلا….
ويرمز صاحبا القصة والفيلم ب “عش المجانين” إلي العالم الذي نعيش فيه بكل آلامه وعذاباته ومفارقاته ….
في هذا العالم ينقسم الناس إلي محكومين وحكام. أما المحكومون فلهم الحبس الإنفرادي والعلاج بالصدمات الكهربائية وما إلي ذلك من وسائل التعليم والتهذيب بالقهر والتعذيب.
أما الحكام، أو السلطة في الفيلم، فتمثلها الآنسة ريتشد (لويز فلتشر) وهي تستمد سلطانها من المدير في القمة…. ومن الأطباء….. ومن لجنة خاصة تجتمع دوريا لفحص الحالات المستعصية علي العلاج أي الحالات المتمردة علي النظام…
والآنسة ريتشد تُمارس عملها من خلال ممرضين من السود… وهي تكن لهم الإحتقار… وهم لا يحملون لها سوي الكراهية والمقت.
ولكل مناسبة ترتدي الآنسة ريتشد قناعا… وهي أكثر العاملين بالمصحة يقظة واتصالا بالنزلاء، توزع عليهم الحلوي والعقاب!
ولو حاول أحد المساس بسلطانها تشقي وتعتريها التعاسة وينتابها الهم والغم وكأنه بمحاولته قد اعتدي علي أغلي ما يعتز به الإنسان.. حريته.
ومنذ لقائها الأول مع “ماكميرفي”، رأت فيه رجلا خطرا فاضحا، فهو مشاغب وهو جديد…. وهي تخاف الجديد لأن معه يصعب التنبؤ ويتهدد الهدوء المستقر القائم علي الضبط والربط، أخطار لا تبقي من حسن الآداب والنظام شيئا.
وحقا كان ماكميرفي عند سوء ظنها فقد أفسد العش الهاديء وأفشي الفوضي محل النظام.
فمن أول دخوله مرتدياالبنطلون “البِلوّر جينز” وهو يحمل معه جراثيم الفوضي والإستهتار…. يحتفظ بالحبة المهدئة تحت لسانه ليلفظها في غفلة من الريسة ريتشد.
يعلم النزلاء كيف يلعبون كرة السلة فيكشف لهم حظهم من الفهم والذكاء… وهو حظ كبير.
(هذا المشهد الرئع في الفيلم ليس له وجود في القصة فهو من إبداع ميلوش فورمان).
يفسد عملية العلاج الجماعي بلعبة كوتشينة أوراقها عليها تصاوير جنسية جريئة.
ينطلق سرا بالنزلاء الزملاء إلي العالم الكبير خارج سجن المصحة في رحلة صيد ومغامرات.. الخ.. الخ..
وكان لا بد من الإصطدام بين الإرادتين، إرادة التغيير متمثلة في ماكميرفي، وارادة المحافظة علي القديم متمثلة في الآنسة ريتشد.
و “ماكميرفي” هو البطل الفرد في السينما الأمريكية…. يكفي أن تراه لتعجب بانطلاقه وجرأته في مقاومة القديم ومنازلته، ونحن نعرف مقدما أن معركته خاسرة…… نعرف أن ثمة حكما عليه بالموت….. وأن هذا الحكم موقوف التنفيذ لأنه بطل فوضوي لا يعرف ما استطاع أن يعرفه الهندي الأحمر”برومدن” الذي يعثر علي طريقه إلي الحرية في نهاية الفيلم لأنه تسلح بالمكر والدهاء، بادعاء أنه لا يسمع و لا يتكلم، بعد أن عرف أن ألعدو هو النظام الذي يمتد بطول البلاد وعرضها وليس الآنسة ريتشد التي لا تعدو أن تكون أداة عمياء في خدمته، وأن التخلص منها لن يؤدي إلي استئصال الشرمن جذوره بأي حال من الأحوال فهذا الإستئصال معركته تطول.
ولكن البطل الفوضوي يخلط بين الأمور غير صبور… ومن هنا مأساته ومأساة بطل “طار فوق عش المجانين”