1943-2001 سعـــــاد حسنـــــي

ما أكثر الألقاب التي أطلقوها على سعاد ، منذ أن أكتشفها “هنري بركات” للسينما ، فأسند لها الدور النسائي الأول في فيلمه “حسن و نعيمه” (1959) ومن بين تلك الألقاب كان ” سندريلا الشاشة ” و ” الفتاة الشقية ” أكثرها شيوعا.

و الحق أنها ظلت تجمع بين صفتي البراءة و الشقاوة زمنا طويلا و لا غرابة في هذا و قد ولدت في القاهرة في أهم مدينة في العالم العربي ، و ترعرعت داخل أسرة فنية ، فضلا عن أن خطواتها الأولى في دنيا الفن ، بدأت مبكرة ، بمشاركتها في أعمال إذاعية ، و لما يكن لها من العمر سوى ثلاثة أعوام ، و مما يميزها عن أغلب ممثلات السينما المصرية ، شبه إنفرادها بوجه مصري ، جميل المحيا ، تقاطيعه ، جاءت مطابقة لمواصفات هوليوود ، التي بدون توافرها في الوجه ، مهما كان جميلا ، لا تصبح صاحبتها نجمة عالمية ، بأي حال من الأحوال . و علاوة على هذا ، وقوع الكاميرا في حبها ، من اول نظرة ، فضلا عن قدرتها على الجمع بين التمثيل و الرقص و الغناء ، و البراعة في أداء أدوار الملهاة و المأساة على حد سواء . فهي ، و كما قيل عنها بحق ، ذات ألف وجه ، ووحيدة نوعها ، بحكم أنه في وسعها التمثيل بعينها ، بحيث تعبر بها ، دون أجزاء الجسم الأخرى ، عن مكنون الذات ، و رغم كل هذه المواهب الفريدة ، و بأستثناء “بركات” ، لم يصادفها التوفيق في أختيار مخرجي أفلامها ، فلأكثر من ثمانية أعوام ، لم تظهر إلا في أعمال سينمائية لمخرجين من الدرجة الثانية أو الثالثة  او مخرجين جفت مواهبهم على وجه أفقدهم القدرة على العطاء ، ومع ذلك فبفضل هذه الأفلام و خاصة ما كان منها إنتاج عام 1966 ، و شاركها في بطولتها “رشدي أباظة” ، بحضوره المذهل الذي قل أن يكون له مثيل في تاريخ السينما المصرية و تلك الأفلام و هي “شقاوة رجالة” لحسام الدين مصطفى ، و “صغيرة على الحب” ، و “جناب السفير” لنيازي مصطفى ، و”مبكى العشاق” لحسن الصيفي ، بفضلها إزداد تعلق الناس بها ، و أصبحت معبودة الجماهير ، مما أهلها لأن تكون نجمة ، يتنافس عليها كبار المخرجين من أمثال “صلاح أبو سيف” ، “كمال الشيخ” ، “يوسف شاهين” ، “حسن الأمام” و “عاطف سالم” ، بل حتى الرائد “أحمد بدرخان” ختم حياته السينمائية ، بفيلم أسند بطولته لها “نادية” (1969). و من بين هؤلاء المخرجين أقف عند كلا من “أبو سيف” و “شاهين” لأقول عمل أبو سيف على ان يخرج لها فيلمين خلال عامين متعاقبين هما “القاهرة 30” (1966) عن قصة لنجيب محفوظ  و”الزوجة الثانية” (1967) عن قصة لأحمد رشدي صالح ، وهو أحد أنجح أفلامه مع سعاد ، و أن كان حظها العثر قد شاء لها أن توافق على أداء دور جاسوسة فارسية في القادسية (1979) عن سيناء هو لمحفوظ عبالرحمن صاحب مسلسل “أم كلثوم” فالفيلم أنتجه النظام العراقي تمهيدا للعدوان على إيران ، و الحق يقال من أسوأ الأفلام التي أخرجها رائد الواقعية ، حنى أنه لم تتح له فرصة عرض في القاهرة إلا في دار واحدة ، من دور الدرجة الثانية ، و لم تكن سعاد أسعد حظا مع “شاهين” الذي أخرج لها فيلمين “الأختيار” (1971) عن قصة لنجيب محفوظ و “الناس و النيل” (1972) عن ملحمة بناء السد العالي ، فكلاهما لم يحقق نجاحا ، بل أن ثانيهما كان كارثة فنية و تجارية بكل المعايير  و على العكس من ذلك تماما كانت أفلام “الشيخ” الثلاثة معها و هي”بئرالحرمان” (1969)  و “غروب و شروق” 1970) و “على من نطلق الرصاص” فنصيب تلك الأفلام من النجاح كان كبيرا ، و كذلك الحال بالنسبة لفيلم عاطف سالم معها  “أين عقلي” (1974) و لكن أيا من هذه الأفلام ، لم يصعد بنجمها إلى أعلى عليين كما فعل فيلم موسيقي ، ميلودرامي “خلي بالك من زوزو” (1971) لصاحبه حسن الأمام ، فلقد حقق نجاحا منقطع النظير ربما لا يضارعه فيه سوى “أبي فوق الشجرة” لمخرج هبط على السينما و التليفزيون أسمه “حسين كمال” ، و في فيلم “الأمام” مثلت و لأول مرة في تاريخ السينما المصرية  دور فتاة جامعية ، شقية، هي التي تبدأ بمغازلة شاب أحبته حتى هام بها رغم أنه من عائلة محترمة ذات جاه و مال .              تزوجت من المخرج الشاب “علي بدرخان” أبن مخرج فيلمها “نادية” و بفضل هذا الزواج ، و حتى بعد طلاقها و زواجها من “ماهر عواد” كاتب سيناريو فيلمها “الدرجة الثالثة” (1988) أخرج لها ستة أفلام بدأت ب “الحب الذي كان” (1973) و أنتهت ب “الراعي و النساء” (1991) و عنه فازت بجائزة أحسن ممثلة رئيسية في المهرجان القومي للسينما رغم أعتراض رئيس لجنة التحكيم و به ختمت مشوارها مع الأطياف ، فهي من بعده أمتنعت عن الظهور على الشاشة مؤثرة الأعتزال ، و البعد عن الأضواء ، و لما تزال في سن العطاء ليس لها من العمر سوى ثمانية و أربعون عاما ، و في لندن بعيدا عن أرض الوطن أنطفأت على نفسها حيث عاشت وحيدة ، متشائمة و يائسة .

كلمه الاستاذ رشدي ابو الحسن في حفل مصطفي درويش

كنت صديقا لمصطفي درويش. استمرت هذه الصداقة امدا .عقودا من السنوات . لااذكر متي بدات الصداقة تترسخ. بدأ تعارفنا في منتصف الستينيات من القرن الماضي. عندما جاء الي مجلة اخر ساعه. بدعوة من صلاح حافظ وسعد كامل ،اللذين كانا مسؤولين عن تحرير المجله ،ليكتب عمودا في النقد السينمائي. لم يكن اسما غريبا علي الوسط الثقافي والسينمائي. فقد أتيحت له الفرصة قبل سنوات قليله ليشغل منصب مدير الرقابه علي المصنفات الفنيه ،عند تولي ثروت عكاشه وزارة الثقافة. ولكنها لم نستمر طويلا. ثم طلب منه احمد حمروش كتابة عمود في النقد السينمائي، في روز اليوسف. كتب في اخر ساعه لعدة شهور. كنت اعمل ايامها في المجلة في بداية مشواري الصحفي. فجأه ابعد المسؤولان عن التحرير. .واختفي عمود درويش لم يمض وقت طويل .حين عين ثروت عكاشه مرة اخري وزيرا للثقافة. وطلب من مصطفي درويش تولي مسؤولية الرقابه.بقي في منصبه هذه المره وقتا أطول، مايقرب من السنتين. ونجح خلال تلك الفتره ان يفجر ما يشبه البركان، ويترك اثرا ترددت اصداؤه في الوسط السينمائي والثقافي بأسره، وفتح نوافذ يطل منها المشاهد المصري علي عشرات الافلام التي كان محرما عليه رؤيتها.

ما يهمني أن الفت اليه النظر هنا .ان كل هذه الفرص الفرص التي اتيحت له ،ليتولي منصبا من المناصب الاداريه العليا في الدوله، او يصعد منبرا يطل علي جمهور أوسع بالكتابة في الصحف . كانت تأتي اليه بمصادفة كامله. لم يسع الي اي منهابقدميه، او يدق باب احد، او نتيجة ارتباطه بحزب او شله ،او اي مركز من مراكز القوة. احيانا كان لا يعرف من الذى شرحه. ومن كان يتصرف متمتعا باستقلالية كامله.ولا تقيده حساسيات من اي نوع .ولكن في المقابل، كان المتوقع أن يفقد الفرصة في اي لحظه. وكان دائما مستعدا لدفع الثمن.
وفي تلك المرحله، كانت العلاقه تقف عند حدود التعارف، لاسيما ان هناك فارقا في السن يجعلنا من جيلين .ولكن التقينا مرةثانية في اوائل السبعينات. في مكان ابعد ما يكون عن تصور وجود مصطفي درويش فيه.التقينا في احد أوكار التنظيمات اليسارية السريه التي انبثقت في ذلك الوقت. ربما خوفا من عودة التيارات اليمينيه بعد وفاة جمال عبدالناصر. ولم تكن هذه اول مره يشارك فيها عمل شيوعي،فقد انضم في الأربعينيات الي الحركه المصريه .وهي أنشط المنظمات الشيوعيه انذاك.
وفي كل هذه الميادين، سواء في العمل السياسي، في اكثر تجلياته خطورة،او في الوظيفه الحكومية في مجلس الدوله، او بين العائله او وسط الاصدقاء، كان علي الحافه. انماتركيزه وانتباهه وقلبه وكل اهتمامه، كان في مكان آخر. كان في مجال السينما.هناك كثيرون يعشقون السينما ويحفظون كل تاريخها وحاضرها، ولكن بالنسبةلي لم أعرف أحدا يحمل لها كل هذه الدرجة من العشق والهيام منذ شاهد اول فيلم وعمره ثماني سنوات والي نهاية العمر .يحكي لنا تفاصيل في في فيلم شاهده وعمره احد عشرة سنه ويروى أحداث اول فيلم ناطق في تاريخ السينما كأنه راه امس .وتساله الدكتوره كريستينا نلسون عن افضل عشرة افلام في تاريخ السينما ينصحها باقتنائها، وعلي الفور ودون ثانية تلجلج يملي عليها أسماء عشرة افلام ثم ينبهها، ان القائمة تشمل افلام ابيض واسود ومخرجا له فيلمان ولم يختر لسبيلبرج رغم انه يحبه ويقدر ابداعه لانه يري انه يسرف في استخدام التكنولوجيا.
كان في عشقه ومتابعته لفن السينما وبالذات العالميه لمسةمن التصوف. لا يهدف ان يكسب من ورائها اي شئ. او يجعلها سلما لمغنم او مصدرا لدخل مادي. المقال الذى يكتبه في مصر بملاليم، كان يمكنه نشره في صحيفةعربيه باضعاف ولكنه كان ينزه الحبيبة ان تكون طريقا للكسب. يذكرني احيانا بمشاهير الشعراءالمحبين الذين يرهنون كل شعرهم واعمارهم لمحبوبة واحده.
لم اندهش حين عرفت ان كل ماتركه من ثروه هه٣٧ الف جنيه .كان يقول ان امه تكرر منذ شبابه عبارة “تركة مصطفي كلها ورق ” لم تعش لتضيف اليها الافلام. ولكني اعتقد ان مقتنياته كثيرة وغريبه؛ منها مثلا عداؤه لهتلر والفاشيه. ظل يفخر الي اخر يوم في حياته انه كان الوحيد، وهو صبي الذى كان ضد هتلر ،كل الشارع الذي يسكنه فى المنيل مع هتلر .كل أقاربه. عمه الضابط في الجيش التركي .وحده كان ضد هتلر ،حتى عندما هزت انتصاراته العالم سنة ١٩٤٢ . وكان يوم هزيمته واندحار الفاشيه من اجمل ايام حياته .يقول هذا كان حدثا شخصيا سعيدا نعم به منذ يومين
كان نسيج وحده .كان سعيدا بمقتنياته.
ربما كانت ابيات لشاعرة فرنسيه يستشهد بها احيانا تعبر عنه ،ابيات تقول :
ايتها الوحده
لاافكر كما يفكرون
ولا أعتقد كما يعتقدون
ولا احب كما يحبون
وسوف اموت كما يموتون
……..
يرحمه الله

كلمة الكاتب الصحفي والناقد محمود عبد الرحيم في احتفالية مصطفي درويش

مساء الخير..
السيدات والسادة
اسمحوا لي في البداية أن أرحب بكم جميعا، وأتوجه بالشكر لنقابة الصحفيين وبشكل خاص اللجنة الثقافية وعلى رأسها الزميل العزيز الأستاذ محمود كامل لمشاركتنا ودعمنا لإحياء الذكرى السنوية الأولى لرحيل عاشق السينما مصطفي درويش نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس الرقابة على المصنفات الفنية السابق.
هذه المناسبة نأمل أن تتواصل سنويا احتفالا واحتفاء بهذا الرجل العظيم الذي ترك بصمته على الكثيرين.
إننا الليلة لسنا إزاء ندوة ولا مؤتمر ولا حتى حفل تأبين تقليدي، وإنما بصدد تجمع للأصدقاء والمحبين في جو عائلي يليق بمصطفي درويش الحاضر بيننا وليس الغائب.. الحاضر بيننا بروحه ومحبته ورصيده الثقافي والإنساني.
فتجمعنا الليلة تعبير عن الوفاء والامتنان لمصطفى درويش صاحب العطاء الحقيقي الذي يستوجب الإشادة والتذكر الدائم لأنه بإخلاصه لعشق السينما ورصيده النقدي ودوره التثقيفي على مدى سنوات يستحق التكريم خاصة من قبل كل من له علاقة بالفن والسينما على وجه الخصوص.
ويستحق أن يكون قدوة للأجيال الجديدة التي ربما لا تعرفه ولا تدرك قيمته وانجازه كرمز للانتصار لحرية الرأي والتعبير والإبداع والتسامح وقبول الآخر، وكأشهر رقيب ينحاز للإتاحة والإباحة، وليس المنع والمصادرة.
رحم الله مصطفى درويش الأستاذ العظيم أحد رموز النقد السينمائي البارزين وأخلص المخلصين لعشق السينما وواحد من آخر الرجال المحترمين الذي تعلمت منه الكثير وأضاف لي إنسانيا وسينمائيا.