كنت على موعد مع العائد، أو بعني أصح نجمه الأول “ليوناردو دى كابريو”، وكان الموعد ليلة إعلان جوائز الأوسكار، وتحديدا في دار سينما عتيقة بمدينة دويسبورج، غربي ألمانيا، حيث شاهدت فيلم “العائد” ليلا.
وصباح اليوم التالي، فوجئت بأن جائزة أفضل فيلم لم تكن من نصيبه، وإن كانت جائزة أفضل مخرج كانت من نصيب مبدعه المخرج المكسيكي الأصل “جونزالس ايياريتو”.
ولا يفوتني هنا أن أذكر سابقة فوزه قبل ذلك بعام بجائزتي أوسكار أفضل فيلم وأفضل مخرج وذلك عن إبداعه فيلم “بيردمان”.
وأعود إلي فيلم “العائد” لأقول إن “ليوناردو دي كابريو” قد فاز بجائزة أوسكار أفضل ممثل رئيسي عن أدائه البارع لدور صائد الفراء “هيو جلاس”؛ هذا ولئن كان أداؤه للدور الرئيسي في الفيلم أمر لا ينازعه فيه أحد، إلا أن بطولة الفيلم يتنازعها، والحق يقال، اثنان لا ثالث لهما، “هيو جلاس” صائد الفراء والطبيعة المتوحشة العذراء، وأقصد بها تحديدا الطبيعة في ولاية وايومنج أثناء الربع الأول من القرن التاسع عشر، أي في زمن لم تكن قد اكتملت فيه بعد ملامح الولايات المتحدة كما نعرفها الآن، فغربها الممتد حتي المحيط الهادي لم يكن سوي أرض موحشة عذراء، مسكونة بأنواع من الحيوانات المفترسة الهائمة في الغابات، مع ما تبقي من أهل القارة الأصليين، وجماعات من البيض أكثر ضراوة، صائدي الفراء والمتاجرين فيه بطول وعرض ماجري اكتشافه من أرض القارة الأمريكية.
فبدءا من أولي لقطات العائد، والصراع الدامي الذي لا يهدأ أبدا، بين “هيو جلاس” وما حوله من طبيعة موحشة، نراه أول ما نراه و”هيو جلاس” يدافع عن نفسه دفاعا مستميتا في مواجهة دب هائج يحاول حماية دبيباته الوليدة من عدوان بني الإنسان.
وهكذا تتواصل ملحمة الصراع بين “هيو جلاس” وبين كل ما حوله طوال أحداث فيلم قل أن يكون له مثيل بين الأفلام، مما جعله مستحقا لما فاز به من العديد من جوائز الأوسكار!!
في وداع النجوم
ما أن بدأ النصف الثاني من العام الجاري (٢٠١٦), حتي كانت وكالات الأنباء العالمية قد طيرت خبر غياب اثنين من كبار المخرجين عن دنيانا، أولهما ميخائيل سيمونو، ذلك المخرج الأمريكي صاحب “صائد الغزلان”، الفائز بأكثر من جائزة أوسكار، لا سيما جائزتا أفضل فيلم وأفضل مخرج.
أما المخرج الثاني فهو “عباس كياروستامي” صاحب “طعم الكرز”، الفيلم المتوج بسعفة كان الذهبية.
ولن أطيل الوقوف عند المخرج الراحل “سيمونو”، مكتفيا بأن أقول إنه بفضل فيلمه “صائد الغزلان“ صعد نجمه إلي أعلي عليين، غير أنه مع عرض فيلمه “بوابة الجنة”، التالي مباشرة لصائد الغزلان، وسقوطه سقوطا مدويا أمام شباك التذاكر، مما اضطر الشركة المنتجة إلي سحبه من دور العرض, وانتهي بها الأمر إلي إشهار إفلاسها في نهاية المطاف.
مع كل هذه الكارثة السينمائية، وما ترتب عنها من آثار جسيمة، أصبح مستقبل صاحب “صائد الغزلان” في حالة ضياع, سرعان ما تحققت بأفول نجمه شيئا فشيئا علي مر السنين، حتي إذا ما جاءه الموت وقد بلغ من العمر سبعا وسبعين عاما، كانت سيرته السينمائية قد طواها النسيان أو كاد!!
والآن إلي كياروستامي الذي رحل عن دنيانا وله من العمر ستة وسبعون عاما، لأقول إنه واحد من كوكبة من المخرجين الإيرانيين، كرست أفلامها لانتقاد أوجه الحياة وبؤسها تحت حكم الملالي الإستبدادي بطول إيران وعرضها، شأنه في ذلك شأن سينمائيين آخرين مثل “باناهي“ و “محسن مخملباف” الذي غادر إيران مع أسرته السينمائية إلي فرنسا، حيث منح الجنسية الفرنسية مع أفراد أسرته، حماية لهم من مطاردة ملالي إيران.
ولكن “كياروستامي” آثر علي عكس الكوكبة التي غادرت إيران، البقاء علي أرض الوطن، حيث استمر، رغم رقابة الملالي المعادية للأفكار التي تحملها أفلامه.
وختاما فمما يثير الدهشة حقا أنه بينما كان عرض أفلامه ممنوعا داخل إيران، كان مباحا خارجها، بل وتوجت بالعديد من الجوائز العالمية، بما فيها، كما سبق القول، سعفة كان الذهبية!!
من روائع السينما العالمية
أبدأ بروائع الواقعية الجديدة:
١) روما مدينة مفتوحة.
٢) لصوص الدراجات.
٣) الجنرال ديللا روفيري.
والقاسم المشترك بين الأفلام الثلاثة هما رائدا الواقعية الجديدة روبرتو روسليني وفيتوريو دي سيكا؛ فصاحب روما مدينة مفتوحة هو المخرج روسليني، أما لصوص الدراجات فمن إخراج دي سيكا. وكلا الإثنين شارك فى إبداع “الجنرال ديللا روفييري”, روسليني بالإخراج، ودي سيكا بأداء الدور الأول، حيث تقمص شخصية الجنرال.
وفاتحة الواقعية الجديدة استهلت ب “روما مدينة مفتوحة”. ومما يعرف عن هذا الفيلم أنه ولد والحرب العالمية الثانية لم تكن قد انتهت بعد باستسلام إيطاليا الفاشية وألمانيا الهتلرية، فلقد كتبه روسليني أثناء الإحتلال الألماني لإيطاليا و صوره فور قيام الحلفاء بتحرير مدينة روما.
ورغم أن حكاية الفيلم من صنع الخيال، إلا أنها تتمتع بقوة إقناع الفيلم الوثائقي؛ فقصة الفيلم تدور حول أحد قادة المقاومة الملاحقين من قبل الجستابو, وتعرضه للخيانة قبل أن يعذب، و ينتهي به الأمر مقتولا، وفي نفس الوقت يلقي رجال الشرطة القبض علي الصديق الذي كان يؤويه ، فضلا عن إطلاق النار علي خطيبته ( بطولة أنا مانياني ) وهي تجري وراء شاحنة الجستابو حيث خطيبها ، فتلقي مصرعها.
وتتتابع الأحداث دامية بإعدام القس الذي ساعد رجال المقاومة رميا بالرصاص هو الآخر (قام بدوره ألدو فابريزي).
وَمِمَّا يعرف عن إنتاج الفيلم أن مشاهده قد صورت في أماكن حدوثها الفعلية، لأن كل الأستوديوهات كان قد لحقها الدمار، حتي وصل فقر الإمكانيات إلي حد الإضطرار إلي تصوير بعض المشاهد في شقة إحدي ممثلات الفيلم، فضلا عن قيام “روسليني” و”مانياني” ببيع بعض من ملابسهما بغية توفير المال اللازم لشراء الفيلم الخام ؛ هذا كما أن المعدات كانت علي درجة من البدائية استوجبت تسجيل الصوت علي الفيلم بعد التصويرحتي يكون متزامنا مع الصورة.
وهكذا بدا وكأن الظروف البالغة السوء التى صنع فيها الفيلم تشير إلي إصرار مبدعيه علي الخروج به إلي النور.
وقد تساوي المبدعان فيما بذلاه ليصب جهدهما في صالح الفيلم في نهاية المطاف.
يبقي لي أن أقول إنه لولا ذلك الأسلوب المتصف بالبساطة والتقشف الذي عرف فيما بعد تحت اسم الواقعية الجديدة والذي من بين خصائصه، علي سبيل المثال لا الحصر، المزج بين الممثلين المحترفين وغير المحترفين، والتصوير في الأماكن الفعلية للأحداث، فضلا عن فقر الميزانية؛ لولاه لما كان يتحقق للفيلم التأثير الكبير شرقا وغربا.
وختاما، فمما نسب لروسليني القول بإن الواقعية الجديدة لم تكن أبدا في نظره مجرد أسلوب ، بل كانت في حقيقة الأمر موقفا و وجهة نظر أخلاقية نشاهد من خلالها العالم؛ فالفيلم، والحق يقال، إنما يحكي أساسا مأساة مدينة بفكرها وكبريائها بروحها وإمكان بعثها من جديد.
لمشاهده إشاره الفيلم علي يوتيوب اضغط هنا