لم أفكر ، يوماً، في ان يكون لى موقع اتصال اجتماعى “فيسبوك”، اكتب فيه ما اشاء، وقتما أشاء
ولاغير ذلك من مواقع شبيهة، قل “موقع تغريدة”، حيث كتب بإيجاز، ماقد يعتد لى من أفكار، فى شكل تغريدات.
وقد يبدو ذلك السلوك من جانبي، أمراً غريباً، مخالفا لروح العصر، لاسيما ممن كان مثلي، كثير الحديث عن ثورتى المعلومات والاتصالات، وما احدثناه من تأثير كبير فى اسلوب حياتنا الآن وماستحدثاه من تأثير لايرد على بال، فى مستقبل الأيام ولكن سلوكى على ذلك النحو، وان بدا غريبا، خارجا عن المألوف ألا أنه امر طبيعي، منسق مع كبر السن، مما جعلنى غير مؤهل للمشاركة فى الكثير من النشاطات، وليدة العصر الحديث، عصر الرقميات الذى جعله من الجميع مذيعين، لهم أمكنه يذيعون منها مايحلو لهم من أفكار وآراء، دون حظر من رقيب.
كل ذلك ورد على بالي، انطلاقا من مقال كاشف للصحفى الصاعد، الواعد “جمال ابوالحسن”.
جاء فيه من بين جاء. ان ثمة منتدى على “الفيسبوك”- موقع التواصل الاجتماعي- وان عدد اعضائه يقترب من الألف.
وهم. أى أعضاء ذلك المنتدي، يحتفلون، بما سموه الهبوط فى السينما المصرية، من خلال الأفلام المبتذلة، والرديئة.
وهم فى رفضهم أو لفظهم لها، لاينطلقون من منصة اخلاقية، متبنية شعار الحفاظ على حسن الآداب بل انهم، على العكس من ذلك تماماً، يحتضنون ذلك النوع من الأفلام، يفتشون عنه، يحتفون بابطالة المغمورين منهم، قبل المشاهير
ولحسن حظهم ان الأفلام الهابطة، متوافرة، العثور عليها ليس امراً صعباً.
فإنتاج السينما المصرية، كما هو معروف، كاسح فى حجمه، وتأثيره.
ولكنه، لسوء خطنا، فى مجمله فيه من الابتذال الشىء الكثير.
انه، باختصار، يعانى من الحكايات الزاعقة، والحبكات المكررة، والمواقف غير الواقعية، والأفكار المبتذلة.
فافلامه تجنح، فى مجموعها الى الاستسهال والابتذال والافتعال.
وظاهرة الاستسهال تبدو واضحة، فى إعادة تدوير الحبكات، باستمرار ، وتنميط الشخصيات والافكار، وتسطيحها.
اما الإبتذال الافتعال، فيتجسدان فى كل ما يخاصم الذوق السليم، فى اللفظ، او الملبس الخادش للحياء، بحيث نشعر أن كل شيء ليس فى موضعه، كل شيء سخيف ومفتعل، ومقرف، ومثير للاشمئزاز .
وكل هذه العورات التى ادمنتها السينما عندنا، لاتزعج أعضاء المنتدي، بل يعتبرونها جزءاً مبهجاً من صناعة السينما، ومادة للتندر والتفكك.
واهتمامهم على هذا النحو بالأغلام الهابطة، أدى بهم إلى اهتمام مماثل بالممثلين المغمورين.
فالأفلام لاتقوم فقط على النجم
ثمة حاجة دائما لأطباء وقضاه ووكلاء نيابة، واوغاد ومغتصبون.
ومن ثم، ثمة حاجة نسيدة
والمنتدى يسلط الضوء على الركاكة وانعدام الجدية فى السينما.
ولكن بنظرة ساخرة وبروح مرحة.
وإلى هذا المعنى تشير الكلمة التعريفية بالمنتدي
“هذه ليست مجموعة للسينما النظيفة، ولاهى مجموعة لمناقشة انحدار الأخلاق والذوق العام.
لسنا هنا للتريقة والتحقير من شأن الهابطين الذين طالما رفهوا عنا، ونحن لهم ممتنون.
سنحتفل بالأفلام التى تبهرنا بوحاشتها وفشلها.. يظل لى ان اقول متسائلا ، اليس كل هذا ينطوى على اكثر من دليل، على ان من كان فى مثل سنى ليس له مكان فى مواقع الاتصال الاجتماعى والتغريدات فهى لاجيال جديدة، غير جيلى الذى عفا عليه الزمان؟
سينما في حالة انحسار وانكسار وأخرى فى حالة تألق وإزدهار
حديث السينما في ربوع مصر هذه الأيام لا يدور إلا حول الافلام التى نجح اصحابها فى أن يحجزوا لها مكانا فى دور السينما، اثناء ايام العيد الكبير واولاها “الفيل الأبيض” للمخرج “مروان حامد”
ثم “عش البلبل” وللتعريف به، يكفى أن أذكر أن بطليه، هما النجمان “سعد الصغير” و “دينا” وأخيرا ففيلم “هاتولى راجل” للمخرج “محمد شاكر” هذا ويبقى فى دور السينما، من بين افلام “عيد الفطر” ، “قلب الأسد” ذلك الفيلم الذى هزم وحده، جميع الافلام المتنافسة معه على فلوس الشباك، محققا، ويا للعجب ايرادات فاقت ما حققته تلك الافلام مجتمعه، وبفارق كبير وواضح من اسماء هذه الأفلام المبشرة بالفوز بايام العيد الكبير وغيرها من افلام تنتظر دورها فى طابور يانصيب ذلك العيد، مثل “رغم انفه” و “القشاش” و “الجرسوفييرة” انها فى مجموعها افلاما، غير جادة، لا تقول شيئا جديدا، مفيدا لفن صناعة الاطياف.
هذا عن السينما المصرية، واحوالها غير المشجعة، فى المستقبل القريب
اما عن احوال السينما خارج البلاد، وبخاصة فى اوروبا، اقرب القارات الينا فاكثر الحديث فى وسائل الإعلام الجماهيرية بها، إنما يدور حول فيلمين لمخرجين كبيرين، احدهما “ديانا” لصاحبه المخرج الالمانى “اوليفرهيرشبيجل” السابق له، قبل تسعة أعوام أخراج “السقوط” عن أيام هتلر الاخيرة قبل انتحاره، هو وعشيقته “ايفابراون” فى مخبئه ببرلين.
والمانيا النازية فى النزع الأخير، على وشك الاستسلام، بلا قيد أو شرط، لجيوش الحلفاء اما الفيلم الآخر “فليخ فاونسا” للمخرج البولندى المخضرم “اندريه فايدا” صاحب العديد من الروائع السينمائية، التى تعد والحق يقال من العلامات البارزة فى تاريخ الفن السابع.
ومن بينها أخص بالذكر رائعته “دانتون” (1983) وكلا الفيلمين “ديانا” و “فاونسا” من نوع أفلام السيرة فالاول يتناول جانبا من سيرة الاميرة الانجليزية “ديانا” وتحديدا السنة الاخيرة منها قبل أن يجيئها الموت، فى حادث سيارة بمدينة باريس (31 أغسطس 1997) والثانى هو الآخر يتناول السنوات الاخيرة من سيرة “ليخ فاونسا” بدءا من انشائه حركة “تضامن” وسط عمال الميناء فى مدينة “جدانسك” المطلة على بحر البلطيق التى أخذت فى الانتشار على نحو ادى فى نهاية الأمر إلى سقوط النظام، وفوزه فى انتخابات حرة، نزيهة برئاسة “بولندا” متحررة من الاحتلال الروسي، وغيره من اشكال الاستبداد ولان فيلم “ديانا” لم تتح له فرصة العرض العام إلا فى لندن حيث قوبل بالسنة حداد، من قبل جمهرة النقاد.
والفيلم الثاني، هو الآخر لن تتاح له فرصة العرض العام إلا فى الخريف بعد بضعة أسابيع .
فلن يكون فى وسعى والحالة هذه الحديث عن كليهما لاسلبا ولا ايجابا.
وفى هذا السياق قد يكون من المفيد الحديث ولو قليلا عن “دانتون” رائعة المخرج البولند “فايدا” فدانتون” ثائر مثله فى ذلك مثل “فاونسا” ولكن مع نهاية غير سعيدة، عندما وجد نفسه ذاهبا، مع نفر من رفاقه، إلى الجيلوتين، حيث فصلت رأسه عن بقية جسمه، وبئس المصير.
اما كيف ولماذا وصل الصراع داخل صفوف الثوار المنادين بالحرية والمساواة والإخاء إلى تلك النهاية الفاجعةأن يعدم واحد من ابرز زعمائها “دانتون” بمقصلة الجيلوتين، فى ميدان الثورة “الكونكورد” حاليا، فذلك ما يحكيه سيناريو الحكم البناء.
بفضله نرى اتساع هوة الخلاف، بين معسكر المتشددين تحت قيدة “ماكسميلنان روبيسبير” ومعسكر المعتدلين تحت قيادة “جورج دانتون” وكالمعتاد اثناء سنوات الثورة الفرنسية كان الصراع وينتهى بغلبة معسكر المتشددين، وقطع رقاب المعتدلين بالجيلوتين ولا يفوتنى هنا، أن أذكر أن من تقمص شخصية “دانتون” فى الفيلم هو الممثل الفرنسى الاشهر “جيراديبارديو” وكم كان متفوقا الى حد كاد يصل بتقمصه الى حد الكمال.
لبنان فوق بركان
لم تكن الحرب الأهلية اللبنانية، التي استمرت زهاء عشرين سنة، كغيرها من الحروب التى يقتتل فيها أبناء الوطن الواحد.
كانت حربا طائفية، وقف عندها التاريخ ليقول فى وصفها قوله الفصل، بأنها أقذر حرب أهلية ابتلى بها وطن من الأوطان.
خرج من اتونها لبنان الشقيق، مثخنا بالجراح، مبتليا بميليشيات حزب الله، التى لا تدين بالولاء إلا لملالى ايراني.
وفوق هذا، باحتلال سورى لأرضه، زاد من الاحتقان الطائفي، على نحو يهييء الظروف، لا محالة، لحرب أهلية ثانية، ربما أكثر شراسة وسفكا للدماء.
أهوالها لن تقف عند حد قتل المسيحى للمسلم، أو العكس، لمجرد الهوية، كما كان عليه الحال فى الحرب الأهلية الأولي، بل ستتحول الى اقتتال بين المسلم وأخيه المسلم، لمجرد أن أحدهما سني، والآخر شيعي، بحيث يغرق لبنان، فى مستنقعات تعصب ديني، لا أول له، ولا آخر، وتفتت اجتماعي، غير مسبوق.
فضلا عن شيوخ السلاح، وفوضى عارمة، وبغضاء، لا تقيم وزنا لحياة كل مختلف فى الرأى والدين.
وعن كل هذه الأحوال التى قاسى منها لبنان ابان سنوات الحرب الأهلية الأولي. أبدع “دينيس فيلنيف”، وهو مخرج كندي، منحدر من أصل فرنسي، فيلما مستوحى من مسرحية شعرية للأديب اللبنانى “وجدى موواد”، حكى فيها مأساة الفتنة الطائفية، وكيف كادت عاصفتها المميتة، أن تفقد الشعب الوعى بضرورة المواطن، بحيث غدا جاهلا بمغزاها، تائها فى ظلمات الطائفية، مسكونا بكراهية الآخر، لمجرد أنه مختلف عنه، دينا، أو عنصرا، أو اسلوبا فى ممارسة الحياة.
والفيلم، واسمه “حرائق”، لا يقول صراحة أن أحداثه الفاجعة مكانها لبنان.
ومع ذلك، نخرج منه، ونحن على يقين، ان لبنان، وليس بلدا آخر، هو مكان الفواجع التى كادت تحطم بطلة الفيلم “نوال مروان”- وتؤدى دورها “لبنى عزابال” – التى سبق لنا مشاهدتها فى الفيلم الفلسطينى الرائع “الجنة الآن”.
وأحداث الفيلم تبدأ – بعد مشهد رعوى لنخيل فى جو صحراوي، وبضع لقطات لصبية.
فى مكتب محام بمدينة “مونتريال”، حيث كانت تعمل “نوال” الى أن جاءها الموت، مخلفة وراءها رسالتين احداهما الى الابنة “جان”، ومنها الى أبيها الذى لم تكن تعرف، لا هي، ولا شقيقها التوأم “سيمون”، انه لا يزال حيا.
والأخرى الى الابن، ومنه الى أخ، لم يكن، لا هو، ولا شقيقته، يعرف بأن له وجودا.
وبدءا من استلام الرسالة، وتنفيذا منها لوصية الأم، تبدأ “جان” رحلة البحث عن أبيها، فى بلد عربى “لبنان”، وبعدها بقليل، يبدأ “سيمون”، هو الآخر، رحلة البحث عن أخيه.
ومن خلال رحلتى الاثنين: كلا فى طريق، نكتشف، وبخاصة مع “جان” أن أمها “نوال” ولدت مسيحية، ووقعت فى حب لاجيء فلسطينى مسلم.
ولأن حبها هذا، كان فى ذلك الزمن حالك السواد، حبا مستحيلا، انتهى بها الأمر، هاربة فى رحلة عذاب، بعد مقتل حبيبها، أمام عينيها، برصاصة، انطلقت من غدارة أحد أشقائها وأثناء رحلتها هذه، ذاقت ألوانا من العذاب، يشيب من هولها الولدان.
فالناس، من حولها، الذين لم يكن من طبيعتهم العدوان، تحولوا الى مجرمين، يمارسون القتل فى كلا الجانبين، المسيحى والمسلم باسم السماء.
وعندما حصد الموت آلاف الأرواح البريئة، استغنوا عن مساندة السماء، مستمرين فى ذبح الأبرياء، استجابة لنداء الثأر، والانتقام.
ولن أحكى كيف توصل التوأم “جان” و”سيمون” الى الالتقاء، هى بالأب، وهو بالأخ، فذلك شيء يطول، مكتفيا بأن أقول، بأن المفاجآت التى صادفها الاثنان، أثناء رحلتيهما، كشفت النقاب، عما ارتكب ابان الحرب الأهلية من جرائم، يندى لها الجبين.
يبقى لى أن أقول أن “حرائق” كان أحد أفلام خمسة، غير متكلمة باللغة الانجليزية، جرى ترشيحها لأوسكار أفضل فيلم أجنبى (2011).
وحتى يومنا هذا، لم تتح له فرصة العرض العام، لا فى دور السينما العادية، ولا ضمن عروض أى نادى سينما، ولا أى مهرجان من تلك المهرجانات المنتشرة فى ربوع مصر دون أن يحقق أى منها، ما علق عليه من آمال!!