آسيا ، ماري كويني ، أحمد جلال ، حسين فوزي و عباس كامل ، هذا الخماسي كون بحكم القرابة و المصاهرة نواة سينمائية ، لعبت دورا رائدا في صناعة السينما المصرية ، من بدايتها أيام أن كانت الأفلام صامتة ، و حتى يومنا هذا .

و بادئ ذي بدء ، فالفضل في نشأة هذه النواة أنما يرجع الى “آسيا” و “أحمد جلال” ، فهما و الحق يقال كانا فرسا الرهان في هذا المجال ، “فآسيا داغر” التي جاءت الى القاهرة مهاجرة من جبل لبنان (1922) كانت مولعة بقراءة الأدب و مشاهدة الأفلام ، أمل حياتها أن تصبح ممثلة ، يتحرك طيفها على الشاشة الفضية تنبهر به الأبصار .
و في بداية المشوار شاءت لها الأقدار أن تعمل كومبارس في فيلم “ليلى” (1927) ، و ذلك بعد موافقة ، أو بمعنى أصح عدم ممناعة عمها “أسعد داغر” الصفحي اللامع في جريدة الأهرام ، و رئيس تحرير مجلة “مصر الحديثة” المصورة ذات الميول و الأتجاهات الفنية .
و بعد نجاح هذا الفيلم ماديا و أدبيا ، أستطاع “وداد عرفي” الذي كانت قد تعرفت عليه في أثناء التصوير ، أن يقنعها بانتاج فيلم ، تنفرد فيه بالبطولة ، و لم لا ؟ و هي في ريعان الشباب ، شقراء تمتلك عينين ساحرتين ، و أبتسامة على شفاه تقطر رقة و عذوبة ، فتنة للناظرين .
و هكذا خرجت من الغيب فكرة عمل فيلم “غادة الصحراء” (1929) الذي يعد بحق ، باكورة انتاج “آسيا” ، و بفضله أصبحت نجمة لمدة سبعة عشر عاما ، أنتهت بفيلم “الهانم” (1946) و الغريب في أمر هذا الفيلم ، أنه و كما حدث مع “عزيزة أمير” منتجة و بطلة “ليلى” ، سرعان ما أكتشفت آسيا أن “وداد” محتال ، فكان أن أستبدلت به “أحمد جلال” ، و ذلك لأستكمال اخراج الفيلم ، و هو نفس ما سبق “لعزيزة أمير” أن فعلته ، عندما أستعانت به لأنقاذه من جهل و أحتيال “وداد” .
و على كل ، ففي الأول من مايو 1929 ، جرى عرض “غادة الصحراء” ، و هو يحمل الى جوار اسمي “آسيا” و “أحمد جلال” اسما ثالثا “ماري كويني” أبنة “مريم” شقيقة “آسيا” القادمة من جبل لبنان (1923) ، و كان دور “كويني” في الفيلم صغيرا ، و مع ذلك ، فمن رحمه ولد الثالوث السينمائي “آسيا ، أحمد جلال ، كويني” ، ذلك الثالوث الذي كان مقدرا له
أن يلعب دورا محوريا في اثراء السينما انتاجا و تأليفا و اخراجا و تمثيلا .
و حتى عام 1940 ، ظل هذا الثالوث قائما ، منافسا قويا لثالوث “إبراهيم و بدر لاما و بدرية رأفت” حتى أنهياره بنهاية فاجعة ، موت الأخوين “لاما” و “بدر” و ليس له من العمر سوى 39 عاما ، و بعده إبراهيم بقتل زوجته ، ثم الأنتحار .
فبدءا من “غادة الصحراء” ، و حتى “فتاة متمردة” (1940) شارك الثلاثة في جميع أفلام شركة “آسيا” المسماه “لوتس” ، فيما عدا “وخز الضمير” (1931) الذي اخرجه”إبراهيم لاما” ، و ساعده “جلال” في كتابة السيناريو و الحوار و الاخراج .
فباستثنائه ، كان الثلاثة يشاركون بالتمثيل في أغلب الأحيان ، و “جلال” بالاخراج بطبيعة الحال و “كويني” بالتوليف “المونتاج” ، و كانت البطولة النسائية تتقاسمها “آسيا و كويني” ، مع مراعاة الأحتفاظ بالدور الأول للمنتجة و الخالة ، و أن ترسم الأدوار الرئيسية ، بحيث تكون نسائية قدر الإمكان ، و يكفي لتأكيد ذلك ذكر عناوين بعض أفلام شركة “لوتس” ” عندما تحب المرأة” (1933) ، “عيون ساحرة” (1934) ، “شجرة الدر” (1935) ، “زوجة بالنيابة” (1936) و “فتش عن المرأة” (1939) .
و يستمر الحال على هذا المنوال رتيبا الى أن يحدث أمران :
الأول : أن يكتب “جلال” سيناريو “فتاة متمردة” و هو أول فيلم من انتاج “آسيا” لم تشارك فيه بالتمثيل ، ربما لأن الدور الأول مرسوم لفتاة في عمر الزهور ، أي “كويني” ، و ربما لأن الدور الثاني يقتضي منها أن تلعب دور أم ، و ذلك كان يعني وقتذاك الأقتراب من نهاية المشوار. أما الأمر الثاني : فهو نجاح “فتاة متمردة” نجاحا مدويا صاحبه أعلان “كويني” موافقتها على الزواج من “جلال” ، رغم فارق السن .
و يستمر التعاون بين “آسيا و جلال” بتقديم فيلمين ، دون مشاركة من “كويني” في التمثيل ، لأنشغالها في حمل وولادة “نادر جلال” الذي سيصبح هو الآخر مخرجا ، مثل والده و أعمامه “حسين فوزي” (1904-1962) و “عباس كمال” (1911-1985) ، و للأول فضل أكتشاف “نعيمة عاكف” ، فتاة السيرك ، المتعددة المواهب .
و كما يحدث غالبا بين الشركاء ، دب خلاف بين “آسيا” من ناحية ، و “جلال و كويني” من ناحية اخرى ، كان من نتيجته فض الشركة و ميلاد شركة “أفلام جلال” (1942) ، ثم “استديوهات جلال” (1944) .
و في صيف 1947 ، بينما كان “جلال” مع أسرته الصغيرة ، يصطاف في جبل لبنان ، جاءه الموت فجأة بالسكتة القلبية .
و مع أن “كويني” قد ترملت بموته ، و هي لا تزال في عز الشباب ، الا أنها كرست حياتها للسينما بالانتاج ، و التمثيل ، و تربية صغيرها ، بحيث يصبح مخرجا يكمل مشوار الأب و الأعمام و هو الآن ، واحد من أهم مخرجي أفلام الحركة في السينما المصرية ، و أكثرها معرفة بلغة الأطياف .