هيمنة هوليوود توابعها الاقتباس فالافلاس

كثر ترددي على “دسلدورف” و”باريس”، ففي أقل من شهرين زرت هاتين المدينتين مرتين، في كلتيهما كنت أبحث عن الأفلام الألمانية والفرنسية، وسط زحام أفلام هوليوود، فلا أعثر عليها إلا بعد جهد جهيد.

وهذه الهيمنة اللافتة للنظر ليست مقصورة على هاتين المدينتين، فآثارهما رأيتها واضحة على طول الطريق من شمال ألمانيا، حتى مدينة “بيزا” في وسط ايطاليا، مروراً “بزيوريخ” و”لوسيرن” في ربوع سويسرا.

فنادراً ما كنت أعثر على ضالتي في فيلم الماني أو ايطالي أو سويسري معروضاً في دور السينما المنتشرة بطول وعرض تلك البلدان.

فمثلا دور السينما في “زيوريخ” بما في ذلك دار “البل ڨو” (المنظر الجميل) المطلة على بحيرة تلك المدينة، يسبح البجع على سطح مائها العذب الرقراق متهادياً في أمن وأمان، تلك الدور لم يكن بين أفلامها المعروضة أو المعلن عنها لأجل قريب أي فيلم أمريكي.

ولعل الملصقات الثمانية على واجهة تلك الدار العريقة تؤيد وتؤكد تلك الهيمنة، فكلها، والحق يُقال، كانت لأفلام امريكية من ببينها بطبيعة الحال الأفلام الثلاثة التي حقق عرضها خلال الصيف في الولايات المتحدة أعلى الايرادات، وهي بترتيب نجاحها في الشباك “يوم الاستقلال”، “مهمة مستحيلة” و”الاعصار”.

دعاية داهمة

والحق أن الدعاية لهذه الأفلام كانت على أشدها، فما من دار سينما دخلتها في “دسلدورف” و”باريس” إلا وطاردتني مقدمة أحدها، تنشب أنيابها في ذاكرتي عنها لا تنمحي إلا بعد حين.

وما أكثر المرات، لعلها لا تعد ولا تحصى، التي رأيت فيها مشهد تدمير البيت الأبيض والكونجرس الأمريكي بواسطة صواريخ منطلقة من سفينة فضاء تحجب السماء، وذلك المشهد من يوم الاستقلال، يقال عنه من بين ما يقال أنه في كل مرة كان يدمر مبنيا البيت الأبيض والكونجرس أمام الجمهور الأمريكي ! كانت دار العرض تدوي بتصفيق حاد.

الغريب من أمر الدعاية للأفلام الثلاثة إنها لم تقتصر على جمهور الدول المقول بأنها تدور في الفلك الأمريكي خاصة، أو الفلك الغربي عامة. بل أمتدت إلى دول لا شبهة في استقلالها عن أفلاك الآخرين.

ففي بكين على سبيل المثال، فاقت تلك الدعاية، كل ما سبقها من دعايات للسينما الأمريكية، وانتهت بعرض الأفلام الثلاثة بنجاح كبير، في جو مشبع بهيمنة هوليوود، خاصة وأن السينما الصينية، تعاني من أزمة حادة، أخذت بخناقها، بدءًا من الثورة الثقافية، ولا أقول الردَة الثقافية، وما اختلف على الصين أثناءهما، وبعدها من خطوب كثيرة متباينة، وجهت السينما في الصين الشعبية ألواناً من التوجيه لم تكن في صالحها بأي حال من الأحوال.

صمود الصفوة

وعلى كُلٍ، ففي مواجهة هيمنة هوليوود، جنحت الصفوة السينمائية في أوروبا، وغيرها من القارات، لا إلى تقليد أفلام مصنع الأحلام، تقليداً أعمى، باسم الاقتباس، وغير ذلك من مسميات، تخفي عجزاً في الإبداع، وإنما إلى العمل بلا كلل أو ملل من أجل ابتكار أفلام مستوحاة من واقع الحياة كما يعيشها الناس دون تزويق، الصفة الحاسمة المميزة لها هو التحرر من بهرجة وزيف أغلب ما ينتجه مصنع الأحلام.

وتحضرني هنا روائع بريطانية ثلاث “القسيس” للمخرجة “أنطونيا بيرد”، “كار ينجتون” للمخرج “كريستوفر هامبتون” و”مراقبة القطارات” للمخرج “داني بويل”.

فهذة الأفلام أصبحت روائع، لأن مبدعيها قد التفتوا لما يعتمل داخل المجتمع البريطاني من صراعات بين القديم والجديد، بإقدام وجرأة، قلّ أن يكون لهما نظير.

فقد خرجت الروائع الثلاث إلى النور، دون شبهة أي تنازل من قبل مبدعيها أمام ضغوط الفئات المحافظة في المجتمع، تلك الفئات التي ترى في صدق التناول، وفي فتح النوافذ على السبل التي تمكن المشاهد من تقبل الانتقال إلى العصر الجديد، ترى فيه خطراً يتهدد أمنها الاجتماعي ونظامها العام.

وإذا كان الأمر كذلك، هكذا سألت نفسي، فكيف يكون الأمر في مصر؟

الصدمة الكبرى

ما أن لمست قدماي أرض الأباء حتى جاء الجواب سريعاً.

وجدت حال السينما عندنا لا يختلف كثيراً؛ نفس الهيمنة، نفس الضجة الكبرى حول الأفلام الثلاثة، وفي مقدمتها بطبيعة الحال “يوم الاستقلال”.

وهكذا بدا لي الأمر، للوهلة الأولى غير أنني ما أن قرأت ما كتب عن أفلامنا المصرية التي جرى عرضها في أثناء غيابي الطويل، حتى استشعرت أن ثمة اختلافا.

وما أن شاهدتها، هي وغيرها من الأفلام التي جرى عرضها أثر عودتي حتى تحول استشعاري إلى يقين.

الاستسلام التام

فأول ما لفت نظري، وأنا أشاهدها، أنها مقتبسة من أفلام أمريكية، بل أن بعضها يكاد يكون منقولاً بلا حياء من أول لقطاته لآخرها.

ولعل أهمها “اغتيال” و”نزوة”؛ فالأول منقول نقلاً فاضحاً عن فيلم “المطارد” مع تغيير طفيف، انحصر في التحول بجنس البطل من رجل مطارد إلى امرأة مطاردة تقمصتها “نادية الجندي” نجمة الجماهير.

أما “نزوة” فمنقول عن فيلم أمريكي أخر “الفتنة القاتلة” مع تغيير طفيف معظمة انحصر في استبدال “أحمد ذكي” بمايكل دوجلاس، واستبدال “يسرا” بـ”جلين كلوز”.

وأقف عند نزوة قليلاً، لا لسبب سوى أنه قائم على سيناريو لبشير الديك، ترجمه إلى لغة السينما المخرج “علي بدرخان”.

فكلاهما ينتمي إلى صفوة السينمائين عندنا، “الديك” بفضل سيناريو “سواق الاوتوبيس”، وعدد آخر من السيناريوهات، و”بدرخان” بفضل فيلمه الأول “الحب الذي كان”، وعدد أخر من الأفلام، جد قليل.

حكم الضرورة

ومع ذلك، فكلاهما ارتضى أن ينحدر بفنه إلى مستوى ليس له ما تحته، عندما بعث فيلماً تجارياً امريكياً من قبره، وجر حوادثه إلى واقع مجتمعنا المصري، ضارباً عرض الحائط بالضرورة الخطيرة، ضرورة أن تكون أفلامنا مرآة لواقعنا، لا لواقع غيرنا، مهما كان.

وأمام هذا الاستسلام الذي يدعو إلى العجب حقاً، أرى لزاماً عليّ أن أذكر بما كنا نعتبره إلى عهد قريب من البديهات.

إن طبيعة السينما الوطنية أن تمتاز، وتأبى الفناء في أي قوة، حتى وأن كانت هذه القوة هوليوود ذات الجلال. 

The Golden Years of Egyptian Film: Cinema Cairo, 1936-1967

Edited by: Sherif Boraie | With: Rafik El-Sabban, Moustafa Darwish, Yasser Alwan

Between the 1930s and the 1960s, the Egyptian cinema industry was at its height, producing hundreds of black-and-white comedies, dramas, and romances, many of which became enduring classics, much loved and watched over and over throughout the Arab world in cinemas and on television. Whatever the genre, love was always a central theme – ideal love, impossible love, love won, love lost.Here in this sumptuous, large-format treatment, film fan Sherif Boraie has gathered over a hundred promotional stills from more than eighty great Egyptian movies. In glorious black-and-white, stars who are household names from Casablanca to Baghdad pucker or pout, cower or scowl, clinch or croon, scheme or triumph. There are the divas and the crooners: Umm Kulthum, Laila Murad, Abd al-Halim Hafez, Farid al-Atrash; the leading ladies: Faten Hamama, Suad Husni; the leading men: Omar Sharif, Rushdi Abaza; the dancers: Naima Akif, Tahiya Carioca; the villains: Tawfiq al-Diqn, Mahmoud al-Meligui; and the comics: Mary Munib, Isma’il Yasin, and not to mention the child star Fayruz, the people’s hero Farid Shawqi, and the magnificent Hind Rustum.Introduced and captioned in English and Arabic, this book of the greatest and the best of Egyptian cinema will appeal to classic film lovers everywhere.

by: Sherif Boraie

الرقابة مسؤولة عن أزمة السينما

تتخذ النقاشات حول خطورة الرقابة ودورها، ضرورتها وحدودها، أهمية ملحوظة وحجماً متزايداً في الحياة الثقافية المصرية، خصوصاً بعد الضجة التي أثارتها أخيراً استقالة درية شرف الدين من منصبها، متهمة بعض المسؤولين في وزارة الثقافة بعدم التعاون معها بما فيه الكفاية، هذا الحوار مع مدير سابق للرقابة، يعطي فكرة عن عمل هذا الجهاز الذي يتحكم بالحركة الفكرية والابداعية، ويسّلط الضوء على فلسفته ونقاط ضعفه، ويطرح السؤال حول ضرورة تحديثه؟

يندهش المرء حين يكتشف أن سلطات الاحتلال البريطاني في مصر، هي التي “قننت” المحظورات المتعمدة من قبل أجهزة الرقابة على “المصنفات الفنية” منذ بداية القرن. وتزداد الدهشة حينما نتبين أن معظم المحظورات بقي على حاله حتى الآن، مع بعض التغيرات البسيطة التي واكبت الأحداث المهمّة مثل سقوط الملكية عام 1952، لكن فلسفة الرقابة بقيت نفسها، تدور حول محور واحد “الممنوعات”.

وفي العام 1955 مثلاً – صدر القانون رقم 43، وهو أول قانون لـ”تنظيم” الرقابة على “الأشرطة والمصنفات الفنية الأخرى” كما وصفت في صدر القانون. وظلت أحكامه سارية المفعول من دون أيّة تعديلات قرابة سبعة وثلاثين عاماً ثم جاء القانون رقم 38 لسنة 1992 ليتضمن تعديلات تقول إنها “تسد النقص في أحكام الرقابة على أشرطة واسطوانات الڨيديو”.

بل أن هناك ما يسمّى “تعليمات إدارة الدعاية والإرشاد التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية” والتي كان معمولاً بها منذ شهر شباط “فبراير” لسنة 1947، وهي تعلميات غير منشورة اكتشفها ــ وأعلنها مصطفى درويش، حينما تسلم منصبه كمدير عام للرقابة للمرة الأولى عام 1972، ودرويش أول مدير للرقابة حتى الآن، يتولى هذا المنصب مرتين متتاليتين، ويتخلى عنه في كل مرة بطلب من السلطات الثقافية المسؤولة. “الوسط” إلتقته في مناخ يشهد تساؤلات واعادات نظر عديدة، فكان هذا الحوار حول تجربته ودوره، وحول طبيعة الرقابة في مصر وآفاقها على عتبة قرن جديد.

ماهي فلسفة الرقابة في مصر؟

قبل تحديد فلسفة الرقابة في مصر، علينا أن نفهم علاقة الرقابة بالدولة، بالنظام الحاكم. فقبل ثورة يوليو كانت المحظورات الرقابية تشمل “عدم سب وتحقير الألقاب والرتب والنياشين أو الباشوات” وعدم السماح بدعاية “ضد الملكية أونظام الحكم القائم أو التعريض بدستور البلاد أو بنظام الحياة النيابية في مصر”. وبعد يوليو سمح بالتعريض بالملكية والأحزاب، لكن حظر التعريض بالنظام الجمهوري. وبقي معظم المحظورات كما هو بما فيه مثلاً، منع التعرض لموضوعات فيها المساس بشعور المصريين أو النزلاء الأجانب، وحظر الأحاديث والخطب السياسية المثيرة أو السخرية من القانون.

وتسهر الرقابة على عدم الاساءة إلى سمعة مصر والبلاد الشقيقة، بإظهار منظر الحارات الشعبية البادية القذارة والعربات “الكارو” ومبيض النحاس، وبيوت الفلاحين ومحتوياتها إذا كانت حالتها سيئة، والتسول والمتسولين…..

وتطول القائمة التي تضم 33 محظوراً من الناحية الاجتماعية والدينية، إضافة إلى 31 محظوراً يتعلق بالأمن والنظام العام، فلسفة الرقابة إذا هي “المحافظة على الأمن والنظام العام وحماية الآداب ومصالح الدولة العليا” كما جاء في المذكرة التوضيحية لقانون الرقابة.

ما الذي أتى بك إلى الرقابة، وكيف خرجت منها؟

أنا في الأصل قاض…ومن الجائز تعيين مدير للرقابة من خارجها، شرط أن يكون على وعي بـ”سياسة” الدولة. أنا كنت مهتماً بالسينما منذ فترة طويلة، وحدث “فراغ” في قمة الجهاز الرقابي، ولما كان ثروت عكاشة، وزير الثقافة وقتها، على علم بخبرتي واهتماماتي، استدعاني وأسند إليّ منصب الرقيب العام. ثم حدث تغيير وزاري، وتولى عبد القادر حاتم وزارة الثقافة بدلاً من عكاشة. سألني أن أطلب إلغاء انتدابي من سلك القضاء، فرفضت بحجة أنني أعمل في “الدولة” ولا أعمل عند “وزير” بعينه لكنه ألغى انتدابي، فخرجت من الرقابة بعد قرابة خمسة أشهر من توليها.

أما المرة الثانية، فكانت بعد “إخراج” الدكتور حاتم من وزارة الثقافة و”ارجاع” عكاشة إليها. وهذا الأخير أعادني بدوره رقيباً، ثم ألغى هو انتدابي بعد تسعة عشر شهراً استجابة للضغوط التي نسبت إليّ تهمة “إفساد” عقول شباب الأمة! كان ذلك في عام1967 بعد الهزيمة…

نعرف أن مساءلتك تمت بواسطة اللجنة الثقافية في مجلس الشعب (مجلس الأمة ذلك الوقت).

بالفعل، كشفت الهزيمة عن تيار رجعي سلفي موجود في مؤسسات الدولة، وخصوصاً في وزارة الثقافة، صدمة الهزيمة أخرجتهم من جحورهم، طالبوا بإغلاق دور السينما والمسارح وإعلان “الحداد” العام، اتهموني بالتصريح بأفلام “تفسد” الشباب، مع أن هذه الأفلام التي أشير إليها عرضت بعد الهزيمة، لا قبلها، وبما أن الوزير كان بدأ يستجيب لضغوط هذا التيار، فقد وافق على مطالبهم، سحب الأفلام من دور العرض ثم أنهى انتدابي.

نحن على أعتاب قرن جديد، والقوانين الرقابية لم تتغير منذ زمن. ما هي المتغيرات التي شهدتها القوانين منذ بداية القرن ؟

لم يحدث بالفعل سوى تغيرات بسيطة، هناك قرار وزير الإعلام والثقافى رقم 22 لسنه 1976بشأن القواعد الأساسية للرقابة على المصنفات الفنية، أهم ما يلاحظ أنه اقتصر على “دمج” المحظورات الوارد ذكرها في تعليمات وزارة الشؤون الاجتماعية، بحيث تحولت من 64 إلى 2 محظوراً، ولم يتح هذا القانون الجديد بصراحة لأي ممنوع سابق أن يصبح مشروعاً، إذا استثنينا المخدرات التي أصبح تناولها مشروعاً شرط ألا يوحي ظهورها على الشاشة بأن تعاطيها شيء مألوف.