سيرة نجمة كبيرة

أمر صاحبة هذه السيرة التي أحدثك عنها أعجب من العجب. فقد ولدت في بداية القرن العشرين، وبالتحديد سنة 1907. وكان مولدها في عائلة من عائلات نيو انجلاند العريقة، التي جاء أجدادها الأوائل إلى العالم الجديد، مستقلين “الماي فلاور” تمخر بهم بحر الظلمات.

نشأت في بيت كبير، يقوم على رعاية شئونه خدم وحشم، وبين أحضان والدين عرف عنهما النشاط القوي وحدة الذهن، وحب التقدم.

فأبوها كان جراحاً ناجحاً، داعياً إلى تحرير العقل، وتعليم الناس أسرار الجسم.

وأمها كانت امرأة اجتماعية، داعية إلى حصول النساء على حق الانتخاب، والي تحديد النسل، رغم أو ربما لأنها أنجبت ستة أطفال، نصفهم من الذكور والنصف الآخر من الإناث.

ولكني نسيت  أن اسميها، وقد كان يجب  أن أبدا هذا الحديث بتسميتها، فهي كاترين هوتون هيبورن، وشهرتها كاتي هيبورن النجمة الذائعة الصيت.

النجوم.. أسرار

وكاتي بين النجوم وحيدة نوعها. فما أظن  أن أحداً – رجلاً كان أم أمراة – ظل مثلها يعمل في دنيا التمثيل بلا انقطاع، على امتداد نصف قرن من عمر الزمان أو يزيد.

وما أظن  أن نجماً في سماء هوليود أو غيرها من السماوات، استمر نجماً ساطعاً مدة طالت أكثر من ستين عاماً.

وما أظن  أن انسانا في مصنع الأحلام يستطيع  أن يفاخر مثلها بالانتصار في مضمار أوسكار، وذلك بالخروج منه متوجاً بجائزة أحسن مثلة رئيسية، لا مرة ولا مرتين، وإنما أربع مرات، آخرها عن أدائها لدور الأم أمام هنري فوندا في فيلم البحيرة الذهبية (1982)، وكانت قد بلغت من الكبر عتياً.

والسؤال.. كيف استطاعت “كاتي”  أن تحقق كل هذا الانجاز؟

كيف نجحت في الصمود لعاديات الزمن وأين ؟

في مدينة يسودها شيطان الربح، وتموت فيها النجوم، وهي في ريعان الشباب.. لاتزال!!

هذا ما أجابت عنه “كاترين هيبورن” قبل أشهر بصراحة ترجع بعض الشيء إلى اختيارها لنفسها قبل ستين عاماً، أي منذ أصبحت نجمة، أن تعيش امرأة حرة متحررة من قيود الزواج، وما ينتج عنه من أعباء، لعل أهمها الأولاد.

وكان ذلك في كتاب تحت عنوان “أنا.. أقاصيص من حياتي” بثته حصاد سنين طوال، في أسلوب سهل ممتنع، ممتع، خالٍ من أي تعقيد، فيه من روحها وطريقتها في الكلام، تلك الطريقة التي أصبحت من العلامات المميزة لشخصيتها في الأفلام، فيه من كل ذلك الشيء الكثير.

الأيام الجميلة

كانت الحياة سخية مع صاحبة ذلك الكتاب، فقد حباها الحب والعذاب، وهما المتاع الأمثل لأية ممثلة عظيمة، وبدونهما لا يتحقق لها طول البقاء.

فحياتها، وهي طفلة، كانت رائعة بل أكثر من رائعة. ولم لا، وقد توافرت لها أسباب الأمان.

فهناك الشعور بالاطمئنان عند العودة إلى البيت وجود والدين يغدقان عليها الحب بلا حساب. والاحساس بالرضا والهدوء والثقة الباسمة التي تنشأ عن هذا الاطمئنان.

ومن هنا نجد كثرة استعمال صاحبة الكتاب، وهي تعرض لما مر بها في أثناء مرحلتي الطفولة والصبا، لعبارات من قبيل “كنت سعيدة الحظ” و”كانت الحياة ممتعة”.

طريق الآلام

أما العذاب، فقد جاءها هو الآخر مبكراً، وليس لها من العمر سوى أربعة عشر ربيعاً، باختفاء “توم” أكبر اشقائها، وأقربهم إلى قلبها، بواحدة من أغرب حوادث الموت.. كيف؟

صباح يوم الفصح، ذهبت إلى المائدة لتناول الأفطار. أدهشها أن “توم” غير موجود في مكانه المعتاد، جرت في أنحاء بيت العمة “ماري تاول” بنيويورك حيث كانت تقيم هي وشقيقها، بمناسبة عطلة الأعياد. وأخيراً عثرت عليه متدلياً من حبل مربوط إلى خشبة سقف غرفة علوية تلامس قدماه الأرضية، أو تكادان.

وكان  أن فزعت إلى الشارع تستغيث ولكن بعد فوات الأوان. فشقيقها العزيز كانت عيناه بلا رعشة، ولا ومضة وجسمه بلون الرماد.

فإذا ما صارت شابة في عمر الزهور، تزوجت ممن مالت إليه “لدلو اوجدن سميث”، ذلك الزوج العاشق الولهان الذي اضطرته إلى تعديل اسمه بحث أصبح “سميث اوجدن” لا لسبب سوى أنها لم تكن ترغب في  أن تحمل اسماً دارجاً مثل اسم السيدة سميث.

ومع ذلك فقد راعها بعد أشهر قليلة، أنها لا تصلح للزواج ومسئولياته من أمومة، وما إلى ذلك من آثار الرباط المقدس التي ليس لزوجة منها فكاك، فكان  أن حصلت على الطلاق.

اللعنة والنجاة  

وتستمر رحلة العذاب.

فبعد نجاحها في هوليوود بالفوز بأوسكار أفضل ممثلة عن دورها في ثالث أفلامها “مجد الصباح” (1932). وبعد تعلق الجماهير بها بفضل دورها الرائع في فيلم “نساء صغيرات” (1933).

LITTLE WOMEN, Joan Bennett, Jean Parker, Katharine Hepburn, Frances Dee, 1933

أخذ شبح الفشل يطاردها فيما تمثل من أفلام.

فباستثناء “أليس آدمز” (1935) كان الفشل من حظ الأفلام الثمانية التي مثلتها على امتداد خمسة أعوام.

وفي مدينة لا حديث فيها إلا عن البيع والشراء وعن الربح والخسارة، عن أسهم تصعد وأخرى تهبط، اطلقوا عليها “سم الشباك” هذه القسوة المسلطة فوق رأسها ألهبتها سوطها الحامي، فكان  أن غادرت هوليوود بحثاً عن خلاص.

حديث المدينة

في هذه الأثناء، كانت الحرب الثانية بأهوالها تدق على الأبواب، سحب عاصفتها المميتة تتجمع منذرة بالاقتراب، ولا حديث في طول أمريكا وعرضها إلا عن “ذهب مع الريح”.

ومن بين ما قالته “كاتي” في كتابها عن هذه القصة أن مؤلفتها “مارجريت ميتشل” ارسلت لها نسخة منها، ما أن قرأتها حتي وجدتها عملاً يصلح للسينما.

تصادف، بعد ذلك، أن توجهت بعربتها إلى منزل “دافيد سلزنيك” لاستصحاب شقيقه “مايرون” في نزهة نهاية الأسبوع.

وعندما دقت الجرس، وفتح الباب أطلّ منه “دافيد” وكان ممسكاً في يده دور”سكارليت” وهو لإخراج “ذهب مع الريح”.

ولكن سرعان ما غيرت الأقدار الأدوار، فإذا “سكارليت” من نصيب ممثلة انجليزية غير معروفة اسمها “ڨيڨيان لي”، يكتب لها فيما هو قادم من أيام أن تتوج بأوسكار مرتين، وأن تعيش بعد هذه الأمجاد حياة قصيرة ممتلئة بالخطوب والعذاب.

وإذا بـ”چورچ” مخرج أجمل أفلامها، يرفت هو الآخر من “ذهب مع الريح”.

وعن واقعة الرفت الأخيرة، قالت في كتابها “لم يفصح لي “چورچ” أبداً عن السبب، وأنا لم أسأله أبداً” وعلى كل فبعد هذا الاحباط شدت “كاتي” الرحال إلى نيويورك، حيث لعبت دور “تراسي لورد” في “قصة فيلادلفيا” على خشبة المسرح في برودواي.

اللقاء السعيد

أحبها النقاد والناس في الدور، فاشترت حق عمل سينمائي من تلك المسرحية، ثم قفلت راجعة إلى عاصمة السينما في الغرب، حيث باعت ذلك الحق إلى شركة “مترو جولدين ماير” بربع مليون دولار، وهو مبلغ مذهل في تلك الأيام، وحيث قامت بأداء الدور في فيلم أمام كل من “چيمس ستيورات” “وكاري جرانت” (1940).

وعن “لويس ماير” قيصر تلك الشركة التي جعلت من الأسد شعاراً لها، انتزعت “كاتي” من  حافظة السنين صورة مختلفة له عن صور الآخرين، حين وصفته في كتابها بأنه أشرف شخص تعاملت معه على مر الزمان!!

ومنذ بداية الأربعينيات، وهي متربعة على عرش السينما، تظهر النجوم، وتختفي، ونجمها باق يلمع في السماء.

الصعود والتجلي

وها هي ذي تختار “سبنسر تراسي” الحاصل على أوسكار مرتين، كي يتقاسم معها بطولة فيلم “امرأة السنة” (1941) فتحسن الاختيار.

ويتكرر ظهورهما معاً في تسعة أفلام آخرها “خمن من هو زائر العشاء” ذلك الفيلم المعادي للعنصرية ضد السود (1967) عقب حصولها على أوسكار للمرة الثانية عن أدائها لدور الأم أمام “سبنسر” في الفيلم الأخير، وبالتحيد في تمام الساعة الثالثة من صباح يوم العاشر من يوينة لسنة 1967، سمعت “كاتي”، وهي في حجرة نومها، صوت خطوات “سبنسر” متجهة نحو المطبخ، فقفزت مهرولة اليه، ولكنها سرعان ما سمعت صوت تحطم كوب وارتطام.

وما  أن فتحت باب المطبخ حتي وجدته جثة لا حراك بها.

اشاعة حب

ولست أريد  أن الخص هنا خير ما في فصل “ترك بيت كاليفورنيا” من الكتاب ذلك الفصل الذي خصصته “كاتي” لموت”سبنسر” ووصف بيته الذي قضيا فيه معا أجمل سنوات العمر.

وهو تصوير لقائهما الأول، وكيف رأى “سبنسر” أظافرها متسخة، وكيف تصور أنها امرأة منحرفة لا تميل إلى جنس الرجال.

ولا  أن الخص موقف زوجته “لويز” وابنته “سوزي” وابنه الاطرش “جون” عندما أبلغتهم “كاتي” خبر الوفاة والتقوا الثلاثة بها حيث كانت تقيم مع الفقيد.

وانما اكتفي بنقل الحديث الذي جرى تليفونياً بين “كاتي” وبين الزوجة بعد موت “سبنسر” بأيام” انت عارفة يا لويز، أنه ممكن أنك وأنا نصبح أصدقاء أنت عرفتيه في البداية، وأنا في النهاية، وفي امكاني مساعدتك في رعاية الأولاد”.

وجاء رد أرملة “سبنسر” مفاجئاً “حسناً، نعم ولكني كنت أظن  أن ما بينكما إشاعة..” !!

وتعلق كاتي قائلة: “بعد ما يقرب من ثلاثين سنة؟ اشاعة؟ ما الرد على هذا ؟ الجرح كان غائراً لا يندمل حوالي ثلاثين سنة وأنا مع “سبنسر” في الحلو والمر ويقال اشاعة.

وهكذا، وبفضل عدم اعترافها أبداً بأني موجودة، ظلت الزوجة، وظلت ترسل بطاقات التهنئة بعيد الميلاد وبقي “سبنسر” المذنب، وهي الضحية المعذبة، أما انا فقد نشأت في بيئة متحررة، ولم أحطم زواجهما، فقد كان حطاماً قبل ظهوري على مسرح الأحداث بزمن طويل”.
(يلاحظ أن “كاتي” بروتستنتية، في حين أن”سبنسر” و”لويز” كاثوليكيان، أي من طائفة تعتبر الطلاق وتحديد النسل من الذنوب التي يتعين معاقبة مرتكبيها عقابا شديداً).

وهنا، تجدر الإشارة، والحديث عن حب دام حوالي ثلاثين سنة، إلى واحد من أهم فصول الكتاب، ذلك الفصل الذي أفردته صاحبة السيرة “لسبنسر” تحت عنوان قصير من كلمة واحدة لا غير “حب”.

التعريف السليم

فيه تقول  أن حبها له كان من ذلك النوع الذي يملك على المحب كل شيء، فيصرفه عن كل شيء حتي ينتهي به الأمر إلى  أن يفنى فيه.

عرفته، ولها من العمر ثلاث وثلاثون سنة. وهذا يعني أنها انتظرت طويلاً، حتي التقت بالشخص الذي ترك فيه قلبها جذوة لا سبيل إلى اطفائها.

ولعل ما كتبته في تعريف هذا الحب الجامح الذي لا يترك لصاحبه حظاً من اناة أو روية أو تفكير، لعله خير ختام للحديث.

“أحبك.. ماذا تعني ؟ فكر

نحن نستعمل هذا التعبير باستهتار.

الحب ليس له أي ارتباط بما تتوقع  أن تجنيه، وإنما يرتبط بما تتوقع أن تعطيه.. وهو كل شيء.

ما تحصل عليه مقابل الحب، يختلف باختلاف الأحوال.

ولكنه في حقيقة الأمر لا علاقة له بما تعطيه، أنت تعطي لأنك تحب، ولا تستطيع الامتناع عن العطاء”.

This undated handout photo provided by the U.S. Postal Service shows a first-class postage stamp showing Katharine Hepburn, that will go on sale nationwide Wednesday. Katharine Hepburn is 16th movie star in Legends of Hollywood stamp series. (AP Photo/USPS)


katharine-hepburn-quoteslos-4-oscar-de-katharine-hepburn-original

رجل مجنون في الشارع

لو كنت في باريس في أثناء هذا الشتاء، ولو تسكعت في شوارعها قليلاً، لاسترعى انتباهك صورة لإنسان لا تعرف عنه شيئا.

ولو كنت من أهل مدينة النور أو كنت من المولعين بسحر الألوان وما توحي به من بيان، لاستبان لك أنها من إبداع ريشة الفنان التشكيلي “تيودور جيريكو” صاحب اللوحة الشهيرة “طوف المادوزا”.

وإنها، أي صورة الإنسان المجهول، ما انتشرت هكذا في كل مكان، إلا لأنهم في فرنسا يحتفلون بمرور مائتي سنة على ميلاد هذا الفنان.

وأغلب الظن أن ريشته قد جرت برسم هذه الصورة قريباً من الربع الأول من عشرينيات القرن التاسع عشر.

والآن ومن دون رسومه جميعاً هي التي وقع عليها الاختيار كي تكون أولاً: صورة الملصق المعلن عن معرض “جيرديكو” في القصر الكبير الواقع بين شارع الشانزليزيه ونهر السين.

وثانياً: صورة غطاء المجلد الضخم “الكتالوج” المطبوع احتفاء بالحدث الكبير.

لوحة نادرة

ولقد تم العثور على لوحة هذا الرجل المجهول، مع أربع لوحات أخرى شبيهة في علية أحد المنازل بالمانيا، وذلك بعد أربعين سنة من موت صاحبها، ذلك الموت الذي جاءه مبكراً.

واثر ذلك العثور، أهديت اللوحة إلى متحف اللوفر الذي رفض الإهداء.

ولا غرابة في هذا، فهي إذا ما قورنت بدراما “طوف المادوزا” والضجة التي أثيرت حولها، لا تعدو أن تكون صورة لرجل ما، لا نعرف عنه إلا أنه كان نزيل سراي المجانين.

والعجيب أن هذه الصورة التي كانت مرفوضة من اللوفر قبل قرن من عمر الزمان، هذه الصورة هي التي تختار كي تمثل جميع أعمال نفس الفنان.

فما الذي استجد حتى يحدث كل هذا؟

لماذا أصبحت هذه الصورة الهزيلة في رأي سدنة متحف المتاحف، محط الأنظار، وذكرها على كل لسان؟! في محاولة من الناقد الانجليزي “جون بيرجر” لتفسير هذا التغيير الذي طرأ على الموقف إزاء صورة هذا الرجل المجهول، المجنون.. قال: أي شخص وجد نفسه إلى جوار صديق على شفا السقوط في هاوية الجنون، أحسبه على دراية بذلك الاحساس الغرب الذي يدفعه حتماً إلى أن يصبح متفرجاً فهذا الإنسان الذي على وشك السقوط نراه على خشبة مسرح الحياة وحيداً، وبجواره كالشبح يقف فشل، ولا أقول عجز كل التفسيرات المطروحة شرحاً للألم اليومي الذي منه يعاني عناًء شديداً وها هو ذا يقترب من ذلك الشبح، ويواجه الفضاء الرهيب بين ما يقال من كلمات وبين ما تعنيه في حقيقة الأمر.

والحق، هذا الفضاء، هذا الفراغ، هو الألم، وفي نهاية الأمر، وبالنظر إلى أن الطبيعة تمقت الفراغ، فها هو ذا الجنون يندفع كي يملأه، وإذا بالفارق بين المسرح والعالم، وبين اللعب والمعاناة، إذا به ليس له أي وجود.

أن المحنة الراهنة إنما تكمن في اتساع ذلك الفراغ، في تلك الفجوة بين ممارسة الحياة بشكلها الطبيعي في هذه اللحظة الحرجة من وجودنا على كوكبنا، وبين الخطاب الإعلامي الموجة للرأي العام ابتغاء إعطاء معنى لتلك الحياة.

وبقدر ما تتسع هذه الهوة، بقدر ما يزيد الأسى والشقاء.

ومن هنا استعداد حوالي ثلث سكان فرنسا للاستماع إلى حوالي ثلث سكان “لوبان” زعيم أقصى اليمين من هراء.

فهذا النوع من الخطاب، وإن كان يعزف على عدة أوتار كل منها أشدّ نشازاً من الآخر، إلا فإنه يبدو أكثر اتصالاً بالأحداث الجارية في الشوارع الآن.

فأي شيء بدءا من التضليل “الديماجوجية” وحتي الاستمناء المصطنع.. أي شيء يهون من أجل سد تلك الفجوة، وغالباً ما يفقد الصواب.

عيون شاخصة للمجهول

ومما يلاحظ على اللوحات الخمس التي رسمها “جيريكو” في لاسالبيتيير”سراي المجانين الواقعة وسط باريس” أن عيون الجالسين شاخصة ببصرها إلى مكان آخر متسائلة.

وهي كذلك لا لأن البصر مصوب إلى شيء بعيد أو متصور، وإنما لأنها اعتادت ألا تسلط النظر على أي شيء، متى كان قريباً.

فكل ما هو قريب يثير الدوار، لا لسبب سوى أن هذا الشيء القريب غير قابل للتفسير حسب الشروح المطروحة، وأغلبها مبني على التمني والتهويم، ولا أقول الخداع فما أكثر ما نلتقي اليوم بنظرات شبيهة ترفض التركيز على الشيء القريب، تلتقي بها في القطارات، أماكن وقوف السيارات، طوابي الحافلات، وساحات التسوق.

ثمة فترات تاريخية يظهر فيها الجنون على حقيقته، بلوى شاذة، نادرة الحدوث.
ولكن ثمة فترات أخرى، مثل الفترة التي نعيشها الآن، فيها يظهر الجنون وكأنه القاعدة، وليس الاستثناء!!

البحث عن طوق الحمامة المفقود وأشياء أخري

هناك أفلام تمر صورها أمام أعيننا مر الكرام ودون أن تترك في حافظة ذاكرتنا أثر، وهناك أفلام ما أن ترأها حتى تبقي صورها في حافظة ذاكرتنا لا تنمحي أبدا، ومعظم الأفلام، لحسن حظنا، من النوع الأول، ما أن ننتهي من مشاهدتها على الشاشة صغيرة كانت أم كبيرة، حتى ننساها، وأبدا لا نستطيع استرجاع صورها على شاشة الذاكرة وقتما نريد.

أما أفلام النوع الثاني، وهي أقل القليل، فترسب في الأعماق، إنها دائماً هناك، ونستطيع استرجاعها بكل تفاصيلها ودقائقها ساعة نشاء.

وفي اعتقادي أن فيلمي “طوق الحمامة المفقود” و”شاشات الرمال” من هذا النوع الأخير النادر، الذي ما أن تلتقط صوره عدسة العين، حتى تتذكرة على الدوام.

ولسوء الحظ، فكلا الفيلمين من الممنوعات، بل أنهما في رأي نفر متعصب، معاد للفن، أكثر خطورة من أشد اصناف المخدرات هولاً.

قصة المدينتين

وأعجب العجب بالنسبة لهما، هو تضامن مهرجاني دمشق والقاهرة في اتخاذ موقف واحد منهما، ألا وهو موقف العداء الذي انحدر إلى حد التجريم فالتحريم.

وحتي الآن لا اعرف لهذا الموقف الغريب سبباً، اللهم إلا إذا سايرنا الشائعات التي عمل على نشرها نفر يتاجر بالقضايا المصيرية، ولا يحمل لحرية التعبير سوى المقت الشديد، وهي شائعات تقول فيما تقول أن الفيلمين قامت بتمويلهما مصارف غربية يتحكم في شئونها اليهود، فضلاً عن أن أحدهما، وهو “شاشات الرمال” يحقر من شأن المرأة العربية على وجه مشين.

ولقد كان لهذه الشائعات تأثيراً كبيراً على مهرجاني العاصمتين فإذا بدمشق تجد نفسها محرومة من مشاهدة “شاشات الرمال” وجميع الأفلام التونسية بما في ذلك رائعة “فريد بوغدير” “عصفور على السطح” أو “الحلفويين” و”شيشخان” بطولة الممثل المصري “جميل راتب” الذي أدى دوره باتزان واتقان غير مألوفين، يعود الفضل فيهما إلى صاحبي الفيلم “محمود بن محمود” و”فاضل جعايبي” وأولهما سبق له وأن امتعنا قبل خمس سنوات بفيلمه الأول “عبور”.

وإذا بالقاهرة بدلاً من افتتاح مهرجانها الكبير برائعة عربية مثل “طوق الحمامة المفقود” لصاحبها “ناصر خمير”، تفتتحه بفيلم رديء فنياً وسياسياً أسموه “ناجي العلي”، ولا تكتفي بهذه الكارثة، بل تعمل جاهدة على أن يكون الختام بفيلم عربي أكثر رداءة اسمه “طبول النار”.

وفي هذه الاثناء، إذا برائعة “ناصر خمير” تختفي من جميع دور العرض بسحر ساحر، نبحث عنها مهتدين بارشادات برنامج المهرجان، فلا نعثر عليها وكأنها فص ملح وذاب.

سور الصين

وبالمصادفة، وبعد انتهاء المهرجان بيومين أو ثلاثة، وجدتني أشاهدها في عرض شبه سري للنقاد، لم يعلن عنه لا لشيء سوى أن “طوق الحمامة المفقود” كما سبق أن قلت، إنما يعتبر في نظر نفر من الناس أكثر خطراً من أكثر أصناف المخدرات نكراً !!

أما “شاشات الرمال” رائعة المخرجة اللبنانية “رنده الشهال”، فحدث ولا حرج عن منعها باعتبارها من المحرمات.

فهي أصلاً لم يسمح لها باجتياز عتبات ديار مصر، وبالتالي ففرصة مشاهدتها والاستمتاع بها لم تتح لي إلا بفضل شريط فيديو، ذلك الاختراع اللعين الذي فتح في الأسوار نوافذ نطل منه على بساتين الفن السابع رغم أنف سيف الرقباء.

المجد التليد

وعلى كل، وأيا كانت الأسباب التي تذرعوا بها لحمايتنا من مشاهدة الرائعتين، باعتبارنا لانزال مراهقين، فالأكيد أن “طوق الحمامة المفقود”، فضلاً عن أنه وحيد نوعه بين الأفلام العربية، فهو عمل سينمائي ساحر، مستوحي من رسالة عن الحب “طوق الحمامة”، كتبها العالم الأندلسي “ابن حزم” الذي فرغ لعلوم اللغة والدين في عصر عصيب شهد انتقال السلطان من بني أمية إلى حُجَّابهم، ثم انهيار الأمر حول هؤلاء الحجاب، وقيام ملوك الطوائف، وتدّخل البربر في شئون العرب الأسبانيين.

والظاهر أن الحب كان يشغل الناس جميعاً في الأندلس لعهد هذا العالم الكبير، ولعله كان يشغل المثقفين والممتازين أكثر مما كان يشغل غيرهم من الناس.

والبادي من سياق الفيلم أنه الشغل الشاغل للخطاط “حسن” بطل “طوق الحمامة المفقود”.

فبدءًا من اللقطات الأولى، وهو أبدا يردد عبارة “ابن حزم” الشهيرة التي تغوص في ماهية الحب، عندما تصفه قائلة في سخرية لاذعة “الحب أعزك الله أوله هزل، وآخره جد”.

وهو أبدا يبحث عن مفردات كلمة حب، وعددها ستون، استطاع أن يجمع منها ثلاثاً وثلاثين.

وفي سعيه هذا، دائماً ما يلتقي “بزين” مرسال الغرام في قرطبة ذات الجلال، والصبي الذي لا يُعْرف له أب، فإذا ما استفسر ملتاعاً عنه من أمه، قالت له ضاحكة، وهي في حمام النساء، إنه جني أصيل.

ألف ليلة وليلة

ومن خلال مغامرات الاثنين “حسن وزين” التي جرى حكيها بأسلوب حكي قصص ألف ليلة وليلة، نجح المخرج في تسليط الأضواء على ابداعات الحضارة الأندلسية.. فن كتابة الخط العربي، المكتبات بمخطوطاتها النادرة، الساحات والباحات ملتقى المثقفين، الجوامع بمآذنها وأعمدتها عنواناً على علو شأن المعمار، ولا أقول الفنون جميعاً.

باختصار شديد “طوق الحمامة المفقود” حدث جليل في تاريخ السينما العربية.

وهو فيلم لا يحكي لا لسبب سوى أنه أقرب إلى موسيقى الشعر منه إلى أي شيء آخر.

وكذلك حال “شاشات الرمال” فهو فيلم تصعب حكاية وقائعه، ولو حكيت فهي لا تحكى إلا في كلمات معدودات.

ولقد جرى عرضه في مهرجان فينيسيا الأخير، ومن بعد في أكثر من مهرجان.

نساء لبنان

هذا، ولم يسبق لصاحبته أن أخرجت أفلاماً روائية، فجميع أعمالها السينمائية قبل “شاشات الرمال” من ذلك النوع المسمى بالتسجيلي في قول، وبالوثائقي في قول آخر، أذكر من بينها “خطوة..خطوة” (1979)، “لبنان أيام زمان” (1980)، “لبنان إرادة الحياة” (1981)، و”الشيخ إمام” (1984).

وبفضل رائعتها الروائية الأولى، استطاعت أن تلحق بزميلتيها المخرجتين اللبنانيتين “هيني سرور” و”جوسلين صعب”. فالمخرجات الثلاث بدأن المشوار معاً إبان عقد السبعينات، بأفلام تسجيلية بعضها طويل، والبعض الآخر قصير.

والآن لكل واحدة منهن فيلم روائي واحد لا يزيد.

ورائعة “شهال” بأسلوبها الذي قد يراه جمهور السينما التقليدية مفرطاً في التجريد، إنما تذكرنا بأسلوب الأديبة الفرنسية “مارجريت دورا” في الكتابة والإخراج.

ولا غرابة في أن تتأثر “شهال” بأسلوب” دورا فهي متخرجة في معهد “لوميير” للسينما (1985).

الاتصال والانفصال

وهي في رائعتها، أنما تعرض لمأساة المرأة العربية على امتداد الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.

تلك المأساة التي تخلص في فرض الانفصال عليها عن المجتمع العامل، وبالذات مجتمع الرجال.

وهو انفصال شامل لجميع أجزاء هذا الوطن دون أي استثناء، موجود في كل مكان سواء أكان متقدما أم متخلفاً.

مفروض على المرأة في أقاصي الصعيد، في متاهات الصحروات، في أعالي لبنان، في وديان المغرب والسودان.

إذا نحن بازاء ظاهرة انفصال بين الجنسين جامعة لكل العرب ولسوء الحظ، تزداد على مر الأيام سوءًا.

ومن هنا ايثار “شهال” لوقائع رائعتها ألا تجري في بلد عربي محدد بالذات.

فكل النساء عندها في الهم عرب، لا فرق في ذلك بين مشرق ومغرب.

وهي تبدأ رائعتها بدءًا قريباً كل القرب، غريباً كل الغرابة، فتفرض علينا أن نصحبها في الطريق التي تريد أن تمضي فيها.

فهذه امرأة جميلة “سارة” (ماريا شنايدر بطلة التانجو الأخير في باريس أمام مارلون براندو) لم تتقدم بها السن، ولكنها قد جاوزت الشباب قليلاً إنها داخل سيارة فارهة “رولز رويس” يقودها سائق يتبين لنا تلميحاً فيما بعد أنه لا يميل إلى جنس النساء ولسبب لا نعرفه تصل بها السيارة إلى المطار، حيث لا يسمح لها بمغادرة البلاد.

فإذا ما عادت إلى حيث تقيم رأيناها في قصر منيف، به حمام سباحة كبير، مغطي بستائر تحجب الرؤية عن أعين المتطفلين، ودوائر تليفزيونية مغلقة، لا تترك شاشاتها صغيرة أو كبيرة، إلا سجلتها حماية لشرف نساء البيت الكبير.

وسارة في وحدتها، ورغم الثراء الفاضح، امرأة تعيش حياة طفيلية ملؤها الملل والضياع.

وليس عندها وسيلة للاتصال بالعالم الخارجي، سوى تليفون مثبت به شاشة تكشف عن شخصية المتلقي للمكالمة، لا تستعمله إلا لقتل الفراغ.

وفي محاولة منها للانعتاق من أسر تلك الوحدة القاتلة، ها هي ذي تلتقي بأمراة أخرى “مريم” أجبرتها ظروف الحرب الأهلية المستعرة الأوار، إلى مغادرة لبنان للعيش في هذا المكان الموحش حيث أسندت اليها مهمة إعداد مكتبة جامعية للنساء.

ولأمر ما، تظل هذه المكتبة خاوية على عروشها، بلا كتب، و”مريم” تلح في الطلب، ولا مستجيب.

وبعد حين تثوب هي إلى نفسها، حائرة أول الأمر، ثم ساخطة، ثم منكرة لهذا التصرف المريب.

ولا تزال تسأل، وتبحث وتستقصي، مستنجدة بأستاذ لبناني في جامعة النساء اسمه “طلال” تهرع إلى الالتقاء به في أحد المصاعد، حيث يمارسان الجنس في لهفة، تحت أعين كاميرات تعرض ما تلتقطه على شاشات يشاهدها رجال ساهرون على حماية حسن الآداب.

وسرعان ما نرى “طلال” وهو يلقى القبض عليه بواسطة جمهور من الناس غريب.

و”مريم” وهي هاربة بعدئذ استقر في نفسها أنها متهمة بدورها، وإن لم تعرف طبيعة التهمة.

وفي الختام نراها واقفة بمفردها في صحراء شاشعة، معلقة بين اليأس والرجاء.

وكأني بصاحبة “شاشات الرمال” تريد أن تقول بهذه النهاية أن المرأة في مجتعاتنا تضيع حياتها في جهود مجدبة لا تغني عنها شيئا.

يبقى أن أقول أن “شاشات الرمال” تحفة سينمائية، لا يعيبها رغم بعض الغموض، إلا أنها متكلمة بالفرنسية، أي بغير لغتنا الجميلة، وهو عيب، لو تعلم “شهال” كبير.