السابحات الفاتنات ودرة الأدب الأمريكى

لم يكن واردا علي البال، إلا أقصر الحديث على الترجمة الرابعة لدرة الأدب الأمريكى ، إلى لغة السينما، واقصد بها رواية «جاتسبى العظيم، لولا أن وكالات الانباء طيرت، قبل بضعة أيام، خبر غياب نجمة عن دنيانا، أختفت تماماً من الشاشات، زهاء نصف قرن من عمر الزمان، حتى كادت تكون نسيا ومنسيا.

Esther Williams is shown in Hollywood, July 13, 1943. (AP Photo)
Esther Williams is shown in Hollywood, July 13, 1943

هذه النجمة التى كان لها من العمر واحد وتسعون عاما وقت ان جاءها الموت، هى »استر ويليمز» التى بهرت جمهور السينما، باستعراضاتها المائية الخلابة، التى صممها الساحر »بيبى بيركلي« فى أكثر من فيلم، بدءاً من »السباحة الفاتنة (1944) وحتى »فاتنة جوبيتر (رب ارباب الاغريق القدامي)« (1955) ففيما بين هذين الفيلمين ، شقت، و»يليمز« طريقها سباحة، فى أكثر من فيلم ، وسط العديد من حمامات السباحة، والبحيرات، بل وحتى البحار والمحيطات، كل ذلك بالوان طبيعية، تخلب الابصار.
وبفضل احتكارها الاداء فى ذلك النوع المستحدث من الأفلام أصبحت احدى النجوم العشرة، التى تحقق أفلامها أكثر للايرادات، خلال عامى 49و 1950.
يبقى لى ان أقول، باختصار، حتى يكون فى وسعى أن أكتب، باقل القليل من الكلمات عن الفيلم الأخير، المأخوذ عن رواية، »جاتسبى العظيم«.
ان »ويليمز« لخصت حياتها فى كلمة واحدة، عندما سئلت، ذات مرة، من هو الرجل المفضل لديها، وقد تزوجت أربع مرات، فجاءت اجابتها، بسيطة، غير مثيرة للدهشة، انه الماء!!
والآن إلى »جاتسبى العظيم«.. لاقول أننى لم أشاهد سوى فيلمين من الأفلام الأربعة المأخوذة عن رواية الأديب الأمريكى »سكوت فينزجيرالده، التى نشرها عام 1925.
وأصبح اسم بطلها »جاتسبي« منافسا فى ذيوع الشهرة لاسم »يوبى ديك« ذلك الحوت الأبيض، المراوغ، المقاوم لعملية جديدة، فى رواية الأديب الأمريكى »هرمان ميلقيل«.
وبداية ، فالرواية عسيرة على الترجمة إلى لغة السينما.
ومع ذلك، فالفيلم المأخوذ عنها، الذى اخرجه »چاك كلايتون« (1974) عن سيناريو للسينمائى الاشهر، »فرانسيز فورد كوبولا« صاحب ثلاثية »الاب الروحي« . كان أقرب بكثير من روح الرواية، مقارنة بالفيلم الأخير المأخوذ عنها (2013) والمخرجه الاسترالى »باز لورمان« صاحب فيلمى »روميو + جولييت« و» الطاحونة الحمراد«.
»فلورمان« لم يصادفه التوفيق، كما صادف »كلايتون«، قبل أربعين عاما، الا قليلا، الذى تعامل مع مأساة »جاتسبي« باعتبارها مأساة تحكى الحلم الأمريكي، وكيف قاله الفشل الذريع.
فحكيه لها عكس »لورمان« كان رصينا، معنيا بأدق التفاصيل فى رسمه لشخصية »جاتسبي« الذى أدى دوره باقتدار النجم »روبرت رد فوره«
وكذلك فى رسمه للشخصيتين الرئيسيتين الأخريين، »ديزى بيوكانا« – وأدت دورها »ميا فارو« ، »وزوجها الثرى المقيت« »توم بيوكانان« ويؤدى دوره »بروس دين« الفائز بجائزة أفضل ممثل فى مهرجان كان الأخير.
وعلى النقيض من ذلك تماما، فيلم »لورمان« فلا عناية بالتفاصيل ، ولا برسم الشخصيات.
وانما حذلقة، قوامها الولع بالصواريخ والفرقعات، ولا شيء آخر، بحيث نخرج من الفيلم، وكأننا رأينا صورة، مقلوبة، مشوهة لفيلمه »الطاحونة الحمراء«.

عودة الروح إلى السينما الصامتة

لم يكن أمرا مفاجئا لي، ذلك الخبر القائل ان مخرجا فرنسيا ناجحا، عقد العزم علي عمل فيلم روائى طويل، صامت، لاتنطق شخوصه، طوال مدة عرضه، بكلمة واحدة، اسوة بالأفلام، أيام السينما الصامته، قبل ستة وثمانين عاما.
وان نجمه المفضل »چان دى چاردان«، الذى لعب دور البطولة فى فيلميه الأخيرين «القاهرة.. وكر الجواسيس.. (2006) و»فقد فى ريو»، وكلاهما حقق نجاحا كبيرا، هو الآخر، آثر، ان يكون له دور رئيسى فى ذلك الفيلم المغامرة، الذى يراهن مخرجه «ميشيل هازاناڤيتسيوس»، على ان السينما الصامتة، لايزال لها جمهور كبير.
كما انه لم يكن امرا مفاجئا، ان يقع الاختيار على فيلمه الصامت، بعد ان اتم اخراجه، وأصبح اسمه «الفنان، ليكون ضمن الأفلام المشاركة فى المسابقة الرسمية لمهرجان كان (2011)، حيث فاز نجمه «چان دى چاردان»، بجائزة أفضل ممثل كل ذلك، لم يكن امرا مفاجئا، بل متوقعا، منذ امد طويل.
artist فمنذ ان شاهدت «الاندفاع نحو الذهب»، وهو فيلم روائى طويل، صامت، لصاحبه «شارلى شابلن» وكان ذلك، أثناء اربعينات القرن العشرين ثم اتيحت لى بعد ذلك باربعة عقود فرصة مشاهدة جميع أفلامه الصامتة، القصير، منها والطويل فى مهرجان ڤينيسيا.
كنت دوما، على يقين، أو ما يقرب من اليقين، بان السينما الصامتة، عائدة لا محال، الى احتلال مكان يليق بها، بين الأنواع السينمائية المختلفة التى يموج بها المشهد العام.
ولكن الأمر الغريب اننى مع كل ذلك اليقين، أو ما يقرب منه، وجدتنى مفاجأ بوقوع الاختيار على فيلم «الفنان»- وهو فرنسى الهوية ليكون ضمن الأفلام التسعة المرشحة لجائزة اوسكار أفضل فيلم، وكلها، فيما عداه، افلام امريكية.
فضلا عن ترشيحه لجوائز اوسكار اخري، خرج فائزا بخمسة منها، اذكر من بينها جوائز افضل فيلم ومخرج وممثل رئيسي.
متغلبا بذلك، وهو الفيلم الذى آثر الصمت على الضوضاء المصاحبة للكلام، على روائع منافسة اخص من بينها بالذكر «شجرة الحياة» الفيلم السابق له الفوز قبل بضعة شهور، بالسعفة الذهبية لمهرجان كان، وفيلم «الحصان» لصاحبه المخرج «ستيفن سبيلبرج» ، وفيلم «هيجو» لصاحبه «مارتين سكورسيزى ومما هو جدير بالذكر هنا، ان فوز فيلم «الفنان» بأهم جوائز الاوسكار على هذا النحو يعد امرا غير مسبوق لفيلم صامت، على مدى عمر الاوسكار، الا مرة واحدة، عندما فاز فيلم «أجنحة» وهو صامت بجائزة اوسكار افضل فيلم، فى أول حفل لاوسكار (1929) فوقها كانت جميع الأفلام المتنافسة صامتة وذلك لقلة الأفلام المتكلمة وضعف مستواها الفني، مقارنة بالأفلام الصامتة التى كانت أعلى منها منزلة بكثير!!
يبقى لى ان اقول انه لم تمض سوى بضعة شهور على فوز «الفنان»، الا وكان فيلما صامتا اخر فائزا بجائزة «چويا» الأسبانية لافضل فيلم، وهى تعادل فى اهميتها جائزة سيزار الفرنسية.
فضلا عن حصده العديد من جوائز «چويا» الاخرى والفيلم اسمه «سنو وايت» وترجمتها بالعربية «بيضاء كالثلج» وصاحبه المخرج الأسبانى «بابلو بيرجير».
وقياسا على فيلم «الفنان» يعتبر خطوة الى الإمام، اذ فيه من روح السينما الصامتة، الشيء الكثير انه والحق يقال، اعجوبة بين جميع الأفلام والمثير للدهشة انه، لا هو، ولا فيلم «الفنان» اتيحت له فرصة العرض العام فى ربوع مصر، حتى يومنا هذا!!

اليوبيل الذهبي لفيلمين أصبحا من العلامات البارزة فى تاريخ السينما

وأقصد بهما «ثمانية ونصف» لصاحبه »فيديريكو فيلليني« المخرج الإيطالى ذائع الصيت، شرقاً وغرباً.
8andhalf و»الاحتقار« لصاحبه رائد الموجة الجديدة الفرنسية المخرج السويسرى »جان لوك جودار«.
وكلا الفيلمين من ذلك الفصيل النادر، من الأعمال السينمائية التى يدور موضوعها، وجوداً وعدماً، حول صانعى الأفلام، وصنوف المعاناة، التى يواجهونها، أثناء مراحل الإبداع المختلفة.
والغريب، أنه ورغم ندرة أعمال ذلك الفصيل، أخرج اثنان من عمالقة السينما فيلميهما »ثمانية ونصف« و»الاحتقار« فى نفس السنة (1963)، عارضين فى كليهما لما يحتمل داخل صاحب الفيلم من صراعات، قد تؤدى إلى العجز عن إنجاز الفيلم فى نهاية المطاف.
وفيلم »ثمانية ونصف« أقرب إلى أن يكون سيرة المخرج الذاتية فى مرحلة فارقة من مشواره السينمائى، وجد نفسه فيها، متوجاً مرتين بجائزة الأوسكار أفضل فيلم أجنبى، وفى نفس الوقت يرفل فى ذرا المجد العالية، بفضل فيلمه السابع »الحياة اللذيذة« (1959).
ومع صيرورته هو »والحياة اللذيذة« حديث الناس فى مشارق الأرض ومغاربها، وجد نفسه عاجزاً عن إبداع فكرة جديدة بها ينطلق إلى آفاق سينمائية على نحو يستطيع معه أن يحقق نجاحاً، به يتجاوز نجاحات »الحياة اللذيذة« منقطعة النظير.
خروجاً من ذلك المأزق، امتحن عزيمته على نحو لم يجد معه من سبيل سوى التعبير عن حيرته بالكتابة عنها، لا بالقلم كالمعتاد، وإنما بالكاميرا فى فيلمه الثامن الذى أسماه »ثمانية ونصف«.. فعلى امتداد الساعتين وعشرين دقيقة، هى مدة الفيلم حكى فيللينى قصة معاناته، بوصفه مخرجاً، متقمصاً شخصيته فى الفيلم، مخرج من صنع الخيال اسمه »جيدوانسلمى« ويؤدى دوره النجم »مارشيللو ماسترويانى« الذى سبق له أداء دور الصحفى الحائر فى شعاب »روما« فى رائعة فيللينى السابعة »الحياة اللذيذة«.
وبداية ففيلم »ثمانية ونصف« وقبل كل شىء يقال، فيلم عن صناعة »ثمانية ونصف«.
إنه يحكى قصة إنتاجه، مسلطاً الضوء، لا عملية تصويره، وإنما على التطور النفسى الذى بفضله تخلق الفيلم حتى أصبح فى نهاية الأمر، فيلماً حكايته منحصرة فيه لا تقول شيئاً إلا عنه، من خلال مشاهد، يختلط فيها الواقع بالخيال بالذاكرة، على نحو أوضح الكثير من جوانب شخصية مخرج يفكر فى فيلمه القادم، وكيف يكون، وفى أثناء ذلك يعانى من أزمة إبداع، يكاد ألا يجد منها مخرجاً.
والمعاناة لا تقتصر على تلك الأزمة، وما يتصل بها، إنها والحق يقال، معاناة متصلة، لا تنقطع، إلا مع انتهاء الفيلم.
معاناة مصدرها المنتج والممول، وكاتب السيناريو والممثلون، فعالم السينما قاس، لا مكان فيه للرحمة والتواد.
وفيلم »الاحتقار« يختلف بعض الشىء عن فيلم »فيللينى« ففيه لا يحكى »جودار« سيرته، مثلما فعل صاحب »ثمانية ونصف«.
ففيلمه مأخوذ عن رواية للأديب الإيطالى »البرتو موافيا« بعد أن خلّصلها »جودار« من شوائب الميلودراما الصارخة.
وأبطال الرواية، كما أعاد »جودار« حكايتها، عبارة عن كاتب سيناريو مغمور »بول« ويؤدى دوره ميشيل بيكولى، يعيش فى روما مع زوجته »كاميل«.. وتؤدى دورها »بريجيت باردو«.
ويجد »بول« فرصته فى الصعود، بفضل تكليفه بكتابة سيناريو مستوحى من »الأوديسية«.
وتتعقد الأمور بين »بول« ومنتج الفيلم ومخرجه، ويلعب دور الأول الممثل »جاك بالانس«.. أما المخرج فيلعب دوره بنفسه »فريتز لانج« المخرج العالمى الأشهر.
واللافت أن »جودار« قد أسند إلى نفسه دور مساعد المخرج »لانج«.. وتزداد الأمور تعقيداً، على نحو ينتهى بعدم إنتاج الفيلم.
يبقى لى أن أقول إن »ثمانية ونصف«، و»الاحتقار« كلاهما أعجوبة بين الأفلام!!