ومرة أخري ضلت أوسكار الطريق

جاءت النتائج في حفل الأوسكار، بمسرح دولبي بمدينة لوس انجلس، وذلك قبل بضعة أيام، عكس ما كان متوقعا، فالفيلم الفائز بجائزة أوسكار، لم يكن «لينكولن» وإنما كان «ارجو».
argo

في حين أن الفيلم الأول، أي «لينكولن» كان هو وصاحبه «ستيڤن سبيلبرج» المخرج ذائع الصيت مرشحين لجائزتي أوسكار أفضل فيلم ومخرج معا، أما فيلم «ارجو» فقد اقتصر ترشيحه لجائزة أوسكار أفضل فيلم دون جائزة أفضل مخرج.
lincoln-movie

ومما زاد الأمور عبثا أن الأفلام الخمسة التي كانت مرشحة هي ومخرجوها لجائزتي أفضل فيلم ومخرج لم يفز أي واحد منها بجائزة أفضل فيلم، وفيما عدا المخرج التايواني «انج لي» الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل مخرج، عن فيلمه «حياة باي» خرجت الأفلام الأربعة الأخري من مضمار المنافسة، غير فائزة لا بجائزة أوسكار أفضل فيلم، ولا بجائزة أفضل مخرج.

وكانت جائزة أوسكار أفضل فيلم من حظ «ارجو» الذي لم يكن صاحبه «بن افليك» مرشحا أصلا لجائزة أفضل مخرج، شأنه في ذلك شأن مخرجي أربعة أفلام أخري اقتصر ترشيحها لجائزة أوسكار أفضل فيلم دون جائزة أفضل مخرج.

وفي اعتقادي أن تراكم الأخطاء علي هذا النحو، إنما يرجع الي الخطأ الأول الذي ارتكبته الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم السينما، صاحبة فكرة جوائز الأوسكار وتمثالها الذهبي الصغير حين رشحت قبل بضعة أسابيع تسعة أفلام لجائزة أوسكار أفضل فيلم، واكتفت بترشيح خمسة من بين مخرجي تلك الأفلام مما كان سببا في أن أفلاما أربعة شابها عيب الترشح لجائزة أفضل فيلم، دون جائزة أفضل مخرج.

والغريب أن فيلما مثل «لينكولن» كان مرشحا لاثنتي عشرة جائزة من بينها جائزتا أفضل فيلم ومخرج ينحصر حظه من الجوائز في جائزتين فقط، هما جائزتا أفضل ديكور وممثل رئيسي التي فاز بها الممثل البارع «داني دي لويس»، وبفوزه هذا يكون قد فاز بجائزة أوسكار أفضل ممثل رئيسي ثلاث مرات أولاها عن أدائه في فيلم «قدمي اليسري»، والثانية عن أدائه في فيلم «ستسيل الدماء»، وهو ينفرد بهذا الإنجاز عن سائر الممثلين فأحد منهم لم يفز بجائزة أفضل ممثل رئيسي ثلاث مرات حتي يومنا هذا.

والأكثر غرابة أن يكون حظ «لينكولن» من الجوائز أقل من حظ «ارجو» الذي فاز بثلاث جوائز أفضل فيلم وسيناريو مأخوذ عن أعمال أخري وتوليف «مونتاج»، وكذلك أن يكون حظه من الجوائز معادلا لحظ «چانجو.. حرا» و«البؤساء»، فالفيلمان لم يفز كلاهما بأكثر من جائزتي أوسكار فـ«چانجو» اقتصر حظه من الجوائز علي جائزتي أفضل سيناريو مبتكر وممثل مساعد، و«البؤساء» هو الآخر لم يفز إلا بجائزتي أفضل ميكساچ صوت وممثلة مساعدة «آن هاثاوبي» السابق لها الفوز بجائزتي الكرة الذهبية وبافتا عن نفس الدور في «البؤساء».

وكما كان متوقعا فاز فيلم «حب» لصاحبه «مايكيل هانيكيه» المخرج النمساوي الشهير بجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي غير متكلم باللغة الانجليزية، ولم تفز «إيمانويل ريڤا» بطلة ذلك الفيلم بجائزة أفضل ممثلة رئيسية، وبدلا منها فازت بها النجمة الصاعدة الواعدة «چينفير لورنس»، وختاما يظل لي أن أقول إن ترجيح الأكاديمية الأمريكية كفة «ارجو» علي كفة «لينكولن» مدعاة للعجب العجاب

فالفيلم الأول موضوعه يدور وجودا وعدما حول نجاح رجل تابع للمخابرات المركزية الأمريكية بتهريب ستة مواطنين أمريكيين من داخل السفارة الكندية الي خارج إيران  التي تحولت الي سجن كبير تحت حكم الملالي، في حين أن «لينكولن» فيلم تاريخي. محكم البناء، مداره نجاح الرئيس الأمريكي السادس عشر في تحرير الولايات المتحدة من وصمة شرعية نظام العبيد!!

نجاح البؤساء

ادهشني امتداد عرض فيلم «البؤساء» لبضعة أسابيع، في عاصمتنا القاهرة، حيث لا أمن، ولا أمان وإن كان لا مدعاة لدهشتي هذه، والفيلم مأخوذ عن رواية، تعد، وبحق من أشهر روايات «فيكتور هيجو»، الأديب الفرنسي، ذائع الصيت.
les_miserables

وقد لا أكون مغاليا، بعض الشيء، إذا ما جنحت فقلت إنها أشهر روايات الأدب عامة، لا يضارعها في الشهرة، والذيوع، أي عمل أدبي آخر، حتي وإن كان لأدباء، في مثل قامة، شكسبير، وتولستوي، وغيرهما كثير.

كما أنني لا أعتقد أن مثقفا في ربوع مصر، مهما كان حظه من العلم قليلا، لم يقرأ، أو لم يسمع بأن ثمة رواية اسمها البؤساء.

ولا أعتقد كذلك ان أحدا من محبي فن السينما، بطول وعرض البلاد، لم يشاهد فيلما مأخوذا عن تلك الرواية، معروضا علي الشاشة الكبيرة أو الصغيرة فما أكثر الأفلام المستوحاة أحداثها وشخوصها من البؤساء، بدءا من أيام السينما الصامتة، وحتي يومنا هذا.

وفي هذا السياق، يقال من بين ما يقال ان عددها قارب الخمسين فيلما.

ولا يفوتني هنا، ان من بين ذلك العدد المهول فيلمين مصريين علي الأقل، أحدهما لصاحب «العزيمة» المخرج كمال سليم.

والآخر للمخرج «عاطف سالم».

وفوق كل هذا، فأثناء الربع الأخير من القرن العشرين توج نجاح رواية البؤساء علي نحو منقطع النظير، بترجمتها إلي لغة المسرح في شكل مسرحية موسيقية، غنائية، ذات طابع أوبرالي، بدأت عروضها في باريس، لتصبح، بعد ذلك واحدة من أنجح المسرحيات الموسيقية الغنائية، في تاريخ ذلك النوع المبتكر.

فعرضها استمر ثمانية وعشرين عاما، ولا يزال مستمرا، حتي وصل عدد مشاهديها إلي الستين مليونا عدّا، في اثنين وأربعين بلدا، مترجمة إلي إحدي وعشرين لغة.

ومنذ أول عرض لها، وما واكبه من نجاحات، ومحاولات ترجمتها إلي لغة السينما، متواصلة، دون انقطاع، ولكن دون جدوي.

واستمر الوضع هكذا، إلي ان تصدي «توم هوبر» لإخراجها بعد فوزه، هو وفيلمه «خطاب الملك»، قبل عامين، بجائزة الأوسكار.

وكان أول ما حاوله «هوبر» للتغلب علي الصعاب التي حالت دون ترجمة مسرحية «البؤساء» بموسيقاها وأغانيها إلي لغة السينما، هو الخروج بأحداث المسرحية من الانغلاق داخل جدران المسرح، انطلاقا بها إلي أجواء العالم الفسيح، كما نعيشه فعلا وبدءا من أول مشهد في فيلمه يبهرنا «هوبر» بصورة مدهشة لقطيع من السجناء (حوالي عام 1815) وهم يحاولون بعناء شديد، جر مركب ضخمة إلي حوض جاف، في جو عاصف ممطر.

وغني عن البيان، ان مشهد بمثل ذلك الحجم والضخامة، لا تتوافر الإمكانيات في أي مسرح، لإنتاج شيء مماثل له، في الروعة والابهار.

ومثلما نجح «هوبر» في ترجمة المسرحية إلي لغة السينما صادفه التوفيق في اختيار طاقم الممثلين والممثلات، خاصة اختياره «هيو جاكمان» لأداء دور «جان ڤالجان» و«آن هاثاواي» لأداء دور «فانتين».

وليس أدل علي ذلك، من فوز كليهما بجائزة الكرة الذهبية، هو عن أدائه لدور رئيسي في فيلم موسيقي، وهي عن أدائها لدور ثانوي في الفيلم.

فضلا عن ترشيح كليهما لجائزة الأوسكار وأرجح الظن ان تفوز «هاثاواي» بها، كما سبق لها الفوز، قبل بضعة أيام، بجائزة بافتا والا يفوز «جاكمان» بجائزة الأوسكار، كما لم يفز بجائزة «بافتا».

وبدلا منه فاز بها «داني داي لويس» عن تقمصه لشخصية «ابراهام لينكولن» في فيلم «لينكولن».

ومثلما فاز بجائزة بافتا، فالراجح فوزه بجائزة أوسكار، وذلك لأن تقمصه لشخصية «لينكولن» ليس له ما يضارعه بأي حال، إذ كاد يصل إلي حد الإعجاز!!

المعركة الأخيرة بين «آرجو» ولينكولن محرر العبيد

أقدم أكاديمية للسينما هى الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم الصورة المتحركة، ويرجع تاريخ انشائها الى النصف الثاني من عشرينيات القرن العشرين وتحديداً عام 1927.

وبعد ذلك بعشرين عاما، انشأت الاكاديمية البريطانية لفنون الفيلم والتليفزيون، واختصارها «بافتا»، وكلتا الاكاديميتين تقيم حفلاً سنوياً، الاولى لتوزيع جوائزها، المسماة أوسكار، على الفائزات والفائزين بها والثانية لتوزيع جوائزها، وتعرف تحت اسم «بافتا» وكثيراً ما يكون فوز الفيلم المرشح بجائزة «بافتا» لأفضل فيلم مؤشرا على فوزه، بعد ذلك، بجائزة الأوسكار.

والأمثلة على ذلك كثيرة اذكر من بينها الأفلام «هامليت»، «كل شىء عن حواء»، «بن هور»، و«شقة العازب»، و«لورانس العرب» و«الامبراطورالأخير»، فهذه الافلام وغيرها كثير، جمعت بين الفوز بجائزتي «بافتا» و«اوسكار».

ومن حين لآخر، وعلى غير المعتاد، يحدث العكس فيفوز فيلم بجائزة «بافتا» ومع ذلك يمتنع عليه الفوز بجائزة الاوسكار.

وأرجح الظن ان ذلك سيحدث فيما هو قادم من ايام وتحديداً يوم الرابع والعشرين من فبراير ففي ذلك اليوم ستعلن الاكاديمية الامريكية ما استقر عليه رأي اعضائها، في شأن من هو أو هى أحق بالفوز بجائزة الأوسكار.

ورغم أن الاكاديمية البريطانية جنحت قبل ثمانية أيام، الى تفضيل فيلم «آرجو» ومخرجه بن افليك، على فيلم «لينكولن» ومخرجه ستيفن سبيلبرج، وذلك بتتويجه بجائزتي بافتا لأفضل فيلم ومخرج فتتويجه على هذا النحو لا يعني أن فوزه بجائزتي أوسكار لأفضل فيلم ومخرج أمر مقضي.
argo

فأولاً مخرجه «بن افليك» لم يرد اسمه ضمن اسماء المخرجين الخمسة المرشحين لجائزة اوسكار افضل مخرج في حين أن «سبيلبرج» مرشح هو وفيلمه لتلك الجائزة.

ومثلما وقف عدم ترشيح «سبيلبرج» لجائزة «بافتا» أفضل مخرج حائلا دون فوز فيلمه «لينكولن» لجائزة «بافتا» فحتما، سيقف عدم ترشيح «افليك» لجائزة اوسكار افضل مخرج حائلا دون فوز فيلمه «آرجو» هو الآخر لجائزة أوسكار.
lincoln-movie

وأخيراً يبقى لي أن أقول:

أولاً: انه لا وجود للمقارنة بين «ارجو» و«لينكولن» فـ «ارجو» لا يعدو أن يكون فيلما مثيرا، لا هدف له سوى السخرية بملالي ايران، وتمجيد مشاركة هوليوود للمخابرات المركزية الأمريكية في تآمرها ضد النظام الذي اطاح بشاه ايران في حين أن «لينكولن» فيلم تاريخي يعرض للمحطة الأخيرة في حياة «ابراهام لينكولن» محرر العبيد.

ثانياً: انه وكما كان متوقعاً فاز فيلم «حب» لصاحبه «مايكيل هينيكيه» بجائزة «بافتا» لأفضل فيلم اجنبي، غير متكلم باللغة الانجليزية كما فازت ممثلته «ايمانويل ريفا» وهى في سن الخامسة والثمانين بجائزة بافتا لأفضل ممثلة رئيسية.

وقد سبق للفيلم الفوز في مهرجان كان الاخير بسعفته الذهبية، ومنذ فوزه هذا، وهو يحصد العديد من الجوائز، وكان من بينها جوائز افضل فيلم اوروبي ومخرج وممثلة وممثل رئيسي «ريفا» و«جان لوي ترانتينيان»، وأرجح الظن أنه فائز، بعد ثمانية أيام بجائزة اوسكار أفضل فيلم اجنبي غير متكلم باللغة الانجليزية.