الرقباء وتابوهات السينما.. الدين .. السياسة ..و الجنس

إذا كانت السينما مرآة الواقع، تبقى الرقابة بوابة العبور إلى هذا الواقع، تفتح الطريق إلى جزء منه تارة وتغلقه تماما تارة أخرى وفقا لطبيعة النظام السياسى الحاكم الذى يسمح ويمنع وفق إشارات يبعث بها «الرقباء» أو «حراس الباب».. ونحن على أعتاب الجمهورية الثانية يبقى السؤال المحير عن مصير الرقابة على المصنفات الفنية فى النظام الجديد وكيف ستتعامل مع التابوهات الثلاثة (الدين .. السياسة.. الجنس) التى ظلت الهاجس الأكبر للرقباء.
Moustafa-Darwish2

وإذا كان استشراف مشهد المستقبل لا يتأتى إلا بقراءة صورة الماضى، تفتح «الشروق» ملف الرقابة ومصيرها من خلال سلسلة حوارات مع أشهر «الرقباء» السابقين فى محاولة لرسم السيناريو المقبل من خلال ما مروا به من تجارب وهم على رأس بوابة عبور السينما للواقع.

يبقى الناقد مصطفى درويش الوحيد الذى تولى رئاسة جهاز الرقابة على المصنفات الفنية مرتين، الأولى سنة 1962 لمدة خمسة أشهر والثانية بين عامى 1966 و1968، وخلال تلك المدة تعامل، كما يقول، بهدى مقولة الإمام «أبى حنيفة النعمان»: (الأصل عندنا هو الرخصة عن ثقة أما المنع فكل واحد يحسنه).. غير أن تلك الحكمة فتحت عليه النار فى كثير من الأحيان بداية من مجلس الأمة ونهاية بوزير الثقافة وفى المرتين أطيح به من المنصب بعد كيل الاتهامات له.. تارة بأنه عميل أمريكى، وتارة بأنه يسعى لنشر الفجور بالمجتمع.. وثالثة بتهمة الكفر والزندقة
Unknown

انحياز

رفضت أفلاما تمجد الجيش خشية أن يحرق الجمهور دور العرض

نكسة يونيو 67 كانت من أكثر اللحظات التاريخية الحساسة التى عاشها درويش بحكم وجوده على رأس الرقابة، حينها نشرت صحيفة «الأهرام» خبرا مفاده منع عرض الأفلام الأمريكية فى مصر ردا على انحيازها لاسرائيل، وهنا سادت حالة من الفزع فى أوساط الموزعين الذين اعتبروا القرار بمثابة «خراب بيوت» لهم، فسارعوا للحديث إلى درويش للاستفسار عن الأمر.

يقول درويش: حينها فوجئت بالأمر مثلهم وعلمت الخبر من «الأهرام»، فأبلغتهم أن هذا الخبر غير صحيح على الإطلاق لأن قرار المنع ياتى من الرقابة نفسها، وأنا لم أتخذ هذا القرار، ويومها احتفل الموزعون بالخبر بحفل ضخم فى منزل أحدهم، ووصلت أخبار لحفل لوزير الثقافة ثروت عكاشة فاستدعانى ووبخنى بشدة ولم أجده غاضبا على هذا النحو أبدا حتى أنه اتهمنى ب«العميل الأمريكى»، وكانت التهمة كفيلة بزجى فى السجن فى تلك اللحظات العصيبة التى تعيشها البلاد، وتراجعت عن قرارى وبالفعل وتم منع الفيلم الأمريكى لنحو 3 أشهر وحينها حمدت الله أننى خرجت من مكتبه إلى منزلى وليس إلى المعتقل.

لم تكن تلك هى المواجهة الوحيدة لدرويش مع المسئولين، فقد كانت هناك مواجهة أكثر حدة لكنه خرج منها بنجاح هذه المرة.. يتحدث عنها قائلا: عقب النكسة كانت الشئون المعنوية للقوات المسلحة تقوم بانتاج أفلام وثائقة وتسجيلة تمجد فى قوات الجيش والبطولات التى قام بها فى معاركه مع إسرائيل، وحينها وجدت لزاما على منعها من العرض بدور السينما خوفا أن يقوم الجمهور بتحطيم دور العرض تماما.

وأضاف: الرأى العام فى ذلك الوقت كان ثائرا بشدة ضد الجيش بسبب الهزيمة ويشعر أنه تعرض للخديعة وعاش فى وهم كبير تحطم خلال النكسة ولم يكن ليقبل أبدا مشاهدة أفلام من شأنها الاستمرار فى خداعه وربما لجأ إلى العنف بتحطيم السينما ومن هنا أقنعتهم برفع الأفلام لعدم مواءمة الظروف لعرضها.
Unknown-1

استقلال

نسير فى اتجاه «المنع هو الحل».. والإجازة ستگون الاستثناء

يرفض الناقد مصطفى درويش رأى كل من يتحدث عن استقلال جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، ويقول: «كيف نتحدث عن استقلال الرقابة فى قراراتها وهى لاتزال تتبع وزارة الثقافة»، فالجهاز لن يكون مستقلا أبدا بهذا الشكل ويتعين علينا، فى حال التمسك بالرقابة، أن يكون الجهاز مستقلا تماما عن الوزارة ويتمتع بصفة اعتبارية ويشرف عليه مجموعة من أصحاب الرأى والفكر من السينمائيين، ويكونوا هم أوصياء على أنفسهم ويشعرون بالاستقلال الحقيقى.

ويحذر درويش من تزايد وتيرة الهجوم على الفن بدرجة وصلت حد المطالبة بحذف مشاهد من الأفلام القديمة، موضحا أنه إذا استمرت الأمور على هذا النحو فستجد الرقابة نفسها تعتمد مبدأ «المنع هو الحل» ويصبح رفض العمل هو الأساس وإجازته هو الاستثناء. وعلى الرغم من إعجاب درويش الكبير بتجربة السينما الإيرانية إلا أنه لا يخفى خشيته من استيراد نفس العوائق التى يعانى منها صناع السينما بايران لأنه حينها «لن يستطيع سينمائيو مصر التعامل فى تلك الظروف كما هو حال نظرائهم بإيران». ويضيف: صناع السينما الإيرانية فى منتهى التحدى والعناد، فتجدهم يعانون من محاذير أخلاقية وسياسية شديدة ورغم ذلك يقدمون سينما تبهر العالم وتنال العديد من الجوائز فى مهرجانات دولية كما هو حال فيلم «انفصال» لكن السينما المصرية التى تتوافر لها ظروف أفضل لم تنجح فى الوصول إلى المكانة نفسها بكل أسف. الغاء الرقابة فى مصر يبدو حلما بعيد المنال ولذلك لا يتطرق إليه الناقد مصطفى درويش، لكنه يذكر بالتجربة الغربية فى هذا الصدد ويقول إن سبب إلغاء الرقابة فى أوروبا كان فيلم «الراهبة» الذى اعترضت الكنيسة عليه وتسببت فى منع عرضه وهنا توحد مثقفو فرنسا مع السينمائيين وأطاحوا بوزير الثقافة حينها وانتهى الأمر بالغاء الرقابة فى فرنسا قبل أن يمتد الالغاء إلى أوروبا بأكملها واقترت الرقابة فقط على أفلام الأطفال.
Unknown-2

انفجار

وقفت ضد غلق دور السينما والمسارح عقب 67 واستشهدت بإنجلترا

نشر العرى والفجور كانت التهمة التى لاحقت درويش كثيرا خلال فترة توليه الرقابة لاسيما مع كل فيلم تضمن مشاهد ساخنة وأثار الجدل.. فقليلا ما لجأ درويش إلى مقص الرقيب وهو ما أوقعه فى مثل تلك المشاكل.. يتذكر الناقد مصطفى درويش أحد تلك المشكلات التى وقع فيها بإجازة فيلم «خذنى بعارى» الذى يصفه هو نفسه ب«التجارى والردىء».. لكنه فضل إجازته للعرض باعتباره ينتمى إلى تلك النوعية من السينما الموجودة فى كل دول العالم.

الفيلم كان بطولة الفنانة سميرة أحمد للمخرج السيد زيادة، وأنتجه صاحب مخبز ليشارك فى التمثيل، وأثار الفيلم جدلا واسعا نتيجة مشهد قيام صاحب المخبز باغتصاب الفنانة سميرة أحمد ووصفه البعض بأنه «شديد الفجاجة».. وبمجرد طرحه اتصل بى ثروت عكاشة وعنفنى كذلك وطلب منى سحب الفيلم من دور العرض تماما، لكننى وجدت الحل الوسط فى حذف المشهد وهذا ما حدث بالفعل.

كما تعرض درويش كذلك لحملة ضارية من نواب مجلس الأمة عقب عرض الفيلم الايطالى «انفجار» بدعوى أنه يحوى مشاهد عرى فجة، ولن أنسى ذلك اليوم عندما استدعونى إلى مجلس الأمة للحديث أمام النواب وحينها وقف أحدهم وقال لى: «للأسف اسمك مصطفى درويش لكنك.. لا مصطفى ولا درويش».. ولم أملك حينها سوى الابتسام.

هذا اليوم احتشد نواب المجلس وكالوا الاتهامات للرقابة باعتبارها تروج للفجور، وحاولت ان أشرح لهم وجهة نظرى لكن بلا جدوى ولم أجد سوى رفع الفيلم من دور العرض خاصة بعد أن تعرض لاتهامات بأنه تقاضى رشوة من الشركة الموزعة لإجازة الفيلم.

لكن الهجوم الأكثر شراسة على الرجل كان عقب النكسة مباشرة حيث واجه اتهامات بأنه يتعمد إجازة المشاهد الساخنة بالأفلام ليلهى المواطنين عن مرارة الهزيمة، وتعرض لحملة ضارية فى الصحف والبرلمان ولم يجد من يسانده فى ذلك الوقت لأن الكل كان مشغولا بحاله.

معركة عنيفة خاضها كذلك درويش مع نواب البرلمان عندما طالبوا بغلق دور السينما والمسارح، لكنه رفض بشدة واستشهد بأن بريطانيا التى كانت تتعرض لقصف الألمان فى الحرب العالمية الثانية وكانت على أبواب الهزيمة لكنها لم تغلق دور السينما والمسارح ولم يقدم أحد هذا الطرح.

ورغم أن درويش كان يتوقع حملة هجوم ضارية ضد فيلم «أبى فوق الشجرة» نتيجة جرأته الاجتماعية لكنه لم يتردد فى إجازة السيناريو، لكن الفيلم لم يعرض إلا بعد أن خرج من الرقابة، وتعرض الفيلم حينها لهجوم كبير لأنه كان أجرأ من قدرة المجتمع على التحمل بعلاقة تجمع أب وابنه بغانية فضلا عن القبلات الساخنة التى تضمنها الفيلم.

كارثة

مؤسسة السينما أوصت برفض «المومياء» لأنه «مش هيجيب تمنه»

يشعر درويش بزهو كبير أنه الرقيب الذى أجاز عرض فيلم «المومياء» للمخرج شادى عبدالسلام ويعتبره العمل الأهم فى تاريخ السينما، ويستشهد درويش بالفيلم باعتباره نموذجا لما يمكن أن تلعبه الرقابة فى التنوير إذا اقتعنت بعمل.

ويقول درويش: جاءنى سيناريو الفيلم حينها من مؤسسة السينما والغريب أنهم طلبوا منى رفضه من المنبع بدعوى أنه «ضعيف ولن يحقق ثمنه»، لكننى وجدت فيه سيناريو رائعا وقررت إجازته.. وهنا فتحوا على النار بدعوى أننى سأتسبب فى إهدار المال العام، وبكل أسف كان المخرج الراحل يوسف شاهين ومقربون منه وراء تلك الحملة لمحاربة المخرج شادى عبدالسلام، بحسب قول درويش، خشية بزوغ نجمه فى السينما.

تمسك درويش بموقفه حتى خرج الفيلم إلى النور ليصبح أحد أهم أعمال السينما المصرية، وحتى ما قيل عن أنه لن يحقق ثمنه مردود عليه.. فحتى الآن تليفزيونات فرنسا وألمانيا تعرض فيلم «المومياء» مقابل 30 ألف دولار فى المرة الواحدة، وهو ما لا يحدث مع أى فيلم عربى آخر.

الفيلم الآخر الذى يزهو درويش بأنه أجازه للسينما هو «المتمردون»، وتلقى سيناريو الفيلم قبيل ختام فترة رئاسته الثانية للرقابة، ويقول: أجزت الفيلم للعرض لأنه كان صادقا فى التنبؤ بالكارثة المحتملة، وحينها ألغى انتدابى وعدت إلى منصبى فى مجلس الدولة، لكن جاءت الرقابة الجديدة لتعمل مقصها بالحذف والتشويه فى الفيلم.

ولا ينسى درويش الأزمة التى تعرض لها عقب إجازة فيلم «على ضفاف النيل» للفنانة شادية وحلمى رفلة، حيث اتهم العمل بأنه يحمل جو المؤامرة على النظام السياسى ولم يجدوا سوى الرقابة لصب جم غضبهم على.

فيلم «ليلة الجنرالات»، الذى شارك فى بطولته عمر الشريف وبيتر أوتول، ودارت أحداثه قرب نهاية النازية فى بولندا أثناء الحرب العالمية الثانية، وضع درويش كذلك فى حرج بالغ ليس فقط على المستوى السياسى بإظهار نهاية الجنرالات والحكم العسكرى مما جعل آخرين يظنون أن هناك إسقاطا على الوضع السياسى فى مصر آنذاك وأيام النكسة، لكن أيضا لتوقيت عرض الفيلم.

فقد طرح فى موسم عيد الأضحى وهو أحد المواسم المهمة للأفلام المصرية، مما جعل بعضهم يتهم الرقابة أنها متواطئة مع الموزع الأجنبى لمحاربة الفيلم المصرى.

عقب تولى الدكتور عبدالقادر حاتم المسئولية طلب من درويش تقديم استقالته، لكنه رفض وقال: هو يقيلنى لكن لن أستقيل من موقعى كرئيس للرقابة» وأخير صدر قرار بانتهاء مدة انتدابى بالرقابة وعدت مرة ثانية إلى مجلس الدولة.

أحمد خليفة – الشروق

داء العنصرية في بلد الحرية والمساواة والإخاء

كنت في حيرة من أمر الكتابة عن ثلاثة أفلام «المنبوذون» و«طرق بحث خطرة» و«العار».. عن أي منها، أكتب بشيء من التفاصيل.. وأخيراً، وبعد ساعات طوال من أعمال الفكر وجدتني وقد زالت الحيرة، جانحاً إلي إثيار فيلم «المنبوذون» بالكتابة عنه.. أما لماذا آثرته علي الفيلمين الآخرين، فذلك لأنه مختلف عنهما في أنه طاهر الذيل، أي غير مشوب بأي عيب رقابي يقف حائلاً بينه وبين الترخيص له بالعرض العام في ربوع مصر.

ومن ثم فثمة أمل ولو ضئيلاً، في أن نراه علي شاشة كبيرة عندنا في المستقبل القريب ومن هنا يكون التنبيه إلي أهميته، بالكتابة عنه أمراً مفيداً ولو قليلاً.

في حين أن الكتابة عن الفيلمين الآخرين لا جدوي منها، متي كان عرضهما يكاد يكون أمراً مستحيلاً، إلا إذا كان العرض لهما بالكتابة، الغرض منه أن أذكر بوجود رقابة معادية لحرية التعبير.
intouchables

وأنتقل إلي الفيلم الذي وقع عليه الاختيار وهو «المنبوذون» لأقول إنه فيلم فرنسي، من نوع الملهاة.. وهو ليس عن منبوذي الهند، وإنما عن منبوذين من نوع آخر، أكثرهم قادم إلي فرنسا من أفريقيا السوداء وشمالها الغربي، تونس والجزائر والمغرب.. وبمرور الأعوام استقر معظمهم في بلد الحرية والمساواة والإخاء، حيث اكتسبوا الجنسية الفرنسية ومع ذلك ظلوا في نظر قطاع من الفرنسيين الأصليين لا يستهان به، غرباء، ليس لهم حق المساواة، مع أهل البلد الأصليين.

وبوصفهم غرباء بقوا مهمشين، شبه منبوذين وأحداث الفيلم تدور حول شخصين رئيسيين «فيليب» و«إدريس» ويؤدي دورهما الممثلان «فرانسوا كلوزيه» و«عمرسي»، وكلاهما فرنسي إلا أن الأول أبيض أصوله فرنسية، أما الثاني فأسود البشرة، ترجع أصوله إلي السنغال، غربي أفريقيا السوداء.

والفيلم كما سبق القول ذو طابع أقرب إلي الملهاة فضلاً عن أن مخرجيه ليس لهما رصيد من أفلام ذات قيمة كبيرة.. ورغم ذلك حقق الفيلم أعلي الإيرادات، داخل فرنسا وفوق هذا جري ترشيحه لتسع جوائز سيزار، المعادل الفرنسي لجوائز أوسكار.. وخرج من مضمار التنافس عليها فائزاً بجائزة أفضل ممثل رئيسي، وكانت من حظ «عمرسي» الذي لعب بجدارة دور «إدريس» وكما يقال دور العمر.. وهو كما رسمت شخصيته في سيناريو الفيلم شاب فارع القوام، يعيش يوماً بيوم، هامش، عاطل، خارج لتوه من السجن، يقيم بمسكن شعبي بأحد الأحياء الفقيرة بضواحي باريس، غير آبه بالمطالب العائلية.. ومع ذلك فهو متعال، دائماً مرفوع الرأس.. والفيلم يبدأ به في مشهد مذهل، بكل المعايير، سابق علي ظهور العناوين، حيث نراه سائقاً عربة ملاكي بسرعة جنونية والشرطة تطارده لمخالفته قواعد المرور، وما إن يقف تحت تهديد الشرطة، حتي يبدأ في اتهام مطارديه بمنعه عن مواصلة السير وأنهم قد حالوا بينه وبين الوصول بالمريض إلي المستشفي، لإنقاذه من أزمة خطيرة، الأمر الذي قد يكون سبباً في فقدانه الحياة.

وسرعان ما يتبين لنا، إثر انتهاء العنوان أن ذلك المريض هو «فيليب»، وحسب رسم شخصيته فهو رجل ارستقراطي واسع الثراء يعاني من شلل رباعي، وفي أشد الحاجة إلي مدرب يسهر علي رعايته.

أما كيف وقع اختياره علي «إدريس» لأداء تلك المهمة وكيف قامت بين الاثنين صداقة، انعكس أثرها علي كليهما، فالثري المشلول أقبل علي الحياة، وأصبح أكثر تسامحاً وتواضعاً.. «إدريس» أصبح أكثر التزاماً.. كلاهما اكتسب أحسن ما عند الآخر من مزايا، فذلك ما يحكيه فيلم رائع أضحكنا كثيراً، ومن حين لآخر أبكانا ونخرج منه أكثر فهماً لمعني الحياة، وتقبلاً لها بكل ما فيها من أفراح وأحزان!!

الحالمون

هذا اسم فيلم للمخرج «برناردو برتولوتشي»، صاحب أفلام أصبحت علامات في تاريخ السينما الإيطالية ومن بينها أخص بالذكر «قبل الثورة»، «المتلائم»، «التانجو الأخير في باريس»، «القرن العشرون»، «الامبراطور الأخير» الفائز بالعديد من جوائز الأوسكار، وعلي رأسها جائزتا أفضل فيلم ومخرج، و«الحالمون» فيلم أخرجه «برتولوتشي» قبل تسعة أعوام، وكعهدنا به مزج في فيلمه «الحالمون» السياسة بالجنس وأضاف اليهما فن السينما فأولي لقطات الفيلم لفتي يسرع الخطى وعلي يمينه نهر «السين» إنه في طريقه الي قصر شايو، حيث توجد دار سينما صغيرة تجري فيها بانتظام عروض السينماتيك الفرنسية التي يديرها «هنري لانجلوا» صاحب الفضل الأول والأخير في إنشائها وجمع ذخائر فن السينما فيها لتكون في متناول عشاق ذلك الفن الوليد، وسرعان ما نري الفتي وقد دخل تلك الدار التي أصبحت قبلة كل مولع بالسينما، نراه يشاهد فيلما أمريكيا ممر الصدمات لصاحبه المخرج «صاموئيل ڤوللر».
The_Dreamers_movie

وما هي إلا بضع لقطات حتي تتلبد الغيوم، فيرتكب وزير الثقافة والأديب الشهير «اندريه مالرو» غلطة عمره فيرفت «هنري لانجلوا» ويعين بدلا منه شخصا يدين له بالولاء.

وما أن انتشر الخبر في الوسط السينمائي، حتي هب صناع الأفلام، مطالبين بعودة «لانجلوا» الي مركزه وازاء عناد الوزير أخذت مطالبهم تتصاعد، وأخذ صراعهم معه شكل تظاهرات بزعامة مخرجي الموجة الجديدة، الذين يدينون بالفضل الي «لانجلوا» لما أتاحه لهم من مشاهدة أفلام، تعلموا منها الكثير.

واتسع نطاق الصراع فوصل الي مهرجان «كان» حيث نجح نفر من مخرجي تلك الموجة في إنهاء فعاليات دورته لعام 1968 ثم الي طلبة الجامعات والمعاهد فتظاهروا ضد النظام، ووقتها كان يرأس الجمهورية الجنرال «شارل ديجول» بطل الحرب العالمية الثانية الذي قاوم الاحتلال الألماني النازي وتضامنا مع الطلبة، أضرب العمال، وتظاهروا بدورهم ضد حكومة الجنرال، وأصحاب الأعمال وبدا وكأن فرنسا أصابها زلزال فكل شيء توقف بطول وعرض البلاد، وعاني الشعب كثيرا، وظهرت في الأفق بوادر سقوط فرنسا في براثن فوضي عارمة، الأمر الذي دفع الجنرال «ديجول» الي استدعاء الجيش لإعادة الأمن والاستقرار الي ربوع فرنسا.

هذه هي الخلفية السياسية للأحداث التي حكاها الأديب الانجليزي «جيلبرت ادير» في روايته والسيناريو المأخوذ عنها والذي ترجمه «برتولوتشي» في فيلمه «الحالمون» الي لغة السينما، وأبطال الفيلم ثلاثة: «ماثيو» الفتي الأمريكي البريء القادم من وراء المحيط الي مدينة النور مبعوثا في إجازة دراسية لمدة عام و«ثيو» وشقيقه التوأم «إيزابيل» وهما يقيمان مع والديهما في شقة فخمة، ضخمة، مليئة بكتب ومجلدات يمتلكها الأب وهو من مشاهير الشعراء ويحدث اللقاء بين الثلاثة في إحدي التظاهرات ضد فصل «لانجلوا» وبعد اللقاء دعاه التوأم الي الشقة، حيث تناولوا وجبة الغذاء مع الوالدين، ولأن الشقة فيها متسع لإقامة «ماثيو» خاصة بعد سفر الوالدين، عرض عليه «ثيو» و«إيزابيل» الإقامة معهما حتي عودة الوالدين.

وكان أول ما لفت نظره ملصقات الأفلام التي تغطي الجدران،فضلا عن ملصقين لـ«جيڤارا» و«ماو تزي تونج»، والأغرب ممارسة ألعاب قوامها، تقليد مشهد في فيلم، ومطالبة الآخر تحديد اسم الفيلم المنطوي عل ذلك المشهد فإذا فشل وقع عليه عقاب، لايرد إلا علي بال شخص مريض نفسيا.

ومن تبادل أطراف لحديث مع «ثيو» كشف «ماثيو» أنه معجب بـ«ماو» وكتابه الأحمر الذي أصبح انجيل شباب الثورة الثقافية في الصين ومع ذلك، لا يريد المشاركة في تظاهرات الطلبة ضد وزير الثقافة الفرنسية من أجل إعادة «لانجلوا»، ولأنه أي «ثيو» يعاني من حالة طفولة سياسية تحول بينه وبين التواصل مع الطلبة المتظاهرين وتجعله شخصا مذبذبا يدفعه انفعاله الي الانتقال بموقفه من النقيض الي النقيض فإنه في أحد المشاهد الأخيرة ما أن يسمع هتافات المتظاهرين،حتي يندفع خارجا من الشقة مع شقيقه الي الشارع لا ليشارك فقط وإنما ليتحول بالمظاهرة السلمية الي مظاهرة يتحصن فيها الطلبة وراء المتاريس، وتلقي فيها القنابل الحارقة علي الشرطة لينتهي الأمر باستدعاء الجيش وبئس المصير!!