من حصان الطين.. إلي حصان الحرب

يعتبر «حصان الطين» لصاحبته المخرجة «عطيات الأبنودي» واحداً من أكثر الأفلام التسجيلية المصرية شهرة وتعبيراً عن واقع مر يعيشه الإنسان والحيوان علي حد سواء.

عرضت فيه المخرجة لاستغلال الصغار والحصان في صناعة الفخار، استغلالاً وحشياً، كنت أعتقد أنه ليس له نظير، إلي أن شاهدت قبل بضعة أيام فيلم «حصان الحرب» لصاحبه «ستيفن سبيلبرج» المخرج الأمريكي ذائع الصيت.. ففيلمه هذا وقد كان واحداً من أفلام تسعة روائية طويلة جري ترشيحها لجائزة أوسكار أفضل فيلم، انعقدت بطولته بدءاً من أولي لقطاته وحتي مشهد الختام، لا لواحد من بني الإنسان وإنما الحصان.
war-horse

فكم من عذابات أشبه بعذابات الجحيم مرت بالبطل – أي الحصان – خاصة أثناء الحرب العالمية الأولي، عندما جري تجنيده مثل بني الإنسان ليكون وقوداً لنيران حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.

وهي عذابات – والحق يقال – مقارنة بها تهون العذابات التي مرت بحصان الطيل، وفيلم «سبيلبرج» مأخوذ عن قصة للأطفال من تأليف الأديب «مايكيل موريبو» تبدأ أحداثها قبل نشوب الحرب العالمية الأولي بقليل وتنتهي مع انتهاء تلك الحرب الضروس.

وفي القصة الحصان واسمه «جووي» هو الراوي لما حدث له، بدءاً من مولده في أول مشاهد الفيلم وسط المروج الخضراء، وحتي مشهد الختام.. ولكن سبيلبرج عرض لملحمة «جووي» لا بروايتها بلسانه، وإنما بأسلوب السرد التقليدي في غالب الأفلام.. فسيناريو الفيلم يحكي علاقة حميمية نشأت في إنجلترا عام 1914 بين فتي ريفي ابن مزارع متوسط الحال اسمه «ألبرت» ويؤدي دوره ممثل ناشئ «جيريمي إيرفين».. ولقد وقع اختيار سبيلبرج عليه من بين كثير لأداء الدور لأن وجهه ينطق بالبراءة.

أما كيف نشأت العلاقة بين الفتي والحصان حتي انتهت إلي تبادلهما حباً بحب، فذلك لأن «ألبرت» رأي الحصان، وهو يخرج إلي الدنيا مولوداً صغيراً ضعيفاً.. ثم سرعان ما يهب واقفاً علي أرجله الأربعة مواجهاً الحياة بجوار أمه.. وبعد ذلك تابع حياته، وهو ينمو حتي أصبح جواداً رهواناً.

ويأخذه أصحابه إلي سوق القرية، حيث كان ثمة مزاد لبيع الجياد، ويشتريه أبو «ألبرت» ويؤدي دوره الممثل القدير «بيتر بولان» بثمن باهظ يثير غضب زوجته «أم ألبرت» وتؤدي دورها الممثلة البارعة «أميلي واتسن».. وحفاظاً علي الحصان، حتي لا يتخلص منه أبوه، بناء علي إلحاح أمه، يتعهد الفتي بأن يقوم بمهمة ترويض الحصان، بحيث يكون صالحاً لحرث الأرض، وما شابه ذلك من مهام، لا يستطيعها سوي خيول الحقول و«جووي» ليس واحداً منها.. وبفضل العلاقة الحميمية بين الاثنين الفتي والحصان يتحقق المراد.

ومع اشتعال نيران الحرب العالمية وإصابة الأب بضائقة مالية اضطرته إلي بيع الحصان إلي الجيش البريطاني بثمن بخس.. وبدءاً من بيعه هذا يبدأ فصل مليء بالأهوال في حياة الحصان.. ولن أحكي تفاصيل المعارك التي خاضها الحصان ولا كيف بالصدفة نجا منها.. فذلك شيء يطول مكتفياً بأن أقول بأن سبيلبرج تعهد بأنه قد عني بتفاصيل المعارك أشد عناية، بجيث جعلنا نشعر بأننا نشاهد معارك حقيقية، مثلما شعرنا عند مشاهدة رائعته «إنقاذ الجندي ريان» عن الحرب العالمية الثانية الفائز عنها بجائزة أوسكار أفضل مخرج.

الحنين إلى السينما الصامته

لم أولد والسينما صامته، عاجزة عن الكلام عشت عمري مع السينما وقد تكلمت من حين لآخر، كنت افاجأ بفيلم صامت من عصر ولى، وأصبح في ذمة التاريخ وكان في غالب الأمر فيلماً من نوع الملهاة لتشارلي شابلن أو لوريل وهاردي من انتاج هوليوود فيما يسمى بالعصر الذهبي لسينما الملهاة، وكان مواكباً للحقبة الصامته من تاريخ السينما في مشارق الأرض ومغاربها.

واستمر الحال كذلك إلى أن فؤجت وأنا أتابع أخبار مهرجان كان الأخير (2011) بأن ثمة فيلماً صامتاً تحت اسم “الفنان” قد جرى عرضه ضمن الأفلام المتسابقة من أجل الفوز بالسعفة الذهبية الجائزة الكبرى لذلك المهرجان.
وأن عرضه هذا قد أحدث ضجة كبرى لايزال صداها يتردد حتى الآن. وأن بطل الفيلم الممثل الفرنسي “جان دي چاردان” قد خرج من المسابقة متوجاً بجائزة أفضل ممثل عن ادائه الصامت لدور نجم “فالنتان” أخذت شعبيته في الانحدار حتى كاد يصبح نسياً منسياً بمجئ السينما المتكلمة التي اكتسحت السينما الصامته وجعلتها أثراً بعد عين، ولأن الأفلام في عصر السينما الصامته كانت باللونين الأسود والأبيض فقط فقد روعي أن يكون فيلم “الفنان” هو الآخر بهذين اللونين وليس بالألوان الطبيعية على غير المعتاد في أفلام هذه الايام.

ومع اقتراب موسم حرب النجوم حيث ترشح الأفلام وصانعوها لجوائز الكرة الذهبية والاكاديمية البريطانية “بافتا” والاكاديمية الامريكية “أوسكار” ولغير ذلك من جوائز اتحادات النقاد والمخرجين والممثلين والمنتجين وما شابه ذلك، أخذ فيلم “الفنان” لصاحبه المخرج الفرنسي “ميشيل هازانا ڤيسييو” يحتل مركزاً مرموقاً بين الأفلام المتسابقة، فلقد جرى ترشيحه لأكثر من جائزة من جوائز الكرة الذهبية، فاز بثلاث منها أولها جائزة أفضل كوميدي “ملهاة” فضلاً عن جائزتي أفضل ممثل وأفضل موسيقى تصويرية، وبعد ذلك جرى ترشيحه لإثنى عشرة جائزة “بافتا” متغلباً بذلك الرقم المذهل على جميع الأفلام المتنافسة وقبل بضعة أيام أعلن عن ترشيحه لعشر جوائز أوسكار وبذلك العدد من الترشيحات يمثل المركز الثاني بين الأفلام المرشحه للأوسكار أما المركز الأول فيحتله فيلم “هيجو” لصاحبه مارتن سكورسيزي المخرج ذي الصيت، وذلك بفضل ترشيحه لإحدى عشر جائزة أوسكار و”هيجو” هو الآخر فيلم ملئ بالحنين إلى السينما الصامته، يظهر فيه جورج ميلييس ساحر السينما الفرنسية في بدايات القرن العشرين، وقد أفلس ولا يملك من حطام الدنيا سوى كشك صغير لبيع لعب الأطفال والحلويات بمحطة مونبارناس بباريس.

وبهذه المناسبة فقد جرى ترميم فيلمه “رحلة إلى القمر” عام 1902 وعرض في مهرجان كان الأخير وان يكون كلا الفيلمين “الفنان” و”هيجو” هما الأكثر ترشيحاً لجوائز الأوسكار مليئاً بذلك النوع من الحنين فذلك لمما يدل دلالة قاطعة على أن ثمة جنوحاً إلى بعث السينما الصامته بوصفها نوعاً من أنواع الفن السابع ما كان يجوز أن يتعرض لعاديات الزمان فيصفى وكأنه رمة بالسينما المتكلمة بدءا من السادس من أكتوبر 1927 ذلك اليوم الذي عرض فيه بمدينة نيويورك أول فيلم متكلم “مغني الچاز” وأرجح الظن أن النجاح منقطع النظير الذي حققه فيلم “الفنان” رغم أنه صامت وباللونين الأسود والأبيض فقط، سيكون عاملاً مساعداً في إعادة الحياة إلى نوع من الفن السابع غلب على أمره بواسطة قانون سوق لا يرحم تحت شعار “الجمهورعايز كده” أي يريد السينما المتكلمة بديلاً للسينما الصامته التي عفا عليها الزمان.

يبقى لي أن أقول أن موضوع “الفنان” الذي يعتبر بحق درة فريدة بين الأفلام إنما يدور حول السينما وتاريخها وبالذات في لحظه فارقة في ذلك التاريخ، لحظة نطقها بعد صمت طويل إنه فيلم مداره السينما وبخاصة ما كان منها متصلاً بمصنع الأحلام في هوليوود يحكي قصة صعود وسقوط مدارها صعود نجم ممثله في ريعان الشباب وأفول نجم ممثل في خريف العمر لاسيما بعد سقوط فيلمه الصامت “دموع الحب”، الذي قام بانتاجه من ماله الخاص، متحدياً بذلك استديو “كينوجراف” الممول لأفلامه السابقه والذي تحول إلى انتاج أفلام متكلمة، مجاراة منه لروح العصر وقانون الشباك ولن احكي كيف انتهى به الأمر بعد فشل “دموع الحب” وافلاسه فذلك شيء يطول مكتفياً بأن أقول أن اداء “دي چاردان” الصامت لدور “فالنتان” وهو في أوج مجده، وهو في لحظة انكساره يعتبر أول اداء صامت رفيع المستوى منذ حوالي ثمانين عاماً وعنه استحق بجدارة جائزة أفضل ممثل في مهرجان كان الأخير وجائزة الكرة الذهبية قبل بضعة أسابيع ولعله فائزاً بأوسكار أفضل ممثل رئيسي بعد أربعة أسابيع وتحديداً يوم السادس والعشرين من شهر فبراير الحالي.

المأساة الإغريقية

تمر بلاد اليونان، ذات الحضارة العريقة بأزمة اقتصادية، تكاد تعصف بمستقبلها ومستقبل شعبها الذي عاني الأمرين من عاديات الزمان وأثناء هذه العاصفة المميتة، وكأن الرزايا لا تجيء فرادي، طيرت وكالات الأنباء قبل بضعة أيام، وتحديدا يوم الخامس والعشرين من يناير، خبرا فاجعا آخر عن اليونان، حاصله مصرع «تيودوروس انجلو بولس» المخرج اليوناني الشهير، الذي كان له فضل الصعود بالسينما اليونانية الي أعلي عليين.
Theodoros-Angelopoulos

لقي المخرج الكبير مصرعه قريبا من «بيريه» الميناء الرئيسي للعاصمة أثينا، وذلك فيما كان يقوم بإخراج الجزء الأخير من ثلاثيته المسماة «البحر الآخر» ومما يعرف عن ثلاثيته تلك، أنه استهلها قبل بضعة أعوام بفيلم «المهرج الباكي»، ثم أتبع ذلك بعد أربعة أعوام، بجزئها الثاني تحت اسم «غبار الزمان» 2008 وكالمعتاد بدأت مسيرة الفقيد يوم السابع والعشرين من أبريل لعام 1935 ذلك اليوم الذي ولد فيه بمدينة أثينا حيث درس القانون.

وبعد إنهائه الخدمة العسكرية شد الرحال الي باريس حيث التحق بجامعة السوربون غير أنه سرعان ما غير رأيه، فغادرها مؤثرا الالتحاق بمعهد السينما «ايديهيان» وعندما عاد الي وطنه، عمل ناقدا سينمائيا في يومية يسارية «الاجي» وظل علي ذلك الحال الي أن قام الجيش بانقلاب عسكري عام 1967 فأغلق المجلة طوال مدة حكم الزمرة العسكرية التي استمرت سبع سنوات عجاف.

ولقد كان لحكم الجنرات الانقلابيين تأثيره الكبير علي المخرج الراحل، ظل محفورا في ذاكرته، موضوعا مطروحا في جميع أعماله، بطريقة مباشرة أو بطريقة فيها من المكر والتورية الشيء الكثير فأسلوبه المتميز بمايعرف في لغة السينما باللقطة المشهد، بطيئة الإيقاع يغلب عليها المجاز إنما هوأسلوب وليد تلك الفترة حالكة السواد من تاريخ اليونان الحديث، فأثناءها أبدع أول أفلامه الروائية الطويلة «إعادة البناء» 1970، وعلي كل فبفضل أسلوبه المتميز وعزمه الأكيد علي عرض مأساة وطنه خاصة بدءا من القرن العشرين سرعان ما أصبح له مركز مرموق في المشهد السينمائي العالمي.

ولقد لعبت أولي ثلاثياته دورا بارزا في هذا الخصوص، وذلك بفضل جزئها الأخير  «فريق الممثلين المتجولين» الذي جري عرضه في مهرجان «كان» 1975 حيث كان له وقع كبير علي المشاهدين، بحكم خروجه لغة السينما في ذلك الزمان.

بعد ذلك لم تتح لي أي فرصة أخري الي أن جاءه الموت، فشاهدت أول أفلام ثلاثيته الأخيرة «المهرج الباكي».

أما لماذا لم تتح له فرصة مشاهدة سوي فيلمين من بين ثلاثة عشر فيلما أبدعها انجلو بولوس علي امتداد سبعة وثلاثين عاما فذلك يرجع الي عدة أسباب أذكر من بينها احتكار أفلام مصنع الإعلام في هوليوود لسوق العروض السينمائية في ديار مصر والأهم وجود رقابة صارمة متزنة راسخة رسوخ الجبال!!