أوسكار وهيمنة مصنع الأحلام

هيمنة هوليوود على السينما العالمية أمر لا يجادل فيه الآن سوى نفر أقل من القليل.

وهي هيمنة ترجع ارهاصاتها إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى بقليل، وعصر السلام الجميل على وشك الرحيل.

ولعل أول أرهاصة لها “ميلاد أمة” أول فيلم يشاهده الرئيس الأمريكى “ويلسون” في البيت الأبيض فيعبر عن دهشته واعجابه بروعة الأطياف التى مرت أمام عينيه قائلاً أنه رأى “التاريخ مكتوباً بالبرق”.

ومن بين الارهاصات ظهور نظام النجوم ونجاحه نجاحاً منقطع النظير بحيث أصبح ممثلون كشارلي شابلن “وماري بيكفورد” و”دوجلاس فيربانكس” ــ كانوا إلى عهد قريب مغمورين ــ فجأة من المشاهير، بسحر الصورة المتحركة تجري أسماؤهم على كل لسان، لهم عشاق فى كل مكان. 

الصمت والكلام

وبعد منتصف عقد العشرينات بعام وبضع عام ــ انفردت السينما الأمريكية بالكلام، يوم السادس من أكتوبر 1927، ففى ذلك اليوم تحقق ما كان يحلم به السينمائيون منذ أن تحركت الأطياف 1895 عندما نطقت السينما للمرة الأولى في الفيلم الأمريكى “مغني الجاز”.

وبدءًا منه والأفلام لا تكف عن الكلام والصوت يرقى فيها على الدوام.

وفي هذه الاثناء ظهرت فى المانيا السينما المسماة بالتعبيرية.

وفي روسيا البلشيفية، سينما اتسمت بالواقعية والاشتراكية.

وتحت تأثير الديكتاتورية في هذين البلدين الكبيرين سرعان ما تدهورت السينما، فأصبحت بوق دعاية مباشرة، فجة، لا هم لها إلا تمجيد عبادة الزعيم هتلر في المانيا، والرفيق ستالين في روسيا.

حقا كانت أزمنة عصيبة لم يستفيد منها إلا مصنع الاحلام في هوليوود.

سر الهيمنة

فقد أتاحت له فرصة الهيمنة على السينما العالمية بأفلامه المتعددة الأنواع المشارك في إبداعها مخرجون موهبون بعضهم هارب من نير النازية.

وتلك الهيمنة ترجع إلى عدة أسباب لعل أهمها:

أولاً: توافر حرية التعبير للسينمائين في الولايات المتحدة، دون زملائهم خارجها على امتداد العالم الفسيح.

ثانياً: السبق الأمريكى في الاختراع والاسراع بتطبيقه عملياً في جميع المجالات، وفي مقدمتها صناعة الأطياف.

ثالثاً: أزدهار نظام النجوم حتى أن شركة كبيرة مثل مترو جولدين ماير كانت تتفاخر على “شركات هوليوود الأخرى بأن نجومها أكثر عدداً من تلك التي في السماء!!”.

رابعاً: ابتداع الاوسكار، وحفل توزيع جوائزها سنوياً بدءًا من 1927، سنة انطلاق السينما من الصمت إلى الكلام.

والحق أن مبتدعي الأوسكار كانوا بعيدي النظر إلى حد كبير.

فعلى مر السنين أصبح لها شأن عظيم في الدعاية لمستحضرات هوليوود على امتداد العالم شرقاً وغرباً.

ويكفي في هذا الخصوص الدعاية التى تتحقق لصالح أفلام مصنع الأحلام بفضل الحفل السنوي الذي يُقام في الأيام الأخيرة من شهر مارس حيث يجري إعلان الجوائز وتوزيعها أمام حشد من مشاهير النجوم، يشاهده على الشاشات الصغيرة ألف متفرج أو يزيد، منهم من يراهن على فوز أو خسارة الأفلام المتنافسة والمشاركين في ابداعها بعزيز المدخرات.

وحفل الأوسكار يجري الاستعداد له في وقت مبكر والسنة على وشك الانتهاء، عندئذ يسرع المتنجون بعرض أفلامهم داخل الولايات المتحدة، ولو في دار واحدة، وذلك بأمل اكتساب حق الاشتراك بها فى مضمار المنافسة على الأوسكار.

وما أن ترحل السنة، وتنتهي أجازات أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة حتى يجتمع أعضاء اتحادات نقاد السينما فى أكثر من مدينة كبيرة للتداول في أمر الأفلام التى يرونها جديرة بالتقدير.

ولعل أعلى تلك الاتحادات مقاماً اتحاد نقاد نيويورك ولوس انجلس.

الكرة الذهبية

ومع ذلك فاتحاد الصحفيين الأجانب بلوس انجلس ــ وليس هذين الاتحادين ــ هو الذي يُعمل لجوائزه المسماة الكرة الذهبية ألف حساب لماذا؟

لانها تفتح للفائزين بها أبواب الأوسكار ومن هنا انتظار النجوم وصانعي الأفلام حفل توزيع الجوائز بفارغ الصبر. فالمؤكد ترشيح الفائزين بها فى ذلك الحفل للأوسكار.

وفي معظم الأحوال تكون، أى جائزة الأوسكار من نصيبهم فى نهاية المطاف.

ومصداقاً لذلك حظ الأفلام الفائزة بالكرة الذهبية من الأوسكار خلال الأعوام العشرة الأخيرة؛ ففيما عدا فيلمين فقط فازت جميع الأفلام الأخرى بالأوسكار.

الانتصار والاندحار

وعلى كُلٍ، فقبل أسابيع قليلة فاز “فورست جامب” بالكرة الذهبية باعتباره أحسن فيلم ويلعب الدور الرئيسى فيه “توم هانكس”.

وعن أدائه لذلك الدور فاز هو الآخر بالكرة كما فاز بها مخرج “روبرت زيميكيس” صاحب “الأرنب روجرز” و”العودة إلى المستقبل”.

ولا يضارع “فورست جامب” في عدد الكرات الذهبية الفائز بها أي فيلم آخر.

ففيلم “أدب رخيص” الذي كان منافساً خطيراً له لم يفز إلا بكرة واحدة وهي الكرة المخصصة للسناريو. والغريب أن يندحر هكذا أمام “فورست جامب”.

ووجه الاستغراب أنه قبل إعلان نتائج الكرة بأيام كان نقاد السينما في لوس انجلس قد اختاروا أحسن فيلم. ولم يكتفوا بذلك، بل جنحوا إلى منح الكرة إلى اثنين من مبدعيه، مخرجه “كوينتين تارانتينو” ونجمه “جون ترافولتا”. وشاركهم في تفضيل “تارانتينو” على “زيميكيس” المجلس القومي لعارضي الأفلام واتحاد نقاد السينما في نيويورك. وليس من شك أن كلا الفيلمين “فورست جامب” و”أدب رخيص” سيجري ترشيحه للأوسكار.

ملك الغابة

وأغلب الظن أنه سيكون من بين الأفلام المرشحة معها “الأسد ملك الغابة” الذي حقق ايرادات مذهلة في تفوق ايرادات “حديقة الديناصورات” بعد حين. كما فاز بالكرة الذهبية الخاصة بالأفلام الكوميدية أو الموسيقية، باعتباره من ذلك النوع من الأفلام، وذلك رغم أنه متأثر إلى حد كبير بمأساة هاملت أمير الدانمارك، للشاعر ويليم شكسبير!!.

توقعات لا نبوءات

وفي اعتقادي أن أوسكار أحسن فيلم ومخرج وممثل رئيسى، ستكون من نصيب “فورست جامب” ومخرجه “زيميكيس” ونجمه”هانكس”. ففضلاً عن فوز الثلاثة بالكرة فالفيلم حقق ايرادات فاقت كل التصورات هذا إلى أنه خال من ذلك العنف الدموي، وتلك الألفاظ البذيئة الزاخر بها “أدب رخيص” الفيلم المنافس له.

والأهم أن موضوعه مس وتراً حساساً فى الشعب الأمريكى، وخاصة الشرائح العليا من طبقته المتوسطة الواسعة للنفوذ، بحيث أصبح بفضله من الأفلام الأمريكية القليلة التى من كثرة الكلام عنها تحولت إلى رمز لحال أمريكا وأهلها. ومن بين تلك الأفلام أذكر “مولد أمة” و”أعناب الغضب” و”ذهب مع الريح” و”الأب الروحي” و”آى تي”.

الطيبة المجزية

والموضوع الذي نحن بازائه يعتمد على شخص واحد، هو البطل “فوريست جامب” ومن حوله أشخاص كثيرون لكل منهم مكانه واثره، أمه، رفاقة في المدرسة، وحبيبته، الفيس برسلي، جون ليتون حاكم الولاية “جورج دالاس”. المحاربون معه في فيتنام، الرؤساء كينيدى، جونسون ونيكسون.

 والبطل “جامب” أقل ذكاء من المعتاد بل يكاد يكون معوقاً. ومع ذلك استطاع بفضل أولاً تمسكه بأهداب الفضائل والمبادئ التى لقنتها له أمه وهو صغير وثانياً قيامه بانجاز أية مهمة اسندت إليه على خير وجه، مهما كانت الصعاب، استطاع تجاوز جيمع العقبات، ولا اقول صنع المعجزات.

وها هو ذا متفوق حتى على هؤلاء المقول بأنهم أكثر منه فطنة وذكاء. فقد أصبح ثرياً، وفاز بمحبوبته، ومنها أنجب طفلاً رائعاً.

ولنجاحه على هذا الوجه، رغم كل المعوقات أصبح “جامب” تجسيداً لتوجسات ومخاوف الأمريكيين المتولدة عن فقدانهم الثقة بأنفسهم لظنهم أنهم ليسوا على مستوى التحديات وما فشلهم إلا عقاباً يستحقونه عما اقترفوه في حق أنفسهم.

ومن هنا اعتبارهم انتصار”جامب” وكأنه انتصارهم.

فجامب والحق يقال لا يعدو أن يكون إعادة بناء عبقري من قبل “زيميكيس” وهو من مدرسة ستيفن سبيلبرج” لخرافة أمريكا التى أصبحت هشيماً في أثناء عقد الستينات. فأمريكا حسب “جامب” بلد متحرر من الطبقات بلا تاريخ عنصري بدون ماض أبيد فيه الهنود الحمر.

بلد لا يعاني سكانه من استلاب الأشياء “فجامب” يمشي لابساً ثوب الحياة، ببراءة وطيبة، بهما يخلص الجميع من عواقب الآثام في بلد تتحقق فيه كل الأحلام.

!! هوليوود ضد أمريكا أكذوبة جديدة

الكتاب يقرأ من عنوانه، وإذا كان كتاب “مايكل ميدفيد” الأخير عنوانه “هوليوود ضد أمريكا .. الثقافة الشعبية والحرب على القيم التقليدية”، فذلك يعني أنه كتاب معاد لمصنع الأحلام، وما ينتجه من أفلام، لا يحسن الاطمئنان إليها، والسكوت عليها.

بل قد يكون من الخير إلا يخلي بينها وبين الشباب والحق أنه لكذلك، ويكفي الوقوف عند عناوين أجزائه الأولى المكرسة لوصف وتحليل أفلام مصنع الأحلام وهي “مصنع السموم” ،”الهجوم على الدين” ،”العدوان على العائلة”، و”تمجيد القبح”، يكفي ذلك حتى تتضح لنا الملامح الرئيسية للكتاب، والمقصود من نشره في هذه الأيام.

بيان جديد

والجدير بالذكر هنا أن الكتاب يبدأ هكذا “غرام أمريكا الطويل الأمد بهوليوود انتهى”. وهذه البداية التى لا تتسم بالقصد والاعتدال، إنما تذكرنا ببداية بيان “ماركس” و”إنجلز” فى سالف الزمان شبح يطارد أوروبا، شبح الشيوعية!!

وبداءة صاحب “هوليوود ضد أمريكا” ناقد يهودي أمريكى ورب أسرة سعيدة من زوجة وثلاثة أطفال، يشاركهم أسباب السعادة كلب كبير، وأحد أشقائه يعمل مهندساً للأكترونيات فى إسرائيل.

ومنذ أثنتى عشرة سنة، وهو يعمل ناقداً سينمائياً لحساب شبكات التليفزيون الأمريكى، والآن هو صاحب برنامج تابع للقناة الرابعة في التليفزيون الانجليزى اختار له اسماً غريباً كل الغرابة “أسوأ سيئات هوليوود”.

 وقد أحدث كتابه ضجه كبرى عند نشره في الولايات المتحدة وانجلترا، ولعل خير دليل على ذلك ما فعلته مع الكتاب جريدة “السانداى تايمز” فى عددها الأسبوعي واسع الانتشار، عندما جعلته عنواناً رئيسياً مثيراً على صفحتها الأولى.

وفوق هذا، أفرددت له غلاف ملحقها المخصص للثقافة، مع عديد من الصفحات.

قبل السقوط

وأعجب العجب أن الكتاب لعب دوراً فى سقوط “جورج بوش” إذ اعتمد عليه هو ونائبه “دان كويل” في حملتهما الانتخابية التى أقاماها على أساس الحفاظ على قيم العائلة الأمريكية ومثلها العيا المهددة بما تبثه أجهزة الإعلام.

وكان تركيزهما في الحملة على خطر التليفزيون أولاً، لاسيما برنامج النجمة “كانديس برجن” الذى اشتهر تحت اسم “ميرفي براون”.

وفيه تدعو إلى تحرر المرأة من فكرة الزواج، وما ينجم عنها من قيود وأعباء جسام. وثانياً أفلام هوليوود لما تنطوي عليه من أفكار تفل العزائم وتثبط الهمم، وتصد الشباب عن العمل وترده عن الأمل، وقد تدفعه إلى نشاط عقيم.

واعتمدا في ذلك على كتاب من تأليف ناقد على دراية واسعة بهوليوود وأفلامها يعيش في كاليفورنيا حيث مصنع الأحلام، وحيث يشاهد على مدار كل سنة حوالى ثلاثمائة فيلم، هذا في الوقت الذى لا يرى فيه المواطن الأمريكى العادي فى المتوسط سوى فيلمين وكأن لسان حالهما يريد أن يقول للشعب الأمريكي وشهد شاهد من أهلها على فساد الأفلام.

وبطبيعة الحال، أهاج ذلك الاستغلال للكتاب النذير ملوك السينما.

فكان أن تحركوا، هم ونجومهم الكبار في حلمة دعائية ضارية ضد بوش ونائبه، ولصالح خصميهما “بيل كلينتون” و”آل جور” وبحكم تأثير النجوم الكبار على الرأى العام في أمريكا، كان الفوز من نصيب”كلينتون” ونائبه.

أحلام وسموم

وعلى كُلٍ، يعتبر صاحب الكتاب أكثر رجل مكروه في هوليوود الآن لماذا ؟

لأنه يزعم فى كتابه النذير أن صانعى الأفلام انفصلوا عن الناس العاديين بأفلامهم المليئة بصور الجنس والعنف واليأس. “فالآن الأمريكيون يرون فى صناعة الترفيه عدواً قوياً، رهيباً غريباً يهاجم أعز قيمنا ويفسد أطفالنا، لقد تحول مصنع الأحلام إلى مصنع السموم. ورسالة هوليوود إلى العالم قاتمة أقرب إلى السواد، يستبد بها القبح وغرائب الانحرافات تكاد تعادى معظم آمال وتوقعات الناس، فأفلامها غالباً ما تهاجم مؤسسة الزواج، تسخر من الأديان، تمجد العنف، تحتقر السلطة، وأية عقيدة تدعو إلى حب الوطن والافتخار به”.

وللتدليل على صحة مزاعمه، اختار أفلاماً مثل “النوم مع العدو” و”تلما لويز” فهذان الفيلمان، فى رأيه، إنما يعرضان إلى الحياة الزوجية، على وجه الخوف منها والاشمئزاز، وعنده أن “الغريزة الأساسية” فيلم لا هدف له سوى الهجوم على ما يتعقده الناس من أن الالتزام بالقانون، والاحترام له فيه حماية من عاديات الزمان. فالبطل “مايكل دوجلاس” في الفيلم يحب عدم إطاعة الأوامر، والجنوح إلى التصرف حسبما يهوى ويشاء وحسبما يراه محققاً لهزيمة خصومة المجرمين.

 ميثاق الشرف

ويناقش”ميدفيد” في كتابه دوافع المخرجين والمنتجين إلى عمل أفلام قوامها التفضيل لكل ما هو منحرف، مفسد، مثل “صمت الحملان”، و”رأس الخوف” و”الطباخ اللص وزوجته وعشيقها”.

ولا يتورع عن مهاجمة زملائه النقاد، لأنهم أشادوا بهذه الأفلام، وأمطروها بوابل من جوائز الأوسكار، وغيرها من الجوائز كثير. ومع ذلك فلم ينحدر إلى حضيض المناداة بعودة الرقابة على الأفلام.

كل ما ينادي به من حين لآخر، هو إعادة التوازن إلى صناعة السينما، بحيث يضع مبدعو الأفلام في الاعتبار، وهم في سبيلهم إلى اتخاذ قرار بإنتاج فيلم، ما سيكون له من تأثير على المجتمع سواء بالسلب أو بالإيجاب (إلا يذكرنا هذا النداء بميثاق الشرف الذي يدعو إليه عندنا بين الحين والحين).

عربدة الضوضاء

وطبعاً لم يقف أصحاب الأمر والنهي في عاصمة السينما ولا النقاد مكتوفي الأيدي إزاء ما جاء في الكتاب من اتهام للأفلام.

فمثلاً “فارايتي” أعرق مجلة للفن والترفيه فى العالم، تصدت لكتابه قائلة إنه “يتيح لنا أن نرى بنظرة ملؤها الجزع، ماذا يحدث لعقل مستبد، لا ينعم بروح الدعابة عندما يغرق في ضجيج ثقافة الجماهير”.

وأيدتها فيما ذهبت إليه جريدة “ديترويت نيوز” بقولها إن “الكتاب ليس عن هوليوود” بقدر ما هو عن الضجة والضوضاء التى تعربد فى دماغ “ميدفيد”. وفي تعليق لها عما جاء في الكتاب قالت “لورا زيسكين” منتجة فيلم “امرأة جميلة” “لا أعتقد أن هذا الرجل ــ تقصد “ميدفيد” ــ هو صوت الأخلاق الأمريكية فضلاً عن أنه ليس لديه ما يؤهله لتقديم نفسه بوصفه صاحب ذلك الصوت”. ودفاعاً عن نفسه زعم “ميدفيد” أن رد فعل المبدعين في هوليوود، كان لصالح الكتاب فنصف دستة من الممثلين والمخرجين الفائزين بالأوسكار منحوه تأييدهم دون أن يفصحوا عن ذلك علناً، والوحيد حتى الآن الذي أعلن عن تأييده للكتاب هو “ريتشارد دريفوس” الفائز بأوسكار أفضل ممثل رئيسي عن أدائه فى فيلم “فتاة الوداع” (1977) عندما قال للصحافة إنه متفق مع خمسة وتسعين في المائة ما جاء فى الكتاب.

“ولجواشتراهاس” مؤلف سيناريو “الغريزة الأساسية” وسيلفر” رأى آخر حاصله أن المفتاح لفهم هوليوود، هو الربح فالاستديوهات لن تتورع عن إنتاج أي فيلم يحقق لها ربحا أكيداً.

غير أن”ميدفيد” يرد على ذلك بقوله إن دافع الربح لا يستطيع بمفرده أن يفسر حالة الغرام بين هوليوود والعنف وكل ما هو غريب وعجيب. فالأفلام العائلية لا تزال تحقق حتى يومنا هذا أرباحاً تزيد بكثير عما يحققه غيرها من الأفلام.

صمت الأبرياء

ومما يثير الدهشة أن أكبر قدر من غضب صاحب الكتاب، إنما منصباً على “صمت الحملان” فعنه يقول: “في ليلة الثلاثين من مارس 1992، وأمام عدسات تلفزيون ترسل ما تلتقطه إلى ألف مليون مشاهد، قامت مؤسسة هوليوود بتقديم عرض درامي للقبيح الذى تحتضنه بحماس شديد، عندما منحت أكاديمية السينما للفنون والعلوم أهم جوائزها إلى “صمت الحملان”، وفي عرضه لقصة الفيلم قال إنها تدور حول قاتل عشوائي مولع بارتداء ملابس النساء، يختار ضحاياه من بين نساء أجسادهن تميل إلى البدانة. وبعد اختطافهن، يحتجزهن في بئر حيث يحرمهن من الطعام زمناً يكفي لفقدهن جزءًا من وزنهن، ثم يقوم بذبحهن ذبح الشاة، وغرضه من كل ذلك الجهد الجهيد، أن يترهلن فيسهل سلخ جلودهن بما يتيح له أن يصنع فساتين تشعره حين يرتديها أنه من الجنس اللطيف.

وغني عن البيان أن إدارة المباحث الاتحادية الأمريكية تسعى جاهدة إلى إلقاء القبض عليه، وبخاصة بعد قيامه باختطاف الابنة الوحيدة لعضو بارز في مجلس الشيوخ. وهي في سبيل تحقيق ذلك انحصر أملها في قاتل عشوائي آخر أشدّ هولاً، لأنه أستاذ في علم النفس، وكان قبل إلقاء القبض عليه لا يستطعم في الأكل إلا لحم بني الإنسان ويعرف الكثير عن نفسية القتلة العشوائيين.

مذبحة الحملان

والغريب في أمر صاحب الكتاب، أنه وهو في مجال العرض والنقد لقصة الفيلم وأبطالها، أغفل ذكر البطلة الرئيسية “جودي فوستر” ودورها الإيجابي كضابطة مباحث في القبض على المجرم العشوائي قاتل النساء.

وتبعاً لذلك لم يرد أي ذكر للحوارات التى جرت بينها وبين أستاذ علم النفس “هانيبال” آكل لحوم البشر. ومن بين تلك الحوارات، ما جاء على لسانها عن مذبحة الحملان في البيت الريفي، حيث كانت تقيم، وهي صغيرة مع أمها، وزوج تلك الأم، وهو رجل قاس، قُدّ قلبه من حديد. وفي نهاية الأمر اضطرتها وحشيته إلى الفرار. فبفضل ذلك، وبخاصة إعترافها الحزين الخاص بمذبحة الحملان، اكتسب الفيلم أبعاداً انسانية، لا أعرف كيف غابت عن ذهن ناقد يشاهد سنوياً ثلاثمائة فيلم أو يزيد.

وعند هذا الموضوع من سياق الحديث قد يكون من المفيد أن أشير إشارة سريعة إلى موقف صاحب الكتاب من “الإغراء الآخير للمسيح” للمخرج “ماتين سكور سيزي” فهو يمقت هذا الفيلم مقتاً شديداً ويعيب على شركة يونيفرسال حماسها لإنتاجه، بالتحدي لمشاعر عشرات الملايين من المسيحيين واستنادها تبريراً لذلك إلى التعديل الأول للدستور الأمريكي الذي يحمي حق المواطن في حرية التعبير.

اتهام عشوائي

والغريب أنه، وهو يعيب عليها ذلك ولا يجد لحماسها هذا تعليلاً إلا في عداء المتحكمين فيها للمسيحية، يأخذ عليها الكيل بمكيالين مختلفين ودليله على ذلك أنها فى الوقت الذى أسرعت بإعطاء الضوء الأخضر لإنتاج الإغراء الأخير أبت أن تنتج فيلماً مستوحى من “آيات شيطانية” قصة “سلمان رشدي” لا لسبب سوى تجنب عواقب إغضاب المسلمين!!

وختاماً، فقد يقول قائل لماذا ظاهرة “ميدفيد” وكتابه هذا.

الحنين لم يعد كما كان

لا تفسير لها فى رأيي، إلا في أن البعض داخل أمريكا وخارجها يعيش بعقلية أهل الكهف، وكأن حرباً عالمية لم تقم، وكأن قنابل ذرية لم تلق على مدينتين في اليابان، وكأن نمطاً من الحياة قديم لم يقتلع من جذوره، ويحل محله نمط آخر لحياة الإنسان.

وأغلب الظن أن صاحب الكتاب قد ضل طريقه في تيه الأفلام وبعقلية جامدة يعيش حائراً بين القديم والجديد، في شوق وحنين إلى هوليوود قبل نصف قرن من عمر الزمان أيام ذهب مع الريح، والأفلام البريئة مثل “ساحر أوز” و”المستر سميث يذهب إلى واشنطن” و”وداعاً يا مستر شيبس” وفاته أن هذا الماضي البعيد، هو الآخر ذهب مع الريح.ِ

رسالة قرطاج.. مولد سينما أخري في المغرب العربي

موعدنا مع أيام قرطاج السينمائية مرة واحدة كل سنتين .. وأين؟

في قلب تونس العاصمة، وبالتحديد في مثلث يقف على رأسه أبو التاريخ “ابن خلدون” شامخاً بتمثاله المهيب، يذكرنا بماضٍ ثقافي مجيد.

وبعد التمثال، وعلى امتداد البصر، ينساب نهج الحبيب أبو رقيبه، وهو شارع معبق بعطر الماضي التليد، يَسّر بأشجاره وأطياره الناظرين.

ولعله واحد من أجمل شوارع العاصمة التونسية، ولا أقول شوارع من الوطن العربي من الخليج إلى المحيط.

فداخل هذا المثلث الذي لا تزيد مساحته كثيراً عن مساحة نهج الحبيب، تركز عدد من دور العرض على وجه ليس له مثيل على امتداد هذا الوطن الفسيح.

وقد لا أكون بعيداً عن الصواب، إذا ما جنحت إلى القول بأن عدد دور السينما في هذا المثلث، إنما يفوق عددها في وسط القاهرة، هوليوود الوطن العربي، بل قد يفوقها بكثير.

ومما يزيد الأمر غرابة أن تونس بلد صغير، لا ينتج ثلاثة أفلام على مدار السنة، في حين أن ما تنتجه استديوهات القاهرة لا يقل عن ستين فيلماً بل قد يزيد.

سر الاستمرار

ومثل ذلك الحشد للدور في بقعة واحدة وسط عاصمة خضراء، يتيح للمشاهد فرص الانتقال فيما بينها في بضع ثواني، ودون كبير عناء.

وهذا شرط لابد منه لقيام أي مهرجان سينمائي جاد، ولا أقول لنجاحه، ودوام استمراره مادام ثمة أفلام.

ولعل توافره في قلب مدينة غير بدينة مثل تونس العاصمة، هو الذي أهّل تلك المدينة العريقة لأن تكون مركزاً لأيام قرطاج، واتاح لهذه الايام أن تستمر قرابة ثلث قرن من عمر الزمان.

ومن بين الأسباب الأخرى لنجاح الأيام، ذلك الجمع الغفير من عشاق الفن السابع الذي كنت أراه في تلك الايام يحتشد داخل دور العروض، وأمامه تمر مناظر العري والفراش، دون أن تثير صرخة من حلق، أو دبدبة من أقدام.

وأغلب الظن أن وجود جمهور بمثل هذا الذوق المصفى المهذب، أنما يرجع أولاً إلى فهم ما يجري على الشاشات من أحداث، لا لسبب سوى أن جميع المثقفين يجيدون التحدث باللغة الفرنسية، علاوة على لغة الآباء.

وثانياً الدور الذي لعبه النقاد، فهم لم يغفلوا لحظة واحدة عن مفهوم السينما باعتبارها فناً له أصوله وقواعده، وعن ضرورة التوعية بها بوصفها لغة العصر.

ولقد أسهم دورهم هذا في فتح النوافذ على كل ما له قيمه ودوام في انتاج السينما العالمية، كما ساعد على انطلاق أيام قرطاج من عقال الجدل العقيم في مهرجانات مفتعلة، بلا هوية، كمهرجان الاسكندرية إلى طريق وحب لا ينتهي إلى سراب.

ولولا هذا الدور لما أصبحت قرطاج بأيامها أقدم مهرجان لفن السينما في جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط، وفي الأقطار العربية كلها بلا استثناء، ولما استمرت ملتقى للمبدعين، ومناراً للسينما العربية والافريقية، حتى يومنا هذا.

لزوم الهوية

وثمة مزايا أخرى للأيام، أذكر من بينها أنه منذ البداية (1963)، وله هوية أفريقية عربية، لم يحد عنها أبدا.

فحسب قواعده الصارمة، ليس لأي فيلم لم يبدعه مخرج أفريقي أو عربي الدخول في مضمار التنافس على جوائزه التي تمنح في لية الختام.

كما أن التيار السينمائي السائد عالمياً، وهو تيار هوليوود بطبيعة الحال، ليس له مركز مرموق في أيامه، مثل ذلك المركز الذي يشغله في مهرجانات القاهرة وفينيسيا وكان.

وفضلا عن ميزة الهوية تلك، هناك حسن الاختيار فلا اهتمام بالكم يتولد عنه زحام أفلام، يضيع في صخبه ما ينفع الناس.

قصة وعظة

ومن هنا قصر العروض الخاصة بالسينما العالمية فيه على روائع مثل “اللاعب” للمخرج الأمريكي “روبرت اكتمان” و”حمى الأدغال” للمخرج الأمريكي الأفريقي “سبايك لي” و”العاشق” للمخرج الفرنسي “جان جاك انو” و”تستمر الحياة” للمخرج الإيراني “عباس تخيا روستامي” و”كعب عال” للمخرج الاسباني “بدور المودوفار” وفوق كل هذا “الفهد” (1963) أول فيلم يبدعه المخرج الايطالي الراحل “لوكينو فيسكونتي” لإحدى شركات هوليوود الكبرى “فوكس للقرن العشرين” ومعروف عن “الفهد”، وهو تحفة بين الأفلام قل أن يجود الزمان بمثلها، أن فيسكونتي أخرجه قبل تسع وعشرين سنة وبفضله فاز بجائزة كان المسماة بالسعفة الذهبية. هذا، وقد ارتأت “فوكس” ألا يعرض”الفهد” كاملاً، لأنه في تصورها لو عرض كذلك لكان فيلماً طويلاً، شديد الأملال.

وبعد كل هذه السنين جرى عرضه في أيام قرطاج كاملاً، بحيث استمر الاستمتاع بمشاهده الآخاذة مدة ثلاث ساعات، وازدادت عشر دقائق، لم نشعر خلالها بملل، ولو قليلاً.

وافتتحت العروض الرسمية بفيلم “ضباع” للمخرج السنغالي “جبريل ديوب ممبيتي”، وهو مأخوذ عن مسرحية للأديب السويسري “درونمات”.

ولن أقف عنده، ولا عند أي فيلم أفريقي آخر لأن الحديث عن أزمة السينما الأفريقية يطول، وفي نفس الوقت حزين.

وهدة ونهضة

ولا يفوتني أن أشير بمناسبة مجيء كلمة أزمة في أثناء الحديث، أن اشير إلى ظاهرة أراها جديدة كل الجدة وجديرة بالوقوف عندها، ولو قليلاً.

فلقد لوحظ أن الكثير من الترقب والتلهف لم يتركز على الأفلام القادمة من مصر، كما كان يحدث في سالف الأيام، وإنما تركز على الأفلام التي أبدعها مخرجون من أبناء المغرب العربي.

وفي الحق، فالأفلام التونسية والجزائرية والمغربية كانت أعجوبة بين الأفلام العربية، بفضل جرأتها في تناول قضايا الساعة سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو حتى دينية.

وهي جرأة، ولا شك منقطعة النظير وتبشر بالخير الكثير.

الحدث الجليل

وفي رأيي أن هذه الجرأة أو بمعنى أصح النهضة، بدأت تباشيرها قبل سنوات، وفي تونس بالذات.

والفضل في ذلك كان لكوكبة من المبدعين الموهوبين، أذكر من بينهم على سبيل المثال “محمود بن محمود”، “نوري بوزيد”، “ناصر خمير” و”فريد بوغدير”.

وجرى تتويج هذه النهضة، قبل سنتين، بالحلفاويين رائعة الآخير.

وهي رائعة أراها حدثاً جليلاً في الانتاج السينمائي العربي، لأنها فتحت باباً بقى موصداً، حتى يوم عرضها في تونس بنجاح في الشباك، فاق كل التوقعات.

ومن ارهاصات تلك النهضة الغاء الرقابة على فن السينما في المغرب قبل خمس عشرة سنة، وتطويعها لخدمة هذا الفن في كل من الجزائر وتونس.

مولد سينما

ومنذ قديم كان السؤال .. أين السينما المغربية؟

وجاءت الإجابة في أيام قرطاج قاطعة بوجود هذه السينما قوية، قادرة على التعبير بحرية، متحررة من أكثر القيود التي تكبل السينما العربية لاسيما ما كان منها مصرياً.

والسينما المغربية استوقفت الانتباه بفيلمين أولهما شاطئ الأطفال الضائعين لصاحبه المخرج “جيلالي فرحاتي” الذي قام بإسناد الدور الرئيسي فيه لشقيقته “سعاد فرحاتي”.

وهي في فيلمه تؤدي دور فتاة شبه بلهاء يخفيها أبوها عن عيون الجيران في قرية صيادين تطل على المحيط، لأنها حامل والمسئول عن ذلك سائق لم يعد بإمكانه إنقاذها، لا لسبب سوى أنها قتلته دون قصد ثم أخفت جثته في أحد كثبان الملح المنتشرة على سطح الشاطئ الكئيب.

ومع مرّ الأيام، ينمو الجنين، وتساعدها زوجة أبيها العاقر بادعاء أنها هي الحامل.

والفيلم بموضوعه الفريد، وبأسلوبه الساحر وبلغته السينمائية الهادئة الرصينة، إنما يذكرنا بروائع “بازوليني” و”باراد جانون” و”مومياء شادي عبد السلام”.

ومن عجب ابتعاد صاحبه في تناوله لمأساة تلك الفتاة عن مرجعية السينما العربية السائدة، فلا تعامل مع المشاهد باعتباره كائناً ساذجاً، تستغل عواطفه، وتستدر دموعه بالصراخ والعويل.

فإذا ما أنتقلنا إلى الفيلم الآخر “حب في الدار البيضاء” فسنجد مخرجه “عبد القادر لقطع” يطرح فيه مشكلة صراع الأجيال من خلال قصة فتاة تعمل مدرسة، تسقط في حب عشيقين، نكتشف والفيلم يقترب من نهايته الفاجعة، أن أولهما الأكبر سنا إن هو إلا والد العشيق الشاب.

ومخرج الفيلم يعرض لهذه العلاقات الخطرة بجرأة غير مألوفة في السينما المتكلمة بلغة الضاد.

والأكيد أن هذه الجرأة، لعبت دوراً كبيراً في نجاح الفيلم جماهيراً داخل المغرب، وذلك رغم ضعف إخراجه إذا ما قورن بإخراج “شاطئ الأطفال الضائعين”.

ارهاب الفساد

أما السينما الجزائرية، فقد أدهشتنا بفيلم “خريف أكتوبر في الجزائر” لصاحبه المخرج والممثل وكاتب السيناريو”مالك لخصر حميته” ابن أول مخرج عربي يفوز بجائزة مهرجان كان الكبرى عن  فيلم “سنوات الحمر”.

و”خريف أكتوبر” أول فيلم يخرجه “مالك” وفيه يحكي صفحة من تاريخ الجزائر الحديث، وبالتحديد الفترة السابقة بأيام على أحداث أكتوبر 1988، تلك الأحداث الدامية التي انتهت بسقوط حكم الشاذلي بن جديد الشديد الفساد.

وهو يحكيها من خلال أسرة جزائرية متوسطة الحال، محورها ثلاثة أشقاء، أحدهم فنان متحرر والثاني سلفي متحجر والآخير متخلف عقلياً.

والشقيق الفنان يتعرض طوال الفيلم لألوان من الضرب والإهانة على أيدي المتعصبين وجلادي السلطة على السواء، وكلاهما في أهانته وتعذيبه لا يقيم وزناً لأيه حرمة من الحرمات.

بيع الأجساد

يبقى أن أقول أن السينما التونسية ساهمت هي الأخرى في هذه الموجة من الأعمال السينمائية الجريئة بفيلم المخرج “نوري بوزيد” اسماه “بزنس”.

 وفيه يعرض لمأساة الشباب التونسي الذي يتربح من بيع جسده للسائحات، وكأن هذا الجسد ليس إلا سلعة تباع وتشترى وفقاً لقوانين العرض والطلب.

و”روفا” بطل فيلم “بوزيد” واحد من هذا الشباب الضائع.

إنه يعيش ازدواجية أخلاقية مقيتة، فهو مع أهل بيته وشريكة حياته مستقل، محافظ متمسك بالتقاليد إلى أقصى الحدود. أما خارج البيت، ومع النساء السائحات بالذات، فهو لا يتورع عن بيع فحولته، ويبيعها بلا حياء، مستحلاً كل المحرمات.

وختاماً، نستطيع بعد كل هذا أن نتنفس الصعداء، ونقول متفائلين أصبح للمغرب العربي سينما يُعمل لها حساب.