ثورة أمرت بإعدام رجالها فأغرقت البلاد في بحر من الدماء

بداية، فما أقصده بالثورة، ليست ثورات ما سمي بالربيع العربي وإنما ثورة كبري، عصف صانعوها، قبل مائتي وخمسة وعشرين عاما بسجن الباستيل، في عاصمة فرنسا، باريس.
danton

بعد ذلك، وتحت الشعار الذي ابتدعه الثوار.. الحرية المساواة والإخاء، أسقطوا نظاما ملكيا، راسخ الأركان، مستبدلين به نظاما جمهوريا يافعا، زلزل الأرض من تحت أقدام الطغاة في أوروبا، وغيرها من القارات.

وحفاظا علي مكاسب الثورة المهددة من أعدائها، داخل فرنسا وخارجها، احتل الثوار يوم العاشر من أغسطس 1792 قصر التويليري، حيث كان يقيم الملك لويس السادس عشر، ثم ما لبثوا ان أودعوه، مع أسرته غيابات السجون.

وبعد حوالي شهر من ذلك التاريخ، اقتحمت جموع باريسية هائجة السجون، حيث جرت مذبحة، لكل من كان من نزلائها من فئتي النبلاء، ورجال الدين.

ورغم كل ذلك، فالثورة لم تكن قد بلغت بعد أقصي حدتها، ولا أدمي حوادثها.

وعلي كل، فمع  انهزام الجيش الفرنسي، وتقدم جيوش التحالف الأوروبي المعادي للثورة.

ووقتها لم يكن قد مرّ علي الثورة سوي أربعة أعوام إلا قليلا انتهي الانسجام الذي شمل الرجال والثورة في بداياتها، واختلف الزعماء حول ما هو في صالح الثورة، وما هو في غير صالحها.

وكان الخلاف علي أشده حول إعدام الملك والملكة «ماري انطوانيت» من عدمه، لينتهي بانتصار وجهة نظر المتشددين القائلة بضرورة الإعدام.

وتنفيذا لها أعدم الملك بالجيلوتين في شهر يناير 1793 وأعدمت الملكة بنفس الطريقة في ميدان الثورة، بعد ذلك بثمانية شهور.

وفي هذه الأثناء، اتسعت هوة الخلاف بين معسكر المتشددين تحت زعامة «ماكسميليان روبسبيبر»، الذي أصبح له القول الفصل في لجنة الأمن العام، الساهرة علي حماية الثورة من كيد الأعداء. ومعسكر المعتدلين، ويتزعمه «دانتون».

وحول الصراع بين الزعيمين الثوريين تدور أحداث فيلم «دانتون» لصاحبه «اندريه ڤايدا» المخرج البولندي ذائع الصيت.
danton-1

ورغم ان الفيلم له من العمر ثلاثون عاما، إلا أنه لم تتح له فرصة العرض العام في ربوع مصر، حتي يومنا هذا.

وأحداث الفيلم تبدأ أثناء العام الخامس للثورة، ولجنة الأمن العام، تحت رئاسة «روبسبيبر» تتحكم في رقاب الناس، بما في ذلك الثوار.

ففي تلك الأيام، حالكة السواد، في تاريخ الثورة، وصل عدد المقبوض عليهم، لمجرد الشك في ولائهم للثورة إلي ثلاثمائة ألف شخص.

أما عدد من حكم عليهم بالإعدام، ونفذ فيهم الحكم فوصل إلي سبعة عشر ألف شخص.

وغيرهم كثير، مات في السجون، أو قتل دون محاكمة.

وكان «دانتون» من بين من تم إعدامهم بالجيلوتين في ميدان الثورة (الكونكورد حاليا).

وبينما هو في طريقه إلي الميدان، داخل عربة، تحمل ثوارا بواسل مثل «كاميل ديمولان»، صرخ «دانتون» موجها قوله إلي «روبسبيبر»، ستلحق بي خلال ثلاثة أشهر.

وفعلا كان قوله نبوءة.

فلم تمر سوي أربعة شهور، إلا قليلا، وتحديدا يوم الرابع والعشرين من يوليو 1794، إلا وكان «روبسبيبر» هو الآخر، إلي الجيلوتين يسير، وبئس المصير، وختاما، أري من اللازم ان أقول، إنه حسب رسم سيناريو الفيلم لشخصيتي القطبين «دانتون» و«روبسبيبر».

كان الأول متحمسا للثورة أشد حماس، يميل إلي الاعتدال، كلما تمادت الثورة في تبني سياسة الإبادة لخصومها، دون تفرقة بين موالين للثورة ومعادين لها.

أما «روبسبيبر» الذي اشتهر بين أنصاره بلقب «الحصين من الفساد»، فكان متعصبا، مقتنعا أشد اقتناع بان اعتدال «دانتون» خيانة للثورة، ومن هنا، تدبيره أمر محاكمته، بافتعال محاكمة صورية له، انتهت به، هو ورفاقه محكوما عليهم بالإعدام!!

العندليب الأسمر.. نجم سينما وغناء

ظل مطرب الأجيال محمد عبدالوهاب متربعاً على عرش الغناء فى ربوع مصر، وخارجها فى الوطن العربى الفسيح، نحو ثلاثين عاماً ودون تمهيد، وجد عرشه مهدداً، فجأة بصعود نجم شاب نحيل، عليل، اسمه «عبدالحليم حافظ» سرعان ما سمى بالعندليب الأسمر، ليشتهر بهذه التسمية، مرافقة دائماً وأبداً، لاسمه الأصلى.
وكما كان متوقعاً كان رد فعل مطرب الملوك والأمراء ازاء ذلك الصعود المفاجئ للعندليب الأسمر.. هو محاولة احتوائه.. بأن عمل على أن يوقع العندليب على عقد مع شركته «صوت الفن» بموجب يُحتكر صوت العندليب لصالح تلك الشركة، مقابل أجر ضئيل من المال.
ومع ذلك، استمر صعود نجم العندليب بسرعة فاقت سرعة الضوء، وآية ذلك أنه فى فترة وجيزة من عمر الزمان، أصبح حلم كل فتاة، والأنموذج التى يحتذيه جموع الشباب.
حقاً، لقد حل محل عبدالوهاب فى قلوب الجيل الجديد وعلى مر سنوات قليلة، أخذ نجم «عبدالوهاب» فى الأفول ومعه، أخذت نجوم أخرى فى الأفول، مثل «فريد الأطرش» وغيره كثير.
لم يعش «العندليب» طويلاً، مثله فى ذلك مثل الهب فى السماء وجاءه الموت، ولما يكن له من العمر سوى ثمانى وأربعين سنة.
لحن الوفاء ولكنه، بدءاً من 1955 سنة أول فيلم له «لحن الوفاء» لعب دور البطولة فى أفلام، فاق عددها عدد الأفلام التى لعب فيها دور البطولة كل من «عبدالوهاب» و«أم كلثوم».
واللافت أنه فيما بين سنتى 1955 و1969، حيث لعب دور البطولة فى آخر أفلامه «أبى فوق الشجرة» يكاد يكون قد مثّل وغنى أمام جميع نجمات السينما المصرية، إبان عقدى الخمسينيات والستينيات، ففى فيلم «لحن الوفاء» شاركته بطولته كل من فاتن حمامة وشادية.. وفى فيلم «بنات اليوم» 1957، تقاسم البطولة مع ماجدة، كما تقاسمها مع لبنى عبدالعزيز فى فيلم «الوسادة الخالية» 1957.. ثم مع مريم فخرالدين فى فيلم «حكاية حب» 1959 بعد ذلك جاء الدور على سعاد حسنى لتشاركه بطولة فيلم «البنات والصيف» 1960، وفى العام التالى شاركته زبيدة ثروت بطولة فيلم «يوم فى حياتى».
البنات والصيف ثم شاركته نادية لطفى بطولة فيلم «الخطايا» 1962، لتعود فتشاركه بطولة فيلمه الأخير «أبى فوق الشجرة» واللافت أيضاً، أن معظم كبار مخرجى العقدين الخامس والسادس من القرن العشرين، أخرجوا له فيلماً أو أكثر.
فهنرى بركات أخرج له «أيام وليالى» 1955، و«موعد غرامى» 1956، و«بنات اليوم» 1957.. وقد وصف العندليب من خلاله تجربته معه فى ثلاثة أفلام قائلاً إنه فنان حساس، أداؤه كممثل، لا يقل عن أدائه كمغنى.
وهنا، لا يفوتنى أن أذكر أنه من بين كوكبة المخرجين الذين ساعدوا العندليب على الصعود إلى مصاف نجوم السينما. محمد كريم، الذى أخرج له «دليلة» أول فيلم مصرى صور «سينما سكوب» 1956، ومما يعرف عن «كريم» أنه مخرج جميع أفلام مطرب الأجيال.
وكذلك من بين الكوكبة يلمع اسم كل من صلاح أبوسيف صاحب فيلم «الوسادة الخالية»، وحلمى رفلة صاحب فيلمى «فتى أحلامى» 1958، و«معبودة الجماهير» 1967.
وفطين عبدالوهاب صاحب فيلم «البنات والصيف»، وحسن الإمام صاحب فيلم «الخطايا»، وأخيراً حسين كمال مخرج فيلم «أبى فوق الشجرة» أكثر أفلام العندليب نجاحاً، وتحقيقاً للإيرادات.. بل والحق يقال أكثر أفلام السينما المصرية نجاحاً.. إذ بقى فى دار السينما مستمراً عرضه دون انقطاع حوالى ستة وثلاثين أسبوعاً.
أبى فوق الشجرة
ومما يذكر عنه، أنه حينما كان يجرى عرضه، كان الشباب يدخل دار السينما أكثر من مرة ليحسب عدد القبلات التى تبادلها العندليب العاشق مع «نادية لطفى» غانية الميناء.
ومن عجب أن منافسه فى عشق تلك الغانية الفاتنة، كان أبوه، الذى لعب دوره «عماد حمدى»، وربما لذلك السبب لم ترخص له رقابة التلفاز بالعرض على الشاشة الصغيرة حتى يومنا هذا.

أيام في العراق مع صائد ألغام

قبل عشرة أعوام، وفي مثل هذه الأيام من شهر مارس، وبالتحديد يوم التاسع عشر، غزت القوات الأمريكية أرض العراق، منطلقة من دولة قطر، ومعها قوات من دول أخرى حليفة، أهمها بريطانيا، ووقتها كان سبعون في المائة من الشعب الأمريكي يؤيد الغزو، بأمل الاطاحة بنظام صدام.
Hurt Locker

هذا، ولم تمض سوى بضعة أيام على بدء الغزو، حتى كانت بغداد قد سقطت في أيدي القوات الأمريكية، وحتى كان العراق بأكمله قد أصبح بلداً محتلاً، فاقداً الاستقلال، وكان صدام هارباً، ليس له مغيث وتمهيداً لذلك الغزو، وقبل بدئه بقليل، شنت أجهزة الاعلام الامريكية حملة ضارية على العراق بوصفه عضواً في محور شر، يجمع فضلاً عنه كوريا الشمالية وايران.

أما لماذا هو عضو في محور الشر هذا، فذلك لأنه محكوم بطاغية، معاد للديمقراطية، ذو ميول عدوانية دفعته الى السعي حثيثاً، لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، مما يشكل خطراً على أمن جيرانه، وسلام العالم.

ومع اتضاح ان العراق خال تماماً من أي نوع من أسلحة الدمار الشامل، جنحت الدعاية الامريكية الي التركيز على الادعاء بأن الهدف الرئيسي من اجتياح العراق، هو نشر الديمقراطية في ربوع العراق.

غير أنه سرعان ما استبان أن الهدف من الاجتياح ليس كذلك، وأنه في حقيقة الأمر هو إشعال نار الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة من ناحية، وإشعالها بين عرب العراق وأكراده من ناحية أخرى.

وكان من نتيجة ذلك انتشار نار تلك الفتنة بوجهيها الطائفي والعنصري على نحو أصبح معه العراق على شفا هاوية الانقسام الى دويلات، إحداها كردية في الشمال وأخرى شيعية في الجنوب، وثالثة سنية وسط العراق.

ومما غاب عن ذهن منفذي سياسة اشعال نيران الفتن في العراق، تلك الحكمة القائلة: «ابعد عن الشر وغني له».

فما إن اشتعلت تلك النيران وأطلق لها العنان، حتى اطل الارهاب، بوجهه القبيح وعلى نحو كبد قوات الاحتلال الامريكية خسائر كبيرة في الأرواح والأموال.

ومع ازدياد الخسائر، وارتفاع رقم الموتى من جنود الاحتلال حدث تحول هو الأغرب من نوعه في صفوف دعاة الليبرالية في الولايات المتحدة، فأخذوا يسخرون من فكرة تحقيق الحرية في بلد عربي، يدين اهله بالاسلام ولقد انعكس اثر ذلك على هوليوود، وما أنتجته استديوهاتها الكبرى من أفلام عن غزو العراق ومضاعفاته وبحكم جنوح صناع الافلام في هوليوود الى تأييد الحزب الديمقراطي اتسمت أفلامهم التي عرضوا فيها لذلك الغزو بروح المعاداة لها، على نحو جعلها مشوبة بالسطحية المفرطة وليدة الإسراف في الخضوع للاهواء مما كان سبباً في فشلها فنياً وتجارياً.
hqdefault

الفيلم الوحيد الذي نجا من ذلك السقوط، كان فيلم المخرجة «كاترين بيجلو» ويعرف عندنا تحت اسم «خزانة الألم»، أما في أوروبا، فعرف تحت اسم آخر هو «صائد الألغام» وشخوص فيلمها ناس عاديون، دفعت بهم المقادير من نعيم الحياة في بلاد العم سام، حيث الوفرة والرخاء إلى جحيم حرب مستعرة نيرانها في وشارع وحواري مدن بلد يبعد آلاف الاميال عن وطنهم، لا يعرفون عن أمره شيئا، ولا شيئا من أمر أهله. وفكرة فيلمها بسيطة كل البساطة، مستوحاة من تجربة ميدانية عاشها قبل اربعة اعوام «مارك بول» الصحفي الامريكي مع دورية تخلص مهمتها في أبطال مفعول القنابل البشرية، والألغام التي يزرعها الارهابيون في شتى أنحاء العاصمة العراقية.. بغداد.

وبدءا من أولى لقطات فيلمها، نرى على الشاشة مقتطفا منسوباً الى «كريس هدجس» المراسل الحربي السابق لجريدة «نيويورك تايمز» ومصوغا في كلمتين فقط هما «الحرب مخدر» ويعني بمقتطفه هذا، ان الحرب بالاعتياد عليها، تصبح شكلاً من أشكال الإدمان، فأبطال الفيلم، وعددهم طوال الفيلم، لم يزد على ثلاثة عسكريين تحت قيادة رقيب محترف «ويليم جيمس» ويؤدي دوره «جيريمي رينر» بجدارة أهلته للترشح لجائزة افضل ممثل رئيسي أكثر من مرة.

وفي الفيلم نراه يؤدي عمله المنطوي على مخاطر يشيب من هولها الولدان، بشجاعة وتفان، كثيراً ما كانا ينحدران به الى تهور، يدفع به، هو وزميليه من حين لآخر الى حافة هاوية الموت.

والحق، أنه كان يبدو لي اثناء ادائه للمهام الخطيرة المكلف بها، وكأنه راعي بقر، لا يهاب الموت، يواجهه بأعصاب من حديد، وعزم لا يلين مؤثراً بالمخاطرة بحياته على العيش حياة عمادها الاستسلام لمقتضيات الحياة كما ألفها عادة الناس.

وهكذا، نراه، وقد أخذ في التحول أمامنا، إلى كائن ليس في وسعه أن يعيش حياته بشكل طبيعي، مثلما يعيشها زميلاه، ومثلما يعيشها سائر الناس وعاشوها عبر العصور، حتى نراه، وقد أصبح في نهاية الأمر مدمن حرب بلا أمل في شفاء من ذلك البلاء.