الحالمون

هذا اسم فيلم للمخرج «برناردو برتولوتشي»، صاحب أفلام أصبحت علامات في تاريخ السينما الإيطالية ومن بينها أخص بالذكر «قبل الثورة»، «المتلائم»، «التانجو الأخير في باريس»، «القرن العشرون»، «الامبراطور الأخير» الفائز بالعديد من جوائز الأوسكار، وعلي رأسها جائزتا أفضل فيلم ومخرج، و«الحالمون» فيلم أخرجه «برتولوتشي» قبل تسعة أعوام، وكعهدنا به مزج في فيلمه «الحالمون» السياسة بالجنس وأضاف اليهما فن السينما فأولي لقطات الفيلم لفتي يسرع الخطى وعلي يمينه نهر «السين» إنه في طريقه الي قصر شايو، حيث توجد دار سينما صغيرة تجري فيها بانتظام عروض السينماتيك الفرنسية التي يديرها «هنري لانجلوا» صاحب الفضل الأول والأخير في إنشائها وجمع ذخائر فن السينما فيها لتكون في متناول عشاق ذلك الفن الوليد، وسرعان ما نري الفتي وقد دخل تلك الدار التي أصبحت قبلة كل مولع بالسينما، نراه يشاهد فيلما أمريكيا ممر الصدمات لصاحبه المخرج «صاموئيل ڤوللر».
The_Dreamers_movie

وما هي إلا بضع لقطات حتي تتلبد الغيوم، فيرتكب وزير الثقافة والأديب الشهير «اندريه مالرو» غلطة عمره فيرفت «هنري لانجلوا» ويعين بدلا منه شخصا يدين له بالولاء.

وما أن انتشر الخبر في الوسط السينمائي، حتي هب صناع الأفلام، مطالبين بعودة «لانجلوا» الي مركزه وازاء عناد الوزير أخذت مطالبهم تتصاعد، وأخذ صراعهم معه شكل تظاهرات بزعامة مخرجي الموجة الجديدة، الذين يدينون بالفضل الي «لانجلوا» لما أتاحه لهم من مشاهدة أفلام، تعلموا منها الكثير.

واتسع نطاق الصراع فوصل الي مهرجان «كان» حيث نجح نفر من مخرجي تلك الموجة في إنهاء فعاليات دورته لعام 1968 ثم الي طلبة الجامعات والمعاهد فتظاهروا ضد النظام، ووقتها كان يرأس الجمهورية الجنرال «شارل ديجول» بطل الحرب العالمية الثانية الذي قاوم الاحتلال الألماني النازي وتضامنا مع الطلبة، أضرب العمال، وتظاهروا بدورهم ضد حكومة الجنرال، وأصحاب الأعمال وبدا وكأن فرنسا أصابها زلزال فكل شيء توقف بطول وعرض البلاد، وعاني الشعب كثيرا، وظهرت في الأفق بوادر سقوط فرنسا في براثن فوضي عارمة، الأمر الذي دفع الجنرال «ديجول» الي استدعاء الجيش لإعادة الأمن والاستقرار الي ربوع فرنسا.

هذه هي الخلفية السياسية للأحداث التي حكاها الأديب الانجليزي «جيلبرت ادير» في روايته والسيناريو المأخوذ عنها والذي ترجمه «برتولوتشي» في فيلمه «الحالمون» الي لغة السينما، وأبطال الفيلم ثلاثة: «ماثيو» الفتي الأمريكي البريء القادم من وراء المحيط الي مدينة النور مبعوثا في إجازة دراسية لمدة عام و«ثيو» وشقيقه التوأم «إيزابيل» وهما يقيمان مع والديهما في شقة فخمة، ضخمة، مليئة بكتب ومجلدات يمتلكها الأب وهو من مشاهير الشعراء ويحدث اللقاء بين الثلاثة في إحدي التظاهرات ضد فصل «لانجلوا» وبعد اللقاء دعاه التوأم الي الشقة، حيث تناولوا وجبة الغذاء مع الوالدين، ولأن الشقة فيها متسع لإقامة «ماثيو» خاصة بعد سفر الوالدين، عرض عليه «ثيو» و«إيزابيل» الإقامة معهما حتي عودة الوالدين.

وكان أول ما لفت نظره ملصقات الأفلام التي تغطي الجدران،فضلا عن ملصقين لـ«جيڤارا» و«ماو تزي تونج»، والأغرب ممارسة ألعاب قوامها، تقليد مشهد في فيلم، ومطالبة الآخر تحديد اسم الفيلم المنطوي عل ذلك المشهد فإذا فشل وقع عليه عقاب، لايرد إلا علي بال شخص مريض نفسيا.

ومن تبادل أطراف لحديث مع «ثيو» كشف «ماثيو» أنه معجب بـ«ماو» وكتابه الأحمر الذي أصبح انجيل شباب الثورة الثقافية في الصين ومع ذلك، لا يريد المشاركة في تظاهرات الطلبة ضد وزير الثقافة الفرنسية من أجل إعادة «لانجلوا»، ولأنه أي «ثيو» يعاني من حالة طفولة سياسية تحول بينه وبين التواصل مع الطلبة المتظاهرين وتجعله شخصا مذبذبا يدفعه انفعاله الي الانتقال بموقفه من النقيض الي النقيض فإنه في أحد المشاهد الأخيرة ما أن يسمع هتافات المتظاهرين،حتي يندفع خارجا من الشقة مع شقيقه الي الشارع لا ليشارك فقط وإنما ليتحول بالمظاهرة السلمية الي مظاهرة يتحصن فيها الطلبة وراء المتاريس، وتلقي فيها القنابل الحارقة علي الشرطة لينتهي الأمر باستدعاء الجيش وبئس المصير!!

مئوية كارثة هزت العالم

قبل مائة عام، انطلقت «تايتانيك» من ميناء «سوثهمبتون» بانجلترا صوب نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية في أول رحلة لها، وقتها لم يكن ليرد علي البال، أن هذه السفينة العملاقة التي أطلق عليها أصحابها من باب الزهو والتفاخر أنها أضخم كتلة عائمة من صنع الإنسان وغير قابلة للغرق.

ستصطدم بعد بضعة أيام من إبحارها بجبل جليدي عائم، ولن تمض سوي ساعتين علي اصطدامها إلا وتكون حطاما راقدا في قاع المحيط، وركابها وبحارتها يصارعون الموت غرقا،أو تجمدا من انخفاض درجة الحرارة الي ما دون الصفر بكثير.
Titanic

وعن هذه الكارثة الكبري في تاريخ الملاحة البحرية أبدع «چيمس كاميرون» المخرج الكندي ، ذائع الصيت قبل خمسة عشر عاما، فيلما تحت اسم «تايتانيك»، من نوع الإنتاج الضخم يمتد عرضه زهاء 194 دقيقة، وتجاوزت تكاليفه مائتي مليون دولار. وحقق حيثما عرض إيرادات مذهلة حتي جاوزت في مجموعها الألف مليون دولار.

وبفضل نجاحه علي هذا النحو أصبح من الأفلام العلامات في تاريخ السينما الأمريكية، مثله في ذلك مثل «ميلاد أمة» لصاحبه المخرج «داڤيد جريفيث» و«ذهب مع الريح» لصاحبه المخرج «ڤيكتور فلمنج». وكما فاز الفيلم الأخير بالعديد من جوائز الأوسكار، قبل سبعين عاما، أو يزيد فاز «تايتانيك» هو الآخر بالعديد منها، خاصة جائزتي أوسكار أفضل فيلم ومخرج «كاميرون» 1998 وسيناريو «تايتانيك» من تأليف مخرج الفيلم أي «كاميرون»، وهو سيناريو محكم البناء، يقوم علي خيطين أساسيين،أحدهما غرق السفينة بمن فيها ومن عليها، والآخر قصة حب بين فتي فقير من ركاب الدرجة الثالثة، «چاك» ويؤدي دوره «ليوناردو دي كابريو» وفتاة من الطبقة الراقية «روز» وتؤدي دورها «كيت وينسلت»، ويقف عقبة كأداء أمام حبهما أن «روز» مخطوبة لرجل واسع الثراء، يصطحبها إلي الولايات المتحدة، هي وأمها، حيث يتم الزفاف في فيلادلفيا وتتشابك قصة الكارثة مع قصة الحب، خاصة والسفينة تلفظ أنفاسها الأخيرة لتستقر في قاع المحيط، وقد أصبحت حطاما والمدهش في الفيلم أن مخرجه قد عني بالتفاصيل أشد عناية وكان متئدا، رزينا، لم يجنح الي الاستثارة أو التهريج، وبفضل تحريكه لهما صعد «دي كابريو» و«وينسلت» الي مصاف النجوم، ولم تمر سوي بضعة أعوام إلا وكانت «وينسلت» فائزة بجائزة أوسكار أفضل ممثلة رئيسية عن أدائها في فيلم «القارئ».

وبعد «تايتانيك» لم يخرج «كاميرون» سوي فيلم واحد «اڤاتار» الذي حقق بدوره إيرادات، فاقت كل التوقعات، كما فتح الباب للأفلام ثلاثية الأبعاد، وقد جري ترشيحه للعديد من جوائز أوسكار أذكر من بينها جائزتي أوسكار أفضل فيلم ومخرج، وكان المنافس الرئيسي لفيلمه «اڤاتار» فيلما لزوجته السابقة «كاترين بيجلو» اسمه «مخزن الأيلام»، ولدهشة الكثير خرجت هي وفيلمها من مضمار المنافسة، فائزتين بجائزتي أفضل فيلم ومخرج وكانت، بهذا الفوز أول مخرجة في تاريخ الأوسكار تتوج بجائزة أفضل مخرج.

يبقي لي أن أول إنه بمناسبة مئوية مأساة «تايتانيك»، عاد «كاميرون» بفيلمه عن تلك المأساة، ليعرضه في نسخة ثلاثية الأبعاد،وفي عرض خاص للفيلم في نسخته تلك، لاحظت أن رقابتنا الساهرة علي حمايتنا من أنفسنا حذفت من الفيلم مثلما فعلت قبل أربعة عشر عاما، مشهد رسم «چاك» لحبيبته «روز» وهي عارية، وعكس ذلك تماما، مكان موقف الرقابة في الهند.

فحسبما أذيع في وسائل الإعلام صححت الرقابة الهندية موقفها من ذلك المشهد، فلم تحذفه كما فعل من قبل، بل أبقت عليه، ليعرض الفيلم لأول مرة كاملا، لم يمسسه مقص الرقيب، ولعل رقابتنا، تتعظ فتكون علي شيء من الشجاعة، وتعيد إلي الفيلم ما حذف منه دون وجه حق!