الصهيونية في السينما.. من الوصايا العشر إلي شبكة التليفزيون

لست أدري لماذا كلما جنحت إلى التفكير في الصهيونية وألاعيبها في السينما، رحلت مع الزمن داخل صورة من بين صور كثيرة من ماضي هوليوود البعيد أحتفظ بها عظة وعبرة.. رحلت متذكراً.

فما هي هذه الصورة العبرة، وما صلة السينما والصهيونية بها؟

الصورة لكوكبة من الرواد الأوائل الذين ساهموا في بناء مصنع الأحلام على شاطئ المحيط الهادي منذ سبعين عاماً أو يزيد، العدد لا يزيد عن سبعة رجال وامرأة حسناء “جلوريا سوانسون” نجمة هوليوود الأعظم أيام البطولة تبدع فناً جديداً من العدم أيام السينما الأولى قبل أن تتعلم الكلام.
والحق يقال إنه ليس من بين هؤلاء الرجال من يستحق الاهتمام سوى ثلاثة شاءت الأقدار أن يتراصوا مُحيطين بالنجمة المُتدثرة بمعطف من فرو أسود ثمين يُقدّر الآن بالملايين. فمن هؤلاء الرجال الثلاثة الذين وقفوا إلى جوار بعض متساندين ومن حول النجمة الحسناء صاحبة الفراء ملتفين؟

الثالوث غير المقدس

أولهم إلى يسار الصورة هو “هربرت روتشيلد” يليه “أدولف زوكور” ثم “سيسيل ب دي ميل”، أي الممول فالمنتج فالمخرج.

كل واحد منهم قد لعب دوره الهام وبتنسيق تام في مصنع الأحلام.

ويبدو لمن يحكم بظاهر الأمور أن دور ثانيهم وثالثهم في النهوض بهوليوود هو الدور الحاسم ما في ذلك شك. “أدولف زوكور” باعتباره الرائد عابر المحيط من المجر مع أفواج اليهود الهاربين من الفقر والهوان، فإذا ما استقر به المقام في أرض العم سام اكتشف بقرة السينما الحلوب، أسهم في تأسيس شركة بارامونت- وهي بحق أهم احتكارات هوليوود وأكثرها تأثيراً في مسار السينما العالمية- تحت عبارة “الجمهور لا يُخطئ أبداً” لتتخذ منها عاصمة السينما شعاراً لسلعها التي غزت بها القلوب والجيوب، اكتشف نظام النجوم لا تزال سماء كعبة السينما مرصعة بها.

و”سيسيل دي ميل” باعتباره الرائد الأمريكي الذي شارك بجسارته ومهارته في انتاج وإخراج سبعين فيلماً بدأت صامته بـ”زوجة الهندي” (1913) وانتهت متكلمة بـ “الوصايا العشر” (1956). واستباح الأديان والقصص في الكتاب المقدس فاظهر موسى على الشاشة مرتين صامتاً في الأولى (1923) ومتكلماً في الثانية (1956) والمسيح في “ملك الملوك” (1927) و”شمشون ودليلة” (1949) واستحدث بعض القواعد لتحريف التاريخ وتشويهه لا تزال جمهرة مخرجي هوليوود على هديها تسير، نشر أسطورة معجزة السينما الأمريكية بدوام الزهو والتباهي بالحيل السينمائية التي استعملها مرة أيام السينما الصامتة في “جواد لوب” بكاليفورنيا ومرة أخرى في “أبي رواس” بمصر لتصوير البحر الأحمر وهو ينشق بإرادة الرب ليُفسح طريقاً لقوم “موسى” خروجاً من أرض النيل ثم وهو يغشى فرعون مصر وجنده مع الاصرار على الامتناع عن إفشاء سر هذه الحيل وكأنها سرٌ إلهي لم ولن يوحى به لأحد سواه.

الاحتفال والوعد

قد يكون من المفيد التذكير هنا بأن فيلم “الوصايا العشر” جرى الاحتفال بعرضه في مدينة الشيطان الأصفر “نيويورك” يوم التاسع من نوفمبر سنة 1956 أي فور غزو القوات الإسرائيلية لشبه جزيرة سيناء بأيام بل قل ساعات معدودات.

ولكن الدور الحاسم الرئيسي كان- في حقيقة الأمر- من نصيب أقل الثلاثة اتصالاً بالفن الوليد، وأقلهم إعلاناً عن نفسه، كان من نصيب “هربرت روتشيلد”. ولا عجب ولا غرابة في هذا لأنه من أشهر بيت مال: بيت روتشيلد الذي يعرف متى وأين يستثمر رأس المال، ولأية غاية يكون الاستثمار، والذي منه قدم البارون “دي روتشيلد” الدعم المالي للمستعمرات الصهيونية الأولى على أرض فلسطين.

وليس صدفة أن كتاب وزير خارجية بريطانيا “آرثر جيمس بلفور” المؤرخ 2 من نوفمبر 1917 والذي اصطلح على تسميته بـ”وعد بلفور” قد وُجّه إلى اللورد “والتر روتشيلد” عميد فرع بيت المال العتيق في الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، ولم يُوجّه إلى يهودي آخر.

هكذا، ومنذ البداية تحددت معالم الطريق لصناعة فن ناشئ سرعان ما أصبح له شأن كبير وتأثير خطير. الممول والمنتج من شعب الله المختار، والنجم الأعظم سواء أكان ممثلاً أو مخرجاً يسبح في الفلك المرسوم له، عنه لا يحيد.

حدوتة باربارا

ولعل في قصة “باربارا سترايسند” وفيلمها “ينتل” (1983) الذي توزعه “بارامونت” ما يؤكد ما تقدم. فهي نجمة أعظم تعشق أرض الميعاد ومن عليها من بني إسرائيل. يقع اختيارها على قصة “اسحق سنجر”- وهو أديب إسرائيلي مغمور رغم سابقة منحه جائزة نوبل- لتصنع منها فيلماً.
وهي تزعم أنها أخرجت “ينتل”، ويزعم آخرون أن نفراً من عمالقة الفن السابع- من بينهم الشاب اليهودي المعجزة “ستيفن سبيلبرج” صاحب “الفك المفترس” و”آي تي” و”غزاة صندوق العهد المفقود” الممنوع عرضه في مصر لانطوائه على فكر مشوب بالصهيونية- كانوا وراءها في الظل يساعدون ولحسابها يخرجون.

ومن عجب أنها لم تكتف باختيار القصة وإدعاء الإخراج والمشاركة في كتابة السيناريو، ولا باختيار نفسها- وهي في خريف العمر- لأداء دور صبية مراهقة تنتحل شخصية صبي لكي تلتحق بمعهد ديني حتى تتمكن من دراسة التلمود والإحاطة بما يحتوي من أسرار.

إنها تطلب المزيد، ترى أن من حقها أن يتوّج فيلمها بالأوسكار. فإذا ما خرجت به من مولد الجوائز بلا حمص سارعت- وهي في مكتب رئيس الوزراء السابق “اسحاق شامير” بالقدس حيث حضرت افتتاح الفيلم- إلى الإعلان عن أسفها بل واستنكارها لسلوك المشرفين على الأوسكار القائم على اضطهادها لا لسبب سوى أنها من جنس النساء؛ وطبعاً- وفي مناخ كهذا- يكاد يكون أمراً مستحيلاً أن يفلت من وراء قضبان مصنع الأحلام في هوليوود فيلم يتعاطف مع العرب، يقف لمحاولات التشهير بهم، ولمؤامرات الاعتداء على حقوقهم في فلسطين وخارجها، يقف لها بالمرصاد.

مؤامرة أم ماذا؟

وعلى كُلٍ- وفي ضوء هذه المقدمة الطويلة- أرى من المناسب أن أقف قليلاً عند فيلم واحد من إنتاج هوليوود “الشبكة” أو “شبكة التليفزيون” (1976). لماذا؟
لأنه عرض على شاشة التليفزيون الصغيرة (برنامج أوسكار) ليلة الواحد والعشرين من فبراير سنة 1985 مع إشادة بعرضه صباح يوم الإثنين الموافق الخامس والعشرين من الشهر المذكور في جريدة ذات جلال في كل العهود. وفوق ذلك لأنه من انتاج وتوزيع شركة الفنانين المتحدين- وهي مع شركتي يونيفرسال ومترو جولدين ماير، قد ابتلعها فك “بارامونت” مفترساً.

والنتيجة أن الشركات الأربعة تُشكل حالياً احتكاراً جباراً قطع في السينما العالمية مثل خنجر مسموم.

والآن ماذا عن “الشبكة”.. ما خطبها؟
بادئ ذي بدء يتعين التنبيه إلى أن الفيلم لم يعرض على شاشة التليفزيون المصري كاملاً غير منقوص، بل عُرض ممزقاً شر ممزق، محذوفاً منه كل ما يتصل بالتشهير بالعرب من قريب أو بعيد. فهل لذلك سبب.. وما هو؟

لو استعملت كلمة “شبكة” بمفردها دون أن تُضاف إليها “تليفزيون” لما عرفنا معناها عندهم في الولايات المتحدة وانها إحدى شبكات التليفزيون الكبرى التي تحتكر الارسال.. وعددها ثلاث شبكات عملاقة ليس لها في دنيا الارسال مثيل. ومن هنا اختيار تلك الكلمة بما لها من دلالات عنواناً لفيلم قيل أن صاحبه المخرج “سيدني لوميت” قصد به أن يعّري هذا الاحتكار، أن يكشف ما يحمل للناس من أخطار. ولكن الفيلم انحرف عن هذا القصد، افتعل عدواً وهمياً، وتعامل معه كأنه الخطر الأكبر الذي يهدد الشعب الأمريكي.

كيف حدث كل هذا.. ولماذا؟

الصعود والهاوية

نظرة طائرة على مسار الفيلم قد تكشف السر: من المعروف أن قيمة المذيع في شبكات التليفزيون الأمريكية إنما تتحدد صعوداً وهبوطاً وفق درجات يُقاس بها مقدار شعبيته أي مدى اقبال المتفرجين على مشاهدة برنامجه.

فإذا مازادت هذه الدرجات أصبح المذيع نجماً مرغوباً تتخاطفه الشبكات. أما إذا حدث العكس وانحدرت الدرجات هوى نجمه إلى زاوية الضياع والنسيان.

وبطل الفيلم “هواردبيل” (بيتر فينش) واحد من ضحايا هذا التقدير الغريب للكفاءة. إنه مذيع تليفزيوني نجمه آخذ في الأفول، شعبيته نزلت إلى الحضيض وشبكة “أو. ب. اس” في سبيلها إلى الاستغناء عن خدماته نهائياً.

يبدأ به الفيلم مع “ماكس شوماخر” (ويليم هولدن) رجل الإدارة المُكلّف بإبلاغه قرار الرفت، وهما يحتسيان الخمر، يتبادلان أطراف الحديث في اشمئزاز حول مسلسل “ساعة الموت” المخصص لحوادث الانتحار، الاغتصاب، السرقة بالإكراه للمصارف والخزائن، وما إلى ذلك من ألوان الترفيه التي تستغل الانتهاك اليومي للحرمات.

الوعد والوعيد

في اليوم التالي- وهو على شفا انهيار عصبي مبعثه الاكتئاب- أخطر “بيل” مستمعيه في آخر ظهور له على الشاشة الصغيرة بواقعة الرفت، أعلن على الملأ عزمه على الانتحار بعد أسبوع- داخل الاستوديو- وعلى مشهد من الملايين.

وطبعاً كان لهذا البيان وقع الصاعقة على الشبكة، حاول المسئولون عنها إقناعه بالرجوع عن قرار الانتحار حفاظاً على ما تبقى للشبكة من سمعة.

فلما وافق سُمح له بالظهور أمام العدسات حتى يطمئن الجمهور إلى أنه لن يسفك دماً ويوجه له كلمات الوداع الأخيرة.

وكانت المفاجأة الثانية

فقد انتهز الفرصة لا ليتراجع ويودع وإنما ليُبرئ ذمته ليقول بعض الحقائق الأولية ليفصح عن أنه- وعلى مر السنين- لم يكف عن الكذب والتضليل للناس وليكشف عن مدى كراهيته لأسلوب الحياة في المجتمع الأمريكي وكيف ضرب به سوس الرذيلة والفساد والإنحلال.

النبي المجنون

ولم يكن سهلاً بعد كل هذه الإهانات أن تُبقيه الشبكة. كان من المفروض أن يختفي من الشاشة وإلى الأبد. ومع ذلك حدث أمر لم يك في الحسبان. ارتفعت شعبيته، اكتشفت “ديانا كريستنسن” (فاي داناويي)- وهي قناصة تبحث عن الأخبار المثيرة تتغذى بها برامج الشبكة- في جنونه ما يؤهل لأن يصنع منه نبياً تلفزيونياً ناهياً عما يراه منكراً، داعياً إلى تغيير ملامح العصر.
وبكل بساطة جعلت “ديانا” من “بيل” نجماً مرة ثانية تحولت به- وبفضل الجنون- إلى نبي دجّال. واستمرت اللعبة.. استردت الشبكة جمهورها، كثرت الإعلانات، أصبحت “أو. ب. اس” الأولى بين الشبكات. ولكن النجاح دخل بـ”بيل” منطقة جنون العظمة؛ فقد صدق أنه صاحب رسالة، جلجل صوته بالتحدي والغرور، ومع ذلك احتملته “الشبكة” لأنه خير وبركة إلى أن خرج على قواعد اللعبة بأن كشف مؤامرة العمر، صفقة بيع الشبكة إلى العرب، التفريط في أعزّ ما تملك أمريكا، تسليمه لقمة سائغة للغرباء ملوك النفط الأثرياء.

الصفقة والمنصة

وهنا يتحرك جمهور النبي المجنون- وهو بالملايين، ينهال ببرقياته على البيت الأبيض احتجاجاً، فتتوقف الصفقة المؤامرة.

وهنا كذلك تتدخل الشبكة لتصحيح المسار الذي خرج عن المدار المخطط له، يستدعيه الرئيس الأعلى، الرأس المفكر وراء الصفقة مع العرب، يعلمه الحكمة، يفهمه أن العالم إنما تتحكم فيه الشركات متعددة الجنسيات والفلوس وأن الأخلاق والقيم لا مكان لها. يخرج النبي المتكبر من عنده مكسوراً منطوياً على نفسه لا يقول في البرنامج شيئاً له قيمة أو تأثير.

وبالطبع- ومع هذا التغيير المفاجئ توقف البرنامج عن الصعود، فقد الشعبية. وكان لابد- وبعد هبوط أسهم “بيل”- من التخلص منه. كيف؟ ورفته غير وارد لأنه في حماية الرئيس الأعلى. إذن فليكن بالقتل، فهو يستحقه بامتياز.

وفعلاً نراه على شاشات التليفزيون صريع طلقات سريعة من مدافع رشاشة يحملها أفراد عصابة من الإرهابيين تتعاون مع “ديانا” في واحد من برامجها الجديدة الناجحة “ساعة ماوتزي دنج” وينتهي الفيلم.
العجب العجاب

وختاماً يحق لنا أن نتساءل هل هو فيلم عن التليفزيون ومخاطره أم هو فيلم عن العرب ومخاطرهم؟

الأكيد أن بيت القصيد منه هو التصعيد للحرب النفسية ضد العرب، وتحريض الرأي العام الأمريكي بتخويفه من خطر وهمي، خطر استيلاء العرب بفضل أموال النفط على المؤسسات الاقتصادية الأمريكية وفي مقدمتها أجهزة الإعلام.

أما التليفزيون ومشاكله فمن الواضح أن المخرج “سيدني لوميت” وكاتب السيناريو “فادي تشايفسكي”- وكلاهما من يهود نيويورك- قد استخدماه كخلفية حية مثيرة لقصة متشنجة تستغل ارتفاع أسعار النفط لافقاد الرأي العام القدرة على الرؤية والاختيار، لإقناعه تحت تأثير التخويف بأن العرب خطر ما بعده خطر.

وأخيراً فمن الحق علينا أن نتساءل لماذا حذفت رقابة التليفزيون عندنا المشاهد المعادية للعرب من الفيلم ولمصلحة من أتاحت عرضه على الشاشة الصغيرة بالخداع للمشاهد الذي لم يكن في قدرته- بعد الحذف- أن يعي من أمر الشبكة شيئا.

اعترافات ممثل في مجلس اللوردات

قدّم لسيرته الذاتية “اعترفات ممثل” بتمهيد مشوق كل التشويق. التمس فيه من قارئ الاعترافات المباركة.. لماذا؟ “لأني أخطأت منذ اعترافي الأخير قبل أكثر من خمسين عاماً، قد أرتكبت الخطايا الآتية”.

وبهذا التمهيد أفلح صاحب الاعترافات في أن يتحقق له ما يريد . في أن يثير في مشتري السيرة حب الاستطلاع، أن يسحبه إلى قراءة نهمة لكتاب ضخم (348 صفحة من القطع الكبير) بحثاً عن الخطايا في حياة نجم فنان جمع بين التمثيل والاخراج على مدى خمسين عاماً أو يزيد.

والحق يقال أن الاعترافات فيها من توابل الخطايا الممتعة الشيء الكثير يحكيها صاحبها – وهو واحد من أساطين فن المسرح والسينما – بأسلوب آسر أخّاذ يليق بشيخ مجرب لا يزال يعيش بقلب شاب يفيض حماساً.

ولو راعينا في عرض السيرة ترتيب وقائعها كما جاءت في الاعترافات لوجدنا صاحبها يستهلها بفصل أول تحت عنوان “كيف بدأت”.

علل البخيل

وهو في هذا الفصل لا يكتب عن رحلة المجئ إلى العالم كيف ولد وكيف عاش في المهد صبياً، لا  إنه يكتب عن انسان آخر عن أبيه القسيس كيف كان بخيلاً مقتراً في كل شيء بما في ذلك الماء.. أي ماء ساخناً كان أم بارداً.

“كنت أقسم دائماً أنه يستطيع أن يقسم الدجاجة بحيث تشبع حاجة ستة ثم يبقي منها ما يكفي وجبة الغذاء البارد في الغد، ودبابيس وجبة إفطار صباح اليوم التالي”.

فإذا ما انتهى الفصل – وهو يدور وجوداً وعدماً حول بخل الأب أصنافاً وألواناً – انتقل صاحب السيرة باعترافاته مسافراً داخل نفسه.

وكعادته معنا وقبل أن يبدأ الرحلة نراه يستهل الفصل الثاني “من المهد إلى فتى جوقة غناء” بكلام عن مشهد ليس ثمة صلة في الظاهر بينه وبين المهد.. مشهد من “ذهب مع الريح” ذلك الفيلم الذي لعبت لعنته دوراً في تدمير حبه الذي ذهب فيه مع معشوقته “ڨيڨيان لي” إلى آخر الشوط، تحولت بجمراته إلى رماد تذروه الريح.

الدقات والصرخات

ما هو هذا المشهد؟ وحول أي موضوع يدور؟

أنه لجنود الشمال الامريكي المنتصرين في الحرب الأهلية يقتحمون منزلاً في الجنوب حيث لا يوجد سوى سيدات مرفهات ومربية سوداء اشتعل رأسها شيباً.

يفتشون عن وثائق سرية أو أسلاب يخرجون بها فائزين.

في هذا الجو المرعب تحاول السيدات الصمود للخطر في برود.. الظهور بمظهر وكأن شيئاً أمامهن لا يحدث.

إحداهن وهي أكثرهن شجاعة “ميلاني” (اوليڨيادي هاڨيلند) تتناول أقرب كتاب لها تفتحه تقرأ منه كلمات بصوت جميل عال لا يرتعش. إنها تقرأ فقرة الافتتاح الشهيرة من “داڨيد كوبر فيلد”.

سواء أصبحت بطل حياتي أو سواء احتل هذه المنزلة أي شخص آخر.. هذا ما لابدّ وأن تكشف عنه هذه الصفحات. حتى ابدأ حياتي ببداية حياتي أسجل أني ولدت (كما قيل لي وأصدق) يوم الجمعة الساعة الثانية عشر مساء. وقد لوحظ أن الساعة بدأت تدق وأنا بدأت أصرخ كلانا في وقت واحد.

وهنا يؤكد صاحب الاعترافات أن هذا الوصف لبداية حياة بطل قصة “شارلز ديكنز” إنما ينطبق حرفياً على مولده في الثاني والعشرين من مايو سنة 1907، وذلك فيما عدا تفصيلة واحدة صغيرة هي أن دقات الساعة وصرخات الحياة لم يسمعا معاً في منتصف الليل، وأنما في الخامسة صباحا مع الشروق!

فجر أكبر أهمية

وبكتلة اللحم والدم التي انحدرت من أم صاحب الاعترافات توجه الدكتور رولنجز إلى باب المطبخ حيث كان الأب يقلي بعضاً من السجق له وللدكتور، فترك الكتلة الصغيرة المتمتعة بالصحة والعافية بين ذراعيه، وبدا على وجهة شيء من التقزز.

“هذا التقزز اليسير الذي أحس به عند أول مرة التقت عيناه بي بدا لي ولأمي أمراً قائماً مستمراً طيلة أيام صباي إلى أن حدث لجنّتي، أملي، دنياي المعبودة أمي أن توفيت وأنا في سن الثانية عشر”.

وعن واقعة اختفاء الأم هذه وما دار حولها من أسرار قالت له أخته الوحيدة “سيبيل” أنها كانت بجوار أمه لحظة اقترابها من النهاية وسمعتها توصي زوجها بطفلها خيراً. كما سمعت أباها يعدها أنه سيعمل كل ما في وسعه من أجل إطاعة رغبتها الأخيرة.

وعلي مرّ الأيام أخذ الفتى الصغير يتلقى اشارات تدلّ على ما يبذله الأب من مجهود في سبيل البرّ بوعده إلى الأم وهي على فراش الموت. ولكن هيهات فجميع المحاولات باءت بالفشل، وظل طوفان الكراهية بين الأب وابنه أبداً لا ينحسر.

فيوم أن استسلم الأول لمشيئة الموت قريباً من بداية سنة 1939 كان صاحب الاعترافات يمثل مسرحية “لا وقت للهزل” في انديانا بوليس بالولايات المتحدة حيث تلقى مكالمة تليفونية من وراء المحيط، إنها زوجة أبيه تخطره بأكبر خبر مفجع في حياتها، تطمئنه أنها قد أعدت لكل شيء عُدّته وأنها في غنى عن خدماته.

وبالنظر إلى أنه كان يحمل لها كل الحب والتقدير فقد استطاع أن يصدقها ولم يحاول العودة إلى انجلترا لحضور الجنازة أو لتلقي العزاء.

عتاب النفس

ومع ذلك فخبر الوفاة هزه هزاً أحدث في نفسه فزعاً. فباختفاء الأب سقط جدار الوهم الذي كان يشعر معه بالحماية. فجأة وجد نفسه أمام الموت وجهاً لوجه.

وفي وجود شبح الموت بدأ شريط الذكريات. تساءل صاحب الاعترافات متعجباً لماذا لم يواجه ولو مرة واحدة، الفقيد؟ لماذا ضعف فلم يستطع أن يقول له؟!

“أن تصرفاته كانت غبية، طفلية خاطئة وأحياناً أقرب بتحاملها وجهلها إلى الشر.”

أتذكره ذات مرة وهو يعلن واثقاً من منطلق الإيمان الأعمى أن برنارد شو تقمصه الشيطان (كنت وقت اعلانه هذا قد مثلت مسرحيتين لشو وتظاهرت بأني لم أسمع). “وانصرف فكري باعجاب مشوب بالغيرة إلى شقيقتي كيف تحررت من الخوف، كيف كانت تقف له بالمرصاد معارضة وعيونها الذكية تحملق فيه، تكاد تطّق شرراً وأي من شقيقيها أضعف منها لا يسانداها”.

هكذا كانت ذكريات الابن الأولى حول الأب لحظة سماع خبر انتهاء رحلة عمره.

الدهشة..لماذا؟

وعلي كُلٍ، فلو كان للأخير أن يبصر الصلة التي بين كتلة اللحم والدم التي أثارت تقززه وبين اللورد “أوليڨييه” المعروف في عالم المسرح تحت اسم “لورنس أوليڨييه” الواقف في العشرين من يولية سنة 1971 أمام مجلس اللوردات يلقي خطابه الأول – لتحوّل تقزّزه إلى بهجة. ولو كان له أن يرى ابنه الكذوب الفاشل المتعلق بالمسرح ومسوخه التي هي من صنع الشيطان، يعظ لوردات المملكة مبيناً أهمية المسرح ودوره الحضاري، والحضور يصفقون له استحساناً – لكذّب عينيه وأذنيه ولظل في حيرة لا يعي من أمر نجاح ابنه شيئاً.

ومهما يكن من أمر فما هو سرّ تحول لورنس أوليڨييه إلى نجم مسرح وسينما يدوم ساطعاً أكثر من أربعين عاماً. ما سرّ حصوله على لقب فارس “سير” ثم لورد وهو المطلق مرتين، المتزوج من نجمة أعظم كانت هي الأخرى مطلقة؟

باختصار ما سر نجاحه كل هذا النجاح؟

منطقياً كان يجب أن يسقط.. فأبوه قس قاس متقزز منه ومن أعماله من هوايته ورغبته في أن يكون ممثلاً، وأمه الحبيبة تركت الأقدار تفعل بها ما تشاء، انقطعت انجابها وهو لا يزال صغيراً.

وزوجته الأولى – وقبل عقد القرآن بأسابيع قليلة – تعترف له بأنها كانت تحب آخر ولا تستطيع أن تبادله الحب كما يهوى.

ورحلته إلى هوليوود قريباً من بداية الثلاثينات تخيب، فجريتا جاربو ترفضه، تحرمه شرف الوقوف أمام “الملكة كريستينا” عاشقاً.

ولكنه رغم هذه المحن، ومحن أخرى تكون أشدّ هولاً لم يسقط. لماذا؟

خادم القوم

لأسباب ثلاثة الموهبة.. الحظ.. العمل

وعند السبب الأخير أقف قليلاً لا لسبب سوى أن “لورنس أوليڨييه” هو الآخر وقف عنده طويلاً.

فمن يقرأ الاعترافات بامعان لابد وأن يلاحظ أن “أوليڨييه” ليس هارباً من عصره وأن مكانه الطبيعي خشبة المسرح، وأن الحب بينه وبين الجمهور صار أقوى من أي حب آخر. وأن العمل وحده المخلّص، بدونه تصبح الحياة لا معنى لها.

وفيما قاله “أوليڨييه” في اعترافاته يقول: “كثيراً ما يسألني الناس ما هي هواياتي، ما الذي أفعله من أجل المتعة؟ .. لم أفكر أبداً في شيء من هذا القبيل، أشعر شعوراً قوياً بالذنب عندما أحصل على أجازة، أحس بعدم الراحة فيما لو قمت بأي شيء خلاف العمل.

العمل بالنسبة لي هو الحياة، إنه القصد الوحيد من الحياة، ومصاحباً له ايمان يكاد يكون دينياً بأن الخدمة هي كل شيء.

أحيانا أجدني مع أناس حزانى يسألونني ما هو الشيء الذي من أجله أعيش، ما هو القصد من حياتي؟

والإجابة بأني أعيش من أجل العمل.. ليست دائما بالإجابة المناسبة.

بدلاً منها أجيب على الفور وباختصار مفيد “الخدمة” “فلو كنت تستطيع أن تنشد بها مثلاً أعلى وتدركه ولو استطعت ذلك الجمع، إذن فلا أحد ابتداء من الملكة وحتى أضعف السيدات وأكثرهن تواضعاً، لا أحد يستطيع أن يقطع الطريق وهو يعاني الاحساس بأنه يعيش لا لشيء.. يعيش عبثاً.

البوسطجي .. صراع الخاتمة بين قصة يحيي حقي وفيلم حسين كمال

يحيى حقي مهضوم الحق في السينما، في حين أن أية قصة كبرت أم صغرت لـ”نجيب محفوظ” أو “احسان عبد القدوس” أو “إسماعيل ولي الدين” ما إن يُكتب لها ان تنشر، إلا ويكون تجار السينما متربصين لها بالشراء والتحويل إلى أفلام، فإن الحال مع قصص يحيى حقي على عكس ذلك تماماً فعلى مدى أربعين عاماً أو يزيد، لا يزيد نصيبها في عالم الأطياف عن فيلمين “البوسطجي” و”قنديل أم هاشم”.
وثمة اجماع على أن الفيلم الأخير منبت الصلة بقنديل الأديب الكبير فيه من عدم الفهم لمغزى القصة ودلالاتها الشيء الكثير.

أما “البوسطجي” فلا اجماع حوله. حشد كبير من النقاد تحمس له، اختاره أحد أحسن عشرة أفلام انتجتها السينما المصرية منذ انتهاء عهد الملكية بالسقوط، وفئة قليلة لم تتحمس له، أو حماسها له كان من النوع الفاتر المشوب بكثير من الشك.
وكان صاحب القصة المستوحى منها الفيلم من المتشككين.. كان “يحيى حقي” من الفئة القليلة. كيف؟

في مقاله الأسبوعي “مع الناس” المنشور في جريدة المساء (6 مايو 1968) برر الحديث عن الفيلم في أدب جَمّ وتواضع يليق بالحكماء بقوله “كتبت هذا المقال لأقطعه وهو منشور في “المساء” وأضعه في جيبي أُخرجه لمن سيستجد من السائلين لي عن حكمي على فيلم “البوسطجي” ليُغنينا عن جري لساني بكلام قلته من قبل مراراً، لا شيء يتعبني أكثر من أن أحكي حكاية واحدة أكثر من مرة ولو في جلسات متفرقة على أُناس مختلفين، كأنني اسطوانة انحبست إبرتها داخل تجويف واحد، فأحس حينئذ أن هذه الإسطوانة قد باظت وباخت وأصبحت مزعجة أيضاً”

الغضب.. لماذا؟ 

وقريباً من نهاية الحديث وبعد أن أفصح عن شدة الفرح والإعجاب بالمخرج “حسين كمال”- انتهز الفرصة فتوجه إليه بثلاث نصائح أسماها كلمات لعل أهمها أن يُغير خاتمة الفيلم إن استطاع إلى ذلك سبيلا.

فما هي هذه الخاتمة التي أغضبت الأديب الحليم فأخرجته عن طوره إلى حد التدخل في عمل فني مستقل عن القصة، والنصح بإدخال تعديل عليه يُغير من نهايته.. ما وجه العيب فيها؟

وهل هي مغضوب عليها لذاتها أم لارتباطها بعيوب أخرى شابت الفيلم فابتعدت عن روح القصة؟
القنطرة الصماء

في حديثه المُشار إليه يقول “حقي” بحق عن درّته “البوسطجي” التي كتبها باسطنبول سنة 1933 أنه قد انعقد فيها خطان أراد القدر أن يتشابكا، الخط الأول منقول بصدق نقلاً فوتوغرافيا عن الواقع، وهو مصرع “جميلة” على يد أبيها، تلك الخاطئة التي كان قد حضر من قبل تشريح جثتها وقرأ بعينيه الخطابات الواردة لها من صاحبها الغائب عنها رغم محنتها.

والخط الثاني من محض الخيال، مأساة البوسطجي- هذا الشاب القاهري الذي يفترسه الملل في الصعيد فيُقدم على فتح الخطابات التي تمر تحت يده ليجد قدمه قد علقت بشوك من حيث لا يحتسب، ماراً به على غير إرادة منه، يدفع بأناس لا علاقة له بهم بل هم مجهولون عنده إلى مصيرهم المأساوي.

ويمضي صاحب القصة الدرّة معترفاً أنه كان بالنسبة لخط مأساة البوسطجي مُتأثراً بقصة “الأبله” لدستويفسكي، هذ المحايد الذي لا عليه ولا له يقلب حياة كل مجتمع يخالطه، ينبش مجرد ظهوره بين أفراد المجتمع كل ما يخفونه من نوازع وعواطف فيكون هو القنطرة الصماء التي يعبرون عليها إلى مصيرهم.

خماسية البوسطجي

وعلى كُلٍ، فمما يلاحظ على القصة أن وقائعها قد اختزلت على وجه أضفى عليها ميزة التركيز الشديد، وأن إيقاعها بفضل اقتصاد في الألفاظ مذهل له جرس موسيقي.

ومن هنا اختيار شكل التكوين لها في خمس أقاصيص أو بمعنى أصح حركات تحت عناوين (1) بلاغ ورا بلاغ (2) عباس أصله وفصله (3) جميلة وبنت ناس (4) فرحة ماتمت (5) سقطة البوسطجي.

وأهم ما في القصة إنما يدور في أرواح الشخصيات وبالذات جميلة “الخاطئة” وخليل “الحبيب” وعباس “البوسطجي”.

وعلى هذا، وكما يقول الدكتور “علي الراعي” في كتابه “دراسات في الرواية المصرية” لا يجد صاحب القصة أن ثمة إلزاماً عليه برسم شخصياته من الخارج، ومن ثم يقصر اهتمامه على محاولة التعمق في أرواحها وعقولها (ص 184).

وليس من شك أن الدين من جوانب الحياة الروحية لهذه الشخصيات بل لعله أهمها.

اختلاف الملّة

ومن هنا ابراز أن “جميلة” أرثوذكسية يزهو أبوها بزيارات القسيس له، ويأخذ أسرته كلها للكنيسة حيث يجلس هو تحت، وتجلس امرأته وبنته الصغيرة “جميلة” في الشرفة محجبة بالشيش.

وأن “خليل” بروتستنتي في مدارس الأمريكان من تلك الأقلية القليلة التي توصل بفضلها المُبشر البروتستانتي الغريب إلى الاختلاط ببقية الأقباط، وفي يده أمنية يلوّح بها ويغري “في أسيوط مدرسة للعيال وللبنات مجانية”.

وأن “عباس” مسلم من أسرة أفرادها موظفون صغار، كلهم يؤكدون أنهم من سلالة عربية، وبعضهم يُضيف أنهم من السادات، رغم أن سلسلة النسب الشريف التي يحفظونها تنتهي عند جدهم الثالث.

وهذا الجانب الهام من الحياة الروحية للأبطال الثلاثة لم تجر الإشارة إليه في نسيج القصة عبثاً.

فبسبب المُبشر البروتستانتي ومدرسته بفكرها المستورد التقت “جميلة” بأول شاب تراه عن قرب “خليل” الذي تعمد الإنفراد بها، أمسك يدها ثم لمس ثديها وقبلها، ونسيا نفسيهما في إحدى هذه الفورات واجتبى منهما الشباب جريته وبسبب اختلاف ملّة الحبيبين كان القسيس بمثابة ماء بارد يُصب بلا رحمة على نار عجلة العروسين فقد وضع لزواجهما شروطاً شكلية تستلزم وقتاً مما أدى إلى تأجيل بل قل التعطيل نهائياً لعقد القران.

الاحتضار الطويل

وهكذا ونتيجة حيلة شكلية غير متوقعة وجدت “جملية” نفسها أمام مشكلة ليست في الحياة مثلها.. هي عقدة كلها اصطدام ونزاع وخيوطها من ديانة وتقاليد ووهم..

وأخذ الجنين في بطنها ينمو يوماً بعد يوم كعقرب الساعة لا ترى العين حركته.

ومع نموه بدأ الاحتضار الطويل، أنات تسمع في رسائل الاستنجاد إلى الحبيب، تتقطع وتتباعد آخرها أنة من كلمتين “خليل.. الحقني”.

من بعدها نسمع الموت لا نراه الا في صوت جرس الكنيسة الصغيرة يدق اشعاراً به.. يكاد ينطق “فقد يعبّر النحاس في بعض الأحيان عن منتهى حزن الإنسان”.

الشفافية والسوقية

بهذه الكلمات الآسرة المشحونة بالألم والمشاركة اختتمت القصة.. بفضلها نعرف أن شمس حياة “جميلة” قد غابت في وهدة الموت إلى الأبد.

إذن القصة قد عرضت لاختفاء “جميلة” بلغة الرمز والإشارة بلغة صاحبها التي تتسم بالسمو والتحليق.

والمؤلم أن الفيلم لم يحترم غلالة الشفافية هذه التي أحاطت بالخاتمة، واصطنع خاتمة أخرى مباشرة غليظة لا أجد مناصاً من وصفها بالسوقية.

فجميلة في الفيلم كما يصنعها السيناريو المنشور تهبط هاربة من نافذة غرفتها المطلة على الحديقة الخلفية، أبوها ينتبه إلى صوت ارتطام جسمها بالأرض، كالمجنونة تجري في شوارع قرية كوم النحل وهي تنادي “خليل.. الحقني”.

وفجأة يظهر المعلم، يستوقف ابنته هاجماً عليها، تصرخ صرخة مروعة بينما يغمد سكينه في قلبها.
يحيط الفلاحون الذين أتوا مهرولين من بعيد على الصرخة بالمعلم وابنته القتيلة على صدره.

المعلم يحمل جميلة والفلاحون من حوله متجمهرون في صمت وكأنهم يشكلون جنازة.

لقطة للقتيلة مع صوت الأم الصارخ في لوعة “جميلة.. ضناي” ثم تتقدم الأم مندفعة مشعثة وهي تصرخ مولولة وتهيل التراب على رأسها “جميلة.. بنتي ضناي”.

الاختلاف والحيرة

هذا البون الشاسع بين الخاتمتين ما سببه؟

قد لا أكون بعيداً عن الصواب إذا ما أرجعت هذا المسخ غير المستحب لخاتمة “جميلة” أو “البوسطجي” الاسم المختار لمأساتها.. أرجعته إلى تجريد الشخصيات من أحد جوانبها الروحية الهامة جداً.. الدين.

فالمشاهد لا يعرف أن “جميلة” أورثوذكسية، وأن خليل من القلة القليلة البروتستانتية.

وكذلك الحال بالنسبة للشخصيات التي على صلة قرابة بهما فهي جميعاً وبلا استثناء مجهولة الدين بلا أسماء.

ومن ثمّ فإن اختتام الفيلم كما القصة بصوت جرس الكنيسة الصغيرة يدق اشعاراً بالموت أصبح- والحالة هذه من قبيل المحال الذي لا محل له.

بل أنه حتى بفرض أن المستحيل قد تحقق فحلّت خاتمة القصة محل خاتمة الفيلم استجابة لرغبة مبدع البوسطجي لما تلقى المشاهد المتعجب من دقات الجرس الرسالة أن جميلة ماتت مقتولة، ونظل في حيرة ما بعدها حيرة لا نجد معها لتلك الدقات تفسيراً.
مسوخ أم ضحايا؟!

وإذ كان الحال كذلك فهل كان غائباً عن صاحب القصة أن تغيير الخاتمة من قبيل المستحيل؟

بالطبع لا.. وأغلب الظن أنه بطلبه إعداد خاتمة أخرى للفيلم إنما أراد أن يعبر عن ضيقه بما أُدخل على شخصيات القصة من تغييرات تحوّلت بها إلى مسوخ كاريكاتورية.

فمن المعروف عنه أنه.. وكما وصفه دكتور نعيم عطية في مؤلفه “يحيى حقي وعالمه القصصي” ذو عقلية تتأنى في بناء الشخصيات وصقل الحوار وانتقاء التفاصيل، وأنه ولئن كان في أدبه مهموماً بالحياة الكريهة المرعبة في الريف وبخاصة في الصعيد الجواني إلا أنه عطوف على الشخصيات الريفية التي يرسمها بريشته الساحرة، يكتب عنها بمودة لأنها عنده ضحية بيئة يتشوه فيها الإنسان، يموت على مهل عفنا.

وهو لا يشذ عن هذه القاعدة الإنسانية في وصفه لأبي “جميلة” وأمها، فهما ليسا أشلاء ميتة، ليسا في حالة خمول زوجي.

فالأب المعلم “سلامة” لا يكاد يفترق في مظهره، في أخلاقه وعاداته عن المسلمين، اللبس واحد والعمامة فوق رأسه عليها المقدار ذاته من التراب، يحفظ كل الصلوات نغماً وكلاماً عن ظهر قلب.. الحب الأبوي وحده هو الذي زحزحه عن تعصبه، جعله يسلم جميلة إلى المدرسة البروتستانتية ولما تبلغ العاشرة، وقلبه يفيض بالأمل أنها في يوم ما تكون معلمة.

وعندما أتمت جميلة السنة النهائية ودُعي لحفلة توزيع الشهادات، جاء إلى المدرسة في أحسن ثيابه.

بل وعندما جاءه خليل طالباً يد “جميلة” قبل بالحاح زوجته أن يعقد الإكليل حتى قبل دفع المهر.

إذن وحسب هذا الوصف هو ليس بالوحش الكاسر الجامد.
التشويه.. كيف؟

أما الفيلم فقد ذهب في رسم شخصيته مذهباً آخر، جعل منه رجلاً شاذاً كريهاً، يطارد مريم الخادمة داخل برج الحمام، يحتضنها، يعريها، يسلبها أعز ما تملك. رجل أحمق عنيد يرفض زواج ابنته من خليل لا لسبب سوى أن جميلة زارت أخته في النخيلة.

وجعل من زوجته- وهي في القصة سيدة عاقلة فاضلة- جعل منها امرأة غيورا، يحركها الغيظ والغضب والرغب في الانتقام من الخادمة، يدفعها إلى التخلص منها بالوشاية بها إلى خالها وأخيها اللذين يصطحبانها إلى أجلها المحتوم.

وأغلب الظن أن هذا التشويه لشخصيات البوسطجي هو الذي حدا بـ”يحيى حقي” في حديثه المُشار إليه إلى توجيه النصح إلى حسين كمال بأن لا يبالغ في تصديق اعجاب بعض الأجانب المقيمين عندنا بفيلمه “فإنهم مأخوذون أول الأمر بالجانب الفولكلوري، فإذا ما نفذوا منه إلى ما تحته كان لهم رأيٌ آخر”.

وكم كان أديبنا الكبير بعيد النظر، كم كان حكمه على الفيلم صائباً، فالآن لا أحد من النقاد الأجانب يُبدي اعجاباً بفيلم شوه “البوسطجي”.
على أثر ظهور مقالنا عن فيلم البوسطجي عن قصة الكاتب الكبير يحيى حقي في مجلة الهلال عدد فبراير 1985، والذي تناولنا فيه مدى التزام السيناريو باظهار شخصيات القصة كما عناها الكاتب، ظهر تعليق كاتب السيناريو المرفق على صفحات مجلة صباح الخير والذي نترك للقارئ تقييم ما جاء به.
صفحة ونص عن النقد والهوى الفني!!

عجبت وحزنت حين قرأت هذا الأسبوع مقالاً صغيراً في إحدى المجلات، يقارن بين خاتمة قصة البوسطجي لأديبنا يحيى حقي الذي نحتفل بعيد ميلاده هذه الأيام.. وخاتمة الفيلم المأخوذ عن تلك القصة والذي كتبت له السيناريو والحوار، وأخرجه حسين كمال في عام 1968.. أي منذ سبعة عشر عاماً.

عجبت، لأنه طوال هذه الأعوام السبعة عشر، والبوسطجي يحقق نجاحاً فنياً وجماهيرياً أينما حل وعدد يفوق أصابع اليدين من جامعات العالم المختلفة، يحتفظ بنسخة منه.. وتوجد في جامعات أمريكا وحدها ما لا يقل عن تسع نسخ في كليات الدراما وأقسام السينما بنيويورك وجورج تاون بواشنطن، وبوسطن، ومنيسوتا، ومعهد بسادينا للفنون، ومركز كيندي الثقافي، وغيرها. كما أن غالبية السينماتيك (الأرشيف السينمائي) في عدد من دول العالم، تحتفظ بنسخة من البوسطجي للعرض على جمهورها الخاص، بين الحين والحين.

وقد كان ظهور فيلم البوسطجي في عام 1968 حدثاً فنياً اهتزت له غالبية كبيرة من الأقلام، معجبة ومرحبة، فقد ظهر الفيلم بعد فترة توقف طويلة للسينما المصرية هاجر فيها الفنانون إلى تركيا وإيران ولبنان.. وظهر بعد مرحلة طويلة من الشعور بالاحباط والنكسة بعد هزيمة عام 1967، وكان في كل بيت تقريباً، مأتم لشهيد في تلك الهزيمة.. وعلى حد تعبير الأستاذ يحيى حقي نفسه في الكلمة التي استشهد ذلك المقال الصغير بمقطع منها تاركاً بقية المقاطع، يقول الكاتب الكبير أن فيلم البوسطجي قد شذّ عن بقية أفلامنا العديدة التي لا ترتفع لمستوى النقد، وهذا نجاح من العدل والإنصاف أن نقر له به، أنه جعلنا نترك مقالب الزبالة أو مقابر الأموات، لنخالط الأحياء في العمار، أصحاء كانوا أم معلولين..”
وقد حصل الفيلم وقتها على تسع جوائز من جوائز الدولة، للقصة والسيناريو والحوار والإخراج والتصوير والمونتاج والديكور والانتاج والتمثيل.

ولهذا عجبت أن يجيء اليوم كاتب ذلك المقال، ويلقي بحفنة من التراب والطين على هذه الجهود الفنية التي سبق تقديرها والاعجاب بها. ويستخدم ألفاظاً تكشف العمد وسوء النية في النقد الفني، مثل تشويه شخصيات يحيى حقي وتحويلها إلى مسوخ كاريكاتورية!، واتهام الفيلم بالسوقية، والإدعاء بأنه أغضب الأديب الكبير صاحب القصة، بينما في نفس الكلمة التي كتبها يحيى حقي والتي استشهد ذلك المقال الصغير ببعض عباراتها مقتطفة مبتسرة يقول الكاتب الكبير “أنه لا يملك إلا الثناء عليه، إذ كان تسلسل المشاهد وتركيب بعضها فوق بعض يسيران باتصال مقنع ومريح لا يقطعه تخلخل وركود أو غموض وحشو.. والاضافات التي أدخلها على القصة خدمت الفيلم..”؟!

وأصل القضية في نظر كاتب ذلك المقال الصغير هو اختلاف النهاية من ناحية الشكل الفني، أي التعبير عن موت البطلة أو مقتلها.

فالبطلة جميلة في قصة يحيى حقي تظهر عليها أعراض الحمل سفاحاً فيضمر والدها قتلها، ثم يعبر الكاتب عن وقوع القتل وموت جميلة بجرس الكنيسة يدق.

وقد هبطنا نحن فناني الفيلم بهذه الخاتمة الشاعرية حينما عرضنا وقوع الحدث على المتفرجين..!!

وكان هذا مصدر آخر للعجب من شخص يتصدى للنقد السينمائي، وهو يجهل المفردات الأساسية المختلفة بين اللغتين، لغة الأدب المقروء، ولغة الصورة المرئية..!

فالسينما تقدم للجماهير العريضة المختلفة المستويات والتي يجهل غالبيتها فنون التشبيه والرمز والمقارنة والاستنتاج.. وأبسط واجبات السينما تجاه جمهورها هو أن تكون واضحة ومحددة فيما تقول.. وهي تقول بالحركة والفعل، أي أن المتفرج لابد أن يرى.. وعندما يصف مؤلف القصة بطله مثلاً بأنه “راجل فلاتي” فلابد للسينما أن تقدم ذلك بالفعل والحركة المرئية في مشاهد ومواقف، حتى يترسب المعنى في وجدان الجمهور.. واستخدام الوصف اللفظي للتعبير عن الأحداث في السينما خطأ فني درجنا عليه في أفلامنا العديدة التي تجاوزها البوسطجي، والتي لم تكن ترتفع لمستوى النقد..!

وكانت النهاية بالفعل في فيلم البوسطجي فاجعة حقاً، ونحن نرى الأب يطعن ابنته بالسكين، بعدما لاحقها وهي تحاول الفرار منه.. وقد تأثر الكاتب الكبير بتلك النهاية، وخشى على مشاعر الأجانب منها حين عرض الفيلم في الخارج.. وقد عجبت لأن السيد كاتب المقال الصغير قد ركب نفس المركب، وكان مصدر عجبي أن هذا الناقد طالما هلل وزمر وطبل لأفلام صنعها هؤلاء الأجانب، مليئة بالعنف والدم والتدمير والاغتصاب.. دون أن يتوجع أو يبكي على الشاعرية وغلالة الشفافية، أو يشعر بالغلظة والسوقية اللتين شعر بهما في خاتمة البوسطجي.

وقد تحول عجبي إلى حزن شديد حينما علق أحد الأصدقاء الفنانين قائلاً بأن حفنة التراب والطين في هذا المقال الصغير موجهة في الحقيقة إلى مخرج الفيلم حسين كمال وليس إلى الفيلم نفسه.. لأن كاتب المقال لا يحبه.. أو بمعنى آخر لا يستظرفه..!

زاد حزني في الحقيقة، أن يصل النقد الفني إلى هذا المستوى من الذاتية.. وأن تداس الموضوعية بالأقدام، في سبيل تصفية الخلافات أو الاختلافات الشخصية.

وكان الله في عون الجمهور، ففرصته الأساسية للفهم والمشاركة والتعلم، إنما هي في مقالات النقاد الذين يتناولون الأعمال الفنية بالمتابعة والتحليل.. والنقد ولهذا فإن وظيفة الناقد تكاد تكون مقدسة مثل وظيفة المعلم.. وجدير بصاحبها أن يتجرد عن الهوى.. وأن يزن بميزان الذهب.. كي لا يغرق قراءه في بحر الضلال!

صبري موسى