عرفت السينما ، و هي صغيرة ، تعيش مع أسرتها ، بعيدا عن القاهرة ، شرقي الدلتا ، حيث كان أبوها يعمل سكرتيرا للمدرسة الأبتدائية بمدينة المنصورة ، عاصمة محافظة الدقهلية .

عرفتها ، و هي في صحبة أبيها ، داخل دار العرض ، تنظر الى الشاشة البيضاء ، مشدوهة بالأطياف تتحرك في الظلام ، بفعل قوة غامضة ، لا تعرف من أمرها شيئا .
و تصادف أن ذهبت الممثلة “آسيا” الى تلك المدينة ، و ذلك بمناسبة عرض فيلمها الجديد ، فرأتها “فاتن” من بعيد ، متألقة تحت الأضواء ، و حولها حشد من الناس ، مبهورا ، مصفقا .
فلما عادت مع أبيها الى البيت ، تهيأ لها أنها خارجة لتوها من حلم رائع ، تمنت لو تكرر كثيرا و في هذه الأثناء ، أعلنت أحد الصحف عن مسابقة لجمال الأطفال ، فكان أن بادرها أبوها بأرسال صورتها هي و سائر أخواتها ، الى المشرفين على المسابقة ، لأنها كانت أجملهن ، و كانت الأسرة ، دائمة التغني بحظها الكبير في التصوير .
و قد شاءت لها الأقدار أن تخرج من المسابقة ، فائزة ، محققة كل ما علقه عليها أبوها من آمال. كما شاءت لها أن يقع بصر المخرج “محمد كريم” على صورتها الفائزة ، فإذا به منبهرا بها ، واجدا فيها ضالته المنشودة ، التي كان يبحث عنها ، لتلعب دور طفلة أمام المطرب الشهير “محمد عبد الوهاب” ، في فيلمه الجديد ، الذي عرف فيما بعد ، تحت اسم “يوم سعيد” (1940). و كان ايذانا مولد نجمة ، يظل أسمها على كل لسان أكثر من نصف قرن من عمر الزمان فالجمهور عندما خرج من الفيلم ، لم يتحدث عن بطلاته ، كما تحدث عن صغيرة ، ذات ضفيرتين و كيف كانت تقول لعبد الوهاب “ماما طبخالك النهاردة مشمشية” !! .
و على كل ، فبدءا من “يوم سعيد” وهبت فاتن نفسها للتمثيل في الأفلام .
سوف تكبر و تحب و تتزوج ثلاث مرات ، الأولى من المخرج “عز الدين ذو الفقار” ، و الثانية من النجم “عمر الشريف” و الأخيرة من طبيب شهير ، و مع ذلك يظل التمثيل ، و أن تكون معبودة الجماهير ، هو الحبيب الأكبر الذي لا يعادله زوج ، ولا حتى حبيب .
و لقد أصبحت معبودة خاصة من بنات الفئات المتوسطة من المجتمع المصري ، و لا أقول العربي ، بفضل الصورة التي رسمت لها في معظم أفلامها التي قاربت المائة عدا ، صورة البنت المصرية الطيبة المظلومة من الناس الى أن تنصفها الأقدار ، البنت السلبية التي لا تواجه التحديات بالنضال ، و أنما بالصبر ، الأقرب الى الإستسلام .
و من هنا غلبة الميلودراما الزاعقة على أفلامها ، حتى أنهم أطلقوا عليها مدام ميلو !! ، و الحق أن ذكاءها الحاد ، و لا شئ آخر ، هو الذي مكنها رغم الكم الهائل من الأفلام البكائية ، و رغم تطاول الزمن ، من البقاء متربعة على عرش السينما في مصر و العالم العربي ، زهاء خمسين عاما ، فبفضله أحسنت أختيار “هنري بركات” مخرجا لأحسن أفلامها “دعاء الكروان” ، “الحرام” ، “الخيط الرفيع” و “لاعزاء للسيدات” ، و “داود عبد السيد” مخرجا لفيلمهاا الآخير ، الذي يعد بحق واحدا من أحسن أفلام التسعينات “أرض الأحلام” (1993) .
و لعل فشله فشلا ذريعا كان ايذانا ، بنهاية المشوار ، و ضرورة إسدال الستار .