اللمبي .. ملهاة و مرآة
الأفلام العلامة في تاريخ السينما المصرية ، أقل من القليل و أغلب الظن أن اللمبي قد شاء له قدره أن يكون واحدا من هذه الأفلام .

فالشئ الذي لا شك فيه أن فيلما لم يصدم أهل الفكر السينمائي ، خلال الأعوام الأخيرة ، مثلما صدمهم اللمبي ، و أن فيلما لم يتعرض لنقد حاد ، كاد ينحدر الى حد المطالبة بسحب الترخيص له بالعرض العام ، و خطر تصدير أية نسخة منه الى الخارج ، حفاظا على سمعة البلاد ، مثلما تعرض اللمبي .
و أن فيلما آخر لا يضارعه في أقبال الناس على مشاهدته و الرضا عنه كل الرضا الى درجة الأفتتان به ، و مشاهدة البعض له لا مرة واحدة ، أو مرتين ، بل مرات .
و مما يعرف عنه ، أي اللمبي ، أنه أول فيلم روائي طويل لصاحبه المخرج “وائل إحسان” .
و ربما رابع فيلم لمحمد سعد ، الذي أصبح بفضل نجاحه المنقطع النظير ، نجما تعرض لأدائه الأقلام بكلام أكثره هجاء ، و أقله الثناء .
فقبل اللمبي لم يقم سعد الا بأداء دورين ثانويين في الطريق الى إيلات و الناظر ، و بأداء دور رئيسي في 55 إسعاف .
و الأكيد أنه بعد ذلك النجاح سيتهافت المنتجون عليه ، كما تهافتوا ، من قبل على كل من محمد هنيدي و علاء ولي الدين .
و لا غرابة في هذا ، و قد وضع الجمهور في حبه ، و تفاعل مع أسلوب أدائه القائم أساسا على التهتهة بكلمات عبيطة ، مكسورة ، مضروبة ، معوجة ، مثلها في ذلك مثل طريقة مشيه ، و مثل المحاور التي تتحرك عليها رقبته ، و مثل نظرات عينيه الزائغة ، الأشبه بنظرات چيم كاري النجم الأمريكي الذائع الصيت .
و من الأقوال المأثورة عن أدولف زوكور مؤسس أستديوهات بارامونت بهوليوود ، أن الجمهور دائما على صواب ، و على هدى هذا القول ، فجمهورنا لم يخطئ حين وقع في حب سعد ، فآثر فيلمه على كل أفلام موسم الصيف ، بما في ذلك أفلام هنيدي و السقا ، و نجم النجوم عادل
امام .
و على كل ، فقبل بضعة أسابيع ، و في أثناء الحملة المريبة المعادية للفيلم ، و ما صاحبها من ضجة ، أغلبها مفتعل ، عابت على الجمهور المولع به ، شحالة ثقافته ، و أنعدام وعيه على نحو جنح به الى ايثار الأسفاف و الأبتذال ، في أثناء ذلك ، غادرت القاهرة صوب المانيا ، عاقدا العزم على مشاهدته ، و ما أن عدت ، بعد أسبوعين ، حتى وجدتني أمام نفس الحملة ، و قد تصاعدت و أزدادت ضراوة .
و اذا بي لا أسمع الا ضجيجا يصم الآذان ، و لا أرى الا شقا للجيوب ، و لطما للخدود ، بسبب أستمرار الأقبال على اللمبي ، و سقوط الأفلام الآخرى ، مثل أوراق الخريف ، ووسط صخب هذا الضجيج ، و ما صاحبه من مطالبة البعض بمعاقبة الرقباء عن جرم الترخيص بعرض الفيلم المتهم ، و من دموع تماسيح يذرفها نفر من أعضاء مجلس الشعب ، بكاء على اطلال قيمنا و تقاليدنا التي أهدرها اللمبي ، وسط كل هذا ، شاهدت الفيلم المتهم .
و بعد لقطة الختام ، و مغادرة دار السينما تساءلت علام هذه الضجة الكبرى .
حقا الفيلم فيه من ضرب السوقية الشئ الكثير فبطله ، و أسمه اللمبي ، صعلوك ، أمي ، خائب متمرد ، متخبط في العلاقات العاطفية و الأجتماعية ، سكران أو مسطول على طول .
في أول ظهور له على الشاشة ، نراه عائدا الى بيته ، حيث يعيش مع أمه ، مترنحا ، مرددا كلمتين من بيت شعر لحافظ إبراهيم شاعر النيل “وكف الخلك .. وكف الخلك” ، قاصدا “وقف الخلق .. وقف الخلق” .
و لا يكمل البيت ، لأن هاتين الكلمتين المحرفتين ، هما كل ما في وسعه أن يسترجعه على شاشة ذاكرته من أول أبيات قصيدة شاعر النيل “وقف الخلق ينظرون جميعا ، كيف أبني قواعد المجد وحدي” ، تلك القصيدة التي يشدو بها صوت أم كلثوم ، و تذاع من حين لآخر ، فيسمعها اللمبي دون أن يعي من أمر معانيها شيئا ، و أم البطل ، و أسمها فرنسا – تؤدي دورها ببراعة عبلة كامل – عجلاتيه ، لا تتورع عن تعليق غلام تأخر في إعادة عجلة مستأجرة ، في هلب أحدى العجلات ، و هي ليست الأم المدرسة التي تغني بفضائلها شاعر النيل ، أنها عكس ذلك تماما .
فعندما يحمل أبنها حقيبة كتبه على كتفه مثل الأطفال ، تنصحه ، قبل ذهابه الى فصل محو الأمية قائلة “ساندوتشاتك أهم ، و كتبك معاك ، و مطوتك في جيبك ، اللي يغش منك قطعه ، غش أنت !! ” ، ثم تمنحه نقودا كي يشرب بها بيرة .
و بنت الحارة الجميلة “حلا شيحه” تحبه بجنون ، و ترفض من أجل خاطره المدرس الرومانسي الولهان ، و ذلك رغم ثرائه النابع من الدروس الخصوصية .
و في سبيل حبها تخدع أباها ، تلتقي به في الخفاء ، أما أبوها ، فرجل جشع – يؤدي دوره لطفي لبيب – يحب المال حبا جما ، لا يهمه من مستقبل أبنته سوى بيعها لأي عريس ، يدفع المهر الأعلى .
و باخ الجار الموسيقار ، عازف الكمان – يؤدي دوره حسن حسني – شخص غير متزن ، مفلس ، سكير ، عربيد ، متعاط مخدرات .
و رغم غلاظة و فظاظة هذه الشخصيات ، و رسمها بطريقة كاريكاتورية ، فقد نجح المخرج ، و معه كاتب السيناريو أحمد عبد الله ، في أقناعنا بواقعيتها ، بأنها تعيش بيننا ، و تؤثرفينا ، أن سلبا أو إيجابا ، كما نجحا في تصوير ما تعانيه من قهر و ضياع ، مع أتاحة الفرصة لها ، من منطلق التعاطف معها ، في أستنقاذ نفسها من الشر المحيط بها .
كل ذلك داخل أطار ساخر قوامه و حوارات مثيرة لعواصف من الضحك البرئ الخالي من أي شئ يدعو الى ضيق أو أنكار .
و هنا لا يفوتني أن أشير الى جنوح بعض النقاد الى وصف اللمبي بأنه ليس فيلما ، ولا ينتمي الى السينما بقليل أو كثير .
لأرد قائلا : أنه ، و الحق يقال ، فيلم ينتمي ، و لا شك للفن السابع ، سواء شئنا أم أبينا .
هذا الى انه يؤذن بميلاد كوكبة من السينمائيين الواعدين ، كما لا يفوتني أن أشيد بأداء عبلة كامل لدور فرنسا أم اللمبي ، لقد أتاح لها نبوغها الذي جعل منها ممثلة ، قل أن يكون لها مثيل عندنا ، أتاح لها أن تضحكنا من القهر و الشر ، و كلاهما كما هو معروف يضحك في بعض الأحيان .
مصطفى درويش








