أيام في أمريكا

شاء لي قدري ألا تطأ قدماي، لأول مرة، أرض العالم الجديد، إلا والقرن العشرون على وشك الرحيل. وألا أمكث في ربوع الولايات المتحدة، المسماة الآن أرض الأحلام، سوى سبعة عشر يوماً تجولت، في أثنائها، بين أربع مدن كبرى، وخمس ولايات.

وعلى كُلٍ، فقد بدأت الزيارة بلوس أنجلوس، وانتهت بنيويورك.

وفيما بين البداية والنهاية، مكثت أياماً بعضها في سان فرانسيسكو، وبعضها الآخر في واشنطن عاصمة أغنى وأقوى دولة في عالمنا، دولة فتية لم يمر على قيامها، وإعلان استقلالها سوى قرنين وربع من عمر الزمان.

مدينة الملائكة

ولن أقف إلا قليلاً عند لوس أنجلوس، فما أكثر الذي كتب عنها، وعن إحدى ضواحيها “هوليوود”، حيث تصنع الأحلام.

والحق أن أغلب ما حكته الأقلام عن تلك الضاحية أقرب إلى الهراء. فهي ليست مكاناً صاخباً بالملاهي وبالنجوم الحسان.

إنها على العكس من ذلك فلا مارة في شوارعها، ولا ملاهي ومقاهي، ولا حسان، ولا شبه الحسان.

فعيوننا أنا ومن كنت معهم، شقيقتي الوحيدة “هيام” وابنها الوحيد المهندس”هشام” وزوجته “إيفا”، لم تر شيئاً إلا مباني وطيئة امتدت على جوانب شوارع فسيحة، لاسيما شارعي هوليوود والغروب.

وآذاننا نحن الأربعة لم تسمع شيئاً سوى صمت شامل، وهدوء كامل كأننا بين حي هادئ، رحل سكانه إلى مشتى أو مصيف، وأغلقوا أبواب ديارهم، إلى حين.

غروب وشروق

وهنا، لا يفوتني، وقد جاء ذكر شارع الغروب أن فيلماً بنفس اسمه، أخرجه “بيلي ويلدر” ومثلته “جلوريا سوانسون” مع “ويليم هولدن” قبل خمسين عاماً.

هذا، وقد أتاحت لنا جولة بسيارة كبيرة في الحي الراقي “بيفرلي هيلز” حيث يسكن النجوم أو كانوا يسكنون، فرصة مشاهدة القصر المهجور، الذي جرى تصوير أحداث هذا الفيلم فيه. الذي يعتبره أهل الاختصاص في السينما، وبحق، واحداً من أهم وأجرأ ما أنتجه مصنع الأحلام.

حيل ولهو ولعب

والآن، وقبل مغادرة لوس انجلوس إلى سان فرانسيسكو حيث النعيم المقيم، أرى من اللازم أن أشير إلى شيئين، لابد وأن يلفتا الأنظار.

أولهما: استديوهات يونيفرسال بضخامتها، وبخدعها السينمائية التي ارتفع مستواها إلى حد قارب الإعجاز.

فها نحن المتفرجين في عربة تارة ينشق البحر أمامها، فتعبر بنا إلى البر الآخر سالمين، مثل النبي موسى في “الوصايا العشر” ذلك الفيلم الذي أخرجه “سيسيل دي ميل” مرتين إحداهما عندما كانت السينما خرساء، والأخرى عندما انطلق لسانها بالكلام (1956).

وتارة أخرى تتزلزل الأرض تحت العربة، فإذا بنا، وقد أحاطت بنا الانقاض والنيران، وكأننا داخل لقطة من فيلم الزلزال.

وتارة ثالثة، يحتوي العربة كهف يتطاير فيه شرر مندفع من فوهة بركان، فإذا بنا وسط جحيم فيلم “قمة دانتي”.

وهكذا.. وهكذا تتلاحق المفاجآت من “كنج كونج” إلى “اي تي” مروراً “بالفك المفترس” وغير ذلك من طرائف ما أنتجه مصنع الأحلام، ونحن من روعة ما نرى، نكاد لا نفيق، ومن فرط السعادة نكاد نطير.

أما الشيء الثاني الذي استرعى انتباهنا، فهو دار المسرح المصري بشارع هوليوود، بعد تجديدها وافتتاحها قبل وصولنا إلى العالم الجديد بأيام. 

مصريات

بداية، هي ليست دار مسرح، وإنما دار سينما، جرى زخرفتها على نحو فرعوني، وافتتاحها قبل سبعة وسبعين عاماً بالتمام.

وعلى مر الأعوام أخذت تتدهور ولو تركت لشأنها دون إصلاح، لاختفت من الوجود كما اختفت أكثر من دار في مصرنا إلا أنه، ولحسن الحظ جرى تجديدها في منتصف عقد الخمسينات، ثم رئي مع بداية عقد التسعينات إعادة تجديدها، على نحو تحولت معه إلى مركز للاشعاع السينمائي، بصيرورتها مكتبة سينمائية يؤمها عشاق الفن السابع من كل مكان.

وبفضل هذا التحول صار لدار المسرح المصري قاعتا عرض، إحداها كبرى تحتوي 650 مقعداً، ومكتبة تجمع أمهات الكتب والمجلات السينمائية، وفناءً رائعاً قائماً على أعمدة فرعونية، تتخللها أشجار النخيل.

وفي هاتين القاعتين تجرى عروض الأفلام والفيديو، وتلقى المحاضرات، وتجرى المناقشات بين المتفرجين وصانعي الأفلام.

وختاماً، فكم أتمنى أن يعي أولو الأمر في الثقافة عندنا أهمية الإسراع بإنشاء مكتبة سينمائية على نفس مستوى دار المسرح المصري في شارع هوليوود، ويالها من دار.

فيساهموا بذلك في التعجيل بالنهوض بالفن السابع في عصر ثورتي المعلومات والاتصالات.

فالأكيد أنه بدون النهوض بذلك الفن، لن يكون في وسعنا الحفاظ على المفيد من تراثنا المجيد.

خلطبيطة

هذا فيلم بدأ ظريفاً، وانتهى سخيفاً والحق أنه عمل سينمائي في إجماله خفيف الدم، يحمل من المفاجآت وألوان الترفيه الشيء الكثير.

بطله “محمود عبد العزيز” واسمه في الفيلم “حسان ضرغام النمر” تخرج في كلية الزراعة، ومع ذلك يعمل في إحدى مكتبات وزارة الثقافة.

يعيش وحيداً في بيت عتيق وهو رجل قنوع، لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، ولا يريد الزواج، حتى ممن تحبه إلى درجة الهيام “منى زكي”، ولا يهوى سوى تنسيق الأزهار وصيد الأسماك. باختصار إنه إنسان مسالم، لا يملك لأحد لا ضرّاً، ولا نفعاً.

عبث الأقدار

وذات مساء، وبلا مقدمات، انقض عليه في شقته ثلاثة رجال، بغرض القبض عليه. لماذا؟ لأنه متهم بارتكاب جريمة خطيرة لا يعرف عنها شيئاً.

وعندما يمثل أمام المحقق “أحمد توفيق” لا يواجهه بتهمة محددة على وجه اليقين، وإنما يستفسر منه عن سهرة حضرها قبل أيام في بيت أحد أصدقائه، احتفالاً بسبوع طفل ذلك الصديق.

التيه الكبير 

وما هي إلا لحظات، حتى فاجأه المحقق باستفسار أكثر سخافة “لماذا جمع الصديق المحتفي بطفله بين سبوعه وطهوره في حفل واحد” ؟

وبعد ساعات قضاها داخل ما يشبه الزنزانة، افرج عنه، لكن ليس قبل أن قيل له أنه سيجري استدعاؤه للمحاكمة أمام القضاء عما هو منسوب إليه من اتهام.

وبدءًا من ذلك الافراج، يزج بنا المخرج “مدحت السباعي” الذي هو في نفس الوقت مؤلف القصة المبني عليها الفيلم، فضلاً عن السيناريو والحوار، يزج بنا، نحن المتفرجين في متاهات أو خلطبيطة ليس لها أول من آخر.

وبطبيعة الحال لن أقف عند تفاصيل تلك الخلطبيطة، لا لسبب سوى ضيق المجال.

ومن ثم أقصر قولي على أن السباعي، بوصفه المؤلف، قد استوحى قصة فيلمه من “المحاكمة” رائعة “فرانز كافكا” الروائي التشيكي ذائع الصيت.

اختلاف النهايات

وبطل “المحاكمة” عكس بطل “خلطبيطة” لا يعرف من اسمه سوى حرفه الأول “كاف”. وهو الآخر يقبض عليه مثل “حسان ضرغام النمر”. ويواجه مثله بتهمة لا يعرف ماهيتها، ينفق حياته في محاولة معرفتها، وتبرئة نفسه منها.

ولكن هناك فرق جوهري بين البطلين “كاف” و”حسان”.

فالأول يطرحه المحققان أرضاً في نهاية القصة، ويذبحانه كما تذبح الشاة. وبينما يجري ذبحه، يقول عن نفسه هذه الجملة “كما يموت الكلب”. أما الثاني، أي “حسان” فينجو في ختام الفيلم من الإعدام.

وفي لقطات الختام، نراه يخرج من الصحراء، حيث كان معتقلاً، متجهاً إلى العمران، وكلمات أغنية “سيد درويش” “أنا المصري كريم العنصرين” ترن في الآذان.

والأكيد أن هذه النهاية السعيدة، مفتعلة كل الافتعال.

ولولاها، ولولا اختيار “السباعي” “منى السعيد” نجمة لفيلمه، لكان لخلطبيطة شأن كبير.