سينما الضياع إلي أين تمضي بنا؟

كان في نيتي أن أدبر جانباً من حديث السينما في شهر مارس حول “دليل الفيلم العالمي 1987” لصاحبه الناقد الإنجليزي “بيتر كووي” لما احتوى على معلومات عن السينما داخل بعض أقطار الوطن العربي وإسرائيل، تقول فيما تقول إن الفن السابع عندنا في واد، والحياة السياسية بنزفها الرتيب في واد آخر، أما عندهم ففن يحتج، يصرخ، يشهر الرايات.

كان في نيتي لولا أنني وقبل أن أحمل القلم لأكتب، شاهدت “الضائعة” و”سكة سفر” فكان أن قفزت إلى ذهني من ظلمات الماضي غير البعيد صورة من أفلام أخرى، لعل أهمها “عودة مواطن” و”وصمة عار” و”الصبر في الملاحات” وكان أن تركت جانباً – خطأً أو صواباً – ما كنت قد هممت بكتابته مستوحي من ذلك الدليل وما سجل على صفحاته من معلومات.. لماذا؟
لوجود ظاهرتين أولاهما: أن هذه الأفلام الخمسة تقوم على الميلودراما، ذلك النوع من الفن الراسخ رسوخ الجبال في السينما منذ ولدت في الوطن العربي على أرض مصر قريباً من نهاية العشرينيات، لم تتزحزح عنه أبداً طوال عمرها البالغ ستين عاماً بعد أشهر معدودات.

فنظرة طائرة على “الضائعة” و”الصبر في الملاحات” و”وصمة عار” تؤكد أن الميلودراما في أبشع صورها، لايزال لها التسلط على السينما عندنا، ولاتزال من ثوابت الجبال.
وأن المعركة التي دارت حول الميلودراما في المسرح أواخر عام 1926، أي قبل يوم ميلاد السينما بأشهر قلائل، وكان فارسها “سعيد عبده” الذي أعمل قلمه الحاد في جسم الميلودراما بقوله عن مسرحية “الصحراء” من تأليف “يوسف وهبي” وهو يخلط الجد بالفكاهة.

“غاب جحا عن أهله أعواما، ثم عاد وقد برح به الشوق إليهم، فسأل أول من طالعه على مدرجة الطريق، قال: أهم جميعاً بخير؟

قال: نعم، اللهم إلا كلبك الأمين، قال: ما خطبه؟ قال: أصابه سعر، فعض أخاك، فقتلوه. قال: وما فعل الله بأخي؟ قال: هلك، فماتت أمك حزناً عليه. قال :وارحمتاه لوالدي المسكين. قال: هوّن على نفسك، فأبوك قد أراحه الله من زمن، فقد قتله الحزن على أخيه الذي ذبحه اللصوص.

ولولا أن حجا المسكين أدرك غراب البين بضربة صرعته لزف له مصارع أهله أجمعين!”

(مسرح الدم والدموع. دراسة في الميلودراما المصرية والعالمية د. على الراعي (ص6) مطبوعات الجديد. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1973)

تلك المعركة لاتزال دائرة لم تحسم بعد لصالح أعداء ذلك الفرع من الميلودراما الذي يدور وجوداً وعدماً حول فواجع متراكمة متزاحمة في غير صدق، بل المحزن أنها لاتزال دائرة، وكأن أحداً لم ينطق ضد الميودراما المتردية في العقد الثالث وما بعده بشيء.

مذبحة الضائعة

آية ذلك أول الأفلام الثلاثة “الضائعة” لصاحبه المخرج “عاطف سالم”، فأبطاله وهم أربعة، “زينب” (نادية الجندي) تنتهي بها الخطوب إلى إدمان الهيروين ثم القتل بالجملة، أما الباقون: مطلقها وأبو عيالها (سعيد صالح) وزوجته الثانية وأمها الشريرة (تحية كاريوكا) فجميعاً يموتون برصاصات تنطلق من غدارة الضائعة في لقطات النهايات.

وهكذا وبفضل هذه المذبحة تحققت عدالة السماء كما جاء على لسان ناقد انبهر بالضائعة وفيلمها، فكال لهما المديح والثناء.  وثاني الأفلام “الصبر في الملاحات” الذي ألفه وأنتجه “سمير عبد العظيم) وأخرجه له “أحمد يحيى”- هوالآخر إذا ما استبعدنا “فيفي عبده” و”هياتم” و”عزت العلايلي” و”أحمد بدير”- ذو أبطال أربعة، ضابطة متخرجة في كلية الشرطة وتجيد الرقص (نبيلة عبيد)، وأم”مديحة يسري” تتبرع لابنتها الضابطة بإحدى كليتيها إنقاذاً لحياتها، ومجرم (سعيد صالح) سرعان ما نكتشف مع الضابطة التي كانت تجري تحقيقاً معه أنه شقيقها وأن أمها ليست أمها الحقيقية، وإنما سيدة أخرى (تحية كاريوكا مرة ثانية) كان قد ألقي بها وراء القضبان بمكيدة دبرتها لها (مديحة يسري) التي يتبين لنا من جريان الأحداث أنها كانت في سالف الزمان- قبل أن تتوب وتنوب- تاجرة مخدرات تنافس الرجال، ولها شأن كبير في دنيا الكيف والأعمال.

الوفاء والأمل

وأول ما يلفت النظر في فيلم ميلودرامي ساذج كهذا أنه- وعلى عكس الضائعة- افتعل نهايات توفيقية سعيدة، فالضابطة يعقد قرانها على الجراح منقذها، وشقيقها وأمها الحقيقية تكتب لهما النجاة من تيه السجون، وأمها غير الحقيقية تبقى أماً روحية لها من منطلق الوفاء لصنيعها . ولم لا؟

ألم تجدها لقيطة فآوتها وأحسنت تربيتها، ومنحتها كليتها، وفوق هذا جعلت منها ضابطة شرطة وراقصة في نفس واحد.

ولعل تلك النهايات السارة للناظرين، والتي هي تدخل في باب اللغو منها، في باب الفن الذي يحمل في طيه معاني، فيها بعض التفسير لظاهرة إقبال الجمهور العريض على مشاهدة “الصبر في الملاحات”.

فإذا ما انتقلنا إلى ثالثهم “وصمة عار”- وهو أحسنهم- لوجدنا أنفسنا أمام فيلم مأخوذ عن “الطريق” للأديب “نجيب محفوظ”، وهي قصة سبق التحول بها إلى عمل سينمائي من إخراج “حسام الدين مصطفى” وبطولة “رشدي أباظة” و”شادية” و”سعاد حسني”. وبطل الفيلم “مختار سيد الجميعي” (نور الشريف) رجل قد جاوز الشباب شيئا.

وها هو ذا بعد وفاة أمه التي كانت تعوله- هارباً من حياة خاصة في الإسكندرية كلها نكد وشر، مستقلاً القطار السريع إلى القاهرة بحثاً عن أبيه “السيد السيد الجميعي” الذي اختفى من ثلاثين عاماً أو يزيد، ولا دليل على سابقة وجوده على قيد الحياة سوى قسيمة زواجه من أمه وصورة عائلية قديمة.

وسرعان ما يتبين لنا بعد وصول “مختار” إلى المدينة البدينة، ونزوله في لوكاندة “القاهرة” المتواضعة، أن الشيء الأكيد بالنسبة له أنه حائر، قلق، مهموم. والسبب أنه لا يملك شهادة، ولا مهنة. ومن هنا سعيه إلى العثور على أبيه المختفي ابتغاء استرداد بعض ثقته بنفسه.

ميتة كلب

ولكن أحداً لا يدله على مكان أبيه، ولا يُلمح له بطريقة ترشد إليه، وإنما هو أمل يتبعه يأس، ويأس يتبعه أمل، وحيرة مهلكة لنفسه البائسة اليائسة، حتى إذا ما انتهت به رحلة العذاب إلى قتل صاحب اللوكاندة “خليل أبو النجا” (محمد توفيق) بتحريض من زوجته الشابة “كريمة” (شهيرة) وإلى اتهامه بقتل هذه الزوجة والاستيلاء على مالها ثم إلى غرفة الإعدام حيث رأى “عشماوي” مقبلاً نحوه ليحيط رقبته بحبل المشنقة، فعرف أنه الموت، قال هذه الكلمة التي ينتهي بها الفيلم “أبويا”.

الرقص على السلالم

ولم أعرض شيئاً من تفاصيل “وصمة عار” وإنما عرضت خلاصته في كثير جداً من الإيجاز، ولو قد عرضت تفاصيله لتنقلنا داخل عالم غريب، لا هو بالواقعي، ولا هو بالوهمي. وإنما هو شيء بينهما مليء بالرموز والغموض، يفاجئنا قربه وتدهشنا غرابته.

وفي الحق فالفيلم، كما القصة متأثر إلى حدٍ كبير بأدب “فرانز كافكا” ذلك الأدب الذي أظهر ما يمتاز به من الخصائص أنه يصورالقلق الذي يوشك أن يبلغ اليأس ويصور الغموض الذي يضطر القارئ إلى حيرة لا تنقضي.

ومن هنا سعى صاحب “وصمة عار” (أشرف فهمي) إلى استعمال لغة سينمائية غير مألوفة في الأفلام عندنا للتعبير عن هذه المعاني.

وعندي أنه كان في إمكان الفيلم أن يعلو شأنه سينمائياً لو أن صاحبه آثر أن يطوّع مشاهده بحيث يرتفع بها إلى مستوى الرموز في القصة، وابتعد عن الجنوح إلى جعله متجانساً مع نسيج الميلودراما السائدة، ذلك النسيج المجدب الذي لا يُجدي شيئاً.

والآن، إلى الظاهرة الثانية، وهي وليدة خيط رفيع يربط بين بعض هذه الأفلام، وهي بالتحديد “عودة مواطن” و”الضائعة” و”سكة سفر”.

ومما يحمل على التفكير العميق في هذا الخيط أن الأفلام الثلاثة قد جرى عرضها في فترة زمنية متقاربة لا تزيد على أربعة شهور، وأن “بشير الديك” كاتب سيناريو وحوار “الضائعة” هو نفسه مخرج وكاتب سيناريو وحوار “سكة سفر”.

فما هو هذا الخيط؟

عودة الابن الضال

قد يكون من المفيد هنا أن نبدأ بـ”عودة مواطن” بحكم أنه بداية الخيط، فنتوقف قليلاً عند وقائعه ونماذجه متأملين.

المواطن في هذا الفيلم هو “شاكر”(يحيى الفخراني) العائد من مدينة عربية في الخليج مع رصيد كبير من العملات الصعبة، هو مفتاح السعادة في الأرض، وسيارة فاخرة مكيفة الهواء محمولة إليه على ظهر عبارة جبارة، وشقة في عمارة شاهقة بحي راق بعيد عن بيت العائلة في حلوان تتحقق به الأحلام. والجهة العائد إليها هي القاهرة التي كان يتوهم أنها القاهرة نفسها التي تركها هارباً من الأيام منذ ثمانية أعوام، فإذا بها مدينة أخرى غيرها الانفتاح، وغيرها السلام، فهي تبدو لناظريه أرحب وأكبر بكثير من القاهرة التي عرفها قبل السفر، إلا أنها على الإجمال ازدادت مع كرّ الأيام ابتعاداً عن النظافة والجمال، عن الهدوء والنظام.

يبدأ الفليم بلقطات لاهثة مكثفة يتسم بها أسلوب المخرج “محمد خان” نتعرف بفضلها على الشخصيات الرئيسية من خلال رسم سريع لملامحها.

فما أن تلامس عجلات الطائرة أرض المطار حتى نتعرف على “شاكر” العائد إلى أرض الآباء بملء إرادته، حنيناً إلى المصدر، وشوقاً إلى الأهل والمنبت.

إنه من المتفائلين، الواثقين، ولم لا؟ والحقائب الكثيرة الكبيرة المنتفخة بالأشياء تحيط به في جمرك المطار مفصحة عن واسع الثراء، والدولارات هي العملة الوحيدة التي يتعامل بها مع مقتنصي الأرزاق من مقدمي الخدمات.

الكل ساقط

ولا نكاد ننتهي من التعرف على “شاكر” حتى تسبقه الكاميرا إلى بيته الكائن بضاحية حلوان، حيث نكتشف المكان الذي كان مسرح الطفولة والصبا والفتوة، فإذا به عبارة عن مبنى قديم من طابق واحد منعزل عن البيوت، مؤثث بأرائك وأسرّة ومرايا عتيقة تدل على أن عائلة العائد متوسطة الحال.

ثم نتعرف على البقية من أفراد العائلة بعد موت الوالدين أثناء غياب العائد، فإذا بهم أربعة أخوة.

وأول ظهور لأي منهم كان في المطبخ حيث نرى الأخت الكبرى “فوزية” (ميرفت أمين) وقد أوشكت على الانتهاء من إعداد فطيرة شهية.

إنها ربة بيت بمعنى الكلمة، تنهض على رعاية شئون أخواتها، تتفانى في حبهم والسهر على راحتهم، ليس لها من هواية في الدنيا سوى التفنن في صنع أحلى الحلويات.

والفيلم يعتمد عليها في مواجهة شقيقها العائد، فهي وهو البطلان، ومن حولهما أشخاص كثيرون لكل مكانه وأثره.

الأخت الصغرى “نجوى” (ماجدة زكي) تخرجت في الجامعة، تعمل مضيفة في أحد الفنادق الكبرى، اختارت بإرادتها الحرة زميلاً لها يعمل معها ليكون زوجها.

بل ذهبت في شق عصا الطاعة إلى حد الاشتراك معه في شراء شقة دون علم أحد من أهلها.

وأخ “إبراهيم” (أحمد عبد العزيز) هو الآخر تخرج في الجامعة، شارك في شرف العبور، ناله ما ناله بسبب ثغرة “الدفرسوار”، ينتظر خاملاً قرارالحكومة بتوزيع القوى العاملة على المصالح والمؤسسات.

وأثناء الانتظار الطويل الممل يحاول قتل الوقت مع الشطرنج وحبوب مهدئة تأتي إليه بنوم عميق، يتحول به إلى إنسان غير حافل ولا مكترث.

وأخ أخير “مهدي” (شريف منير) لايزال طالباً في الجامعة يهوى الحمام الزاجل، بنى له أبراجاً صغيرة فوق سطح البيت، يحنو عليه، يرعاه، يطير حاملاً الرسائل إلى بيت خاله القريب، هذا الخال (عبد المنعم إبراهيم) الذي هرم قبل الأوان، والذي نكتشف أن بينه وبين “مهدي” محب الحمام تواصلاً سياسياً سببه رحلة طويلة نحو آفاق بعيدة قام بها الخال، وانتهت به نهباً لأقسام الشرطة والمحاكم والسجون.

هكذا كان حال كل فرد من أفراد العائلة لحظة عودة عميدها الأخ الأكبر.

وسواء أكان هذا الحال طيباً أم خبيثا،ً فسيظل كما هو لا يطرأ عليه تغيير أو تبديل ذو قيمة بالنسبة للجميع باستثناء الأخت الكبرى “فوزية”.

لعنه الحلال

فقد كان سقوطها هي الأخرى مفاجئاً، لأن مجيئه كان بلا تمهيد من شخصيتها التي صيغت لنا في أول المشاهد واللقطات صياغة جعلت منها ربة بيت مشغولة بأخواتها وما يختلف عليهم من أحداث، مفتونه بشيء واحد يملك عليها حياتها هو صنع الحلويات.

ولو أن كاتب السيناريو، “عاصم توفيق” مضى في سائر الفيلم على النحو الذي مضى عليه في أوله بالنسبة لهذه الأخت، لأهدى إليها شخصية رائعة تجاهد وتضحي، ولا تشعر بأنها تجاهد وتضحي، وإنما تشعر بأنها تؤدي واجبها نحو عائلتها ونحو نفسها في أيسر اليسر.

ولكنه لم يلبث أن تعثر، فمضى بها هي الأخرى ضحية أخيرة للفساد.

فلا يكاد أخوها العائد يهديها مبلغ عشرة آلاف جنيه كي تحقق به حلم أن يكون لها محل تبيع فيه ما تصنع من حلويات، حتى تكشف أخلاقها عن مكنونها. فكانت الأثرة والأنانية والجري وراء المال والرجال.

وكأنه بذلك أراد أن يقول إن المال الناتج عن الجهاد والاجتهاد على امتداد الوطن العربي ليس مدخلاً إلى حياة بسيطة هادئة في أحضان مصر، وإنما إلى جحيم كل ما فيه نكر وشر.

و”زينب الضائعة” كما “شاكر” المواطن العائد تُبتلى بالعمل في أبي ظبي بلاءً شديداً.

العقاب.. لماذا؟

فها هي وحيدة في مستشفى بهذا البلد البعيد محرومة من فلذتي كبدها وزوجها في مصر، لا لشيء سوى أن تجمع قدراً من المال تشتري به شقة تكون لها ولعائلتها الصغيرة ملاذاً أخيراً.

ولكنها في خضم المهجر المتلاطم بشتى الأهواء والشهوات تتعرض لألوان من الشقاء تنتهي بها متهمة زوراً وبهتاناً بالشروع في إغراء طبيب كان قد سعى إلى الاعتداء على شرفها فباء سعيه بالخسران المبين، وثانياً بسرقة أنابيب أفيون مخصص لتسكين آلام المرضى ضبط بعضها مخبأ ضمن ما تملك من أشياء الحياة.

وطبعاً تشتد بها وتمتد أمواج الاضطهاد، فإذا بنا نراها مفصولة من خدمة المستشفى، عائدة إلى مصر لتجد نفسها فاقدة كل ما أدخرت من مال، بل الأدهى والأمر فاقدة الزوج والعيال، ومن بعدهم العافية والعقل.

وكأن صاحب السيناريو والحوار أراد أن يتخذ من “الضائعة” منبراً يقول منه إن من يقدم على مغامرة السفر والعمل في الوطن العربي ليأتي بمال قليل يكفل له حياة شريفة، لن يظفر بشيء، ولن يترصد له كل يوم سوى العار وسوء المصير.

نقطة مضيئة

وهذا نفس ما تغيّاه بفيلمه “سكة سفر” فبطله “زغلول” (نور الشريف) يعود من بلد عربي بعد غياب دام خمس أعوام قضاها بعيداً عن قريته الفقيرة المطلة على البحر، والتي يكدّ ويكدح أهلها في ملاحات وسط ظروف بالغة الصعوبة، لعل خير مثل على قسوتها ومرارتها “مسعود” (عبد السلام محمد) ذلك الأنسان الغلبان بجسمه النحيل المكدود بعمل بائس لا ينتهي، وتسول بائس لا ينقطع، والذي به يستهل الفيلم في أولى لقطاته حيث نراه يتسلل إلى عشة فراخ ظامئاً إلى بطة يتحقق له بسرقتها حلم التلذذ بالتهامها منفرداً. (هنا يلزم التنوية بدقة الرسم لشخصية مسعود وببراعة أداء الفرفور عبد السلام محمد لها)

واقعية أم عبثية

وعل كُلٍ فإذا ما تركنا تلك الشخصية الفرعية الشهية جانباً، وعدنا إلى “زغلول” الشخصية الرئيسية في الفيلم لوجدنا أمامنا كائناً كاريكاتوريا، بل قل مسخاً شائناً رسم بطريقة تتسم بالفكاهة .

ولكنها فكاهة مرة تضحك من حماقة هذا المواطن العائد وسخفه وضعفه وتعلقه بالمنافع العاجلة وانقياده للوهم.

فهو ما إن استقر به المقام في بيته عند أمه الداية “رتيبة”( عايدة عبد العزيز)، حتى خطط شيخ البلد “توفيق” (حسن مصطفي) للاستيلاء عل ثروته التي كسبها بعرق الجبين في الغربة، مستغلاً في ذلك رغبته الجامحة في الصعود والإثراء.

وبسذاجة منقطعة النظير ينساق “زغلول” إلى مصيدة الإغراء، فيسلم الشيخ ثروته، ويخطب ابنته الدميمة متنكراً لابنة عمه “نعيمة” (نورا) التي بادلته حباً بحب، وانتظرت عودته كما “بينيلوب” طويلاً.

وعندما يفيق من كل هذا يكون قد فقد كل شيء فإذا بحياته تمضي على شرّ حال، وإذا به يعد نفسه للسفر من جديد.

هذه هي الخلاصة الظاهرة للأفلام الثلاثة، وهي كما ترى يربط بينها خط فكري واحد، وهي كما ترى لا تدل على عمق الخيال، ولا على براعة في الابتكار، لأنه ليس من العمق، ولا من البراعة في شيء أن يقال إن السعي إلى تحسين الأحوال بالعمل الشريف في أرجاء الوطن العربي، هو السبب فيما فيه الناس الآن من اضطراب عام أدى إلى انتشار وباء التنافس والتباغض والاحتيال، وأن المال ثمرة هذا العمل بعيداً عن أرض مصر إنما هو مال موصوم ملعون مآله الضياع.

السينما العالمية بين أنياب الفك المفترس

لو اطلعنا على كل من “كتاب الفيلم السنوي-1987″ و”دليل الفيلم العالمي- 1987” لملئنا مما انطويا عليه من معلومات رعبا.

فالأول تقتصر أخبار السينما فيه على الأفلام التي جرى عرضها داخل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وما دار حولها من حواديت وأخبار أما ماعدا ذلك من أفلام فلا ذكر لها- حتى لو كانت من روائع السينما العالمية- سواء بالخير أو بالشر باختصار جعل أصحاب الكتاب منها نسياً منسياً.

ونظرة طائرة على الأفلام التي عرض الكتاب لها يتبين منها :

أولاً: إن معظمها من انتاج أو توزيع الشركات الأمريكية السبعة الرئيسية، ومعها شركة ثامنة إسرائيلية الهوية، اطلقوا عليها اسم ” كانون “.

ثانياً: أن السينما التي أبدعها صانعو الأطياف في الهند والصين الشعبية وجنوب شرق أسيا– وهي في مجموعها يشكل سكانها أكثر من نصف تعداد سكان العالم- هذه السينما لم تحظ بنصيب– ولو ضئيل – من زمن العروض على الشاشات الأمريكية والإنجليزية.

السود واليهود

ثالثاً: أن القارة السوداء لم يستطع المتفرج الأمريكي أو الإنجليزي أن يراها بعيون أفريقية، فلم يعرض على الشاشات سوى فيلم واحد آت من “مالي” اسمه “الريح ” بل إن أحداً من محرري الكتاب لم يتسع وقته لإلقاء نظرة سريعة عليه والكتابة عنه.

رابعاً: أن الأفلام المعبرة عن هذه القارة المبتلاة بثالوث الفقر والجهل والمرض، إنما عبّرت عنها من خلال عيون يهودية أمريكية “اللون القرمزي” لصاحبه “ستيفن سبيلبرج” و “الخروج من أفريقيا” لصاحبه “سيدني بولاك”.
خامساً: إن سينما الوطن العربي وما حوله من شرق أدنى ممتد من تركيا إلى باكستان مروراً بإيران، هذه السينما لم تُتح لأي من أفلامها فرصة الوصول إلى قلوب وعقول الملايين من الأمريكيين والبريطانيين.

سادساً: أن الفيلم الوحيد الذي نجح في التسلل إلى هذه القلوب والعقول بفضل شركة “اخوان وارنر” الأمريكية، فيلم اسمه “فيما وراء الجدران” لصاحبه المخرج الإسرائيلي “يوري بارباش”.

ومما قيل، ولايزال يقال عنه في مجال الإشادة به، أنه يعرض لمعاناة الفلسطينيين والإسرائليين في غيابات سجون أرض الميعاد.

سابعاً: أن أفلام أوروبا الشرقية التي جرى عرضها– وهي قليلة جدا– كان من بينها “عندما كان أبي غائباً في رحلة عمل” لصاحبه المخرج الشاب “امير كوستاريكا” المنحدر من عائلة مسلمة-وهو أول فيلم يوغسلافي يخرج من مهرجان كان متوجاً بجائزة السعفة الذهبية (1985).

ولعله من اللازم هنا أن نذكر ان هذا العرض العالمي قد أتيح له لا لشيء سوى أن شركة “كانون” الإسرائيلية قد بادرت إلى شراء حق توزيعه فور فوزه بالجائزة الثمينة المشتهاة.

رامبو- ريجان
ثامناً: إن الجمهور الذي شاهد أفلام “سيلفستر ستالوني” وحدها– وهي ثلاثة فقط لا غير- فاق بكثير الجمهور المشاهد لجميع الأفلام التي لعب دور البطولة فيها نجوم هوليوود من الرجال “روبرت ردفورد” و”جاك نيكلسون” و”كلينت ايستوود”، فضلاً عن نجومها من النساء الفائزات بجائزة الأوسكار مجتمعات “فستالوني” عارياً إلا من العرق المتصبب من أعلى الخصر في “رامبو 2” و”روكي 4″، مدججاً بالسلاح من أخمص قدميه حتى قمة رأسه في “كوبرا”، متحدياً الجاذبية والممكن كما “طرزان”، هازماً جميع جيوش الأعداء وحده، “ستالوني” هذا هو الذي حدد معايير النجاح والفشل، المكسب والخسارة، تلك المعايير التي خضع لها شباك التذاكر، والتزم بها بالنسبة لجميع الأفلام على مدار العام، مبرهناً بذلك أن أحداً لا يستطيع أن يقهر العضلات الهرقلية الجبارة إذا ما تحركت في عام الغارة الأمريكية على ليبيا.

تاسعاً: إن الأفلام التي على شاكلة “رامبو” و”كوبرا” مثل “فقد في المعركة” و”غزو الولايات المتحدة الأمريكية” و”كوماندو” و”قوة دلتا” لم تر النور إلا لأنها حسب رأي الناقد “هارلان كينيدي” (ص146) وليدة ذلك الشعور بالفشل الناجم عن الهوة المتزايدة بين المواقف السياسية المعلنة وبين الانجازات في أمريكا المعاصرة.
فلو كان مذهب “ريجان” القائم على مواجهة إمبراطورية الشر بالعنف ناجحاً في العمل كما في القول، لما كان ثمة حاجة لصناعة سوبر أبطال من بنات الخيال كما “رامبو” (ستالوني) ومغاوير (ارنولد شوارزنيجر) و(شك نوريس).

وهنا يحلو للناقد أن يذكرنا بدور المعوق المقطوع الرجلين في فيلم “كنجزراو” الذي يعتبر في نظر الكثير أشهر وأحسن دور أسند لرونالد ريجان طيلة الحقبة السينمائية من حياته الحافلة بالتناقضات.

التمييز العنصري

عاشراَ: إن ما عُرض من أفلام بلاد الشمس المشرقة لا يتجاوز في العدد أصابع اليد الواحدة، وذلك رغم أن السينما في تلك البلاد ولئن كانت قد ضلّت طريقها في السبعينات وبدايات الثمانينات، فإنها سرعان ما أستردت أنفاسها، وسرعان ما احتلت مكان الصدارة في ساحة الفن السابع منذ عامين أو يزيد.

ولعل الفضل في ذلك يعود إلى شيخ مخرجيها “اكيرو كوراساوا” مع كوكبة ملهمة من مبدعي الأفلام أمثال “ماساهير شينودا” صاحب “جونزا الرماح” الفيلم المتوج بجائزة مهرجان برلين الأولى (1986) والذي عرض في مهرجان القاهرة الأخير، و”يوشيشيجي يوشيدا” صاحب “وعد” و”يوشيميتز موريتا” صاحب “بعد ذلك” و”الموت في توكيميكي” و”يوجيرتاكيتا” صاحب “مجلة هزلية” و”كايزو هاياش” صاحب “النوم من أجل الحلم”.

وقد يكون من الخير هنا أن نلاحظ أن أصحاب الكتاب قد اعتبروا “فوضى” فيلم “كيروساوا” الأخير واحداً من أهم أفلام العام، أدخلوه ضمن أحسن أربعة عشر عملاً سينمائياً لاقت استحسان النقاد أو الناس أو الإثنين معاً، وهي “حنا وشقيقاتها” (وودي آلن) “اللون القرمزي”، “قبلة المرأة العنكبوت” (هيكتور بابنكو)، “مبتدئون تماما” (جوليان تمبل) “في قاع بيفرلي هيلز” (بول مازورسكي)، “رامبو 2” (جيمس كاميرون)، “روكي 4” (ستالوني)، “شرف بريزي” (جون هوستون)، “بعد ساعات العمل” (مارتين سكورسيزي)، “العودة إلى المستقبل” (روبرت زيمسكي)، “البرازيل” (تيري جيليام)، “حد خشن” (ريتشارد ماركان) ثم “الخروج من أفريقيا”.

والفيلم الأخير كان مرشحاً مع “فوضى” للعديد من جوائز أوسكار (1986).

ومن عجب أنه هو الذي كتب له أن يخرج من مضمار أوسكار الدامي متوجاً بسبع جوائز، من بينها جائزتا أحسن فيلم وأحسن إخراج.

في حين أن فيلم “كيروساوا” لم يقدّر له أن يفوز إلا بجائزة واحدة يتيمة (الملابس) تفضل بها المسنون المتحكمون في شئون أكاديمية السينما الأمريكية تفضلوا بها على المخرج الياباني الكبير.
وهنا قد يكون من المفيد الوقوف قليلاً عند هذين الفيلمين، كيما نرى كيف تخطيء هوليوود الحساب.

أنفقت عاصمة السينما على “الخروج من أفريقيا” ستة وعشرين مليون دولار. ومع ذلك جاء الفيلم خلواً من السحر والسر اللذين بدونهما لا يمكث العمل الفني في الذاكرة، خلواً من تصوير أفريقيا إبان الربع الأول من القرن العشرين على الوجه الذي نحب.

أما “فوضى” فلم ينفق عليه سوى نصف هذا المبلغ من الدولارات أو ربما أقل قليلاً، ومع ذلك فهو آية من آيات الفن السابع التي نتجمل بها، نحيا بزادها طويلاً.

وعلى كُلٍ ففي فيلم “بولاك” تمثيل النجمة اللامعة “ميريل ستريب” دور كاتبة القصة “ايزاك دينيسن”  المنحدرة من أصل دانمركي، والتي شدّت الرحال إلى كينيا قبيل إندلاع نيران الحرب العالمية الأولى بأشهر معدودات، لا لشيء سوى أن تبدأ حياة جديدة مع زوجها البارون “براو بليسكن” (كلاوس ماريا برانداور) في ضيعة لزراعة البن اشترياها بغرض الاستقرار والاستعمار.
أغنية البجعة

غير أنه ما إن لمست قدما البارونة “كارين بليسكن” أو “ايزاك دينسن” أرض الضيعة، حتى انتصبت أمام عينيها أفريقيا شامخة في كبرياء، حتى سمعت تغاريد تخرج من فم القارة العذراء، يرددها صوت رخيم انخطفت بحزنه، شعرت به مجهداً، مودعاً الحياة، فأحست بقلبها ينعصر وعينيها تغيمان.

وكان أن أسرعت بتدوين ما سمعت، تحولت به في نهاية المطاف إلى أنشودة تبكي مرارة الفراق والفقدان.

والفيلم مستوحى بتصرف من كتاب “ايزاك دينيسن” الذي أعطته اسم “الخروج من أفريقيا” وهو عبارة عن ذكريات وباقة من الحكايات، ضغطت الزمن فيها وأعادت تشكيله ، دمجت الوقائع بحيث لم تبح فيه إلا بالنزر اليسير من الأسرار. لم تسجل منها إلا مقاطع لا تصلح للدلالة فقط عن أحاسيسها في دورة حياتها التي قضتها في ربوع أفريقا تسمع التغاريد الأخيرة.
ومهما يكن من شيء، فبفضل “كورت بوتكيه” كاتب السيناريو والحاصل على الأوسكار عنه، ملئت الفراغات في هذه الذكريات والحكايات، وبفضل “بولاك” صاحب “إنهم يقتلون الجياد.. أليس كذلك” خرج الفيلم في شكل قصة كاملة متكاملة، وفي صورة مشاهد مرسومة رسماً مدهشاً. تنهض على أقل القليل من الحوار.

حلاوة زمان

وهو يبدأ بالبطلة وحيدة لا تغمض لها عين، تستعيد حلماً بعيد المنال، تتصور أفريقيا بمروجها وغاباتها، بوديانها وجبالها تناطح بجلالها السحاب، تتصور حبها الأول والأخير.

ثم يلتفت الفيلم إلى الوراء، إلى ماضيها حيث نراها في كينيا تستقبل حياتها الجديدة بوجهها الناعم الهادئ، بعينيها الزرقاوين الواسعتين اللتين لم تفقدا بعد حلاوة الحياء.

ومع ذلك فثمة مسحة من الحزن والألم المكبوت تطفو على سطح هذا الوجه الجميل. لماذا؟

لأن الأقدار قد جمعتها في رباط يعز فكه مع رجل “برانداور” لا يجمع بينها وبينه أي جامع، لا الذوق ولا العقل، ولا المزاج ولا العاطفة.

فما من لذة في الكون تفوق في اعتباره، لذة الاستمتاع بالمال والنساء، وهي من هذه السوقية في جحيم.

ثم كان ماكان، غيّرت أفريقيا مسار حياتها، دفعت نفسها المتعطشة إلى الهدوء والبساطة والصفاء، دفعتها دفعاً إلى حب الأرض والناس.

اعتمدت على إخلاص خادمها الصومالي الأمين “فرح”، وعلى صداقة رائدين لا يستقران، لا يتقبلان الحياة كما هي، يبحثان عن المجهول دوماً.

وكان لأحدهما “فنسن هاتون” (روبرت ردفورد) منزلة خاصة، كان أرستقراطي الطباع، طياراً، بطلاً في الحرب، رياضياً، مولعاً بالصيد.

وكان كلما اقتربت منه زاد من الابتعاد.

ولكن لا دوام لنعيم مقيم على الأرض. فبعد أعوام من السعادة أفلست المزرعة، مات “هاتون” فارس الأحلام أصابها الزوج البارون بالزهري، تركت الفردوس مهزومة، أقرب إلى حطام .

واذا كان فيلم “بولاك” هكذا فهو لا يعدو أن يكون في جوهره حنيناً واشتياقاً إلى أيام كانت فيها أفريقيا فردوساً يسود فيه البيض السود.

الاتحاد قوة

والآن إلى “فوضى” الذي جاءت فكرته “كيروساوا”، وهو يعيش في كوخه المحبب إلى نفسه، والمطل على جبل “فوجي” بمنظره الخلاب بعد أن فقد شريكة حياته الممثلة “بركوياجوش” كيف؟

منذ عشرة أعوام إلا قليلاً، وأثناء شتاء برده قارص شديد، أخذ “كيروساوا” يتذكر حكاية شهيرة من التاريخ الياباني القديم، بطلها لورد محارب اسمه “موري موتوناري”.

وما أن اكتملت في ذهنه صورة هذا اللورد، حتى بدا وكأنه من لحم ودم، وحتي بات لا يفارقه.

فما هي الحكاية؟

كي يوضح لأبنائة الثلاثة مزايا أن يكونوا يداً واحدة، وصوتاً واحداً، أمسك اللورد “موري” بسهم منفرد وشرع في كسره فانكسر، ثم أمسك بثلاثة أسهم مجتمعة محاولاً كسرها، فلم يفلح.
وفهم الأبناء المقصود بالرسالة، عاشوا بحكمتها سعداء ولكن سؤالاً ظل يطارد “كيروساوا” ماذا كان يمكن أن يحدث لأسرة اللورد “موري” فيما لو لم يستمع الأبناء للنداء، فتفرقوا وأصبحوا أعداء؟!

وهنا شرد به خياله إلى العجوز “لير” وبناته “جونريل” و”ريجان” و”كورديليا” في مسرحية شكسبير.

ولادة رائعة

ومن داخل نفسه المولعة بالأديب الإنجليزي الكبير من داخل ما ترسب فيها على مدى السنين تذكر فيلمه “قلعة خيوط العنكبوت” أو “عرش الدم” (1957) المستوحى من مسرحية “ماكبث”.

تذكر كيف ازدادت “ليدي ماكبث” اندفاعاً بجنون الطموح، بقوة تداعي الأحداث، ومنطقها إلى مزيد من القتل والإيغال في الجريمة وأوحالها.

كيف اغتالت النوم بحيث لا تستطيع أن تفلت من حمى الأرق إلا إلى كابوس دائم لا يقتصر عذاب العيش فيه عليها وعلى زوجها بل يشمل الجميع مذنبين كانوا أم أبرياء.

وبفضل هذه الافكار والمؤثرات التي اتصلت بفكره، وبفضل وشوشات لم يكن يحسب لها أي حساب، تحولت بنات “لير” الثلاث إلى أبناء ثلاثة للورد “هيديتورا” وتحولت “ليدي ماكبث” إلى زوجة الابن الأكبر “ليدي كايدي”.

وما أن اكتملت في ذهن المخرج الكبير صورة هذا اللورد، وهذه الليدي، حتى بات من السهل عليه أن يخلق الظروف التي تمكن من كشف ما في نفسيهما ومن فضح ما في الحياة التي تكرّ حواليهما من بشاعة وغثيان.

وفي أقل من شهر انتهى مع معاونية من كتابة سيناريو “فوضى” الذي ظل بأطيافه حبيس الأدراج، أسير الظلام زهاء تسعة أعوام.

وبغتة جاءه الفرج في صورة ممول يحمل في حقيبته المال اللازم للإبداع .

وما أن اكتمل الإعداد للتصوير، وأخذت الكاميرات في الدوران حتى بدأت ملامح اللورد “هيد يتورا- لير” (تاتا سويا ناكا داي) و” الليدي كايدي” ( ميكوهارادا) تبرز كما من خلال الضباب، ثم لم يلبث الضباب أن أنقشع  وإذا أمامنا فيلم يعكس كمرآة الفوضى التي تشوب العلاقات الاجتماعية.
عالم يشتعل

فكل أنواع الولاء التي يرتهن بها الاستقرار كولاء الرعية للحاكم، والولد لأبيه، والزوجة لزوجها، والخادم لسيده، ها هي ذا على الشاشة العريضة تتفكك، تتهاوى حتى تذوب وتتلاشى.

فليدي “كايدي” وزوجها “جيرو” وشقيقه “تارو” ابنا اللورد العجوز، إنما هم من عالم بعيد انقطعت صلته بالإنسان، هم أقرب إلى قوى فوضى أطلق لها العنان.

وعكس ذلك الابن الاصغر”سوبارو” والبهلول المتدثر بثياب النساء، فالصلة لم تنقطع بينهما وبين قيم الولاء ولعل خير وصف لهذا الزمن الموغل في القدم الذي أبدع تصويره “كيروساوا” في كل لقطة كبرت أم صغرت من فيلمه الأخاذ! لعله ذلك الوصف الذي جاء على لسان أحد الأبطال: “وإذا الحب يفتر، والأصدقاء يتمردون، والإخوة ينقسمون، الشغب في المدن، والفتنة والخيانة في القصور.

لقد انقضى أفضل ما في زماننا، وراحت المؤامرات والنفاق والغدر وضروب الشغب الهدّام تتعقبنا بضجيجها حتى القبر.

الفلك المترنح

وختاماً فالأكيد أن “كيروساوا” قد اتخذ من”هيديتورا” ترجماناً لأفكاره، فصوّر ما كان من شأنه مع أبنائه الثلاثة وزوجة ابنه الأكبر “ليدي كايدي” خلال الأيام العصيبة التالية لقيامه بتوزيع ما يملك من متاع الحياة الدنيا على الأبناء الثلاثة، جاعلاً منه رجلاً عجوزاً بلغ من العمر ثمانين وزيادة، رجلاً مستبداً، ولكن مستنير الفكر والقلب.
تبدأ مأساته حيث تنتهي عادة المآسي، تبدأ وكأنه في اللحظات الأخيرة من رحلة العمر، في حين أن تلك الرحلة لم تبدأ بعد، وأن أمامه ليالياً سوداء طوالاً، كلها بؤس وعسر.

وجعل من ابنائه وزوجته الأكبر سناً نماذج لشتى النزعات البشرية من الشهوات الجامحة إلى الطهارة المطمئنة. ومع ذلك فلا أحد منهم مطلق في خيره أو في شره، فحتى “ليدي كايدي” التي تجمع في شخصيتها شر “جونريل و”ريجان” و”ادمون” في ” الملك لير” مضافاً إليها شر “ليدي ماكبث” و”ياجو” المتآمر الحسود في “عطيل” حتى هذه المرأة المتحجرة والتي تعتبر في الفيلم رمزاً للشر، أو هكذا تبدو لنا، نشعر نحوها ببعض التعاطف لأننا نحس أن ما بها من تشويه يدفعها إلى السعي لتدمير كل من كان منها قريب، إنما سببه فوضى أسلوب الحياة في قصور، هي في حقيقة الأمر قبور، تلك الفوضى التي أطلقت أبشع غرائزها، حطمتها جعلت كل ما حولها خراباً يباباً.

لقاء

وبعد، فإذا كان لكل ما تقدم مغزى، فهو أن السينما عند مصنع الأحلام في هوليوود موظفة لخدمة السياسة، ومن هنا غلو أصحابه في تقدير “الخروج من أفريقيا” وغلوهم في عدم تقدير “فوضى” غلواً شديداً.

والآن، وقد طال الكلام عن “الكتاب” إلى حد الإملال، فلا مفر من الاعتذار، وتأجيل الكلام عن “الدليل” إلى لقاء قريب.

قضية المرأة ومكانتها في سينما العالم الثالث

للنساء وضع خاص يتميزن به عن سائر الفئات الاجتماعية الأخرى، وذلك بحكم أنهن  ينتسبن  إلى وحدات قابلة للعزل فكما هو معروف هن نصف لكل شامل: الجنس البشري، وإذن فوجودهن أمر جوهري، بل لازم وليس له بديل ومن ثم لا يمكن أن يتماثل استغلالهن مع استغلال غيرهن من الفئات الاجتماعية، بل لابد أن تختلف الطرق والوسائل.

وعن ذلك قالت بحق جولييت ميتشل في مقال لها “النساء أطول ثورة”: إن الوجود الإنساني يرتهن بهن، لا يتصور بدونهن، ومع ذلك فهن أضعف الخلق، مجرد كائنات هامشيات فيما يُسند إليهن من أدوار اقتصادية واجتماعية وسياسية.

ومهما يكن من الأمر، فهذا الجمع بين اللزوم والهامشية في آن واحد، هو الذي أدى- مع عوامل أخرى- إلى كارثة فقدان النساء للحرية، ولما كان قائماً بين جنسهن وبين جنس الرجال من مساواة في سالف الزمان.

فإذا ما انتقلنا إلى عالم الأطياف في السينما، فسنكتشف أن أول فيلم روائي في تاريخ الفن السابع كان من إخراج امرأة اليس جي (1896)، ورغم ذلك فالإبداع السينمائي في معظمه كان، ومايزال، من صنع الرجال.

ومن هنا غلبة الفكر القائل بأن النساء أقل من الرجال عقلاً، وبأن من الحق عليهن أن يخضعن لسيادة الرجال، غلبته على ما تنتجه مصانع الأحلام من أفلام أو بمعنى أصح ركام لا نفع فيه، لاسيما في الدول المسماة بالنامية.

فمثلاً منذ مائة عام أو يزيد، وبالتحديد عام 1873- أي قبل اختراع السينما- اهتم العلامة المصري رفاعة رافع الطهطاوي بالمرأة، طالب بمساواتها بالرجل على أسس علمية، حتى إنه قال “فإذا أمعن العاقل النظر الدقيق في هيئة الرجل والمرأة، في أي وجه من الوجوه، في أي نسبة من النسب، لم يجد إلا فرقاً يسيراً، يظهر في الذكورة والأنوثة، وما يتعلق بهما، فالذكورة والأنوثة هما موضع التباين والتضاد”.

ومع ذلك، فأول فيلم مصري روائي طويل يعرض في القاهرة (16 نوفمبرعام 1927)، وهو ليلى الذي أخرجه استيفان روستي وانتجته ومثلته عزيزة أمير قد تناول قصة بطلته على الوجه الآتي: إنها فتاة جميلة يتيمة، يكفلها عمدة قرية صغيرة على مشارف الصحراء، يزور القرية الثري المعروف رؤوف بك، فيرى البدوية الحسناء ويراودها عن نفسها تعرض عنه لأنها وهبت قلبها لجارها الشاب البدوي الشهم أحمد الذي يعمل دليلاً للسائحين. وتشاء الصدف أن تزور القرية سائحة متحررة تهيم بأحمد وتغريه بالرحيل معها بعيداً إلى البرازيل ثم تطرد ليلى من القرية، بعد اكتشاف أنها حامل من أحمد. وفي الطريق، وبينما هي وحيدة منبوذة، يقف لها رؤوف بك بعربته الفارهة منتظراً أن يصطحبها إلى قصره المنيف حيث النهاية السعيدة بالزفاف.

وقد يكون من الصعوبة بمكان تصور قصة بمثل هذا القدر من التفاهة والبعد عن الواقع، والحط من شأن المرأة، ومع ذلك فهذه النظرة المتخلفة للمرأة، مايزال لها السيطرة على صانعي الأفلام في مصر.

فهي في الغالبية الغالبة من أعمالهم كائن ساذج أو أبله، ضعيف معتدى عليه أشبه بالحيوان أو الطفل الكبير، وكل هذا يحيطونه بهالة من التمجيد والتعظيم.

ولا غرابة في استمرار هذه النظرة حتى الآن واستفحالها، فثمة ردة ثقافية وعلمية وأخلاقية خطيرة أدت حسبما جاء في تعليق للدكتورة نوال السعداوي على مقالة صرخة للدكتور زكي نجيب محمود إلى “اختناق عقول عدد من النساء والرجال داخل زنزانة الجنس المحدود المعنى، القاصر على فكرة واحدة ناقصة تختزل كيان الرجل والمرأة إلى مدلولات جنسية فحسب.

وعن هذه الردة كتب الدكتور سيد عويس في كتابه حديث عن المرأة المصرية المعاصرة ما يأتي: “إذا قرأ شخص من الأشخاص ما يكتبه الكثير من الأدباء المصريين عن المرأة المصرية يقرأ عجباً. وإذا استمع شخص آخر لما يذيعه بعض المذيعين أو الإذاعيين المصريين عن المرأة المصرية، يستمع لأمور لا تتصل بالواقع الحي لمجتمنا بسبب أن المرأة المصرية في آراء أولئك وهؤلاء، كما يقول فرويد لغز محير، وهي شخص لا يمكن أن يُفهم، بل يجب أن لا يُفهم، وهي شخص يحاول هؤلاء المصريون الذكور أن يخلعوا عليه صفات الذكاء أحياناً والبلاهة أحيانا أخرى.. وصفات الكذب والبهتان أحياناً والمراوغة وعدم الصراحة أحياناً أخرى.

والسينما المصرية المعاصرة في عرضها للمرأة ومشاكلها، تكاد تكون مرآة تنعكس عليها هذه الكتابات والإذاعات. فأدوارها، وبغض النظر عن الموقع الذي تشغله في الحياة الاجتماعية، إنما تنحصر أولاً وقبل كل شيء في إطار علاقتها بالرجل.

فهي في عدد لا حصر له من الأفلام أنثى ليس إلا، ينظر إليها باعتبارها تابعة للرجل، وليس نصفه الآخر المكمل له، باعتبارها كائناً يدور في فلكه بغرض الإرضاء له. وذلك بحكم أنه المولى والسيد المُطاع في الحق والباطل.

والأمثلة على ذلك كثيرة، فالست أصيلة (أمينة رزق) في فيلم العار (1982) لصاحبه المخرج علي عبد الخالق ـ وهو واحد من أنجح الأفلام تجارياً ـ تبجل زوجها إلى حد العبادة، تعمل على توفير الراحة له والسعادة، فإذا ما تبين بعد الممات أنه كان يتاجرفي المخدرات، فلا فرق عندها ولا تمييز، فهي تغضب من ابنها كمال (نور الشريف) إلى يوم القيامة لأنه أعلن حقيقة مهنة أبيه، متطاولاً على سمعة كبير العائلة.
وروقة (نورا) زوجة كمال في نفس الفيلم لا تناقشه فيما يفعل أهو حلال أم حرام. والمتعة عندها أن توفر له احتياجاته وتدغدغ حواسه كإعداد الأكلة الشهية والقعدة الطرية وغسل القدم، وبصوت منكسر فيه من الذل والمسكنة الشيء الكثير تقول له “أنا ملك إيدك”، وتقول عنه إنها “خائفة عليه من العين والمستخبي”، ويصل بها الانحدار والانسحاق إلى بذل حياتها من أجل عملية تهريب، مضحية بكل شيء بطريقة أقرب إلى العبث.

وتتكرر الصورة المهينة في أريد حلاً (1975) لصاحبه المخرج سعيد مرزوق ولا عزاء للسيدات (1979) لصاحبه المخرج هنري بركات.

فدرية (فاتن حمامة) في الفيلم الأول ـ ورغم حماقات شريك حياتها ومنغصاته ـ زوجة وديعة مطيعة، متسامحة.

وكذلك حال راوية (فاتن حمامة) في الفيلم الثاني، فهي تتحمل صابرة جميع نزوات زوجها وثورات غضبه، لا شغل ولا مشغلة لها سوى السهر على راحته.
ويمتد الهوان إلى صديقاتها إلى حد أن إحداهن تعبر عن انقيادها بقولها “وهي الواحدة تساوي حاجة من غير جوزها”.

على هذا النحو المحقر للمرأة، المؤكد لخضوعها، المثبت لاستمرار عبوديتها بدأت السينما على أرض مصر في النصف الثاني من العشرينات، وما تزال لا تريد أن تتخفف من أثقال الأوهام والتقاليد.

حقاً ثمة أفلام مصرية قليلة تضامنت بعض الشيء مع المرأة، ولكنها جاءت باهته لا تقدم ولا تؤخر، وذلك لأن تضامنها كان من منطلق التعاطف الميلودرامي ليس إلا، ودون أية محاولة للاقتراب من قضية تحرر المرأة باعتبارها معركة طويلة ومريرة.

وقد يكون مرد ذلك إلى أن أصحاب هذه الأفلام ليسوا ممن يمكن أن يلتزموا بما يبدعون، ويحتملوا التبعات المادية والأدبية.

وهنا قد يكون مناسباً لو اخترت فيلمين من بلدين ناميين مختلفين كل الاختلاف، مرّ أولهما بثورة عاتية عصف إعصارها بالقديم، وعاش ثانيهما في ظل ديكتاتورية عسكرية، وتحت وطأة أحكام عرفية قوامها الذل والهوان، وذلك للتدليل بهما على أهمية أن يكون مبدع الفيلم ملتزماً، محتملاً للتبعات، إذا ما كان يريد أن يقول قولاً مفيداً في قضية المرأة، يرتفع بمستوى الوعي بضرورة تحررها حتى تتحقق لها المساواة مع الرجل.

وهذان الفيلمان:

لوسيا (1968) رائعة المخرج الكوبي أومبرتو سولاس والطريق (1982) لصاحبه المخرج التركي يالمز جوني.

والفيلم الأول يتكون من ثلاثة أجزاء منفصلة تماماَ، كل جزء يصور حياة امرأة اسمها لوسيا خلال ثلاث أحقاب تاريخية، تشكل خلفية لها ثلاث طبقات هي “الأرستقراطية، و”البرجوازية، والفلاحون”.

أما الفيلم الثاني فيتكون من خمس قصص لخمسة سجناء أطلق سراحهم لمدة أسبوع واحد.

وكل قصة تصور ما دار لكل واحد من مآس، وما اقترف حولهم من آثام لا تحصى ولا تقدر.

ولوسيا الجزء الأول تقع أحداث مأساتها خلال عام 1895، أي أثناء حرب التحرر الوطني ضد أسبانيا.

والأسلوب والموقف في هذا الجزء، كلاهما مستوحى من “شعور” فيلم المخرج الإيطالي لوكينو فيسكونتي وقصته التي تدور حول امرأة إيطالية أرستقراطية ذهب بها جنون الحب لضابط نمساوي إلى حد خيانة ابن عمها ووطنها إبان الحرب ضد إمبراطورية آل هابسبورج من أجل وحدة إيطاليا.

ولوسيا هي الأخرى عندما تقع في حب رفائيل ـ وهو عميل أسباني ـ فإن جنون هذا الحب يذهب بها إلى حد إرشاده إلى بيت العائلة الذي تحيط به مزرعة بن مختبئة في حضن جبل حيث قيادة الثوار، ومن بينهم شقيقها الوحيد.

وطبعا يكشف رفائيل الذي افتعل اللقاء والحب ابتغاء الوصول إلى هذا الهدف موقع المزرعة للقوات الأسبانية، فيتم القضاء على الثوار في معركة ضارية يخر فيها شقيق لوسيا صريعاً.

وها هي مدفوعة بشهوة الانتقام، تطعن الرجل الذي خدعها، حتى إذا ما جرت بعيداً عن جثته الهامدة، رأيناها امرأة ضائعة في طريقها إلى جنون أكيد. إنها في كلمات، ضحية قوى لا تدري من أمرها شيئاً كانت تعيش قبل اللقاء الذي دمرها، وكأنها في مصيدة داخل عالم خانق بالتفاهات، ولغو حكايات العجائز والترهات، تحاول الفرار منه إلى البديل الوحيد المتاح لمن كان في مثل وضعها الاجتماعي وزمنها، وهو بديل مجدب لابد وأن ينتهي بمن تجنح له إلى نهاية فاجعة.

فلقد اختارت الحب والهيام بحسها وقلبها، مستلهمة خرافة تحقيق الذات الرومانسية “كل ما أريده هو أن أعيش سعيدة ولم تختر بعقلها، فيا بئس ما اختارت”.

ذلك إنه فاتها أنها تعيش في عالم كوبا الهش المعذب بالتخلف بعيداً عن أوروبا، وأنها بعشقها الرومانسي وأساليبه، قد غدت تقليداً غير طبيعي لأشكال مستعارة من الخارج لا أمل فيها ولا خير.

والمخرج سولاس في هذا الجزء من فيلمه يفرض تصوره للمرأة واضطرابها في هذا المجتمع التابع، المفتقد الأصالة، والذي هو في سبيله إلى زوال، يفرضه من خلال أسلوب انتقائي، عنيف، متسم هو الآخر بقدر من الاضطراب، بل قل من خلال أكثر من أسلوب. فهو، والحق يقال، يسوح بنا داخل عديد من المدارس السينمائية المعاصرة. فرحلة لوسيا إلى المزرعة، مخترقة غابة استوائية معتمة بالضباب  والأمطار، وما حدث خلالها من معارك، كل ذلك فيه من أسلوب المخرج الياباني كيروساوا الشيء الكثير.

وعلاقة لوسيا برفائيل بما أنطوت عليه من تداخل بين السياسة والعشق، هذه العلاقة نرى مشاهدها متناغمة بفضل لقطات أودع فيها المخرج سولاس العديد من التنهدات والتحركات المهتاجة والنظرات الثابتة المحملقة، والموسيقى المرتجفة، متأثراً في كل ذلك بأسلوب فيسكونتي في مرحلته الأخيرة الأوبرالية.

وبين الحين والحين يقطع المخرج سولاس هذه المشاهد منتقلاً بنا إلى أرض خراب محلقة في سمائها طيور نهابة، مما يذكرنا بمشاهد شبيهة في فيلم مخطوط ساراجوزا رائعة المخرج البولندي فوشيك جيرزي هاس.

ومع لوسيا في الجزء الثاني، نجد الأيام، وقد دارت دورتها بالأحداث من نهاية الربع الرابع من القرن الماضي إلى بداية ثلاثينات القرن العشرين وبالتحديد عام 1933، أثناء وما بعد سقوط الديكتاتور ماخادو.

ومن خلال أسلوب خافت هادئ يذكرنا بجول وجيم رائعة المخرج الراحل فرانسوا تريفو أو تيريز ديسكرو فيلم جورج فرانجو المستوحى من قصة فرانسوا مورياك، تستظهر لوسيا وقائع حياتها مع الدو، وهو شاب ثوري كرّس حياته حتى الممات لإسقاط نظام حكم ماخادو ومن بعده باتستا عندما خان بدوره رسالة الثورة.

وشخصية لوسيا هذه قد التمسها المخرج سولاس في أعمال عالم البرجوازية الأنيق المتفسخ، جعلها تفر منه إلى أحضان الدو الثائر. وعشقها هذه المرة عكس عشق لوسيا القرن الماضي تماماً، إنه مساير لحركة التاريخ.

ومع ذلك، ورغم أنها خطت خطوات واسعة نحو حريتها الشخصية، تاركة وراءها عالم أسرتها العقيم النرجسي إلى غير رجعة، لتعمل في مصنع للسيجار، متزعمة مسيرة احتجاج نسائية ضد النظام، إلا أنه كان لزاماً عليها، وحتى تسترد كامل حريتها، أن تكمل المشوار، تسير في دروب شاقة قاسية، فزوجها الدو هو الذي يتكلم ويحارب ويموت في الشارع برصاص جند باتيستا، أما هي فملتصقة به، وفيّه له “سأتبعك، أنا زوجتك يا الدو”، تحمل طفلها منه، ومن بعد موته تقاسي وحدها.

وليس محض صدفة أن ينهي المخرج سولاس هذا الجزء من فيلمه بوجه لوسيا يملأ الشاشة، وهو ينظر نظرة غامضة، وعليه مسحة من جمال مبهم، الأمر الذي يذكرنا بوجه أنا كارينا في (فيلم تعيش حياتها) لصاحبه المخرج الفرنسي جان لوك جودار.

وأغلب الظن أن هذه اللقطة الأخيرة، إنما أراد بها المخرج سولاس أن يتأمل حال لوسيا، وأن يجعلنا نتأمل معه ما هو غامض من أمور المرأة في تلك الحقبة.

وعلى كُلٍ فلوسيا في هذا الجزء تبقى بعيدة، موضوعاً للتأمل والتأمل فحسب، دون أن تصبح أداة لتغيير التاريخ.

وتدور أحداث الجزء الثالث والأخير من فيلم لوسيا في ربوع ريف كوبا ما بعد الثورة. وأسلوب المخرج هذا يتسم بنبرة خفيفة، كوميدية، ساخرة بالذات، من خلالها يحكي صاحب الفيلم حدوتة لوسيا وتوماس.

وهي حدوتة تبدأ بهما في عش الزوجية حيث يقضيان الوقت كله في السرير، حتى يتفجر الموقف عندما يُطلب إليهما أن ينهيا شهر العسل، ويتوجها إلى الحقول للعمل.

هنا لم يكتف توماس بالتمرد ومنع زوجته لوسيا من الخروج إلى العمل، بل ذهب مدفوعاً بغيرة مجنونة إلى حد إجبارها على البقاء محبوسة في البيت بسد النوافذ بألواح خشبية، وغلق الأبواب بالمزاليج، فإذا ما جأرت بالشكوى وقالت إنه يعتدي على روح الثورة أجاب بخيلاء “أنا الثورة”. وعلى كُلٍ، فبفضل مدرس شاب أرسلته حكومة هافانا إلى الريف في حملتها على الأمية، تنجح لوسيا في الفرار من سجن الزوجية.

لكن توماس يتعقبها في المستنقعات حيث تعمل مع نفر من النساء، وعندما تراه تجري منه هاربة، فيتعقبها، وتضامناً معها تتعقبه زميلاتها، وطبعاً لا ينتهي إلى غايته منها، وينتهي الفيلم بهما في حالة شجار وحب وصراع من أجل العثور على مخرج لحياتهما من بين خيوط تشابك فيها القديم بالجديد على وجه شديد التعقيد.

وهذا الشكل الواقعي الكوميدي الذي اختاره المخرج سولاس لهذا الجزء الثالث والأخير من فيلمه يتناسب تماماً مع الحياة في مجتمع ثوري.

فالكوميديا هنا إنما توحي بأن الصراعات الدائرة بين الجنسين والأجيال والذات والجماعة، وما تفرزه من إدعاءات ومزاعم متناقضة متنافرة، كل هذا الخلف والخصام.. مآله إلى الصلح والوئام.

والآن إلى (يالمز جوني) وفيلمه الطريق. كان المخرج يالمز جوني صاحب حياة عاصفة، وكان موته المفاجئ فاجعة، ويبقي جرحاً نازفاً في القلب الإنساني، يغور الجرح بعمق قدر المعرفة المتاحة به وبأفلامه.

كان بين صانعي الأطياف وحيد نوعه، كان يستبدل سجنا بسجن كما نستبدل حذاء بحذاء ويصرح “لقد أصبح مجموع الأحكام التي أصدروها في غيابي منذ أكتوبر عام 1981 يصل إلى 42 عاماً، بالإضافة إلى المائة القديمة. على أية حال، إنها الحرب بيني وبينهم. إلى متي؟ لا أعلم، أعرف فقط أنني سأبقى مفتح العينين لأفضح التسلط…”

وفعلاً فضح السلطة والتسلط بالإشراف من داخل سجنه في تركيا على مساعدة (شريف جورين) وهو يخرج نيابة عنه خامس سيناريو يكتبه من وراء القضبان: الطريق.

وبالهروب من السجن الكبير في الأناضول مع “متعجلات فيلمه” إلى سويسرا حيث أكمل توليفه، ثم بالذهاب به إلى مدينة كان حيث توّج بجائزة المهرجان الكبرى “السعفة الذهبية، (1982).

وما إن انتهى من إخراج فيلمه الأخير الحائط حتى عجل السرطان من عذابه، طرق الموت بابه، ذكر من نعاه أنه ولد في عام 1937 بإقليم أدنه حيث تعوي الريح والذئاب ويساقط الثلج فوق أكواخ قرى الأناضول، طوال فصل شتاء العالم. ومات كما يموت أبطال أفلامه الفقراء، مطارداً، مسجوناً منفياً، قاتلاً، مقتولاً. وظل الطريق ـ وهو أروع أفلامه ـ والنقلة العالمية القوية ليالمز جونيه الذي كان يشعر أنه مغترب أبدي”.

وأبطال فيلم الطريق سجناء في أجازة قصيرة،  كل واحد منهم مشوق أشد الشوق للالتقاء بالزوجات والعائلات.

ولكن قلوبهم ممتلئة شعوراً بالقلق واللهفة على العودة إلى الأهل، لا بسبب حياة السجن التي كلها بؤس ويأس، ولا بسبب طول الحرمان من حلاوة وعذوبة القرب من الأحباء، وإنما بسبب شيء غريب كل الغرابة، ملأ نفوسهم فزعاً ورعباً. هذا الشيء هو الخوف على الشرف، من أن تكون شريكة الحياة قد تورطت في خطيئة أثناء انقطاع الصلات بالفراق الطويل، بعبارة أوضح فإن أخوف ما كانوا متخوفين منه هو أن يكون النظام الأبوي قد انهار. فهم في حقيقة الأمر أسرى التقاليد، حيارى تتجاذبهم شريعتا الأب والدولة، وكلاهما مر، ويكاد الاختيار الحر بينهما أن يكون مستحيلاً.

وفي الحقيقة ففيلم الطريق أقرب إلى الملحمة منه إلى أي شئ آخر. فمن خلال “أوديسية” خمسة رجال استطاع يالمز أن يصور الإنسان البائس اليائس الذي أجبر على حياة لا يريدها، وعلى موت لا يريده، وخيل إليه أنه حر بالرغم من ذلك.

والمدهش أن صاحب الطريق استطاع ـ من خلال التناول المشحون بالتعاطف مع هؤلاء الرجال في محنتهم ـ أن يكشف عن مأساة أشدّ هولاً، وأن يرفع الستار عمّا تعانيه النساء من عذابات في سجن التقاليد.

وغني عن البيان أن النساء هنا لسن عاملات مناضلات يتقن فن الصراع والإضراب كما فعلت نورما راي في فيلم المخرج الأمريكي مارتن ريت، لا… إنهن أمهات وربات بيوت ضعيفات يعشن شبه مستسلمات للأقدار، في انتظار عودة الزوج الضال.

وهن بطبيعة الحال، ضحايا الخضوع للتقاليد، فإذا ما حاولن التمرد ولو قليلاً فالويل لهن وسوء المصير.

فزوجة محمد صالح تقف إلى جانبه من منطلق الإخلاص له والوفاء، لا تسمع لنصيحة أهلها الذين يعتبرونه عدواً لأنه تسبب بجبنه وتخاذله في مقتل شقيقها، تفر معه ليلقيا مصرعيهما سوياً في القطار برصاصات الانتقام تنطلق من غدارة أصغر الأشقاء.

وزينة زوجة سعيد تتبعه كظله شبه حافية، شبه عارية في واد غير ذي زرع مغطى بالثلوج، محكوماً عليها من أهله وأهلها بالإعدام لأنها في غيابه لم تصن العهد، لم تبق وفية صامدة.

ولن أقص تفصيل ما يعرض لزينة في وادي الموت هذا أمام عيون زوجها وابنها، لا أقص ما يعرض لها من خطوب، فذلك شيء يطول ويستحيل، وإنما أسجل شيئاً واحداً. عندما انطرحت زينة على الثلج، وأخذت من ضعفها لا تقاوم. ولا تحاول المقاومة، استرجع سعيد ميتة الحصان في نفس المكان، فانتصر للحياة، تذكر الحب، تمرد على التقاليد، صفح وغفر، سعى إلى انتزاع زينة من براثن الفناء، لكن هيهات، فقد فات الأوان.

وعند مشهد الموت والحب هذا أرى الوقوف قليلاً، لا لأنه أطول مشاهد الفيلم ـ فهو مكون من حوالي سبعين لقطة، تستغرق حوالي ثماني دقائق ـ وإنما لأنه أجمل مشاهد الفيلم وذلك بحكم بساطته المتناهية، فالشخصيات فيه ثلاثة لا تزيد، رجل وامرأة وابن وحيد، والمنظر الطبيعي مجرد أرض تلتحف ثلوجاً بيضاء وسماء خالية إلا من خساس الطير، وهذه الرتابة لا تنقطع سوى مرتين مرة ببقايا جثة حصان هالك، ومرة بشجيرة حزينة ارتحلت عنها أوراقها فتعرّت. وفوق هذا لأنه أكثر مشاهد الفيلم فاعلية وتأثيراً، ففيه تتجمع كل الخيوط، تتكثف أحداث الطريق حتى تصل إلى الذروة، بفضل توليف لاهث موظف لخدمة الصراع بين الموت متمثلاً في الطبيعة الموحشة القاسية، والتقاليد الأشد وحشية وقسوة، وبين الحياة تخرج منتصرة بالحب رغم فشل سعيد في إنقاذ زينة.

وختاماً فقد لا أكون بعيداً عن الصواب، إذا ما قلت أنه بفضل مشهد موت زينة هذا ـ وهو واحد من أرق وأروع المشاهد في تاريخ الفن السابع ـ بفضله ينمو الوعي بقيمة المساواة بين نصفي المجتمع، بضرورة التصدي للعادات والتقاليد المعادية للمساواة باعتبارها سجناً للرجال والنساء على حدٍ سواء.

وهكذا نجد في الفيلمين الكوبي والتركي نماذج بديلة للسينما المتعثرة في العالم الثالث، فكلاهما لا يقدم أنماطاً تقليدية للمرأة إلا لوضعها فنياً في محك النقد والتوعية وكلاهما لا يتبنى قضية المرأة من منطلق تعاطف ميلودرامي بل من أرضية إدراك ثوري ووعي ناضج بأبعاد قضية المرأة التي لا يمكن فصلها عن مجموعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع.