ساعة ونصف مع قطار الموت

لا أعتقد أن ثمة فيلماً مصرياً حظى بمثل ذلك الحشد الكبير من أبناء وبنات، بل وأقارب، كبار فناني السينما الذي حظى به، الفيلم الأخير للمخرج البارع «وائل احسان»، وأقصد به «ساعة ونصف» الذي يجري عرضه الآن في أكثر من دار سينما، بطول وعرض البلاد فباستثناء فئة من نجوم المسرح والسينما من بينها أخص بالذكر كريمة مختار وأحمد بدير وسوسن بدر وماجد الكدواني وسمية الخشاب وفتحي عبد الوهاب، باستثناء ذلك، فأغلب المسند إليهم ادوارا في الفيلم، أما اولاد أو احفاد وأما اقارب، فنانين وفنانات ذاع صيتهم وأصبحوا حديث الناس.
فيلم-ساعة-ونصف-كاملا-مشاهدة-مباشرة-اونلاين-بدون-حذف

ولأنهم كثر، قاربوا العشرة عداً، آثرت الامتناع عن ذكر الأسماء والانساب، وذلك لضيق المجال ورغم أن اختيارهم، وبمثل ذلك الحشد الكبير، انما يشكل شبهة توريث، شابت الفيلم بعيب جسيم، وهو عيب يتهدد السينما المصرية، فيما لو استمر ولم يقاوم بضراوة، فاستفحل وبئس المصير، فرغم ذلك، نجح المخرج ببراعته المعهودة في توزيع الأدوار بينهم، بمراعاة موهبة كل واحد منهم وقدراته على حسن الاداء.

ولعله كان مستهدياً في ذلك بمقولة المخرج الأشهر «أفريد هتشكوك» أنه في وسعه أن يحرك بقرة على نحو يجعلها تبدو، وكأنها تحسن التمثيل، ومما ساعده على تحقيق ذلك قصر الادوار المسندة اليهم جميعاً، فالفيلم وهو من نوع أفلام الكوارث ذلك النوع الذي انفردت به هوليوود لزمن طويل معظم أحداثه تدور داخل قطار مسرع بركابه نحو هاوية الموت.

وزمن تلك الأحداث يبدأ في تمام الساعة السابعة صباحاً، وينتهي بالكارثة في تمام الساعة الثامنة والنصف وهو نفس زمن الفيلم، الذي لم يزد على ساعة ونصف الساعة، وهنا أرى من المناسب أن أذكر أن أفلاما قليلة في تاريخ السينما، هي التي استطاع اصحابها أن يجعلوا زمني الفيلم واحداً، على النحو الذي فعله «وائل إحسان» ومن بين تلك الأفلام القليلة أخص بالذكر «في عز الظهيرة» لصاحبه المخرج الامريكي «فرد زينمان».

وإذا كان «احسان» قد تأثر «بزينمان» وفيلمه هذا، أو بغيره، فذلك لا يعيب فيلمه في شىء، فجميع الأعمال الفنية في التراث العالمي، ملك المبدعين، كما قال وبحق الموسيقار «موزار».

يبقي أن أقول: إن الكاتب «أحمد عبدالله» صاحب سيناريو الفيلم، قال فيما قال أثناء حديث مع احدى الصحف ان كتب السيناريو، قبل احداث الخامس والعشرين من يناير، وأنه لم يغير فيه حرفاً واحداً، وأنه يعتقد أنه لو تم تأجيل عرضه عاما آخر لما أثر ذلك على نجاحه ولا قبل الجمهور على مشاهدته، فالأوضاع في مصر، حتى تتغير الى الأحسن، امامها سنوات طوال.

والحق، انه بامتناعه عن ادخال اي تغيير على السيناريو، حتى تبدو الأمور على خلاف الواقع وردية، قد أحسن عملاً، وكان بذلك يعيد النظر الى حد كبير!!

أعظم فيلم علي مرّ عصور السينما

«المواطن كين» فيلم ليس كغيره من الأفلام فصاحبه «أورسون ويلز» أخرجه ولما يكن له من العمر سوي خمسة وعشرين عاما، ورغم أنه أول فيلم له رشحته أكاديمية السينما الأمريكية لست جوائز أوسكار، من بينها جوائز أفضل فيلم ومخرج وممثل دور رئيسي «أورسون ويلز»
citizan kane

وهكذا وجد المخرج الشاب  نفسه مع فيلمه الأول في مضمار المنافسة علي جوائز أوسكار، في مواجهة مخرجين كبار مخضرمين، أذكر من بينهم علي سبيل المثال «چون فورد» و«هوارد هوكس» و«ويليام ويلز» و«ألفريد هتشكوك»، ورغم أن فيلمه خرج من المضمار غير متوج إلا بجائزة «أفضل سيناريو مبتكر» إلا أن مجرد ترشيح الأكاديمية لفيلمه لأهم جوائز أوسكار وفوزه بواحدة منها، يعد اعترافا من أهل العلم بتلك الأكاديمية، بمولد عبقرية في مجال الفن السابع، وتكريسا لـ«ولز» نجما ساطعا في سماء عاصمة السينما، في ذلك الزمان.

وهنا، لا يفوتني أن أذكر أن فيلمه «المواطن كين» أحدث، قبل عرضه، وعلي غير orson wellesالمعتاد، ضجة إعلامية كبري، عندما حاول «راندولف هيرست» ملك الصحافة وقتذاك، شراء نسخة الفيلم السالبة من أجل التخلص من «المواطن كين» حرقا، حتي لا يبقي منه شيء صالح للعرض العام.

وعندما فشل «هيرست» في إعدام الفيلم وجعله هباء مع الهباء أمر جرائده المنتشرة بسمومها بطول وعرض الولايات المتحدة، أمرها بعدم نشر أي دعاية له، حتي ولو كانت مدفوعة الثمن، فضلا عن شن حملة ضارية عليه حين عرضه في دورالسينما.

كل ذلك رفع من شأن «المواطن كين» وصاحبه،وجعل من كليهما أسطورة وحيدة نوعها بين الأفلام والمخرجين.

وتبعا لما تقدم، ففي ثاني استطلاع رأي لمشاهير النقاد، تجربة «سايت اند ساوند» (الصورة والصوت) مجلة السينما الشهرية، «ووقتها كانت فصلية»، لاختيار أحسن عشرة أفلام في تاريخ السينما، نجح «المواطن كين» في احتلال المركز الأول.

وفي استطلاعات المجلة الأربعة التالية، استمر «المواطن كين» محتلا ذلك المركز وهذا يعني أنه ظل متربعا علي عرش السينما، بوصفه أعظم فيلم في تاريخها، لخمسة عقود من عمر الزمان.

ولأن دوام الحال من المحال، ففي آخر استطلاع رأي أجرته تلك المجلة (2012) نشر في عددها الأخير (سبتمبر 2012) حدث أمر مفاجئ، تربع علي العرش بدلا منه فيلم أمريكي آخر «دوار» لصاحبه «ألفريد هتشكوك» المخرج البريطاني ذائع الصيت، و«دوار» فيلمه الخامس والأربعين هذا، ولم يدخل أي من أفلامه في عداد الأفلام العشرة الأوائل، إلا بناء علي نتائج استطلاع المجلة الرابع (1982) حيث احتل «دوار» المركز السابع، وكان ذلك بعد وفاة «هتشكوك» بعامين.

غير أنه وعلي مدي الثلاثين عاما التالية أخذ فيلم «دوار» يتقدم شيئا فشيئا، من المركز السابع إلي الرابع عام 1992، فالثاني عام 2002.

ثم المركز في الاستطلاع الأخير (2012) ليحل بذلك محل «المواطن كين» متربعا بدلا منه علي عرش أعظم فيلم، علي مر عصور السينما!!

الرقباء وتابوهات السينما.. الدين .. السياسة ..و الجنس

إذا كانت السينما مرآة الواقع، تبقى الرقابة بوابة العبور إلى هذا الواقع، تفتح الطريق إلى جزء منه تارة وتغلقه تماما تارة أخرى وفقا لطبيعة النظام السياسى الحاكم الذى يسمح ويمنع وفق إشارات يبعث بها «الرقباء» أو «حراس الباب».. ونحن على أعتاب الجمهورية الثانية يبقى السؤال المحير عن مصير الرقابة على المصنفات الفنية فى النظام الجديد وكيف ستتعامل مع التابوهات الثلاثة (الدين .. السياسة.. الجنس) التى ظلت الهاجس الأكبر للرقباء.
Moustafa-Darwish2

وإذا كان استشراف مشهد المستقبل لا يتأتى إلا بقراءة صورة الماضى، تفتح «الشروق» ملف الرقابة ومصيرها من خلال سلسلة حوارات مع أشهر «الرقباء» السابقين فى محاولة لرسم السيناريو المقبل من خلال ما مروا به من تجارب وهم على رأس بوابة عبور السينما للواقع.

يبقى الناقد مصطفى درويش الوحيد الذى تولى رئاسة جهاز الرقابة على المصنفات الفنية مرتين، الأولى سنة 1962 لمدة خمسة أشهر والثانية بين عامى 1966 و1968، وخلال تلك المدة تعامل، كما يقول، بهدى مقولة الإمام «أبى حنيفة النعمان»: (الأصل عندنا هو الرخصة عن ثقة أما المنع فكل واحد يحسنه).. غير أن تلك الحكمة فتحت عليه النار فى كثير من الأحيان بداية من مجلس الأمة ونهاية بوزير الثقافة وفى المرتين أطيح به من المنصب بعد كيل الاتهامات له.. تارة بأنه عميل أمريكى، وتارة بأنه يسعى لنشر الفجور بالمجتمع.. وثالثة بتهمة الكفر والزندقة
Unknown

انحياز

رفضت أفلاما تمجد الجيش خشية أن يحرق الجمهور دور العرض

نكسة يونيو 67 كانت من أكثر اللحظات التاريخية الحساسة التى عاشها درويش بحكم وجوده على رأس الرقابة، حينها نشرت صحيفة «الأهرام» خبرا مفاده منع عرض الأفلام الأمريكية فى مصر ردا على انحيازها لاسرائيل، وهنا سادت حالة من الفزع فى أوساط الموزعين الذين اعتبروا القرار بمثابة «خراب بيوت» لهم، فسارعوا للحديث إلى درويش للاستفسار عن الأمر.

يقول درويش: حينها فوجئت بالأمر مثلهم وعلمت الخبر من «الأهرام»، فأبلغتهم أن هذا الخبر غير صحيح على الإطلاق لأن قرار المنع ياتى من الرقابة نفسها، وأنا لم أتخذ هذا القرار، ويومها احتفل الموزعون بالخبر بحفل ضخم فى منزل أحدهم، ووصلت أخبار لحفل لوزير الثقافة ثروت عكاشة فاستدعانى ووبخنى بشدة ولم أجده غاضبا على هذا النحو أبدا حتى أنه اتهمنى ب«العميل الأمريكى»، وكانت التهمة كفيلة بزجى فى السجن فى تلك اللحظات العصيبة التى تعيشها البلاد، وتراجعت عن قرارى وبالفعل وتم منع الفيلم الأمريكى لنحو 3 أشهر وحينها حمدت الله أننى خرجت من مكتبه إلى منزلى وليس إلى المعتقل.

لم تكن تلك هى المواجهة الوحيدة لدرويش مع المسئولين، فقد كانت هناك مواجهة أكثر حدة لكنه خرج منها بنجاح هذه المرة.. يتحدث عنها قائلا: عقب النكسة كانت الشئون المعنوية للقوات المسلحة تقوم بانتاج أفلام وثائقة وتسجيلة تمجد فى قوات الجيش والبطولات التى قام بها فى معاركه مع إسرائيل، وحينها وجدت لزاما على منعها من العرض بدور السينما خوفا أن يقوم الجمهور بتحطيم دور العرض تماما.

وأضاف: الرأى العام فى ذلك الوقت كان ثائرا بشدة ضد الجيش بسبب الهزيمة ويشعر أنه تعرض للخديعة وعاش فى وهم كبير تحطم خلال النكسة ولم يكن ليقبل أبدا مشاهدة أفلام من شأنها الاستمرار فى خداعه وربما لجأ إلى العنف بتحطيم السينما ومن هنا أقنعتهم برفع الأفلام لعدم مواءمة الظروف لعرضها.
Unknown-1

استقلال

نسير فى اتجاه «المنع هو الحل».. والإجازة ستگون الاستثناء

يرفض الناقد مصطفى درويش رأى كل من يتحدث عن استقلال جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، ويقول: «كيف نتحدث عن استقلال الرقابة فى قراراتها وهى لاتزال تتبع وزارة الثقافة»، فالجهاز لن يكون مستقلا أبدا بهذا الشكل ويتعين علينا، فى حال التمسك بالرقابة، أن يكون الجهاز مستقلا تماما عن الوزارة ويتمتع بصفة اعتبارية ويشرف عليه مجموعة من أصحاب الرأى والفكر من السينمائيين، ويكونوا هم أوصياء على أنفسهم ويشعرون بالاستقلال الحقيقى.

ويحذر درويش من تزايد وتيرة الهجوم على الفن بدرجة وصلت حد المطالبة بحذف مشاهد من الأفلام القديمة، موضحا أنه إذا استمرت الأمور على هذا النحو فستجد الرقابة نفسها تعتمد مبدأ «المنع هو الحل» ويصبح رفض العمل هو الأساس وإجازته هو الاستثناء. وعلى الرغم من إعجاب درويش الكبير بتجربة السينما الإيرانية إلا أنه لا يخفى خشيته من استيراد نفس العوائق التى يعانى منها صناع السينما بايران لأنه حينها «لن يستطيع سينمائيو مصر التعامل فى تلك الظروف كما هو حال نظرائهم بإيران». ويضيف: صناع السينما الإيرانية فى منتهى التحدى والعناد، فتجدهم يعانون من محاذير أخلاقية وسياسية شديدة ورغم ذلك يقدمون سينما تبهر العالم وتنال العديد من الجوائز فى مهرجانات دولية كما هو حال فيلم «انفصال» لكن السينما المصرية التى تتوافر لها ظروف أفضل لم تنجح فى الوصول إلى المكانة نفسها بكل أسف. الغاء الرقابة فى مصر يبدو حلما بعيد المنال ولذلك لا يتطرق إليه الناقد مصطفى درويش، لكنه يذكر بالتجربة الغربية فى هذا الصدد ويقول إن سبب إلغاء الرقابة فى أوروبا كان فيلم «الراهبة» الذى اعترضت الكنيسة عليه وتسببت فى منع عرضه وهنا توحد مثقفو فرنسا مع السينمائيين وأطاحوا بوزير الثقافة حينها وانتهى الأمر بالغاء الرقابة فى فرنسا قبل أن يمتد الالغاء إلى أوروبا بأكملها واقترت الرقابة فقط على أفلام الأطفال.
Unknown-2

انفجار

وقفت ضد غلق دور السينما والمسارح عقب 67 واستشهدت بإنجلترا

نشر العرى والفجور كانت التهمة التى لاحقت درويش كثيرا خلال فترة توليه الرقابة لاسيما مع كل فيلم تضمن مشاهد ساخنة وأثار الجدل.. فقليلا ما لجأ درويش إلى مقص الرقيب وهو ما أوقعه فى مثل تلك المشاكل.. يتذكر الناقد مصطفى درويش أحد تلك المشكلات التى وقع فيها بإجازة فيلم «خذنى بعارى» الذى يصفه هو نفسه ب«التجارى والردىء».. لكنه فضل إجازته للعرض باعتباره ينتمى إلى تلك النوعية من السينما الموجودة فى كل دول العالم.

الفيلم كان بطولة الفنانة سميرة أحمد للمخرج السيد زيادة، وأنتجه صاحب مخبز ليشارك فى التمثيل، وأثار الفيلم جدلا واسعا نتيجة مشهد قيام صاحب المخبز باغتصاب الفنانة سميرة أحمد ووصفه البعض بأنه «شديد الفجاجة».. وبمجرد طرحه اتصل بى ثروت عكاشة وعنفنى كذلك وطلب منى سحب الفيلم من دور العرض تماما، لكننى وجدت الحل الوسط فى حذف المشهد وهذا ما حدث بالفعل.

كما تعرض درويش كذلك لحملة ضارية من نواب مجلس الأمة عقب عرض الفيلم الايطالى «انفجار» بدعوى أنه يحوى مشاهد عرى فجة، ولن أنسى ذلك اليوم عندما استدعونى إلى مجلس الأمة للحديث أمام النواب وحينها وقف أحدهم وقال لى: «للأسف اسمك مصطفى درويش لكنك.. لا مصطفى ولا درويش».. ولم أملك حينها سوى الابتسام.

هذا اليوم احتشد نواب المجلس وكالوا الاتهامات للرقابة باعتبارها تروج للفجور، وحاولت ان أشرح لهم وجهة نظرى لكن بلا جدوى ولم أجد سوى رفع الفيلم من دور العرض خاصة بعد أن تعرض لاتهامات بأنه تقاضى رشوة من الشركة الموزعة لإجازة الفيلم.

لكن الهجوم الأكثر شراسة على الرجل كان عقب النكسة مباشرة حيث واجه اتهامات بأنه يتعمد إجازة المشاهد الساخنة بالأفلام ليلهى المواطنين عن مرارة الهزيمة، وتعرض لحملة ضارية فى الصحف والبرلمان ولم يجد من يسانده فى ذلك الوقت لأن الكل كان مشغولا بحاله.

معركة عنيفة خاضها كذلك درويش مع نواب البرلمان عندما طالبوا بغلق دور السينما والمسارح، لكنه رفض بشدة واستشهد بأن بريطانيا التى كانت تتعرض لقصف الألمان فى الحرب العالمية الثانية وكانت على أبواب الهزيمة لكنها لم تغلق دور السينما والمسارح ولم يقدم أحد هذا الطرح.

ورغم أن درويش كان يتوقع حملة هجوم ضارية ضد فيلم «أبى فوق الشجرة» نتيجة جرأته الاجتماعية لكنه لم يتردد فى إجازة السيناريو، لكن الفيلم لم يعرض إلا بعد أن خرج من الرقابة، وتعرض الفيلم حينها لهجوم كبير لأنه كان أجرأ من قدرة المجتمع على التحمل بعلاقة تجمع أب وابنه بغانية فضلا عن القبلات الساخنة التى تضمنها الفيلم.

كارثة

مؤسسة السينما أوصت برفض «المومياء» لأنه «مش هيجيب تمنه»

يشعر درويش بزهو كبير أنه الرقيب الذى أجاز عرض فيلم «المومياء» للمخرج شادى عبدالسلام ويعتبره العمل الأهم فى تاريخ السينما، ويستشهد درويش بالفيلم باعتباره نموذجا لما يمكن أن تلعبه الرقابة فى التنوير إذا اقتعنت بعمل.

ويقول درويش: جاءنى سيناريو الفيلم حينها من مؤسسة السينما والغريب أنهم طلبوا منى رفضه من المنبع بدعوى أنه «ضعيف ولن يحقق ثمنه»، لكننى وجدت فيه سيناريو رائعا وقررت إجازته.. وهنا فتحوا على النار بدعوى أننى سأتسبب فى إهدار المال العام، وبكل أسف كان المخرج الراحل يوسف شاهين ومقربون منه وراء تلك الحملة لمحاربة المخرج شادى عبدالسلام، بحسب قول درويش، خشية بزوغ نجمه فى السينما.

تمسك درويش بموقفه حتى خرج الفيلم إلى النور ليصبح أحد أهم أعمال السينما المصرية، وحتى ما قيل عن أنه لن يحقق ثمنه مردود عليه.. فحتى الآن تليفزيونات فرنسا وألمانيا تعرض فيلم «المومياء» مقابل 30 ألف دولار فى المرة الواحدة، وهو ما لا يحدث مع أى فيلم عربى آخر.

الفيلم الآخر الذى يزهو درويش بأنه أجازه للسينما هو «المتمردون»، وتلقى سيناريو الفيلم قبيل ختام فترة رئاسته الثانية للرقابة، ويقول: أجزت الفيلم للعرض لأنه كان صادقا فى التنبؤ بالكارثة المحتملة، وحينها ألغى انتدابى وعدت إلى منصبى فى مجلس الدولة، لكن جاءت الرقابة الجديدة لتعمل مقصها بالحذف والتشويه فى الفيلم.

ولا ينسى درويش الأزمة التى تعرض لها عقب إجازة فيلم «على ضفاف النيل» للفنانة شادية وحلمى رفلة، حيث اتهم العمل بأنه يحمل جو المؤامرة على النظام السياسى ولم يجدوا سوى الرقابة لصب جم غضبهم على.

فيلم «ليلة الجنرالات»، الذى شارك فى بطولته عمر الشريف وبيتر أوتول، ودارت أحداثه قرب نهاية النازية فى بولندا أثناء الحرب العالمية الثانية، وضع درويش كذلك فى حرج بالغ ليس فقط على المستوى السياسى بإظهار نهاية الجنرالات والحكم العسكرى مما جعل آخرين يظنون أن هناك إسقاطا على الوضع السياسى فى مصر آنذاك وأيام النكسة، لكن أيضا لتوقيت عرض الفيلم.

فقد طرح فى موسم عيد الأضحى وهو أحد المواسم المهمة للأفلام المصرية، مما جعل بعضهم يتهم الرقابة أنها متواطئة مع الموزع الأجنبى لمحاربة الفيلم المصرى.

عقب تولى الدكتور عبدالقادر حاتم المسئولية طلب من درويش تقديم استقالته، لكنه رفض وقال: هو يقيلنى لكن لن أستقيل من موقعى كرئيس للرقابة» وأخير صدر قرار بانتهاء مدة انتدابى بالرقابة وعدت مرة ثانية إلى مجلس الدولة.

أحمد خليفة – الشروق