قصة بنتين بعيون جريئة

واجه أصحاب دور السينما طوفان مسلسلات رمضان بحلين كلاهما مر.

أحدهما إغلاق أبواب أغلب دور السينما طوال أيام الشهر الفضيل والآخر الامتناع عن عرض أي فيلم جديد فيما تبقى من تلك الدور مفتوحاً.

وما أن انتهى الشهر الفضيل بظهور هلال العيد السعيد، ومعه عودة السينما بجديدها، حتى فوجئنا بخبر احتكار جميع دور السينما بطول وعرض البلاد، بأفلام مصرية، من بينها خمسة أفلام جديدة، أغلبها لمخرجين ليس لهم ماض مع الأفلام الروائية الطويلة.

هدايا العيد

وهذه الأفلام هي “غاوي حب” لصاحبه أحمد البدري و”درس خصوصي” لصاحبه سامح عبد العزيز و”جاي في السريع” لصاحبه جمال قاسم أما الفيلمان المتبقيان من الأفلام الخمسة الجديدة فهما “أريد خلعاً” من تأليف وإخراج أحمد عواض و”بنات وسط البلد” تأليف وسام سليمان، وإخراج محمد خان.

وأقف عند الفيلم الأخير قليلاً، لأقول أنه أول فيلم لصاحبه يجري عرضه في دور السينما، بعد “أيام السادات”! ذلك الفيلم الذي أخرجه قبل أربعة أعوام، وفيه تقمص النجم الراحل “أحمد زكي” شخصية السادات، رجل الحرب والسلام.

رصيد كبير

والمعروف أن رصيد “خان” من الأفلام كبير، فله قبل “بنات وسط البلد” تسعة عشر فيلماً، أخص بالذكر من بينها” أحلام هند وكاميليا” ذلك الفيلم الذي فازت “نجلاء فتحي” عن أدائها فيه بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان طشقند السينمائي بجمهورية اوزبكستان قبل ثمانية عشر عاماً.

أحلام وتطلعات

أما لماذا خصصت بالذكر الفيلم الأخير، فذلك لأنه ثمة أوجه شبه بين شخصيتي بطلتيه هند وكاميليا ورسم شخصيتي “ياسمين” و”جومانه” بطلتي “بنات وسط البلد”، وتؤدي دورهما منة شلبي وهند صبري. فأحلام البطلات الأربع وتطلعاتهن تكاد تكون واحدة وإن كانت ياسمين وجومانه أكثر جرأة وشقاوة وقدرة على خداع الغير فكلتاهما، ودون أن يرّف لهما جفن، تخدع الشابين عثمان “محمد نجاتي و”سمير” “خالد أبو النجا” اللذين التقتا بهما صدفة في إحدى محطات المترو (خط المرج – حلوان).

فياسمين وهي حلاقة نساء “كوافيرة” تزعم لهما أنها مغنية ضمن جوقه في إحدى الفرق الموسيقية وجومانه وهي بائعة في إحدى محلات الملابس النسائية، تزعم أنها فنانة تشكيلية. وكلتاهما تتخذ من اسم الأخرى اسماً لها.

 ويستمر الحال على هذا المنوال حتى اقترب الفيلم من الختام.

الجذور 

هذا ومن سياق الأحداث نعرف أن ياسمين من أسرة فقيرة، أبوها سائق قطارات على المعاش وأن جومانه من أسره متوسطه الحال تعيش مع أم “ماجدة الخطيب” اختلط على شاشة ذاكراتها الماضي بالحاضر.

ومما يلفت النظر في الأحداث أن جزءًا غير قليل منها يدور إما داخل عربة النساء في المترو أو داخل إحدى محطاته.

ففيه تبدأ قصة الصداقة بين بطلتي الفيلم وفيه نراهما وهما تغنيان، وتعبثان، وتغازلان عثمان وسمير.

الواقع والايقاع

ومما يعرف عن المترو أنه دائم الازدحام، ولكنه في الفيلم يكاد يكون بلا ركاب وكذلك الأمر بالنسبه للمحطات.

وختاماً، يبقى لي أن أقول أن الفيلم في روحه أقرب إلى روح السينما الأوروبية، خاصة السينما الفرنسية وأن إيقاعه سريع لاهث وهنا، لا يفوتني أن أشير إلى منه شلبي وطريقتها في الكلام إنها تنطق بمخارج ألفاظ يصعب أن نفهم منها شيئاً وهذا أغرب ما عجبت له وأنا أشاهدها وهي تتكلم في الفيلم.

وجه العجب، أنها وحسب معلوماتي لم تمثل بعد في أي فيلم من أفلام المخرج العالمي يوسف شاهين!!

بوحه وأسامة

هذان اسمان لفليمين، أحدهما مصري جرى عرضه أثناء أشهر فصل الصيف، حيث عصف بجميع الأفلام الأخرى، محققاً أعلى الإيرادات.

أما الفيلم الآخر، وهو “أسامة” فأفغاني مبدعه “صديق بارماك” ذلك المخرج الذي درس فن السينما في موسكو، أثناء ثمانينات القرن العشرين.

جحيم طالبان

وبينما كان مقيماً في باكستان، هرباً من جحيم طالبان في أفغانستان تأثر إلى حد كبير بالسينما الإيرانية، خاصه بأسلوب راعيه ومرشده “محسن ماخمالباف” المخرج الإيراني ذائع الصيت.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها بالنسبه لأية سينما شرق أوسطية فاز فيلمه “أسامة” بالكرة الذهبية لأفضل فيلم أجنبي؛ تلك الجائزة التي عادة ما يمهد الفوز بها للترشيح لجوائز أوسكار كما فاز بجوائز أخرى في العديد من المهرجانات العالمية، أذكر من بينها على سبيل المثال، مهرجاني “لندن وكان” هذا وقد جرى عرضه، قبل عامين، في مهرجان الإسكندرية السينمائي، حيث لم يشاهده إلا نفر قليل، ولم يثر اهتمام أحد من النقاد المواظبين على حضور ذلك المهرجان العليل.

وأعود إلى الفيلم المصري، وهو “بوحه” لأقول أنه بطولة النجم “محمد سعد” وإخراج “رامي امام”.

الرغبة.. لماذا؟

وبقدر ما كنت راغباً في مشاهدة “أسامة” بقدر ما كنت راغباً عن مشاهدة “بوحة.. لماذا؟

لأنه نادراً ما حظى فيلم من انتاج بلد متخلف، ليس له في خريطة الانتاج السينمائي العالمي مكان، باستحسان النقاد في مشارق الارض ومغاربها، مثلما حظى “أسامة”، وذلك رغم أنه أول فيلم روائي طويل لمخرجه، وأول فيلم تنتجه افغانستان بعد زوال حكم طالبان وعلى العكس من ذلك كان حال.

“بوحه مع النقاد”

فحظه من استحسانهم كاد يكون هو والعدم سواء وبالصدفه، وجدتني أشاهد “بوحه وأسامة” في وقت كاد يكون واحداً.

ولم يكن ثمه مناص، والحالة هذه، من إجراء المقارنة بينهما وهي ولا ريب مقارنة فيها شيء من الاجحاف “ببوحه”.

ملهاة ومأساة

فهو والحق يقال، فيلم هزلي، هايف، مرآة لمجتمع مريض.

في حين أن “أسامه” فيلم جاد، فريد، يعرض لمأساة شعب أبّي شديد المراس ارتدّت به صراعات القوى العالمية أيام الحرب الباردة إلى ظلمات يشيب من أهوالها الأجنة في أرحام الأمهات.

ولن أعرض بالتفصيل لحكايتي “بوحه” و”أسامة” فذلك شيء يطول. وإنما اكتفي بأن أقول أن “بوحة” عبارة عن حواديت، في قالب اسكتشات، مدارها رحلة شخص اسمه “بوحة” داخل القاهرة المدينة البدينة، بحثاً عن تاجر في حي المدبح مدين لأبيه المتوفي بمبلغ وقدره نصف مليون جنيه.

وحسب رسم سيناريو “نادر صلاح الدين” له هو شخص فشار فهلاو أهوج، سليط اللسان ومغامراته قد جرى حكيها بغلظه وترهل منقطعي النظير وباسفاف وابتذال، قل أن يكون لهما مثيل.

كل ذلك بأسلوب ليس فيه من لغة السينما إلا أقل القليل.

للضرورة أحكام

أما “أسامة” فيحكي مأساة صبية ليس لها من العمر سوى اثني عشر ربيعاً، اضطرها البحث عن لقمة العيش لها ولأمها وجدتها، في ظل نظام استبدادي يحرم المرأة من حقها في العمل، إلى التنكر في ثياب صبي “أسامة” حتى تستطيع أن تزاول عملاً شريفاً، يقيها هي وأسرتها من هول الجوع، وذل السؤال.

ومما لوحظ على “أسامة” عناية مخرجه بالتفاصيل أشدّ عناية.

ولعلي لست بعيداً عن الصواب اذا ما جنحت إلى القول بأنه كان في أسلوب إخراجه متئداً، رزيناً لا يميل إلى الاستثارة والتهريج.

ولقد قال عنه أغلب من كتبوا بأنه قد جعلهم يشعرون بأنهم يشاهدون قطعة من الحياة في مجتمع أقرب إلى الجحيم!!

رجل وسندريلا.. أسطورة أمريكية

 يدور فيلم “الرجل السندريلا” حول سيرة “جيمس برادوك” الملاكم الأمريكي الأشهر والمنحدر من أصل ايرلندي. وسيرته، والحق يقال، من ذلك النوع من السير الغريبة كل الغرابة، المبهرة كل الابهار.

ولأنها كذلك، فهي من السير المؤهلة للترجمة إلى لغة السينما في فيلم، ولا أقول أفلاماً ومسلسلات، بها من التشويق الكثير.

الولع بالعنف

وأغرب ما عجبت له وأنا أشاهد الفيلم المستوحى من سيرته، لصاحبه “رون هوارد”، ذلك المخرج الفائز هو وفيلمه “عقل جميل” بالأوسكار (2002)، امتناع هوليوود، زمناً طويلاً، وعلى غير المعتاد عن تحويل سيرة ذلك الملاك الأشهر إلى فيلم، رغم ولع استوديوهاتها ولعاً شديداً بالملاكمة لقيامها على عنف عضلي مستحب من الجمهور في بلاد العم سام.

ولعل خير دليل علي هذا الولع كثرة الأفلام التي يدور موضوعها، وجوداً وعدماً، حول بطل ليس له مهنة في الحياة سوى احتراف توجيه اللكمات، سريعة عنيفة إلى جسم خصمه في حلبة الملاكمة، حتى يهزمه بالنقاط او بالضربة القاضية وأحياناً يرديه قتيلاً.

وآخر هذا النوع من الأفلام “فتاة بمليون دولار” (2004) رائعة النجم “كلنت ايستوود” الفائزة  بجوائز أوسكار أفضل فيلم ومخرج “ايستوود” وممثلة رئيسية “هيلاري سوانك” وممثل مساعد “مورجان فريمان”. الأكيد إذن أن مصنع الأحلام في عاصمة السينما مولع بالملاكمة.

ومن منطلق ولعه هذا يغدق على انتاج الأفلام المستوحاه منها المال والجوائز، بغير حساب.

سر عدم الترحيب

ومع ذلك، فلم يتحمس كثيراً، لانتاج فيلم مداره سيرة الملاكم الشهير “برادوك” الشهير بـ “الرجل السندريلا” رغم أن وقائعها ترجع إلى زمن موغل في القدم، وبالتحديد فيما بين منتصف عشرينات ومنتصف ثلاثينات القرن العشرين.

ورغم أن ثمة كتاباً عنها تحت عنوان “الرجل السندريلا”، استوحاه مؤلفه “جيريمي شهاب” من تسمية ابتدعها “دامون رانيون” أحد كتاب الأعمدة التي تعرض لما يحدث في “برود واي” شارع الملاهي الشهير.

أرجح الظن أن عدم الحماس هذا أنما يرجع إلى أن أي فيلم، إذا أراد صاحبه أن يعرض فيه بأمانة وصدق لحياة عاصفة مثل حياة “الرجل السندريلا” في مراحل الحياة المختلفة أشدّ اختلاف، بدءًا من سقوطه في هاوية الفقر والحاجة والسؤال، وانتهاء بصعوده إلى أوج المجد، بفضل فوزه على “ماكس باير” بطل العالم في الوزن الثقيل (13 يونية 1935).

الاعصار المميت

فسيجد نفسه بالوقوف طويلاً عند الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي بدأت عام 1929، وكان لها على المجتمع الامريكي وقع اعصار مميت.

فقد قذفت تلك الأزمة بخمسة عشر مليون عامل في أتون بطالة كلها ذل وحرمان.

وكان من بين ضحايا هذه الأزمة “الرجل السندريلا” ويؤدي دوره النجم الاسترالي “راسل كراو” السابق له الفوز بأوسكار أفضل ممثل رئيسي عن أدائه في فيلم “المصارع”.

كما كان من بين ضحاياها زوجته الصابرة “ماي” وتؤدي دورها النجمة “رينيه زيلڤجر” وأولاده الثلاثة الذين قطع عنهم تيار الغاز والكهرباء، أثناء شتاء قارس البرد فذاقوا مرارة العيش محرومين من كل متاع الحياة.

الصورة تطلع حلوة

ومما يعرف عن مصنع الأحلام أن أولي الأمر فيه لا يميلون إلى انتاج أفلام، يتلقى من خلالها المتفرج خاصة غير الامريكي، عن الحياة في بلاد العم سام صورة كئيبة وداكنة، قد يفهم منها أن الولايات المتحدة، كغيرها من بلاد العالم، تتعرض لأزمات اقتصادية وسياسية عنيفة، فيسئ الظن بالمجتمع الأمريكي وبقدرته على مواجهة عاديات الزمان.

وربما يفقد ثقته في زعامة أقوى وأغنى دولة في عالمنا!!

This website stores cookies on your computer. These cookies are used to provide a more personalized experience and to track your whereabouts around our website in compliance with the European General Data Protection Regulation. If you decide to to opt-out of any future tracking, a cookie will be setup in your browser to remember this choice for one year.

Accept or Deny