كلمة الكاتب الصحفي والناقد محمود عبد الرحيم في احتفالية مصطفي درويش

مساء الخير..
السيدات والسادة
اسمحوا لي في البداية أن أرحب بكم جميعا، وأتوجه بالشكر لنقابة الصحفيين وبشكل خاص اللجنة الثقافية وعلى رأسها الزميل العزيز الأستاذ محمود كامل لمشاركتنا ودعمنا لإحياء الذكرى السنوية الأولى لرحيل عاشق السينما مصطفي درويش نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس الرقابة على المصنفات الفنية السابق.
هذه المناسبة نأمل أن تتواصل سنويا احتفالا واحتفاء بهذا الرجل العظيم الذي ترك بصمته على الكثيرين.
إننا الليلة لسنا إزاء ندوة ولا مؤتمر ولا حتى حفل تأبين تقليدي، وإنما بصدد تجمع للأصدقاء والمحبين في جو عائلي يليق بمصطفي درويش الحاضر بيننا وليس الغائب.. الحاضر بيننا بروحه ومحبته ورصيده الثقافي والإنساني.
فتجمعنا الليلة تعبير عن الوفاء والامتنان لمصطفى درويش صاحب العطاء الحقيقي الذي يستوجب الإشادة والتذكر الدائم لأنه بإخلاصه لعشق السينما ورصيده النقدي ودوره التثقيفي على مدى سنوات يستحق التكريم خاصة من قبل كل من له علاقة بالفن والسينما على وجه الخصوص.
ويستحق أن يكون قدوة للأجيال الجديدة التي ربما لا تعرفه ولا تدرك قيمته وانجازه كرمز للانتصار لحرية الرأي والتعبير والإبداع والتسامح وقبول الآخر، وكأشهر رقيب ينحاز للإتاحة والإباحة، وليس المنع والمصادرة.
رحم الله مصطفى درويش الأستاذ العظيم أحد رموز النقد السينمائي البارزين وأخلص المخلصين لعشق السينما وواحد من آخر الرجال المحترمين الذي تعلمت منه الكثير وأضاف لي إنسانيا وسينمائيا.

كتب الاستاذ محمود عبد الرحيم

كتب الاستاذ محمود عبد الرحيم:
في حفل اختتام مهرجان الاسكندرية السينمائي قبل أيام، قام رئيس المهرجان الزميل الأمير أباظة بالاشادة بالمسئولين وغير المسئولين وحتي الجيش والشرطة وشهدائهم في غير مناسبة وغير موضع، ولم يترك أحدا ألا وقدم له التحية، وأتي علي ذكر بعض النقاد الراحلين والاسراف في امتداح “سماسرة النقد السينمائي” لكنه تجاهل أكثر النقاد احتراما وعشقا للسينما وإخلاصا لها مصطفي درويش، لانه لم يكن ضمن شبكات المصالح الفاسدة وكان مستقلا ومحترما يكتفي فقط بعشق السينما هي والنقد دون تحقيق مكاسب خاصة.
تأخرت في كتابة هذه التدوينة بسبب وعكة صحية، لكني وجدت واجبا ان اكتبها لتبيان المواقف ولأنه في بلادنا للأسف المحترم لا يأخذ حقه حيا ولا ميتا، بينما الانتهازيون والفاسدون يأخذون ما لا يستحقون من التبجيل والتقدير.

مقال الناقدة صفاء الليثى المنشور اليوم الاربعاء فى صفحة السينما بالجمهورية

مصطفى درويش الناقد الساخر .. قاضي الفن ومجنون السينما الراقية .. تتذكره : صفاء الليثي

كنت بدأت سلسلة لقاءات مع رواد السينما لباب بمجلة الفن السابع ( محمود حميدة – محمود الكردوسي ) وسجلت لقاءات مع عبد الحميد سعيد ورحلته المتعثرة مع أرشيف السينما، ومع أحمد الحضري نجاحاته وإحباطاته مع السينما ثقافة ودورا مؤسسيا، وفكرت في مصطفى درويش، المستشار مصطفى درويش قاضي مجلس الدولة الذي أسندت إليه مهمة الرقابة على السينما بعد هزيمة 1967 .

سجلت معه ولم أقم بنشر اللقاء ولم أكمل تفريغ الشرائط- كنت أتبع الوسائل القديمة بالتسجيل على شرائط كاسيت- وحين التقيت بمصطفى درويش بادرني بسؤال لم ينتظر إجابته، ( ما نشرتيش كلامنا ليه، ما لقتيش فيه جديد ). نعم كان الأستاذ ناقدا لنفسه قبل أن يكون ناقدا لآخرين، يصف كتاباته بأنها مقيلة، أي مقال قصير يقصد عمود كان ينشر في مجلة أسبوعية، وعلى قصر المقال وقلة عدد كلماته كان يتميز برأي متفرد ومعلومات مكثفة من متابعاته لأحدث الأفلام يحضرها بنفسه من ألمانيا التي كان يسافر إليها كثيرا، أو يوصي عليها فيرسلها له – ابن الشقيقة- يقولها بالفصحى ويضغط على حرف القاف. شقيقته سيدة أرستقراطية كان يعيش معها في منزل الوالد بوسط القاهرة، ولها ابن وحيد، ابنه أيضا فالخال والد، يقولها ويضحك ضحكة صغيرة. توفت أخته منذ سنوات وازدادت وحدته وكان هناك مكالمة دولية يومية مع ابن الشقيقة حضرت احداها أثناء زيارتي له .

الزيارة التي تكررت وكنت أمر عليه للدردشة والاتفاق على الفيلم الذي سيعرضه ضمن عروض جمعية نقاد السينما المصريين _ عضو الفيبريسي – في برنامج أسميناه مختارات مصطفى درويش، كان ينسخ نسخة من الأصل الذي يقتنيه ونتأكد من صلاحيته للعرض، يأتي في موعده تماما يشرب شايه وهو يتهيأ لتقديم الفيلم مع النقاد بينما تنطلق تسمياته الساخرة التي تطال الجميع فهذا بالفريك وهذه فامباير يضحك قبل ابتسامتنا المندهشة .

تقديس العمل ودقة المواعيد وندرة الاختيارات صفات جدير بها الناقد المثقف الذي عمل قاضيا لفن السينما في أصعب ظرف تاريخية مرت على مصر. علاقته بثروت عكاشة وانفتاحه على سينما العالم لتعويض منع عرض الأفلام الأمريكية بعد قرار عبد الناصر بمقاطعة أمريكا لوقوفها ضدنا في حربنا مع اسرائيل، هذا المنع الذي بسببه شاهدنا أفلاما إيطالية وفرنسية وهندية تعرض عرضا عاما في دور السينما، والرقيب مصطفى درويش يسمح بعرض أفلام سياسية، وأفلام فنية دون حذف ما قد يوجد بها من مشاهد غير معتادة على ذائقة المشاهدين.

وقتها سمح أيضا بعرض أفلام مصرية بدا أنها تهاجم عبد الناصر شخصيا ونظام حكمه، وأشهرها فيلم ” شيء من الخوف ” الذي رفض عبد الناصر قرارات الرقباء وطلب منهم السماح بعرضه، سمعت من توفيق صالح أن عبد الناصر قال إذا كنا هكذا فلنستحق ما يجري لنا، يندرج ما حكاه توفيق صالح تحت انحيازه لعبد الناصر ورفضه لما يمكن أن يعد تصرفا منفردا من الرقيب مصطفى درويش وتأكيد على أن قراراته، التقدمية إذا جاز التعبير كانت توجها عاما للنظام وليست شجاعة خاصة منه.

يبقى لنا مصطفى درويش أول المتحمسين لشادي عبد السلام وفيلمه المومياء، وللمخرجة عطيات الأبنودي في كل أفلامها التسجيلية الهامة، وصداقته بها حتى أنها كانت حريصة رغم مرضها على حضور الاحتفال بعيد ميلاده في إطار مشروع فريدة مرعي بتوثيق مسيرة رواد السينما والاحتفال بهم وسط من يختارونه من أصدقاء، وبعد الاحتفال نستمع إلى مشواره مع السينما الذي يسجل على شرائط فيديو. روح الدعابة وحس الفكاهة الذي كان يتمتع به الناقد الكبير أضفى جوا مرحا على الجلسات التي حضرها أصدقاء له مثقفين ومفكرين وسياسيين خلافا لزملائه من النقاد.

مضت أيام وتغيرت أحوال واستمر تواصلي معه تليفونيا لأطمئن على أحوال المثقف العائش وحيدا في 13 ش البستان بالقاهرة متمتعا بأحدث وأجمل الأفلام، راضيا بما لديه، ساخرا من كل من حوله مكتفيا بحب ابن الشقيقة، ابن أخته الوحيدة، الوحيد الذي استقبل عزائه بعد الرحيل في الرابع من مايو 2017 قبل ذكرى هزيمة 1967 بشهر واحد، تلك الهزيمة التي ارتبط عمله بها، توفى الساخر المستشار مصطفى درويش بعد غريمه الناقد سمير فريد، وبعد زملائه يعقوب وهبي وأحمد الحضري، جيلين متعاقبين من نقاد السينما ينفرط عقدهم، غيبهم الموت وتبقى سيرتهم عطرة، ودورهم مشهود في خدمة فن السينما ورفعة الثقافة السينمائية، كل حسب جهده، وتبقى لي ذكريات معه هو البرجوازي الكبير واحد من النخبة المثقفة المصرية، ناقدها المقل ورقيبها في منصب شغله نجيب محفوظ.