!إعصار العنف في السينما.. الي أين؟

سارت سفينة الحياة به في بحر ساكن لا موج فيه، حتي قارب الستين. هنا فاجأه شيء لم يكن في الحسبان كان خارجاً من السينما بعد الانتهاء من مشاهدة فيلم “الإخوة  موزار” عائداً مع شريكة حياته إلى المنزل سيراً على الأقدام، وإذا به- ودون مقدمات- على الثلج مُلقى يقترب من عالم الأموات، يصبح ماضياً جميلاً لا يبقى منه سوى ذكريات.

من القاتل

فمن هو ذلك الرجل الذي دارت به الأيام دورتها ليجد نفسه وجها لوجه أمام عنف عنيف يعترض سبيله برصاصات وأين ؟.

في بلد هادئ وجد حلاً لبعض مشاكله بالبعد عن الحروب لا يشارك فيها منذ بونابرت وأيامه السود.

إنه أول رئيس وزراء لدولة أوروبية عريقة في الديمقراطية يُغتال- وهو في السلطة- منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إنه ذلك الرجل الذي انفرد بشخصية متميزة جعلت منه سياسياً شجاعاً لا يهاب بأس واشنطن، لايتردد- وهو رئيس وزراء- في أن يدين العدوان على فييتنام، يصف قصف “هانوى” بالصواريخ والنابالم بالبربرية، يصف استخدام أسلحة الإبادة الكيمائية ضد الشعب الفيتنامي بالنازية.
ولعله ليس صدفة- بعد ذلك- أن يكون آخر ما كتبه بخط يده، قبل أن تجيئه الطعنه القاتلة من حيث لم يكن يتوقع- وهنا ضعفه- هو التوقيع باسمه “أولف بالم” على نداء سلام يدعو إلى وقف التجارب النووية. وليس من شك أن اختفاء رئيس وزراء السويد بهذا الأسلوب الدموي، قد كشف عن حقائق عديدة من بينها ان استمرار بقاء العالم على شفا الهاوية مهدد بالفناء الذري كما يُشّكل تربة خصبة تستنبت فيها كل ضروب العنف وتزدهر، وأن أحداً ليس بمنجاة من العنف يعصف إعصاره بالأخضر واليابس، لا يقف شيء أمام دوامته التي تحمل الموت والدمار.

التكامل

وبعد هذا كله فما علاقة الفن السابع بهذا الإعصار ومنجل الموت الذي يحمله، هل ثمة مغازلة بينهما.. ولماذا؟.

من الملحوظ أن العنف مرتبط بالسينما، موجود فيها منذ وجودها، متصاعد مع صعودها.

فهو إذن ليس بدعاً وافداً عليها.

إن له أصولاً قديمة ترجع الى أيام أن كانت السينما خرساء لا تستطيع الكلام، أي منذ مائة عام إلا قليلاً، وقت أن كان الجمهور يقف مشدوهاً في الأسواق كي يشاهد لقطة لرأس ملكة سكوتلاندا، وهي تُفصل بالمقصلة عن جسدها، فتسقط متدحرجة على الأرض.

وبعد العنف جاء دور الجنس انطلاقاً من قبلة بين رجل وامرأة تظهر على الشاشة البيضاء لأول مرة بفضل جرأة نفر من رواد السينما في مملكة صغيرة أو جزيرة منعزلة اسمها الدنمارك.

وبعجلتي الجنس والعنف تحركت عربة هوليوود لتصل بقيم الفيلم ونجومه إلى أقاصي الأرض، فلا تلبث أن تؤثر بالغ الأثر في التفكير، وفي نهج الحياة الاجتماعية والسياسية.

اللقطة الرصاصة   

وفي الحق فلو أردنا أن نؤرخ للعنف في السينما فلابد أن نبدأ بالفيلم الأمريكي “سرقة القطار الكبرى” (1903) لماذا؟

لأنه أول فيلم عظيم، والمقصود بالعظمة هنا أنه كان أول عمل سينمائي يأسر الوعي، يبقي أثره مترسباً في تلافيف العقل الباطن الأمريكي ودهاليزه.

ولا ريب في أن اللقطة التي ينتهي بها كان لها دور فاصل في أحداث هذا الأمر.

ففيها نرى الشاشة، وقد احتلها شخص ذو ذقن عريض مشقوق، وشنب كث، تغطي رأسه قبعة راعي بقر كبيرة، نبصره يستل غدارته، يصوب فوهتها نحونا، يشد الزناد، فتنطلق رصاصة منها متوجهة إلينا، تصرعنا جميعا بلا استثناء!!
وابتداء من هذه اللقطة الأخيرة المهلكة، أصبح من تراث السينما الأمريكية أن يصوب مخرجوها فوهات البنادق إلى المتفرجين، أن يشدوا الأزندة إثارةً وإبهاراً.

وطبعاً كل هذا كان قبل اكتشاف أرض الميعاد في هوليوود، قبل أن يتحولوا بها إلى كعبة السينما وخير وارث للعنف، تعتبره نعمة لا نقمة، شيئاً مادياً كارتشاف قدح قهوة.

ومن حسنات العنف على السينما الأمريكية- إذا كان له حسنات- أنه جعل منها سينما زاخرة بالتوتر والحرارة، بالعنفوان والحركة.

صوت العالم 

وهذا كان مؤداه النجاح والاكتساح، أن تفرض هوليوود نمطها، بل قل أسلوبها على جميع صانعي الأفلام في العالم مهما اختلفت البيئات والثقافات.

وعلى كُلٍ ففي خضم الأزمة العالمية وما تلاها من انتصار النازية واندلاع الحرب العالمية الثانية، في ذلك الخضم الهائل، المتلاطم بشتى الأهواء والشهوات والنزوات والتيارات، أخذ الجنس والعنف في التصاعد، وأعتاد جمهور السينما على مشاهدة الحب والعنف من القبلات إلى اللكمات كما تصورها هوليوود داخل إطار رقابي انحدر في نفاقه إلى حد حظر ظهور الرجل والمرأة معاً بالكامل في مخدع واحد، حتي ولو كان مخدع الزوجية.

أفعال فاضحة

وظل الحال كذلك حتى اقتراب الخمسينات من النهاية، فتحت تأثير الفيلم الفرنسي، وبخاصة المد الفني الذي أتى بالموجة الجديدة، أخذت الجسور الرقابية في الانهيار.

ولعل فيلم “العشاق” للمخرج الفرنسي “لويس مال” أحد الأعمال السينمائية القليلة التي لعبت دوراً إيجابياً هاماً في تحرير الفن السابع من القيود الرقابية في مجال الجنس.
فقد استطاع صاحبه أن يتغلب على كل العقبات الرقابية وذلك رغم جرأة الموضوع الذي يدور حول حب محرم من خلال مشاهد عارية أخاذة لعاشقين يتبادلان الحب بمصاحبة أنغام إحدى رباعيات “براهمز” تحلق بالمتفرج إلى أقصى سماء.

وبفضل نجاح الفيلم فنياً وتجارياً خرجت من أحضان عاشقيه مشاهد أخرى من الحب لا تُنسى في روائع “لانطونيوني” و”ريتشاردسون” و”برونويل” وغيرهم كثير، وفي نفس الوقت خرجت منها مشاهد جنسية سوقية في أفلام لا عد لها ولا حصر ازدحمت دور العرض بطوفانها المبتذل.

ومع انهيار الكثير من الجسور الرقابية إلى حد أدى إلى الترخيص بعرض أفلام الجنس الفاضح المسماة بالزرقاء، بل وإلى إلغاء الرقابة تماماً على جميع الفنون بما في ذلك السينما، كما هو الحال الآن في مملكة الدنمارك وبعض دول أوروبا وآسيا والأمريكتين، مع هذا الانهيار بدأ اقبال الجمهور على أفلام الجنس في الانحسار.

مرحلة تنتهي

وكان لابد من البحث عن بديل ناجح للجنس. وسرعان ما وجد تجار السينما ضالتهم المنشودة في العنف والتصعيد له.

وهنا قد يكون من المفيد أن أسرد حكاية السينما مع العنف في مرحلة ما بعد انهيار الرقابة، لا من البداية وإنما من النهاية.

منذ عام أو يزيد، وضمن جدران إحدى دور السينما بمدينة نيويورك، صاحت شابة في العتمة غاضبة “يا للبشاعة”.

هذه الصيحة تبعتها صيحات متفرجين آخرين داخل قاعة العرض آثار اشمئزازهم ما يجري أمام بصرهم من مشاهد منبتة الصلة بالذوق السليم.

كان من بين المشاهد محل الاستنكار، منظر مائدة عشاء عامرة بالطيبات، صُفت علىها جماجم محشوة بأمخاخ قردة تتصاعد منها الأبخرة، إناء كبير مليء بحساء يغلي تقفز منه كرات أعين تشع فزعاً، تنين مُزقت أحشاؤه لتخرج منها حيات صغيرة تسعى.

هذا المنظر، مع مناظر أخرى شبيهة في الفظاعة والبشاعة من بينها لقطة لقلب ينبض بالحياة، نراه يُنتزع من صدر إنسان، تكون بعضاً من تسالي قنبلة موسم 84/1985 “أنديانا جونز والمعبد الملعون” لساحر هوليوود وصانع معجزاتها “ستيفن سبيلبرج” صاحب “الفك المفترس” فيلم الرعب الشهير.

الآن، وبعد هذه النهاية المفزعة، فقد آن الاوان للارتداد إلى الوقائع القديمة التي بدأت بها حكاية ما بعد الانهيار.

محرر العبيد   

لعلى لست بعيداً عن الصواب إذا ما قلت أن إشارة البدء بتصعيد العنف هي أفلام “كلنت ايستوود” في مرحلتها الإيطالية وذلك بما أدخلته على أفلام “رعاة البقر” من عنف بدائي ساذج ورخيص.

فنجاح تلك الأفلام وولع الجمهور “بكلنت ايستوود” لوجهه القاسي الحاد التقاطيع نَبّه منتجي السينما إلى أهمية العنف وضرورة الإسراع بتصعيده جلباً لمزيد من الربح.

والأدهى والأدهش أنه في الدعاية لفيلمه الأخير “الفارس الشاحب” (1985)- وهو من إخراجه وتمثيله- أفردت صفحات وصفحات في كبرى المجلات لعقد مقارنات بينه وبين الرئيس “رونالد ريجان” في مدى الشعبية وبينه وبين رئيس آخر “إبراهام لينكولن” في مدى تشابه ملامح الوجهين.

وكعهدنا بكل اتجاه جديد في السينما خرج من العنف المتصاعد تياران:

تيار غير فني سائد يستغل العنف بغير هدف سوى الربح، وآخر فني يتناول العنف درامياً بهدف الدمغ والكشف له.

فارس الاوهام

ومن عجب أن الرقابة وفريقاً من الساسة والنقاد خلط بين التيارين على وجه انتهى إلى تقبل الأفلام غير الفنية التي تسيل دماً طالما أنها تعرض للعنف بخفة واستهتار وكأنه نكته تثار.

وإلى الاعتراض على الأفلام الفنية التي تطرح قضية العنف في المجتمع بجدية تحمل الاتهام له في مختلف صوره وأشكاله.

ففي الوقت الذي ارتاح فيه ضمير بعض الرقباء والساسة والنقاد إلى أفلام صعدت العنف، ولا هدف لها سوى أن تتخذ من ذلك وسيلة للإثارة المدرة للربح كأفلام “الطيب والشرير والقبيح” و”الفجر الأحمر” و”رامبو” هذا الفيلم الذي يمجد العنف وسفك الدماء بلا حساب، والذي أشاد به “ريجان”، عند استقباله لرهائن الطائرة الأمريكية المختطفة في بيروت، قائلاً “لقد شاهدت فيلم (رامبو) وأصبحت أعرف كيف أتصرف في المرات القادمة”.
في هذا الوقت بالذات أستيقظ الضمير فجأة ضد روائع “كالقطيع المتوحش” لسام بيكينباه و”أندريه روبليف” لأندريه تاركوفسكي لما فيها من عنف جامح لم تألفه عين، وضعت به بعض المشاهد بغرض إحداث تأثير درامي يجنح بالمتفرج إلى استنكار العنف والإيمان بعدم جدواه وسيلة للحياة.

صدمة عنيفة

ومما زاد من حدة هذا الاضطراب في الحكم الرقابي، وهذا الاهتزاز في الميزان النقدي هجمة لمجموعة من الأفلام ذات المستوى الفني الرفيع، ومع ذلك فيها من العنف الشيء الكثير.

وعند فيلمين من هذه المجموعة أقف قليلاً:

أولهما “كلاب قش” لصاحبه “سام بيكنباه” وبطله “داستن هوفمان” الذي يمثل دور أستاذ رياضيات أمريكي وديع، آثر الإقامة مع زوجته الانجليزية “سوزان جورج” في قريتها الهادئة على ساحل “كورنوول” بانجلترا بعيداً عن فوضى العنف بالولايات المتحدة، آملاً في أن يتفرغ للبحث العلمي عاماً كاملاً، غير أنه غاب عنه أن العنف لا فكاك منه في عالم يسوده العنف.

ففي هذه القرية التي تبدو هادئة رجال يطمعون في زوجته، ويدفعهم هذا الهوى الطائش إلى الاغتصاب والتعرض لحق الأستاذ في أن يكون سيداً في بيته.
وفي لحظة استفزاز، وبعد أن فاض إناء الصبر، يقول الأستاذ “هذا بيتي.. ولن أسمح بارتكاب العنف ضد بيتي” وتنشب المعركة بينه وبين عصابة المشاغبين المهاجمين لتنتهي بأفرادها جميعاً مقتولين.

أما الفيلم الثاني وهو”البرتقالة الآلية” فمن إخراج “ستانلي كوبريك” صاحب “لوليتا” و”سبارتاكوس” و”أوديسة الفضاء” و”باري ليندون”.

وفيه يتناول من خلال رؤياه الساخرة القاتمة مشاكل مجتمع المستقبل القريب.

القطعان والطوفان

ووفقاً لهذه الرؤية تتنازع شوارع لندن قطعان من الفتيان تائهة في اللذة، يتحكم فيها هوى الخروج على القانون بالاغتصاب والسرقة والقتل وما إلى ذلك من ألوان الانحراف.
أما السلطة ففي يد حكومة فاسدة يستبد بها وزير داخلية يحاول بوسائل التكنولوجيا الحديثة أن يروض زعماء هؤلاء الفتيان.. أن يجعل منهم آلات طيعة مجندة لتحقيق أطماعه السياسية.

فإذا ما انتقلنا إلى المعارضة وجدناها متمثلة في صحفي مضلل يتشدق بألفاظ جوفاء عن الحرية، يصف الشعب بهذه العبارة “الشعب قطيع يُساق.. يُقاد.. يُدفع”

ومن مهازل القدر أن يلقى عرض هذين الفيلمين من الجمهور والرقابة التأييد كل التأييد، في حين لا يلقى الفيلم الأول من النقاد سوى الاعتراض ولا يلقى الفيلم الثاني من وزير داخلية انجلترا سوى الامتعاض.

صحوة رقابة

فالجمهور أقبل على مشاعدة رائعتي “بكنباه” و”كوبريك” مستمتعاً بداستن هوفمان وهو يقتل المعتدين على كوخه دفاعاً عن شرفه، معبراً عن اغتباطه بنجاح الأستاذ في إبادة القطيع المهاجم بالصياح “حسناً فعلت”، مندمجاً مع “ملكولم ماكدوول” بطل “البرتقالة الآلية” حين يتغلب على غسيل المخ ويعود سيرته الأولى متمرداً مغتنماً اللذات.

ومدير هيئة الرقابة على السينما في انجلترا يدافع عن قرار إباحة عرض “كلاب قش” قائلاً لمراسلة “السنداي تايمز” لقد شاهدت الفيلم ثلاث مرات.. وما أزال انتفض من تأثيره حتى الآن.. إنه يقول شيئاً ما بأمانة.. ونحن لم نشعر أن العنف في الفيلم جاء اعتباطاً وبلا مسوغ.. ربما يحمل النقاد له كراهية شديدة، ولكني لا أظن أن أحداً منهم عاب في إخراجه أو قال عنه أنه غير رائع.

يُقال لنا دائماً أن الحرب والعنف وسيلتان لفض المنازعات.. ولكنك لا يمكن أن تشاهدي هذا الفيلم ثم تخرجي من السينما وأنت مؤمنة بأن العنف يصلح وسيلة لحل أية مشكلة.

إن الرقابة لا يجب أن تحول بين الناس وبين مشاهدة كل ما هو عاجل وهام حتى ولو نجم عن ذلك بعض معاناة”.

غباء وغضب

أما النقاد فأرسلوا خطاباً غاضباً إلى جريدة “التايمز” هاجموا فيه “كلاب قش”، عابوا على الرقيب “ستيفن مورفي” تناقض أحكامه الرقابية وتضاربها وضربوا مثلاً على ذلك بقرار منع عرض فيلم “عفاشة” لصاحبه “أندريه وارهول” الذى يعرض فيه لمأساة تعاطي المخدرات.

ولقد انعكست سورة الغضب هذه على “ديليز باول” حين كتبت مقالتها الأسبوعية في “السنداي تايمز” لتقول وهي جزعة “لأول مرة في حياتي أجدني أحس بالقلق على مستقبل السينما”.

والظاهر ان اهتمام وزير الداخلية بالعنف في السينما اقتصر على “البرتقالة الآلية”.
فلأول مرة في تاريخ انجلترا يتوجه الوزير بنفسه لمشاهدة فيلم سبق وأن أجازته الرقابة ليتأكد مما إذا كان عرضه يتهدد القانون والنظام العام.

وأغلب الظن أن ما حدا به إلى إعادة مراقبة الفيلم خروجاً على التقاليد هو انطواؤه على سخرية مريرة بدولة الغد العصرية ذات الطبيعة البوليسية. وكشف لوسائلها الفاشية في القضاء على ملكة الذكاء، وإحالة المواطن إلى لاعق حذاء.

ومهما يكن من أمر هذه الأزمة التي فجرها تصعيد العنف في الأفلام. فإن أزمة السينما المعاصرة إنما ترجع في جوهرها إلى أسباب أكثر عمقاً واتساعاً.

ومن بين هذه الأسباب تحكم الغرباء في السينما على وجه يضطر معه صانعو الأفلام إلى البحث عن وسائل للإثارة حتى ولو أدى الأمر إلى التضحية بالفن السابع وبحرية التعبير من خلاله.

وارتفاع المستوى الثقافي لجمهور السينما- على عكس جمهور التليفزيون- الأمر الذي أثار التساؤل حول مصير الرقابة هل استمرارها لازم أم أختفاؤها هو اللازم.

فمن المعروف أن الرقابة تقوم أساساً على فكرة مضمونها وصاية من يعرفون “الرقباء” على من لا يعرفون “الجمهور”، وهي وصاية تستهدف حماية الجمهور من مخاطر مشاهدة ما قد يضره، وذلك بافتراض أن الرقباء لا يتأثرون بما يشاهدون مهما كانت درجة خطورته لأنهم محصنون ضد جرثومة الإفساد.

وأن الجمهور ضعيف وبالتالي لا يمكن أن تمنح له حرية مشاهدة كل ما شاهده الرقباء، لأن مثل هذه الحرية المسرفة في الثقة به، لابد وأن تؤدي إلى انحرافه على وجه ضار بالصالح العام.

وغني عن البيان أن هذا المنطق المتعالي لا حُجّة فيه، آية ذلك الاتجاه العام- رغم خطر العنف المتزايد في الأفلام- إلى إلغاء الرقابة على السينما بالنسبة للكبار أو تخفيف أحكامها في كثير من الدول التي للرأي العام فيها وزن واحترام يسمح للمواطن باسترداد كل أو بعض حرياته السليبة في مجال الاستمتاع بالفن السابع إبداعاً وتلقياً بلا رقيب أو حسيب.

المهرجان الحائر بين الفوضي والاستقرار

عجيب أمر مهرجان القاهرة السينمائي فله من العمر سنين طوال. ومع ذلك فثمه لعنة تطارده كل سنة.. لعنة أن يكون أو لا يكون.

فدائماً، ومع اقتراب الموعد المحدد لاقامته يثير غير المستفيدين منه حملة شعواء ضده، تشكك في جدواه، تقيم أمامه العراقيل تفتعل أسباباً لإلغائه لو اقتنع بها حماة المصلحة العامة لانتهت بهم إلي إراحة بالهم بالتضحية به خلاصاً من مسئولية لا تحمل لصاحبها إلا كل همّ وغمّ.

وأسباب التي افتعلها دعاة الإلغاء تنحصر فى:

أولاً: أن فكرة المهرجانات لا تتناسب مع نداءات التقشف وشد الأحزمة سداداً للديون.

ثانياً: أن المهرجان بهرجة لا تليق مع ما نحن فيه من حزن على من مات ومن سيموت فيما هو آتٍ من الأيام.

فلما أسقط فى يدهم، وبدا أن المهرجان على وشك أن يُقام، أطلقوا وابلاً من الشائعات حول طبيعة الأفلام لعل أهمها الزعم بأن “طريق إلى الهند” فيلم الافتتاح مُعادٍ للإسلام، و”شاهد” الذي اشتركت به هوليوود- بعد مقاطعة للمهرجان دامت سنوات- فيلم يمجد شعب الله المختار.
ولولا هاتين الشائعتين لكان معظم الكلام عن الروائع السينمائية التي عرضت خلال المهرجان- وما أكثرها- وأذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر:

1ـ “الروح.. السيمفونية الخيالية” “لتيتوس ليبر”- نمساوي-.

2ـ “المرآة والغريب” لرينو سيمون- ألمانيا الديمقراطية-.

3ـ “ويزربي” لدافيد هير- إنجيزي- وكلاهما حاصل علي الجائزة الأولي لمهرجان برلين “1985”.

4ـ “أحلام المدينة” لمحمد ملص “سوري” وحاصل على الجائزة الأولي لمهرجاني قرطاج وفالنسيا “1984”.

5ـ “تعالى وانظر” “لكليموف”- “سوفييتي” وحاصل على الجائزة الأولي لمهرجان موسكو “1985”.

6ـ “برلين علي الشاطئ” لايريك رومير “فرنسي”.

7ـ “بلاد يحلم فيها النمل الأخضر” لفيرنر هرتزوج “ألمانيا الاتحادية”.

8ـ “البرازيل ” لتيرى جيليام “انجليزى”.

9ـ “الدواء” لشريف جونن وحاصل على الجائزة الأولى لمهرجان دمشق 1985.

10ـ “يرما” عن مسرحية الشاعر الأسباني “جارسيا لوركا”- مجري ـ.

11ـ “المرأة” للمخرج التركي “ايردن كيرال” “ألمانيا الاتحادية”.

الاستثناء.. لماذا؟

وعند الفليم الأخير، وقبل الكلام عن الفيلمين المتهمين- أتوقف قليلاً.. لماذا؟

لأنه ينتسب إلى سينما بلد محسوب ضمن بلدان العالم الثالث المتخلف. ولأنه يُعتبر، ورغم فقر الامكانيات واحداً من أجمل الأفلام التي ازدان بها المهرجان وأخيراً لأنه لو كانت الرياح تجري بما تشتهي السفن لوقع الاختيار عليه دون “طريق الي الهند” ليكون فيلم الافتتاح.

والمرآة فيلم يتميز بأسلوب يذكرنا بعباقرة السينما العالمية أمثال “ميزو جوش” الياباني و”روبرت بريسون” الفرنسي و”بيير باولو بازوليني” الإيطالي، مع قدرة على الاحتفاظ بأصالة تستطيع أن تستخرج من الأشياء العادية أشعاراً وأقماراً.

وفكرة المرآة بسيطة كل البساطة.. أبطالها ثلاثة: فلاحة “زيليهان” وفلاح زوجها وفارس “الاغا الصغير” الذي هو في حبها ولهان.

والفيلم يبدأ بلقطة مكبرة لورقة مالية تسقط فى الحقل حتى تراها عينا “زيليهان” التي ترفض الإغراء.

يلقي الاغا الممشوق القوام بباقة من الزهور في دلو مليء بالماء تحمله “زيليهان” التي تفرغه من كل ما فيه دون أن تطرح الفارس التحية.

يقترب الاغا حذراً ومعه مرآة صغيرة من زيليهان إلى أن تبصر وجهها ثم وجهه فيها. وعندما تشكو “زيليهان” أفاعيل الفارس إلى زوجها تبدأ المأساة.

فبقوة جذب هائلة وليدة ليل طويل من الهوان يأمر الفلاح زيليهان، بأن تقبل الهدية وتطرح التحية. فإذا ماعاد إلى الكوخ ووجد ورقة مالية تأكد أن الاغا طامع في زوجته، فقرّ قراره على إعداد كمين له ينهي به دهراً من الحرمان.

الموت والتحول

ومع قتل الاغا ودفن جثته في الكوخ ثم سفر الزوج القاتل إلى المدينة في محاولة منه لإخفاء معالم الجريمة، تنعطف الحكاية انعطافاً شديداً.

فها هي”زيليهان” وحيدة، خائفة، حزينة مع جثة في مملكة الموت.

وعندما يعود الزوج ترفضه، تنشغل عنه بطيف القتيل العاشق الذى تبصره في كل مكان، تبصره في الوديان فارساً ملء الأرض والفضاء ممتطياً آلامه، حاملاً في كفيه مرآة كبيرة تتوحد معه فيها في لقطة نادرة ساحرة.

وتزداد هوة الصمت بين الزوجين اتساعاً، تملأ القاتل خوفاً يمتد في كل الجهات، ينحسر بالإنسان الذي فيه. كل ذلك بأقل القليل من الكلمات، بلا موسيقى تصويرية في أغلب المشاهد اكتفاء بالمؤثرات الصوتية، تاكيداً للغة سينما راقية تصعد بالإنسان ليبصر.

والآن إلى الفيلمين المشبوهين..

“طريق أو ممر إلى الهند” أجمل قصة أبدعها خيال الأديب الإنجليزي “فورستر”. وعن حكايته معها يقول صاحب الفيلم “دافيد لين” “جزء من كيان صانع الفيلم هو سعياً بحثاً عن قصة يقع فى حبها”.

رحلة عذاب

ولقد حدث اللقاء السعيد مع “طريق إلى الهند” التي تعلق بحبها، عندما وقع بصره علي شخصياتها تتحرك على المسرح بفضل “سانتا راما راو” الذي حول القصة الي عمل مسرحي.

حاول أن يشتري حق التحول بها إلى فيلم، ولكن عبثاً، فمؤلفها عبس وأبى لا لسبب سوى أنه كان لا يثق فى السينما، متخوفاً مما قد تُلحقه بقصته من تشويه يفقدها تماسكها القائم علي توازن حساس دقيق في رسم حدود العلاقة بين الإنجليز والهنود وما يحيط بها من مآخذ بسبب التسلط والاحتلال.

ولم يلبث أن ودَّع “فورستر” الحياة ومضت أعوام والحلم لا يتحقق منه شيء إلى أن اتصل المنتج “جون برابورن” قريباً من نهاية سنة 1981 بالمخرج الكبير المعتزل الإخراج منذ فشل فيلمه “ابنه ريان”- 1970- طالباً إليه أن يصنع فيلماً من قصة “فورستر”.

ولم يكد يتم الاتفاق حتي كتب “لين” السيناريو، اختار لورد “ستودن” مصوراً للفيلم، يمم شطر أرض الغرائب والعجائب بحثاً عن موقع لالتقاط المناظر، وعن ممثل هندي “فيكتور بانرجي” يتقمص شخصيه الدكتور “أحمد عزيز” تلك الشخصية التي أراد “فورستر” لها أن تكون محوراً لقصته، تبدأ بها وصاحبها حائر متردد، فاقد للكيان الموحد.

فإذا ما عبر إلى بر الأمان متغلباً على محنة الاتهام له بالشروع فى الاغتصاب، انتهى الأمر به متجاوزاً التجربة، مسترداً الثقة بالنفس والاعتبار صائحاً في أنفة وكبرياء صائحاً قريباً من نهاية الفيلم “أخيراً أنا هندي”.

الإمبراطورية صدى

والظاهر أن تخوف “فورستر” على مصير درّته فى السينما كان له ما يبرره. فـ”لين” مال إلى شخصية الآنسة “اديلا كويستد” “جودي دافيز”.

بدأ الفيلم بها وهي فى انجلترا تحجز تذكرتي سفر إلى الهند ثم بها مع السيدة “مور بيجي اشكروفت” أم خطيبها، وهما معاً في القطار المتجه إلى “شاندرابور” حيث يشغل الخطيب منصب رئيس محكمة. إنها فتاة في حيرة من أمرها، ساقها الفضول إلى بلاد تركب الأفيال، هيأ لها التردد أن بالإمكان اكتشاف الهند الحقيقية.

فإذا ما دخلت أحد كهوف”مارابار” في محاولة منها للغوص في الأعماق، اضمحلت الهند التي سعت إلى اكتشافها حتي غدت لا شيء.. مجرد صدى يتردد يذهب أثر كل نداء.
كيد النساء

وهنا قد يكون من المناسب التساؤل: لماذا مال “لين” إلى العنصر النسائي، لماذا جعل من “اديلا”  محوراً للفيلم بدلاً من الدكتور”عزيز”؟

“في آخر حوار أجرته معه مجلة “بريمير” الفرنسية أبريل 1985 حول فيلمه قال: “في انجلترا دائماً ما نردد الاتهام بأن الإمبراطورية قد فقدت بسبب النساء”.

وفي اعتقادي أن هذا الاتهام لا يجافيه الصواب، فالرجال الذين بعثت انجلترا بهم إلى الهند قاموا بأداء ما كُلّفوا به من واجبات. وهذا الأداء كان في بعض الأحيان رائعاً وفي أحيان أخرى بشعاً.

أما النساء فموقفهن بشكل عام كان محل استهجان، كان مثيراً للاشمئزاز.

و”فورستر” في كتابه قد وجَّه الاتهام إلى جميع البريطانيين الرجال منهم والنساء علي حد سواء. ولكني آثرت التفرقة واضعاً التعبيرات الأكثر بلاهة علي لسان النساء”.

حساسية الانحياز

واضح إذن أن “لين” قد انحاز الى جانب رجال الإمبراطورية الذين خدموا في “جوهرة التاج” ميزهم بالفعل والقول علي الجنس اللطيف”.

ومن هنا فقدان الفيلم للتوازن الحميد، فالرجال رسمت شخصياتهم على وجه أوشكت أن تختفي معه رذائل التدخل والاحتلال وعيوب العنصرية والتعال.

وهذا التجميل لغزاة الشمال كان لابد وأن يصاحبه انحدار في رسم شخصية الرجال الهنود.

فعلى سبيل المثال شخصية الأستاذ “جود بول” “اليك جينيس”- وهي هندوسية براهمية- تناولها “لين” بسطحية كادت تصل بها الي حافه الكاريكاتورية المقيتة.

سحر الأبهة

ومهما يكن من أمر هذه المآخذ، فالقدر المتيقن أن الفيلم أخذ ينساب من خلال لقطات أجاد “لين” توليفها فأشّعت سحراً على مدى ثلاث ساعات إلا قليلا.

ومع ذلك فلا ملل أو سأم يُصاب به المشاهد ولو لثوان.

وهو يبدأ بمدينة بومباي في العشرينات. فرقة تعزف موسيقى عسكرية، فرسان يمتطون جياداً مطهمة، حشود من البشر علي امتداد البصر، نائب الملك وحاكم الهند مع قرينته عائدين من انجلترا.

هاهما يمران تحت بوابة ضخمة تملأ الشاشة فإذا بهما يتضاءلان، يتحولان إلى رمز لا غير، لأبهة إمبراطورية غابرة، يذوبان في شبه القارة التي تبدو وكأنها لا أول لها ولا انتهاء.

الهائمون

وفجاة ينتقل بنا صاحب الفليم الي ليل وقطار يتلوى كالثعبان بين الوديان تستقله انجليزيتان أكثر تواضعاً “اديلا” والسيدة “مور” في طريقهما إلى “شاندرا بور”.

وها هو القطار يظهر وكأنه لعبة صغيرة تائهة تحت أقدام أرض الهند، تطل علينا بمعابدها وقصورها فنحس دواراً يأخذنا أخذاً شديداً.

وكيف لا.. وأمامنا تتلاحق أطياف ثقافات وأديان وتاريخ عجيب يشبه المعجزة لا يملك الغرباء له تفسيراً أو تأويلاً.
وفي صباح يوم، وبعد أسابيع من الاستقرار في ساندرا بور عثرت أديلا علي مغامراتها، التقت أو ظنت أنها التقت بالواقع الهندي، ألقت عليه نظرة قصيرة ولكن مريرة.. كيف ؟

تعرفت علي الدكتور”عزيز”- وهو طبيب أرمل وأب لثلاثة أطفال- تعرفت عليه بفضل المدرس “ريتشارد فيلدنج” “جيمس فوكس” أنبل أفراد الجالية البريطانية في “شاندرا بور” وأكثرهم تبرماً بكل ما حوله، لا يروقه من سلوك مواطنيه العجرفة واحتقار الهنود.

واحتفالا بها رتّب الدكتور لها هي والسيدة “مور” رحلة مكلفة علي حسابه إلى كهوف” مارابار” الواقعة فى التلال القريبة من شاندرا بور.

وها هما معاً علي ظهر فيل مهول.

ومع ذلك فهذا الحيوان الضخم القديم قدم الدهر وطابور الخدم والحشم الذى من خلفه يسير، هذا كله تقلصت به الصخور الوحشية المطلة من التلال المحيطة بطريق القافلة، فإذا به يضيع فيما حوله، وإذا به كأن لم يكن شيئا.

وفي فوضى الكهوف وحشود الزوار ضلّت “اديلا” الطريق، وجدت نفسها فى كهف يحيط بها الظلام ولا تسمع سوى لسان الصدى.

اندفعت إلى الخارج فزعة، عادت إلى شاندرابور حيث نسبت إلى الدكتور” عزيز” تهمة الشروع في الاغتصاب. وطبعاً أسرع ضابط الأمن البريطاني فألقى القبض علي الدكتور المتهم وزجّ به في مهاوى السجون لا يخرج منها حتي يوم الحساب أمام القضاء.

انقسمت شاندرابور إلى فئتين متخاصمتين.. أقلية أجنبية تقف وراء “اديلا” دفاعاً عن الشرف الانجليزى المُهان وأغلبية أهل البلد تساند الدكتور المسجون إيماناً منها بأنه برئ مما يصفون.
القول الفصل 

وقبل بدء المحاكمة بقليل غادرت السيدة “مور” الهند وقد فقدت إيمانها بابنها وخطيبته، غادرتها دون أن تعرف عن جوهرة التاج شيئاً.

وفي الطريق إلى عدن فارقت الحياة، دُفن جسدها في مياة المحيط حيث ألقى مجهول باقة من ورود.

ويوم المحاكمة المشهود، وأثناء الجلسة الأولى والأخيرة حدث أمر لم يكن في الحسبان.

نطقت”اديلا” بالحق، اعترفت بأن الدكتور لم يقتف أثرها في الكهف وسحبت الاتهام.

بعد هذه الجلسة الفريدة، وبعد أن ثبت أن الدكتور مسلم برئ لم تمكث “اديلا” في  شاندرابور إلا أيام ثم غادرت شبه القارة منبوذة من الانجليز، ملعونه من الهنود غادرتها وليس في ذاكراتها من جوهرة التاج سوى صدى يلقي الرعب في القلوب.

الفردوس المفقود

والفيلم الآخر المتهم “شاهد” تدور معظم أحداثه في ريف ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة حيث يوجد قوم بيض يعيشون كما كان يعيش أجدادهم في سويسرا وأجزاء من ألمانيا منذ حوالي مائتي سنة، أي بدون راديو أو تليفون، سينما أو تليفزيون ولا يستعملون داخل مملكتهم الصغيرة السيارات أو القاطرات أو الطائرات.
بأختصار يمارسون الحياة، وكأن ساعة الزمن قد توقفت عند بداية القرن الثامن عشر، يمارسونها متحررين من رق الأشياء التي ابتدعها خيال انسان القرنين التاسع عشر والعشرين، وذلك لأنهم أصحاب ملة تؤمن بفلاحة الأرض وقدسية العمل اليدوي، تعتقد في جمال البساطة وسحر البراءة، ترى الخير كل الخير في الطيبة والحب ومسالمة الغير.

وعلى كُلٍ، فما علاقة هذه الجماعة واسمها “الأميش” التي تعيش في الماضي بالسينما؟

من المعروف عن مخرج الفيلم “بيتر فير”- وهو استرالي- أنه مولع بتناول موضوعات تعرض لشخصيات يتنازعها عالمان، و”جون يوك” “هاريسون فورد” في “شاهد” نراه مضطراً للذهاب إلى عالم “الأميش” هرباً من أيام سود، بحثاً عن مأوى يلوذ به من رفاق سوء خشية جبروتهم، ومخافة بأسهم.

حتى إذا ما استقر به المقام وشعر بالأمن والأمان أحسّ بأن ثمة أسلوباً آخر للمعيشة والحياة لم يعهده من قبل، فنراه، وقد أصبح ممزقاً بين دنياه ودنيا “الأميش” التي تبدو معلقة في الزمن، ثابتة بلا حراك.

العزاء للجميع  

والفيلم لا يبدأ به في فيلادلفيا حيث يعمل شرطياً، إنه يبدأ بلقطات رعوية في ربوع ريف أخضر لجمع من طائفة “الأميش” مرتد السواد حداداً علي”يعقوب لاب”، في وداعه حتى مثواه الأخير.

وها هي أمراة المتوفي “راشيل” “كيللي ماكجيليس” تتقبل العزاء في الفقيد العزيز مع ولدها الوحيد “صاموئيل” “لوكاس هامس” البالغ من العمر ثماينة أعوام والأب “ايلي” “بان روبيس” بلحيته الوقور.
ومن خلال هذه اللقطات الأولي بما فيها من عربات عتيقة تجرها جياد خشنة وأردية وعادات وتقاليد عفا عليها الزمن، يذهب بنا الظن أن أحداث الفيلم مستوحاة من عصور موغلة في التاريخ البعيد.

أما كيف ومتي نكتشف حقيقة تلك الأحداث، وأنها قريبة وليست موغلة في القدم، فهذا ما يحكيه “شاهد” بطريقة جذابة خلابة.

المصير المجهول

بعد مدة من رحيل زوجها إلى دارالموتى، أسودت الدنيا في قلبها وعينيها، حاولت الخلاص من قسوة وحدتها، قررت أن تشد الرحال مع صغيرها إلى “بالتيمور” حيث تقيم شقيقتها.

وها هي الآن مع الصغير داخل محطة في انتظار القطار السريع المتجه الي فيلادلفيا.

أذن نحن لسنا في زمن قديم، نحن في قرن غزو الفضاء.

وبينما هي في محطة فيلادلفيا تنتظر قطار “بالتيمور” المتأخر ثلاث ساعات عن الميعاد كان الصغير يلهو ويلعب مشدوهاً بالسلالم المتحركة، بالتليفونات ألاوتوماتيكية وما إلى ذلك من أعاجيب وألاعيب ليس لها في دنيا “الأميش” مثيل.

طبعاً، وهو هكذا منبهر، لم يكن ليتصور أنه مقبل خلال ثوان، علي أمر خطير به تتغير حياته هو وأمه الثكلى من حال الي حال.
جرائم شرطة

فقد ذهب إلى دورة مياه الرجال حيث رأي منظراً لن ينساه ما دام حياً.

رأى فيما رأى رجلاً أسود يذبح رجلاً أبيضاً ذبح الشاه.

ولا يكاد يخرج مذهولاً من مخبئه ويلقي نظرة مذعورة علي جثة القتيل التي انطفأ من عينيها نور الحياة، حتى يتأكد أن صاحبها قد أسلم الروح.

وهنا، وبطبيعة الحال، يتدخل ضابط الشرطة الرائد “يوك” إنه يحتاج للصغير باعتباره الشاهد الوحيد.
وتتوالى الأحداث سريعة نشاهد من خلالها صراعاً دموياً بين نقيضين عجيبين.. بين البراءة في أروع مظاهرها والوحشية في أبشع صورها.

ففي رحلة البحث يكتشف الرائد بفضل الشاهد الصغير أن القاتل واحد من الرفاق حماة القوانين.

وفوق هذا يكتشف- بعد أن أصابه طلق ناري بجرح خطير- أن رئيس الشرطة في المدينة هو العقل المدبر لجريمة محطة السكة الحديدية، والسبب أحراز كوكايين تقدر قيمتها بالملايين.

وتمضي اللقطات كالطلقات، فها هي الأرملة الملتاعة يحيط الشر بها وبصغيرها يطاردهما في غير رحمة، يستبد بهما في غير عطف.. فما العمل؟

لم يضع”يوك” الفرصة، رأى من الحق عليه أن يعود بالأرملة والصغير من حيث جاءا حماية لهما، انطلق بهما في سيارته إلى أكناف السهل والجبل حيث فردوسهما المفقود.

وبحكم أن الفيلم أمريكي وبطله “فورد” فارس “انديانا جونز” ومسلسلها الذي لا ينتهي، فقد كان لابد أن نراه في الختام وقد هزم الأشرار وحده، نراه وقد خرج من الفردوس منتصراً وحيداً.

لا علينا من هذه النهاية، ولننظر إلى جماعة “الأميش” وقد قال عنها مطلقو الشائعات إنها من جنس اليهود.
فما هو نصيب هذه الشائعة من الصحة؟

بالرجوع إلى الموسوعة البريطانية تبين أن “الأميش” جماعة تنحدر من طائفة مسيحية اسمها المينونية نسبة إلى الأب”مينو سيمونس” “1496 ـ 1561” وهو من المحتجين علي كنيسة روما.

ومهما يكن من الأمر فلا ذكر لليهود، ولا إسرائيل في “شاهد” اللهم لقطة خاطفة لمسافر ملتح في محطة فيلادلفيا ممسك بجريدة “الجيروساليم بوست” فهل تكفي دليلاً على الاتهام؟

عار الكيف مرة أخري

“الكيف” للمخرج “علي عبد الخالق” و”الوجه المدمر” للمخرج الأمريكي “بريان دي بالما” فرسا رهان، الاثنان يعرضان في وقت واحد وسط القاهرة، بل في شارع واحد “ميامي وأوديون” والاقبال عليهما منقطع النظير.
والاثنان يعرضان للمخدرات وسمومها من خلال مشاهد غير مألوفة لشم الكوكايين والحقن بالهيرويين لتثير الفزع في النفوس والرعب في القلوب.

والاثنان لكاتبي السيناريو “محمود أبو زيد” و”أوليفر ستون”، وكلاهما له خبرة واسعة في دنيا المكيفات وغرائبها.

فالأخير صاحب سيناريو “قطار منتصف الليل السريع”.. وهو فيلم مداره عالم مهربي الكيف بالشم وخلافه وجرائمهم التي لا تنتهي.

أما “محمود أبو زيد” فقد سبق له وأن أبدع سيناريو “العار” ذلك الفيلم الزاخر بالاسقاطات علي أخلاقيات الفئات المتوسطة القائمة علي محاولة الإثراء بأية وسيلة حتى لو وصل الأمر إلى حد الإتجار بالمخدرات، والتعرض لما تجلبه، في نهاية المطاف ، من عار ودمار ما بعده دمار.

أرواح ميتة

وفي “الكيف” كما في “العار” بطلا الفيلم من الفئات الدنيا المنحدرة من الطبقة المتوسطة.

إنهما “جمال” محمود عبد العزيز و”صلاح” “يحيي الفخراني”.

والفيلم يبدأ بأولهما مقبوضاً عليه مع أفراد فرقة موسيقية إثر خناقة مع أصحاب أحد الأفراح وبفضل لقطات سريعة نكتشف أنه شاب فاسد مستهتر، يعيش وحيداً لا يهمه من متاع الحياة الدنيا سوى الجنس والمخدر، فشل في كلية الحقوق فلم يكمل الدراسة، ولا أمل في أن يسترد الوعي ويتحرر.

وعلي العكس من ذلك شقيقه “صلاح”، فهو رب أسرة صالح ناجح، متخرج في كلية العلوم، يعمل كيمائياً في إحدى شركات القطاع العام، يعيش مع زوجته “رجاء” “نورا” وابنه “كوكي” “كريم أبو زيد” عيشة تبدو مستقرة هانئة، هادئة، ولكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.. كيف؟
السقوط.. لماذا؟

فدخله من عمله الشريف قليل وأعباء الحياة ومتطلباتها كثيرة، فهو مثلاً، ورغم علو مركزه، غير قادر على توفير المال اللازم لالحاق ابنه الوحيد بإحدى المدارس.

وفي سبيل الخروج من هذا المأزق الصغير، يقتنع بمنطق شقيقه الفاسد، فيوافق على صنع كمية من تركيبة كيميائية شبيهه بالحشيش لوناً ورائحة ومذاقاً بغرض الإتجار.

ومع هذه السقطة الأولى يبدأ مسلسل مرعب من الانحدار ينتهي بالأسرة كما في العار إلى نهاية فاجعة.

فها هو ذا “صلاح”– بعد أن أمر “البهظ” “جميل راتب” كبير تجار المخدرات بحقنه بالهيروين لإجباره على الاستمرار في صنع تلك التركيبة.. ها هو يتحول إلى مدمن فاقد الوعي اختصرت إنسانيته حتى أصبحت أصغر من حبة خردل.

شطحات وخيالات

والكيف يعرض للانهيار من خلال أحداث تجري في خطين متوازيين.. خط الكيف ولوازمه من ناحية، وخط الأغنية الهابطة ومشتقاتها من ناحية ثانية.

والخط الأول ليس فيه جديد سوى فكرة التركيبة الكيمائية الشبيهه بالحشيش يتعاطاها المدمن فترتفع به إلى سماء الدهشة، تسافر به إلى مدن الغرابة كما الحشيش غير المغشوش تماماً؟!
وفي اعتقادي أن تلك الفكرة بعيدة عن الواقع، أقرب إلى الخيال العلمي وشطحاته منها إلى أي شيء آخر..

ومن هنا إفلات البناء الدرامي من يد صاحب السيناريو في الثلث الأخير من الكيف.

وعلى كُلٍ، فهذا المأخذ لا يقلل من أهمية الكيف، ولا يحول دون إبداء الإعجاب به ككل، والإعجاب بحدوتة صعود جمال أو “مزاجنجي”.. اسم شهرته في الأوساط السفلى– في عالم الطرب والغناء.

دائرة الكسل

والشيء الأكيد أن “الكيف” مثله في ذلك مثل “العار” قد نجح في الخروج من دائرة الإعادة والتكرار.

فتجار المخدرات فيه يعربدون يفرضون قانون الغاب دون تخوف من شرطة مختفية لا تشعر بأن لها وجوداً.

وأماكن الأحداث فيه قد تم اختيارها بعناية فائقة، وبحس معماري رفيع، وجرى تصويرها بكاميرا “مأمون عطا”.. وهو فنان واعد يتقن لعبة الظل والتمويه.

وحوار الأبطال فيه شيق لاهث، يضيء كالبرق، فضلاً عن رسم لشخصية “جمال” المزاجنجي” وللشخصيات الثانوية وبالذات “الريس ستاموني” فؤاد خليل، مؤلف أغنية “يا قفا.. يا قفا” من خلال لمسات سريعة، وجمل معبرة من حوار بارع.

والأكيد.. الأكيد أن وراء الكيف كاتب يفكر، وليس فيلمه سوى واحد من الجزر الجميلة القليلة التي يهديها الفكر للسينما المصرية.