هاري بوتر وفوستر وشيلوك

أمر نادر الحدوث أن يجري في وقت واحد، عرض ثلاثة أفلام ذات قيمة فنية كبيرة.. وأين؟

في القاهرة حيث يتضاءل عدد هذا النوع من الأفلام على مر الأعوام.

وهذه الأفلام الثلاثة هي: “هاري بوتر والكأس الناري”، “اختطاف” و”تاجر البندقية” و”هاري بوتر والكأس الناري” هو رابع الأفلام المستوحاة من مسلسل روايات بقلم الأديبة الانجليزية “جي.كيه رولينج”.

ثرية وحديدية

ومعروف أنه بفضل ما بيع من هذه الروايات أصبحت “رولينج” أغنى امرأة في انجلترا، تفوق ثروتها ثروة ملكة بريطانيا العظمى.

وأول الأفلام المستوحاة من مسلسل رواياتها هو “هاري بوتر وحجر الساحر” (2001) وثانيها “هاري بوتر وغرفة الأسرار” (2002) وكلاهما للمخرج الأمريكي “كريس كولومبس”. أما ثالث الأفلام فهو “هاري بوتر وسجين ازبكان” لصاحبه المخرج المكسيكي “الفونسو كوارون”.

ولقد تميز”هاري بوتر والكأس الناري”- وهو كما سبق القول رابع تلك الأفلام– بوضع خاص جعله وحيد نوعه. صاحبه “مايك نوويل” ذلك المخرج الانجليزي الذي سبق له إبداع “أربعة أفراح وجنازة” ذلك الفيلم الذي حقق للسينما الانجليزية نجاحاً عالمياً منقطع النظير.

غلبة الروح

ومن هنا، ففيلمه أقرب إلى روح النص من أي من الأفلام الثلاثة السابقة عليه وآية ذلك غلبة روح الدعابة في أكثر من مشهد وانتهاج الفيلم عموماً أسلوب الملهاة السوداء.

فهو، والحق يقال، زاخر بالمشاهد التي تدغدغ حواسنا تارة بإثارة الرعب في قلوبنا وتارة أخرى ببعث الابتسامة على شفاهنا. ومن بين مشاهد الرعب هذه مشهد “هاري بوتر”– يؤدي دوره كالعادة “دانيال راد كليف” – وهو يصارع التنين. ومشهده مع اللورد “فولدر مورت”- يؤدي دوره لأول مرة النجم الانجليزي “رالف فينس”- وهما يتصارعان حتى ينتهي الأمر باندحار قوى الموت والظلام.

الصغار في حماية الكبار

ولعل هذين المشهدين، وغيرهما كثير، هو الذي أدى إلى اشتراط أن يكون الصغير الذي سنه أقل من ثلاثة عشر عاماً في صحبة أحد الآباء عند مشاهدة الفيلم. وكالمعتاد، لم يراع هذا الشرط بالنسبة للصغار في مصر المحروسة.

ربما لأن أعصاب صغارنا قوية عفية لا تهزها حيل وألاعيب الأفلام .

هذا عن”هاري بوتر”.. فإذا ما انتقلنا إلى الفيلمين الآخرين، وهما “اختطاف” و”تاجر البندقية”، فسنجد أنفسنا أمام عملين ترجع أهميتهما إلى أن أولهما بطولة “جودي فوستر” النجمة الفائزة بأوسكار أفضل ممثلة رئيسية مرتين، أحدهما عن أدائها لدور المحققة في فيلم “صمت الحملان”، وثانيتهما ترجمة رائعة إلى لغة السينما لإحدى أشهر مسرحيات الأديب ويليم شكسبير.

غموض وتشويق

و”اختطاف” أول فيلم أمريكي للمخرج الالماني “روبرت شفنكي” وهو من نوع أفلام التشويق، فيه من روح “الفريد هتشكوك” المخرج الشهير الشيء الكثير.

ولا يعيبه سوى سيناريو غير مستساغ بأية حال من الأحوال.

أما “تاجر البندقية” فصاحبه “مايكل رادفورد” ذلك المخرج الانجليزي الذي سبق له وأن أمتعنا برائعته “البوسطجي” عن الشاعر الشيلي “بابلو نيرودا” أثناء حياته في المنفى بإحدى الجزر الايطالية.

نجم النجوم

ويؤدي دور المرابي اليهودي “شيلوك” في الفيلم النجم “آل باشينو”ويشاركه في الأداء “جيرمي ايرنز” و”جوزيف فينيس” الأول في دور تاجر البندقية “انطونيو” والثاني في دور صديقه “باسانيو”.

وتؤدي دور الثرية “بورشيا” التي يتنافس من أجل الاقتران بها كوكبة من الرجال، بينهم “باسانيو” العاشق الولهان. ولن أحكي حدوتة التاجر والمرابي، فذلك شيء يطول فضلاً عن أنها معروفة للقاصي والداني، وإنما اكتفي بأن أقول أن “آل باشينو” كان مدهشاً في تقمصه لشخصية “شيلوك” رائعاً بكل المعايير.

رحلة فرنسا وألمانيا.. ثمار صيف حار

كان “مدينة الخطيئة” الفيلم الوحيد الذي شاهدته في باريس أثناء زيارتي الأخيرة لها، وهي زيارة لم تدم سوى أربعة أيام. وكان “السفارة في العمارة” أول فيلم أشاهده في القاهرة بعد عودتي من أوروبا، وحتي الآن لم أشاهد سواه.

وفيما بين هذين الفيلمين “مدينة الخطيئة” و”السفارة في العمارة” شاهدت وأنا مقيم في المانيا العديد من الأفلام بينهما أربعة أفلام أعمال سينمائية، مدار نصفها الحرب العالمية الأولى، ومدار نصفها الآخر الحرب العالمية الثانية، وبالذات الموقعة الفاصلة في تلك الحرب الضروس، موقعة “ستالينجراد”.

جرائم رقابية

ولن أعرض بالتفصيل للفيلمين اللذين يدوران حول الحرب الأولى التي قدم بها العهد، وهما “طرق المجد” (1957) للمخرج الأمريكي الأشهر”ستانلي كوبريك” و”خطوبة طويلة جدا” (2004) فذلك شيء يطول مكتفياً بأن أقول أن “طرق المجد” ظل عرضه العام في فرنسا بلد الحرية والإخاء والمساواة ممنوعاً رقابياً ردحاً طويلاً من الزمن، لا لسبب سوى أنه أظهر الوجه القبيح للعسكرية الفرنسية.

وأن “خطوبه طويلة جداً” قد تعرض هو الآخر لمحنة مماثلة ولكن في مصر المحروسة. ومن الأكيد أنه لن تتاح له فرصة العرض العام في ديارنا، لا في زمن قريب أو بعيد.

أم المعارك

والآن إلى الفيلمين اللذين يدوران وجوداً وعدماً حول “ستالينجراد” أولهما جرى عرضه قبل ثلاثة عشر عاماً، وهو فيلم ألماني اسمه “ستالينجراد” وصاحبه المخرج “جوزيف فيلسماير”.

أما الفيلم الثاني، فقد جرى عرضه قبل أربعة أعوام، تحت اسم “العدو على الأبواب” وصاحبه “چان چاك انو” المخرج الفرنسي ذائع الصيت.

وهو إنتاج مشترك بين ثلاث دول أوروبية، المانيا، بريطانيا، وايرلندا.

ويعتبر أكثر الأفلام الأوروبية تكلفة، إذ صُرف على إنتاجه ستون مليون جنيه استرليني.

أول استسلام

وموضوعه يدور حول صمود مدينة ستالنجراد أمام زحف جحافل الجيش الألماني، ذلك الصمود الذي انتهى بالجيش السادس تحت قيادة الفيلد مارشال “فردريك فون باولوس” محاصراً بدءًا من 23 نوفمبر 1942 حتى الثاني من فبراير 1943، تاريخ استسلامه مع جيشه الذي لم يبق منه سوى واحد وستين ألف جندي وذلك بعد فقده حوالي مائة وخمسين ألف جندي، قبل وأثناء الحصار.

وقود بشري

ولقطات فاتحة الفيلم مذهلة، ففيها نرى ركاب أحد القطارات من المدنيين وهم يؤمرون بمغادرته فوراً حتى تستقله حشود المجندين الذين نراهم يحشرون في عرباته وكأنهم قطعان من الأغنام وما هي إلا ثوان من الزمن السينمائي حتى يساق بهم إلى قوارب تعبر بهم نهر الفولجا في رحلة نحو جحيم ستالينجراد، تحت وابل من القنابل تتساقط عليهم من طائرات الألمان فتحصد أرواحهم، حتى يموج النهر بجثثهم، وبجثث من حاول الهروب من الهلاك، فأردته رصاصات الرفاق، امتثالاً منهم لأوامر صادرة بقتل كل من تسول له نفسه النجاة من موت أكيد في ساحة القتال.

أما المدينة نفسها فقد تحولت بفعل المعارك الشرسة في شوارعها وداخل مبانيها، والقذف المتواصل من مدافع وطائرات الغزاة الألمان إلى بقايا من سقوف وجدران تطل من بعضها فجوات كانت إلى عهد قريب نوافذ أو أبواب.

صراع الأبطال

ولن أحكي تفاصيل كل ما عرض له الفيلم وخاصة الصراع المرير بين القناصين الروسي (ويؤدي دوره النجم “چود لو”) والألماني (ويؤدي دوره النجم “أد هاريس”) وكيف انتهى بمصرع الأخير، فذلك شيء يطول مكتفياً بأن أقول أن عرض الفيلم للمعارك كان يشعرنا بأننا مشاركون فيها، وذلك من فرط الاتقان.

فلا استسهال كما هو الحال في أفلامنا التي عرضت لمعاركنا، ومن بينها أذكرعلي سبيل المثال “بدور” و”الرصاصة لا تزال في جيبي” وإنما دقة بحث وحسن استقصاء وتجويد سعياً إلى الكمال.

وهذا ولا شك من خصال أية سينما جادة تريد أن تقول شيئاً ينفع الناس.

حرب العوالم

هذا الفيلم لا يدور حول عوالم شارع محمد علي أو أي شارع آخر من شوارع مصر المحروسة، كما قد يتبادر إلى الأذهان.

إنه يدور حول عوالم من طبيعة أخرى، كائناتها سدم ونجوم وكواكب، مجال تحركها الفضاء.

وصاحبه “ستيفن سبيلبرج” ذلك المخرج الأمريكي الذي ذاع صيته، بحيث لا يجري استطلاع رأي عن أعظم المخرجين في تاريخ السينما بدءًا من تحرك الصورة قبل أكثر من مائه عام، وحتى يومنا هذا، إلا ويجئ ترتيبه في الصدارة، الأول بجدارة ولا غرابة في هذا، فهو صاحب عدة أفلام، كل واحد منها علامة في تاريخ السينما.

ومن بينها أذكر على سبيل المثال “الفك المفترس”، “لقاءات قريبة من النوع الثالث”، “أي تي” ، “الذكاء الصناعي” و”تقرير الأقلية”.

وهو الفائز مع فيلمه “قائمة شندلر” بجائزتي أوسكار أفضل فيلم وإخراج.

والفائز بجائزة أوسكار أفضل مخرج عن فيلمه “إنقاذ الجندي ريان”.

وفضلاً عن ذلك، فبعض أفلامه حققت أعلى إيرادات في تاريخ السينما، ومن بينها أذكر “الفك المفترس” وثلاثية “أنديانا جونز” بطولة “هاريسون فورد”.

هذا، ومن بين المزايا التي جعلته فريد نوعه في عالم السينما، أنه يحس عصرنا، يرى صورته الظاهره وأعماقه معاً.

كما أنه يمتلك قدرة فائقة على اكتشاف المواهب، وتحريك الحشود والمجاميع، وإسناد الأدوار المناسبة للممثلين، الكبار منهم والصغار فضلاً عن ابتكار أفكار ووسائل فنية عديدة، فتحت للغة السينما آفاقاً جديدة.

ومعروف أنه بداءً من فيلمه الأول “صراع ” لم ينقطع عن الإخراج.

ومع ذلك فرصيده من الأفلام، خلال أربعة وثلاثين عاماً، ثلاثة وعشرون فيلماً فقط.

واللافت للنظر في رصيده هذا، أن حوالي ربعه من ذلك النوع من الأفلام المسمى بأفلام الخيال العلمي.

و “حرب العوالم” – جمع كلمة عالم بفتح اللام – المعروض في مصر تحت اسم “الغزو الرهيب” من ذلك النوع من الأفلام.

وموضوعه مستوحي من قصة بنفس الاسم (1898) للأديب الإنجليزي “هـ. ج. ويلز” جرى إخراجها أكثر من مرة للراديو والسينما والتليفزيون.

وكعهدنا “بسبيلبرج”، اختار لواحد من أهم الأدوار في الفيلم فتاة صغيرة “داكوتا فاننج” ليس لها من العمر سوى أحد عشر عاماً وعندي أنها تفوقت في الأداء على نجم النجوم “توم كروز”.

فهو، والحق يُقال، لم يكن مقنعاً في أدائه لدور الأب الذي يعمل جاهداً في هذا الفيلم من أجل حماية فلذة كبده من بطش غزاة الفضاء، المتعطشين للدماء.

وصفوة القول أن “سبيلبرج” بفيلمه الأخير لم يخب ظن المعجبين بموهبته الفذة، خاصة في مجال إخرج أفلام الخيال العلمي.

بل أن الفيلم يؤكد أن خبرته التي اكتسبها على مر الأعوام قد صقلت موهبته، وزادتها رصانه وعمقاً.

This website stores cookies on your computer. These cookies are used to provide a more personalized experience and to track your whereabouts around our website in compliance with the European General Data Protection Regulation. If you decide to to opt-out of any future tracking, a cookie will be setup in your browser to remember this choice for one year.

Accept or Deny