أوسكار وهيمنة مصنع الأحلام

هيمنة هوليوود على السينما العالمية أمر لا يجادل فيه الآن سوى نفر أقل من القليل.

وهي هيمنة ترجع ارهاصاتها إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى بقليل، وعصر السلام الجميل على وشك الرحيل.

ولعل أول أرهاصة لها “ميلاد أمة” أول فيلم يشاهده الرئيس الأمريكى “ويلسون” في البيت الأبيض فيعبر عن دهشته واعجابه بروعة الأطياف التى مرت أمام عينيه قائلاً أنه رأى “التاريخ مكتوباً بالبرق”.

ومن بين الارهاصات ظهور نظام النجوم ونجاحه نجاحاً منقطع النظير بحيث أصبح ممثلون كشارلي شابلن “وماري بيكفورد” و”دوجلاس فيربانكس” ــ كانوا إلى عهد قريب مغمورين ــ فجأة من المشاهير، بسحر الصورة المتحركة تجري أسماؤهم على كل لسان، لهم عشاق فى كل مكان. 

الصمت والكلام

وبعد منتصف عقد العشرينات بعام وبضع عام ــ انفردت السينما الأمريكية بالكلام، يوم السادس من أكتوبر 1927، ففى ذلك اليوم تحقق ما كان يحلم به السينمائيون منذ أن تحركت الأطياف 1895 عندما نطقت السينما للمرة الأولى في الفيلم الأمريكى “مغني الجاز”.

وبدءًا منه والأفلام لا تكف عن الكلام والصوت يرقى فيها على الدوام.

وفي هذه الاثناء ظهرت فى المانيا السينما المسماة بالتعبيرية.

وفي روسيا البلشيفية، سينما اتسمت بالواقعية والاشتراكية.

وتحت تأثير الديكتاتورية في هذين البلدين الكبيرين سرعان ما تدهورت السينما، فأصبحت بوق دعاية مباشرة، فجة، لا هم لها إلا تمجيد عبادة الزعيم هتلر في المانيا، والرفيق ستالين في روسيا.

حقا كانت أزمنة عصيبة لم يستفيد منها إلا مصنع الاحلام في هوليوود.

سر الهيمنة

فقد أتاحت له فرصة الهيمنة على السينما العالمية بأفلامه المتعددة الأنواع المشارك في إبداعها مخرجون موهبون بعضهم هارب من نير النازية.

وتلك الهيمنة ترجع إلى عدة أسباب لعل أهمها:

أولاً: توافر حرية التعبير للسينمائين في الولايات المتحدة، دون زملائهم خارجها على امتداد العالم الفسيح.

ثانياً: السبق الأمريكى في الاختراع والاسراع بتطبيقه عملياً في جميع المجالات، وفي مقدمتها صناعة الأطياف.

ثالثاً: أزدهار نظام النجوم حتى أن شركة كبيرة مثل مترو جولدين ماير كانت تتفاخر على “شركات هوليوود الأخرى بأن نجومها أكثر عدداً من تلك التي في السماء!!”.

رابعاً: ابتداع الاوسكار، وحفل توزيع جوائزها سنوياً بدءًا من 1927، سنة انطلاق السينما من الصمت إلى الكلام.

والحق أن مبتدعي الأوسكار كانوا بعيدي النظر إلى حد كبير.

فعلى مر السنين أصبح لها شأن عظيم في الدعاية لمستحضرات هوليوود على امتداد العالم شرقاً وغرباً.

ويكفي في هذا الخصوص الدعاية التى تتحقق لصالح أفلام مصنع الأحلام بفضل الحفل السنوي الذي يُقام في الأيام الأخيرة من شهر مارس حيث يجري إعلان الجوائز وتوزيعها أمام حشد من مشاهير النجوم، يشاهده على الشاشات الصغيرة ألف متفرج أو يزيد، منهم من يراهن على فوز أو خسارة الأفلام المتنافسة والمشاركين في ابداعها بعزيز المدخرات.

وحفل الأوسكار يجري الاستعداد له في وقت مبكر والسنة على وشك الانتهاء، عندئذ يسرع المتنجون بعرض أفلامهم داخل الولايات المتحدة، ولو في دار واحدة، وذلك بأمل اكتساب حق الاشتراك بها فى مضمار المنافسة على الأوسكار.

وما أن ترحل السنة، وتنتهي أجازات أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة حتى يجتمع أعضاء اتحادات نقاد السينما فى أكثر من مدينة كبيرة للتداول في أمر الأفلام التى يرونها جديرة بالتقدير.

ولعل أعلى تلك الاتحادات مقاماً اتحاد نقاد نيويورك ولوس انجلس.

الكرة الذهبية

ومع ذلك فاتحاد الصحفيين الأجانب بلوس انجلس ــ وليس هذين الاتحادين ــ هو الذي يُعمل لجوائزه المسماة الكرة الذهبية ألف حساب لماذا؟

لانها تفتح للفائزين بها أبواب الأوسكار ومن هنا انتظار النجوم وصانعي الأفلام حفل توزيع الجوائز بفارغ الصبر. فالمؤكد ترشيح الفائزين بها فى ذلك الحفل للأوسكار.

وفي معظم الأحوال تكون، أى جائزة الأوسكار من نصيبهم فى نهاية المطاف.

ومصداقاً لذلك حظ الأفلام الفائزة بالكرة الذهبية من الأوسكار خلال الأعوام العشرة الأخيرة؛ ففيما عدا فيلمين فقط فازت جميع الأفلام الأخرى بالأوسكار.

الانتصار والاندحار

وعلى كُلٍ، فقبل أسابيع قليلة فاز “فورست جامب” بالكرة الذهبية باعتباره أحسن فيلم ويلعب الدور الرئيسى فيه “توم هانكس”.

وعن أدائه لذلك الدور فاز هو الآخر بالكرة كما فاز بها مخرج “روبرت زيميكيس” صاحب “الأرنب روجرز” و”العودة إلى المستقبل”.

ولا يضارع “فورست جامب” في عدد الكرات الذهبية الفائز بها أي فيلم آخر.

ففيلم “أدب رخيص” الذي كان منافساً خطيراً له لم يفز إلا بكرة واحدة وهي الكرة المخصصة للسناريو. والغريب أن يندحر هكذا أمام “فورست جامب”.

ووجه الاستغراب أنه قبل إعلان نتائج الكرة بأيام كان نقاد السينما في لوس انجلس قد اختاروا أحسن فيلم. ولم يكتفوا بذلك، بل جنحوا إلى منح الكرة إلى اثنين من مبدعيه، مخرجه “كوينتين تارانتينو” ونجمه “جون ترافولتا”. وشاركهم في تفضيل “تارانتينو” على “زيميكيس” المجلس القومي لعارضي الأفلام واتحاد نقاد السينما في نيويورك. وليس من شك أن كلا الفيلمين “فورست جامب” و”أدب رخيص” سيجري ترشيحه للأوسكار.

ملك الغابة

وأغلب الظن أنه سيكون من بين الأفلام المرشحة معها “الأسد ملك الغابة” الذي حقق ايرادات مذهلة في تفوق ايرادات “حديقة الديناصورات” بعد حين. كما فاز بالكرة الذهبية الخاصة بالأفلام الكوميدية أو الموسيقية، باعتباره من ذلك النوع من الأفلام، وذلك رغم أنه متأثر إلى حد كبير بمأساة هاملت أمير الدانمارك، للشاعر ويليم شكسبير!!.

توقعات لا نبوءات

وفي اعتقادي أن أوسكار أحسن فيلم ومخرج وممثل رئيسى، ستكون من نصيب “فورست جامب” ومخرجه “زيميكيس” ونجمه”هانكس”. ففضلاً عن فوز الثلاثة بالكرة فالفيلم حقق ايرادات فاقت كل التصورات هذا إلى أنه خال من ذلك العنف الدموي، وتلك الألفاظ البذيئة الزاخر بها “أدب رخيص” الفيلم المنافس له.

والأهم أن موضوعه مس وتراً حساساً فى الشعب الأمريكى، وخاصة الشرائح العليا من طبقته المتوسطة الواسعة للنفوذ، بحيث أصبح بفضله من الأفلام الأمريكية القليلة التى من كثرة الكلام عنها تحولت إلى رمز لحال أمريكا وأهلها. ومن بين تلك الأفلام أذكر “مولد أمة” و”أعناب الغضب” و”ذهب مع الريح” و”الأب الروحي” و”آى تي”.

الطيبة المجزية

والموضوع الذي نحن بازائه يعتمد على شخص واحد، هو البطل “فوريست جامب” ومن حوله أشخاص كثيرون لكل منهم مكانه واثره، أمه، رفاقة في المدرسة، وحبيبته، الفيس برسلي، جون ليتون حاكم الولاية “جورج دالاس”. المحاربون معه في فيتنام، الرؤساء كينيدى، جونسون ونيكسون.

 والبطل “جامب” أقل ذكاء من المعتاد بل يكاد يكون معوقاً. ومع ذلك استطاع بفضل أولاً تمسكه بأهداب الفضائل والمبادئ التى لقنتها له أمه وهو صغير وثانياً قيامه بانجاز أية مهمة اسندت إليه على خير وجه، مهما كانت الصعاب، استطاع تجاوز جيمع العقبات، ولا اقول صنع المعجزات.

وها هو ذا متفوق حتى على هؤلاء المقول بأنهم أكثر منه فطنة وذكاء. فقد أصبح ثرياً، وفاز بمحبوبته، ومنها أنجب طفلاً رائعاً.

ولنجاحه على هذا الوجه، رغم كل المعوقات أصبح “جامب” تجسيداً لتوجسات ومخاوف الأمريكيين المتولدة عن فقدانهم الثقة بأنفسهم لظنهم أنهم ليسوا على مستوى التحديات وما فشلهم إلا عقاباً يستحقونه عما اقترفوه في حق أنفسهم.

ومن هنا اعتبارهم انتصار”جامب” وكأنه انتصارهم.

فجامب والحق يقال لا يعدو أن يكون إعادة بناء عبقري من قبل “زيميكيس” وهو من مدرسة ستيفن سبيلبرج” لخرافة أمريكا التى أصبحت هشيماً في أثناء عقد الستينات. فأمريكا حسب “جامب” بلد متحرر من الطبقات بلا تاريخ عنصري بدون ماض أبيد فيه الهنود الحمر.

بلد لا يعاني سكانه من استلاب الأشياء “فجامب” يمشي لابساً ثوب الحياة، ببراءة وطيبة، بهما يخلص الجميع من عواقب الآثام في بلد تتحقق فيه كل الأحلام.

!! هوليوود ضد أمريكا أكذوبة جديدة

الكتاب يقرأ من عنوانه، وإذا كان كتاب “مايكل ميدفيد” الأخير عنوانه “هوليوود ضد أمريكا .. الثقافة الشعبية والحرب على القيم التقليدية”، فذلك يعني أنه كتاب معاد لمصنع الأحلام، وما ينتجه من أفلام، لا يحسن الاطمئنان إليها، والسكوت عليها.

بل قد يكون من الخير إلا يخلي بينها وبين الشباب والحق أنه لكذلك، ويكفي الوقوف عند عناوين أجزائه الأولى المكرسة لوصف وتحليل أفلام مصنع الأحلام وهي “مصنع السموم” ،”الهجوم على الدين” ،”العدوان على العائلة”، و”تمجيد القبح”، يكفي ذلك حتى تتضح لنا الملامح الرئيسية للكتاب، والمقصود من نشره في هذه الأيام.

بيان جديد

والجدير بالذكر هنا أن الكتاب يبدأ هكذا “غرام أمريكا الطويل الأمد بهوليوود انتهى”. وهذه البداية التى لا تتسم بالقصد والاعتدال، إنما تذكرنا ببداية بيان “ماركس” و”إنجلز” فى سالف الزمان شبح يطارد أوروبا، شبح الشيوعية!!

وبداءة صاحب “هوليوود ضد أمريكا” ناقد يهودي أمريكى ورب أسرة سعيدة من زوجة وثلاثة أطفال، يشاركهم أسباب السعادة كلب كبير، وأحد أشقائه يعمل مهندساً للأكترونيات فى إسرائيل.

ومنذ أثنتى عشرة سنة، وهو يعمل ناقداً سينمائياً لحساب شبكات التليفزيون الأمريكى، والآن هو صاحب برنامج تابع للقناة الرابعة في التليفزيون الانجليزى اختار له اسماً غريباً كل الغرابة “أسوأ سيئات هوليوود”.

 وقد أحدث كتابه ضجه كبرى عند نشره في الولايات المتحدة وانجلترا، ولعل خير دليل على ذلك ما فعلته مع الكتاب جريدة “السانداى تايمز” فى عددها الأسبوعي واسع الانتشار، عندما جعلته عنواناً رئيسياً مثيراً على صفحتها الأولى.

وفوق هذا، أفرددت له غلاف ملحقها المخصص للثقافة، مع عديد من الصفحات.

قبل السقوط

وأعجب العجب أن الكتاب لعب دوراً فى سقوط “جورج بوش” إذ اعتمد عليه هو ونائبه “دان كويل” في حملتهما الانتخابية التى أقاماها على أساس الحفاظ على قيم العائلة الأمريكية ومثلها العيا المهددة بما تبثه أجهزة الإعلام.

وكان تركيزهما في الحملة على خطر التليفزيون أولاً، لاسيما برنامج النجمة “كانديس برجن” الذى اشتهر تحت اسم “ميرفي براون”.

وفيه تدعو إلى تحرر المرأة من فكرة الزواج، وما ينجم عنها من قيود وأعباء جسام. وثانياً أفلام هوليوود لما تنطوي عليه من أفكار تفل العزائم وتثبط الهمم، وتصد الشباب عن العمل وترده عن الأمل، وقد تدفعه إلى نشاط عقيم.

واعتمدا في ذلك على كتاب من تأليف ناقد على دراية واسعة بهوليوود وأفلامها يعيش في كاليفورنيا حيث مصنع الأحلام، وحيث يشاهد على مدار كل سنة حوالى ثلاثمائة فيلم، هذا في الوقت الذى لا يرى فيه المواطن الأمريكى العادي فى المتوسط سوى فيلمين وكأن لسان حالهما يريد أن يقول للشعب الأمريكي وشهد شاهد من أهلها على فساد الأفلام.

وبطبيعة الحال، أهاج ذلك الاستغلال للكتاب النذير ملوك السينما.

فكان أن تحركوا، هم ونجومهم الكبار في حلمة دعائية ضارية ضد بوش ونائبه، ولصالح خصميهما “بيل كلينتون” و”آل جور” وبحكم تأثير النجوم الكبار على الرأى العام في أمريكا، كان الفوز من نصيب”كلينتون” ونائبه.

أحلام وسموم

وعلى كُلٍ، يعتبر صاحب الكتاب أكثر رجل مكروه في هوليوود الآن لماذا ؟

لأنه يزعم فى كتابه النذير أن صانعى الأفلام انفصلوا عن الناس العاديين بأفلامهم المليئة بصور الجنس والعنف واليأس. “فالآن الأمريكيون يرون فى صناعة الترفيه عدواً قوياً، رهيباً غريباً يهاجم أعز قيمنا ويفسد أطفالنا، لقد تحول مصنع الأحلام إلى مصنع السموم. ورسالة هوليوود إلى العالم قاتمة أقرب إلى السواد، يستبد بها القبح وغرائب الانحرافات تكاد تعادى معظم آمال وتوقعات الناس، فأفلامها غالباً ما تهاجم مؤسسة الزواج، تسخر من الأديان، تمجد العنف، تحتقر السلطة، وأية عقيدة تدعو إلى حب الوطن والافتخار به”.

وللتدليل على صحة مزاعمه، اختار أفلاماً مثل “النوم مع العدو” و”تلما لويز” فهذان الفيلمان، فى رأيه، إنما يعرضان إلى الحياة الزوجية، على وجه الخوف منها والاشمئزاز، وعنده أن “الغريزة الأساسية” فيلم لا هدف له سوى الهجوم على ما يتعقده الناس من أن الالتزام بالقانون، والاحترام له فيه حماية من عاديات الزمان. فالبطل “مايكل دوجلاس” في الفيلم يحب عدم إطاعة الأوامر، والجنوح إلى التصرف حسبما يهوى ويشاء وحسبما يراه محققاً لهزيمة خصومة المجرمين.

 ميثاق الشرف

ويناقش”ميدفيد” في كتابه دوافع المخرجين والمنتجين إلى عمل أفلام قوامها التفضيل لكل ما هو منحرف، مفسد، مثل “صمت الحملان”، و”رأس الخوف” و”الطباخ اللص وزوجته وعشيقها”.

ولا يتورع عن مهاجمة زملائه النقاد، لأنهم أشادوا بهذه الأفلام، وأمطروها بوابل من جوائز الأوسكار، وغيرها من الجوائز كثير. ومع ذلك فلم ينحدر إلى حضيض المناداة بعودة الرقابة على الأفلام.

كل ما ينادي به من حين لآخر، هو إعادة التوازن إلى صناعة السينما، بحيث يضع مبدعو الأفلام في الاعتبار، وهم في سبيلهم إلى اتخاذ قرار بإنتاج فيلم، ما سيكون له من تأثير على المجتمع سواء بالسلب أو بالإيجاب (إلا يذكرنا هذا النداء بميثاق الشرف الذي يدعو إليه عندنا بين الحين والحين).

عربدة الضوضاء

وطبعاً لم يقف أصحاب الأمر والنهي في عاصمة السينما ولا النقاد مكتوفي الأيدي إزاء ما جاء في الكتاب من اتهام للأفلام.

فمثلاً “فارايتي” أعرق مجلة للفن والترفيه فى العالم، تصدت لكتابه قائلة إنه “يتيح لنا أن نرى بنظرة ملؤها الجزع، ماذا يحدث لعقل مستبد، لا ينعم بروح الدعابة عندما يغرق في ضجيج ثقافة الجماهير”.

وأيدتها فيما ذهبت إليه جريدة “ديترويت نيوز” بقولها إن “الكتاب ليس عن هوليوود” بقدر ما هو عن الضجة والضوضاء التى تعربد فى دماغ “ميدفيد”. وفي تعليق لها عما جاء في الكتاب قالت “لورا زيسكين” منتجة فيلم “امرأة جميلة” “لا أعتقد أن هذا الرجل ــ تقصد “ميدفيد” ــ هو صوت الأخلاق الأمريكية فضلاً عن أنه ليس لديه ما يؤهله لتقديم نفسه بوصفه صاحب ذلك الصوت”. ودفاعاً عن نفسه زعم “ميدفيد” أن رد فعل المبدعين في هوليوود، كان لصالح الكتاب فنصف دستة من الممثلين والمخرجين الفائزين بالأوسكار منحوه تأييدهم دون أن يفصحوا عن ذلك علناً، والوحيد حتى الآن الذي أعلن عن تأييده للكتاب هو “ريتشارد دريفوس” الفائز بأوسكار أفضل ممثل رئيسي عن أدائه فى فيلم “فتاة الوداع” (1977) عندما قال للصحافة إنه متفق مع خمسة وتسعين في المائة ما جاء فى الكتاب.

“ولجواشتراهاس” مؤلف سيناريو “الغريزة الأساسية” وسيلفر” رأى آخر حاصله أن المفتاح لفهم هوليوود، هو الربح فالاستديوهات لن تتورع عن إنتاج أي فيلم يحقق لها ربحا أكيداً.

غير أن”ميدفيد” يرد على ذلك بقوله إن دافع الربح لا يستطيع بمفرده أن يفسر حالة الغرام بين هوليوود والعنف وكل ما هو غريب وعجيب. فالأفلام العائلية لا تزال تحقق حتى يومنا هذا أرباحاً تزيد بكثير عما يحققه غيرها من الأفلام.

صمت الأبرياء

ومما يثير الدهشة أن أكبر قدر من غضب صاحب الكتاب، إنما منصباً على “صمت الحملان” فعنه يقول: “في ليلة الثلاثين من مارس 1992، وأمام عدسات تلفزيون ترسل ما تلتقطه إلى ألف مليون مشاهد، قامت مؤسسة هوليوود بتقديم عرض درامي للقبيح الذى تحتضنه بحماس شديد، عندما منحت أكاديمية السينما للفنون والعلوم أهم جوائزها إلى “صمت الحملان”، وفي عرضه لقصة الفيلم قال إنها تدور حول قاتل عشوائي مولع بارتداء ملابس النساء، يختار ضحاياه من بين نساء أجسادهن تميل إلى البدانة. وبعد اختطافهن، يحتجزهن في بئر حيث يحرمهن من الطعام زمناً يكفي لفقدهن جزءًا من وزنهن، ثم يقوم بذبحهن ذبح الشاة، وغرضه من كل ذلك الجهد الجهيد، أن يترهلن فيسهل سلخ جلودهن بما يتيح له أن يصنع فساتين تشعره حين يرتديها أنه من الجنس اللطيف.

وغني عن البيان أن إدارة المباحث الاتحادية الأمريكية تسعى جاهدة إلى إلقاء القبض عليه، وبخاصة بعد قيامه باختطاف الابنة الوحيدة لعضو بارز في مجلس الشيوخ. وهي في سبيل تحقيق ذلك انحصر أملها في قاتل عشوائي آخر أشدّ هولاً، لأنه أستاذ في علم النفس، وكان قبل إلقاء القبض عليه لا يستطعم في الأكل إلا لحم بني الإنسان ويعرف الكثير عن نفسية القتلة العشوائيين.

مذبحة الحملان

والغريب في أمر صاحب الكتاب، أنه وهو في مجال العرض والنقد لقصة الفيلم وأبطالها، أغفل ذكر البطلة الرئيسية “جودي فوستر” ودورها الإيجابي كضابطة مباحث في القبض على المجرم العشوائي قاتل النساء.

وتبعاً لذلك لم يرد أي ذكر للحوارات التى جرت بينها وبين أستاذ علم النفس “هانيبال” آكل لحوم البشر. ومن بين تلك الحوارات، ما جاء على لسانها عن مذبحة الحملان في البيت الريفي، حيث كانت تقيم، وهي صغيرة مع أمها، وزوج تلك الأم، وهو رجل قاس، قُدّ قلبه من حديد. وفي نهاية الأمر اضطرتها وحشيته إلى الفرار. فبفضل ذلك، وبخاصة إعترافها الحزين الخاص بمذبحة الحملان، اكتسب الفيلم أبعاداً انسانية، لا أعرف كيف غابت عن ذهن ناقد يشاهد سنوياً ثلاثمائة فيلم أو يزيد.

وعند هذا الموضوع من سياق الحديث قد يكون من المفيد أن أشير إشارة سريعة إلى موقف صاحب الكتاب من “الإغراء الآخير للمسيح” للمخرج “ماتين سكور سيزي” فهو يمقت هذا الفيلم مقتاً شديداً ويعيب على شركة يونيفرسال حماسها لإنتاجه، بالتحدي لمشاعر عشرات الملايين من المسيحيين واستنادها تبريراً لذلك إلى التعديل الأول للدستور الأمريكي الذي يحمي حق المواطن في حرية التعبير.

اتهام عشوائي

والغريب أنه، وهو يعيب عليها ذلك ولا يجد لحماسها هذا تعليلاً إلا في عداء المتحكمين فيها للمسيحية، يأخذ عليها الكيل بمكيالين مختلفين ودليله على ذلك أنها فى الوقت الذى أسرعت بإعطاء الضوء الأخضر لإنتاج الإغراء الأخير أبت أن تنتج فيلماً مستوحى من “آيات شيطانية” قصة “سلمان رشدي” لا لسبب سوى تجنب عواقب إغضاب المسلمين!!

وختاماً، فقد يقول قائل لماذا ظاهرة “ميدفيد” وكتابه هذا.

الحنين لم يعد كما كان

لا تفسير لها فى رأيي، إلا في أن البعض داخل أمريكا وخارجها يعيش بعقلية أهل الكهف، وكأن حرباً عالمية لم تقم، وكأن قنابل ذرية لم تلق على مدينتين في اليابان، وكأن نمطاً من الحياة قديم لم يقتلع من جذوره، ويحل محله نمط آخر لحياة الإنسان.

وأغلب الظن أن صاحب الكتاب قد ضل طريقه في تيه الأفلام وبعقلية جامدة يعيش حائراً بين القديم والجديد، في شوق وحنين إلى هوليوود قبل نصف قرن من عمر الزمان أيام ذهب مع الريح، والأفلام البريئة مثل “ساحر أوز” و”المستر سميث يذهب إلى واشنطن” و”وداعاً يا مستر شيبس” وفاته أن هذا الماضي البعيد، هو الآخر ذهب مع الريح.ِ

خلطبيطة

هذا الفيلم بدأ ظريفاً، وانتهى سخيفاً والحق أنه عمل سينمائي في إجماله خفيف الدم، يحمل من المفاجآت والوان الترفية الشيء الكثير.

بطله “محمود عبد العزيز” واسمه في الفيلم “حسان ضرغام النمر”، تخرج في كلية الزراعة، ومع ذلك يعمل في إحدى مكتبات وزارة الثقافة.

يعيش وحيداً في بيت عتيق وهو رجل قنوع، لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، ولا يريد الزواج، حتى ممن تحبه إلى درجة الهيام “منى زكي” ولا يهوى سوى تنسيق الأزهار وصيد الأسماك.

باختصار إنه إنسان مسالم، لا يملك لأحد لا ضراً، ولا نفعاً.

عبث الأقدار

وذات مساء، وبلا مقدمات، انقض عليه في شقته ثلاثة رجال، بغرض القبض عليه. لماذا؟

لأنه متهم بارتكاب جريمة خطيرة، لا يعرف عنها شيئاً.

وعندما يمثل أمام المحقق “أحمد توفيق” لا يواجهه بتهمة محددة علي وجه اليقين، وإنما يستفسر منه عن سهرة حضرها قبل أيام في بيت أحد أصدقائه، احتفالاً بسبوع طفل ذلك الصديق.

التيه الكبير

وما هي إلا لحظات، حتي فاجأه المحقق باستفسار أكثر سخافة “لماذا جمع الصديق المحتفي بطفله بين سبوعه وطهوره في حفل واحد”؟

وبعد ساعات قضاها داخل ما يشبه الزنزانة، افرج عنه، لكن ليس قبل أن قيل له أنه سيجري استدعاؤه للمحاكمة أمام القضاء عما هو منسوب إليه من اتهام.

وبدءًا من ذلك الافراج، يزج بنا المخرج “مدحت السباعي” الذي هو في نفس الوقت مؤلف القصة المبني عليها الفيلم، فضلاً عن السيناريو والحوار، يزج بنا، نحن المتفرجين في متاهات أو خلطبيطة ليس لها أول من آخر.

وبطبيعة الحال لن أقف عند تفاصيل تلك الخلطبيطة، لا لسبب سوى ضيق المجال.

ومن ثم أقصر قولي على أن السباعي، بوصفه المؤلف، قد استوحى قصة فيلمه من “المحاكمة” رائعة “فرانز كافكا” الروائي التشيكي الذائع الصيت.

اختلاف النهايات

وبطل “المحاكمة”، عكس بطل “خلطبيطة”، لا تعرف من اسمه سوى حرفه الأول “كاف”.

وهو الآخر يقبض عليه مثل “حسان ضرغام النمر”.

ويواجه مثله بتهمة لا يعرف ماهيتها، وينفق حياته في محاولة معرفتها، وتبرئة نفسه منها.

ولكن هناك فرق جوهري بين البطلين “كاف” و”حسان”.

فالأول يطرحه المحققان أرضاً في نهاية القصة، ويذبحانه كما تذبح الشاة.

وبينما يجري ذبحه، يقول عن نفسه هذه الجملة “كما يموت الكلب”.

أما الثاني، أي “حسان” فينجو في ختام الفيلم من الإعدام.

وفي لقطات الختام، نراه يخرج من الصحراء، حيث كان معتقلاً، متجهاً إلى العمران، وكلمات أغنية “سيد درويش” “أنا المصري كريم العنصرين” ترن في الآذان.

والأكيد أن هذه النهاية السعيدة مفتعلة كل الافتعال؛ ولولاها، ولولا اختيار”السباعي” “مني السعيد” نجمة لفيلمه، لكان لخلطبيطة شأن كبير.