نظرة علي الحرب في السينما الأمريكية

الحرب ما هي إلا استمرار للسياسة ولكن بوسائل أخرى هكذا قال الجنرال والمؤرخ العسكري كارل فون كلاوزڨيتس.

وقد يبدو غريباً أن يكون أصحاب مصنع الأحلام في هوليوود هم أكثر الناس فهما لتلك المقولة الحكيمة التي جاءت على لسان هذا الجنرال الألماني قبل قرن ونصف من عمر الزمان، والتزموا بها فيما ينتجون من أفلام.

إذ لوحظ على امتداد ما يقرب من ثمانين عاماً، أنه ما أن تجنح الدوائر الحاكمة في الولايات المتحدة إلى تبني سياسة مؤداها الانجراف بالبلاد إلى الحرب، حتى تبادر هوليوود إلى دعم تلك السياسة بالدعاية لها عن طريق السينما.

فإذا ما هبت العاصفة المميتة واندلعت نيران الحرب، كانت عاصمة السينما المرصعة سماؤها دائماً وأبداً بأحلى وأشهر النجوم، في مقدمة صفوف الذين يدقون طبولها باعتبارها أعدل وأجمل، وربما آخر الحروب.

وفي الحق، فلا غرابة في كل هذا، فالسينما كما هو معروف للقاصي والداني، لغة العصر، وهي باعتبارها كذلك أداة دعاية لا تعلو عليها أية أداة أخرى، مهما كان علو شأنها في سالف الزمان.

ولعله من المناسب هنا أن أحكي رواية، قد تبدو لأول وهلة، ولمن لا يستطيع صبراً، أنها منبتة الصلة بالحديث عن الحرب وهوليوود.

السحر الخفي

قبل ستين عاماً وبالتحديد يوم التاسع عشر من شهر يناير لعام 1932 سافر الدكتور جوبلز- وهو واحد من أهم أفراد العصابة النازية التي تحكمت في مصير الشعب الألماني بالحديد والنار لفترة سوداء دامت ثلاثة عشر عاماً، وليس ألف عام كما كان مدبراً لها – سافر في رفقة زعيمه “أدولف هتلر” إلى مدينة ميونيخ حيث تدارسا احتمالات قيام الزعيم بترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية.

ولمدة شهر أو يزيد، ظل الزعيم المهيب متردداً بين الإقدام على الترشيح وبين الإحجام.

وعن ذلك كتب الدكتور في اليوم الأخير من يناير مسجلاً في مذكراته “الزعيم سيتخذ قراره يوم الأربعاء.. وهذا لم يعد محل شك”.

وفي الثاني من شهر فبراير ظن الدكتور أن الزعيم الملهم قد اتخذ القرار المناسب، فكتب متفائلاً:

“لقد قرر أن يرشح نفسه”، غير أنه سرعان ما استدرك قائلاً أن قرار الزعيم لن يعلن على الملأ ترقباً لما سيفعله الاشتراكيون الديمقراطيون.

وفي اليوم التالي اجتمع قادة العصابة في عاصمة بافاريا متوقعين من الزعيم أن يزف إليهم البشرى.. ولكن خاب ما توقعوه.

وعن هذه الواقعة كتب الدكتور غاضباً “لقد انتظروا دون جدوى.. وكانت أعصاب الجميع مشدودة متوترة..”.

وبحثاً عن راحة النفس تسلل الدكتور الصغير إلى حيث شاهد “جريتا جاربو” في واحد من أفلامها.

فكان أن “تأثر واهتز كل ما فيه” لتلك السيدة التي تعتبر “أعظم ممثلة”.

ص 156 من كتاب “صعود وانهيار الرايخ الثالث” لصاحبه “ويليم شيرر” الطبعة الانجليزية الأولى.

ولست أقصد من رواية هذا الجزء من سيرة الديكاتاتورالنازي ورجل دعايته الدكتور الصغير الذي كان له فضل الانتقال بالانسانية إلى زماننا المعاصر، زمن الكذب الكبير – لست اقصد به التذكير بسيرة هتلر وتابعه، فأنا لا أطيق لهما ذكراً.

أن ما أقصده ينحصر في بيان مدى تأثير سينما هوليوود باعتبارها فكراً يخدم سياسة تقف وراءها مصالح أغنى وأقوى دولة في العالم.

فرجل الدعاية الأول في ألمانيا الهتلرية، يهتز كل ما فيه بطيف جاربو، ويسترد راحته النفسية بعد انفراده بنجمة هوليوود الأولى في الظلام، وهي تتحرك على الشاشة البيضاء.

وها هو ذا في تعليقه متأثراً بدعاية شركة “مترو جولدن ماير” (لصاحبها وقتذاك “لويس ماير” وهو يهودي أي من الجنس الملعون عند داعية النازية الأول) يردد أسطورة أنها أعظم ممثلة يرددها كالببغاء.

وإذا كان هذا هو حال “جوبلز” مع السينما الأمريكية ومدى تأثره بها، وهو الوزير المتعصب الكاره لكل فن آت من وراء المحيط باعتباره فناً غير نقي ملوثاً بفكر السود واليهود.. فما بالك بحال المتفرج العادي الذي لا يحمل أي عداء مرضي أو كراهة عنصرية للفن الأمريكي.

هيمنة هوليوود

ويلاحظ هنا أن هذا التأثير الذي حدث للسينما الأمريكية على كل من يقبل على مشاهدتها صديقاً كان أو عدواً، كبيراً كان أو صغيراً، إنما يرتد إلى الحرب العالمية الأولى تلك الحرب التي نقلت السيادة على العالم إلى الدوائر الحاكمة في الولايات المتحدة.

وفي سبيل المحافظة على تلك السيادة العالمية التي تدعمت بالانتصار على دول المحور (المانيا وايطاليا واليابان) في الحرب العالمية الثانية، كان لا مندوحة لتلك الدوائر عن استعمال السينما – وهي أكثر الفنون شعبية – سلاحاً فكرياً للسيطرة على عقول الملايين.

ولا غرابة في هذا الجنوح، ذلك أنه من المسلمات – الآن- الآن أن الفيلم سلعة ذات طابع خاص، يجري انتاجها بغاية أن يتحقق من وراء تسويقها ربح لأصحاب الأموال المستثمرة فيها، فضلاً عن أنها بحكم طبيعتها الخاصة تلك تحمل فكراً، هو في الغالب الأعم، فكر أهل القمة المتحكمين في شئون العباد.

وخلاصة القول إذن هو أن السينما تعود على الدوائر الحاكمة وراء المحيط بفائدتين:

الأولى: الأرباح الناتجة مباشرة عن تسويق الفيلم، وعادة ما تكون أرباحاً ضخمة يسيل لها اللعاب.

والثانية: وهي الفائدة الأهم – ضمان استمرار السيادة للأفكار والقيم التي تدعم بقاء تلك الدوائر مهيمنة.

ولعل في هذا ما يفسر شدة الاهتمام في الولايات المتحدة بالفيلم باعتباره صناعة وتجارة ومخدراً.

فالرئيس الراحل فرانكلين د. روزفلت يفاخر به الأمم قائلاً “حيثما يعرض الفيلم الأمريكي نبيع مزيداً من القبعات والجراموفونات والثلاجات الأمريكية”.

(ص17من كتاب “تقديم لنادي السينما” لصاحبه “فينست بينيل” طبعة فرنسية)

والجنرال ماك ارثر يتوجه بالشكر إلى أفلام هوليوود، ويثني عليها لمساهمتها الرائعة في توجيه الشعب الياباني الوجهة التي تريدها له سلطات الاحتلال.

(ص8 من كتاب “الفيلم في معركة الأفكار لصاحبه جون هوارد لوسون طبعة امريكية)

ووزارة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس “ترومان” تمارس الضغط على الحكومة الفرنسية، حتى تجبرها على توقيع اتفاقية بلوم – بيرنز التي فتحت بموجبها السوق الفرنسية لغزو الفيلم الأمريكي.

الوهم والحقيقة

وأعود إلى الحرب لأقول أنها بدءًا من صيرورة هوليوود عاصمة للسينما العالمية، وهي تستهوي صانعي الأطياف، إلى حد أن حماسهم لها قد حملهم على انتاج أفلام كثيرة عنها، تزيد في عددها على عدد أي أفلام تدور حول أي موضوع آخر.

(ص104من كتاب “الأفلام العظيمة” لصاحبه “ويليم باير” طبعة أمريكية)

ورغم أن هذه الأفلام، وهي تعرض للحرب، كان لابد أن تصور بعضاً من فظائعها وبشاعتها التي لا تقف عند تشويه الأجساد وازهاق الأرواح وتخريب العامر من الأرض، وما شابه ذلك من عذابات وآلام، إلا أنها في عمومها كانت أفلاماً تبرر الحرب تارة باسم الحرية، وتارة باسم العدالة، وتارة باسم الشجاعة، بل كثيراً ما كانت تجنح صراحة إلى تمجيدها باعتبارها مطهر من الآثام.

وأضرب مثلاً على هذا النوع من الأفلام التي تنطوي على تمجيد للحرب بفيلمين، أحدهما صامت، والآخر متكلم متعدد الألوان.

والفيلم الأول واسمه “أجنحة” (1927) لصاحبه المخرج “ويليم  ويلمان” مداره التمجيد لبطولات سلاح الطيران الأمريكي من خلال مأساة شابين أسقط أحدهما طائرة الآخر خطا أثناء إحدى المعارك الجوية في سماء أوروبا أبان الحرب العالمية الأولى.

ومما له دلالة في هذا الخصوص أن يكون “أجنحة” أول فيلم أمريكي يتوج بجائزة أوسكار (1928).

وأن تعود هوليوود بعد حوالي ستين عاماً من التاريخ الأخير إلى انتاج فيلم شبيه به في الموضوع يعظم من شأن سلاح الطيران، اسمته”النسر الأعلى” (1986) وأسندت بطولته إلى “توم كروز” ذلك النجم الشاب الذي جرى ترشيحه فيما بعد لأوسكار أفضل ممثل رئيسي عن دوره في “ولد في الرابع من يولية” أحد الأفلام المعادية لحرب فيتنام.

الرسالة بالألوان

أما الفيلم الأخير”دستة أشرار” (1967) لصاحبه المخرج “روبرت الدريش” فقد صور الحرب وكأنها مغامرة مثيرة تتحول بنفر من السجناء الأشرار إلى أبطال خيرين أبرار.

وكأنها لا تطلق أبشع الغرائز البشرية من عقالها، بل على العكس من ذلك تلجمها بإيقاظ الضمائر الأهلة بالفضيلة الكريمة السمحاء!!

ومما دلالة في هذا الشأن أن يكون “دستة أشرار” أكثر أفلام الحرب نجاحاً، وأن يصبح نموذجاً يحتذى في العديد مما انتج بعده من أفلام.

وبطبيعة الحال لن أعرض بالتفصيل هنا لقصة هوليوود مع الحرب من يوم أصبحت كعبة السينما، وحتى يومنا هذا، وأنما اكتفي بأن أقول بأن الحرب العالمية الأولى التي اشتعلت نيرانها لا لسبب ظاهر سوى أنه في الثامن والعشرين من يونيه لعام 1914 اغتال شاب صربي رجلاً نمساوياً في مدينة صغيرة تدعى “سراييفو”، وهي عاصمة مقاطعة تعرف باسم “بوسنيا” إلا أن قتيل “سراييفو” لم يكن من طينة باقي الناس، إنه ولي عهد امبراطورية النمسا، والارشيدوق المنحدر من سلالة عائلة الهبسبورج ذات الجلال، لذلك فدمه لا يفتدى بدم القاتل وحده، بل بدماء الملايين من الناس في مشارق الأرض ومغاربها، تلك الحرب أو بمعنى أصح المجزرة البشرية، قد مهدت هوليوود لاشتراك الولايات المتحدة فيها إلى جانب الحلفاء قبل نهايتها بقليل بعدد من الأفلام، لعل أهمها “عرائس الحرب” للمخرج “هربرت برنتون” و”االحضارة” للمخرج “توماس انس” و”قلوب العالم” للمخرج الرائد “دافيد جريفيث” (1916).

وفي هذه الأفلام نرى الجنود الألمان أقرب في تصرفاتهم إلى الوحوش الكاسرة، منهم إلى بني الانسان.

وعن “قلوب العالم” قال المخرج الأمريكي المنحدر من أصل الماني “اريك فون شتروهايم” أنه فيلم تسبب في تحويل مئات وألوف الرجال والنساء من التعاطف مع المانيا إلى العداء التام.

الكذبة الكبرى

فإذا ما انتقلنا إلى المجزرة البشرية الثانية لوجدنا الشعب الأمريكي مضللاً، ويحسب نفسه بمنجى عنها، كما سبق له إبان المجزرة الأولى.

وله العذر في ذلك، إذ أن حكومته كانت قد أعلنت حيادها التام بين المعسكرين المتحاربين، معسكر الفاشية، ومعسكر الحلفاء الذي انحسر، بعد سقوط فرنسا، في انجلترا صامدة وحدها لمحور روما – برلين .

ولكن هوليوود لم تقف على الحياد، وإنما انصرفت بكل طاقاتها إلى الدعاية للسياسة غير المعلنة القائمة على معاداة دولتي المحور، تمهيداً للمشاركة في الحرب إلى جانب الحلفاء.

وفي سبيل ذلك انتجت أفلاماً معادية للنازية مثل: “الرفاق الثلاثة” للمخرج “فرانك بورزاخ” (1939) و”هروب” للمخرج “مرفين لوروا” (1940)  و”الديكتاتور العظيم” لصاحبه “شارلي شابلن” ذلك الفيلم الذي تقمص فيه المتشرد الخالد شخصيتين، إحداهما شخصية ديكتاتور رهيب “هينكل” والأخرى شخصية حلاق يهودي مستضعف، يكتب له في نهاية الفيلم التخلص من الديكتاتور انتصاراً للسلام.

النخبة المختارة

ومع ذلك، فهوليوود لم تخل يوماً من نخبة منشقة ولو إلى حين.. نخبة تعي أن الحرب كارثة بأي معيار، وتعمل على كشفها باعتبار أنها عار.

ومن بين أفلام هذه النخبة المختارة “كل شيء هاديء في الميدان الغربي” (1930) للمخرج “لويس مايلستون” و”أجمل أيام حياتنا” (1946) للمخرج “ويليم ويلر” و”المسيو فيردو” (1946) لشارلي شابلن و”نهاية العالم الآن” (1979) للمخرج “فرانسيس فورد كوبولا” و”طريق المجد” (1957) و”الدكتور سترينج لوف أو كيف تعلمت أن أتوقف عن القلق وأحب القنبلة” (1963) و”رصاصات حية” أو “ولد ليقتل” (1987).

والأفلام الثلاثة الأخيرة أبدعها “ستانلي كوبريك”، ذلك المخرج الأمريكي الذي يعيش في المهجر بانجلترا بعيداً عن هوليوود وجوها المشحون بالمؤامرات والضرب تحت الحزام  و”رصاصات حية” فيلمه الأخير، أول عمل يبدعه بعد انقطاع دام حوالي سبعة أعوام.

ولو اكتفينا بالقاء نظرة طائرة سطحية عليه لذهب بنا الظن إلى أنه فيلم عن فيتنام، ولكنه في حقيقة الأمر عن شيء آخر.

إنه عن الحرب.. أي الحرب.

ونصفه الأول مكرس لعملية القضاء نهائياً، وبلا هوادة، على بقايا الانسانية في المجند ابتغاء الانحدار به إلى مجرد آلة صماء، لا تجيد شيئاً سوى القتل.

ومع انتهاء عملية التدريب التي تجعل من المجندين قتلة محترفين، يبدأ النصف الثاني من الفيلم في ميدان القتال حيث لا نرى إلا خراباً متصلاً.

! سوبرماركت والسقوط في بحر من الأفلام الهابطة

لو ألقينا نظرة طائرة على الأفلام المصرية الجديدة المعروضة حاليا بدور السينما، لاستبان لنا أنها جميعاً، فيما عدا “الحكم لله” لصاحبه “حسام الدين مصطفى”، من ابداع صانعي أطياف متخرجين في معهد السينما بالقاهرة، أو في غيره من معاهدها على امتداد العالم الفسيح.

إنها في مجموعها مخيبة لما علق على هؤلاء المخرجين من آمال كبار، لا استثني من ذلك حتى “سوبر ماركت” للمخرج “محمد خان”.

فمن المعروف عن صاحب الفيلم الأخير أنه من المخرجين القلائل عندنا الذين لهم رؤية. ومن ثم يعتبر أي فيلم له حدثاً فنياً مثيراً للجدل، مستوجباً للاهتمام.

وهو في “سوبر ماركت” كما في “عودة مواطن” من قبل، وكلاهما لكاتب سيناريو واحد “عاصم توفيق”، إنما يعرض للمشكلة التي تؤرق باله وبال كل من يهمه أمر مصر، ألا وهي فساد الأوضاع في مجتمع تحرر من كثير جداً من قوانين الخلق والعرف تحت تأثير الإذعان لقيم الانفتاح، وما نشأ عنه من تعقيد بغيض في العلاقات داخل الأسرة الواحدة.

فإذا بها تتمزق، وإذا بالأزواج والأباء والأبناء والأشقاء بعضهم لبعض عدو.

لعنة الأشياء

وإذا بالمجتمع عاجز عن أن يقول في هذا كله شيئاً، أو أن يقاوم هذا كله بشيء..

وما تمزق في “سوبر ماركت” خان، هو ما كان بين الأم “أميرة” (نجلاء فتحي) التي تعمل بائعة في أحد محلات السوبر ماركت وبين ابنتها الوحيدة “ناهد” (مريم مخيون) من علاقات قوامها الحب والعطف والحنان، وذلك عندما عاد الأب مطلق الأم (نبيل الحلفاوي) إلى مصر بعد غياب في الكويت طال عشرة أعوام، مستصحباً زوجة عاقراً، واسعة الثراء، وأموالا تعد بالملايين.

فها هو ذا، يلوح للابنة الصغيرة بأشياء الحياة اللذيذة.. العربة المرسيدس الفارهة، فنادق النجوم الخمسة، السكن الأبهة، السهر في المراقص والملابس الغالية الغريبة..

مستهدفاً من وراء كل هذا الأغراء جذبها من فلك أمها إلى عالمه حيث لا وزن ولا قيمة إلا للأشياء.

وطبعاً لا تصمد الصغيرة طويلاً ومع الفقدان لها نهائياً بسبب تشيئها تسقط الأم هي الأخرى في مستنقع الأغراء.

وهاهي ذي، قريباً من نهاية الفيلم غانية في صحبة طبيب مليونير زير نساء “الدكتور عزمي” (عادل أدهم) اتخذ من مقولته المفضلة “الفلوس إما تسرقها أو تورثها أو تتجوزها” شعاراً له في ممارسة الحياة وفقاً لما يهوى ويشاء.

وأغلب الظن أن فكرة فساد العلاقات بين الأم والأبنة لأسباب تتصل بالثروة والجاه – وهي فكرة الفيلم الرئيسية – مأخوذة عن “ميلدريد بيرس”، ذلك الفيلم الأمريكي الذي أدت فيه النجمة الأسطورة “جوان كروفورد” دور أم مطلقة وهو دور أهّلها للفوز لأول وآخر مرة بأوسكار أفضل ممثلة (1946).

وكما أميرة في “سوبر ماركت” فقد كلفت “ميلدريد بيرس” بابنتها كلفاً شديداً، وعنيت بتربيتها عناية متصلة. غير أنه في آخر الأمر، وحين تتقدم السن بالابنة، تفسد العلاقة بينها وبين الأم شيئاً فشيئاً، لأسباب لعل أهمها أن الأم كانت قبل أن تشق طريقها إلى الثراء امرأة عاملة من عامة الشعب.

البرود.. لماذا ؟

ومهما يكن من الأمر، فعادة يتوقع لفيلم مداره فكرة تدهور العلاقة بين الأم والابنة لما سلف ذكره من أسباب، أن نشاهده بشيء من الحرارة.

ولكن ما حدث بالنسبة لسوبر ماركت خان كان على العكس من ذلك تماماً.

فلقد شاهدناه، والحق يقال، بكثير من البرود.. لماذا ؟

لأن صاحبه آثر تغليب العقل على القلب، والرأي على العاطفة. وعلاوة على هذا، ارتكب خطأين ليس لأحد أن يغتفرهما في أي عمل جاد.

أولهما:  الاسراف في الجنوح إلى التعبير المباشر في عمل يعتمد بحكم بنائه الدرامي لا على الكلام، بل على التفاصيل كملامح الوجه والضوء والظلال.

ولعل خير مثل على هذا الجنوح، ذلك المشهد الذي نفاجأ فيه “برمزي” (ممدوح عبد العليم) الموسيقار المولع بالموسيقى الكلاسيكية، وهو يواجه الطبيب المليونير متمرداً، متحدياً صيانة لكرامته، قائلاً أنه ليس على استعداد أن يعمل لحسابة قواداً.

أما الخطأ الثاني: غير المغتفر فهو اختيار الوجه الجديد “مريم مخيون” لأداء دور الصغيرة.

فالأكيد حسب مسار الفيلم وتداعي أحداثه أن دورها فيه من ذلك النوع المحوري.

والأكيد الأكيد أن وجهها لا تنبعث منه الشرارة المتقدة التي تستولي على المشاعر، وتهز القلب والوجدان.

أخطاء بالجملة

فإذا ما انتقلنا إلى “السقوط” للمخرج “عادل الأعسر” لوجدنا أنفسنا أمام فيلم لا يتصور أن يكون صاحبه قد تعلم ألف باء السينما.

فالأخطاء فيه من ذلك النوع الذي يدخل في باب الإهمال الجسيم.

وأحد الأمثلة على ذلك، وما أكثرها، عدم محاولة مخرجه مع مصوره الحاج “محمد طاهر” التخلص من انعكاسات الضوء على الصورة في مشهد النيل حيث يستقل “حسن” (فاروق الفيشاوي) برفقة “توحيدة” (مديحة كامل) قارباً شراعياً لزوم الغرام.

فقد أخفت تلك الانعكاسات وجهي الحبيبين، حتى أننا طيلة المشهد ، لم نستطع أن نرى من ملامحهما شيئاً..

وثمة مثل ثان على هذا الإهمال في مشهد آخر تجري وقائعه داخل سنترال التيلفون حيث نرى “حسن” يشق بطن بطيخه، فإذا بها حمراء تسر الناظرين. وهو في المشهد لا يكتفي بذلك، بل يتذوقها سعيداً بحلاوتها وطعمها اللذيذ.

وهنا يشاء المخرج “لحسن” أن ينتقل إلى مكان آخر غير بعيد عن البطيخة التي استطعمها، ليعود به في اللقطة التالية إلى حيث توجد، فإذا بها بطيخة سليمة لم تمسسها سكين.

وذلك الغياب للوحدة في تتابع اللقطات، إنما يرجع إلى اهمال تسجيل كل الملاحظات بمحتويات المنظر وتكوين الصورة في كل لقطة، وفي كل موقف، حتى يبدو كل شيء في نهاية الأمر طبيعياً ومنساباً.

أما إذا انتقلنا – بعد هذه المهازل – إلى الموضوع فسنجده، حسب الظاهر،، يدور حول التصنت.

بعد السقوط

فبطلاه “حسن” و”توحيدة” يعملان في أحد السنترالات. وهما بحكم عملهما، يستطيعان التصنت على المكالمات ووفقاً لسيناريو الفيلم الذي كتبه “محمد الباسوس” وهو بدوره متخرج في معهد السينما، نراهما وهما ينحدران رويداً رويداً من اللهو باستعمال امكانيات التصنت المتاحة لهما إلى استغلالها، بفضل ما حصلا عليه من معلومات في الابتزاز.

إذن فنحن أمام موضوع جديد على السينما عندنا أراه متأثراً بفيلم “فرانسيس فورد كوبولا” المعروف تحت اسم “المحادثة”، والذي جرى تتويجه بجائزة مهرجان كان الكبرى لعام 1974.

ولكن سرعان ما يضيع هذا الموضوع الجديد في متاهات حكايات فرعية كأزمة المساكن والسوق السوداء والخيانة الزوجية وفساد القطاع العام، بحيث أصبح “السقوط” في نهاية الأمر فيلما يدور حول معان قديمة، منبتة الصلة بالتصنت بما يحمله في طياته من اعتداء أثيم على الحرمات.

أفلام الكيف

والآن إلى “الأمبراطور” و”شبكة الموت” وكلاهما من تلك الأفلام التي تدور وجوداً وعدماً حول تهريب المخدرات، وبالذات الهيروين.

وكلاهما يطرح الفكرة المستهلكة القائلة بأن السموم البيضاء إنما تتسرب إلى أرض الوطن العزيز لشيء سوى أن ثمة نفراً في قمة السلطة قد تورطوا مع عصابات تهريب دولية لليهود فيها نفوذ كبير.

وما أحب أن أتوقف كثيراً عند “الأمبراطور” أول فيلم “لطارق العريان” المتخرج في أحد معاهد السينما بالولايات المتحدة، لسببين.

أولهما لأنه لم يعرض بعد عرضاً عاماً في دور السينما.

وثانيهما لأنه يشبه الفيلم الأمريكي “الوجه ذو الندبة” لصاحبه المخرج “بريان دي بالما” في كثير من الوجوه.

وقد يكون من اللازم مشاهدة الفيلم الأخير مرة أخرى قبل القفز إلى اتهام “الأمبراطور” بأنه لا يعدو أن يكون صورة مشوهة من فيلم “دي بالما”.

يبقى “شبكة الموت” لصاحبه المخرج “نادر جلال” وفيه تلعب “نادية الجندي” او نجمة الجماهير كما يحلو لها أن تسمي نفسها في ملصقات أفلامها، دور امرأة دبّاحة للرجال، مستعينة في أدائها بكل أسلحتها القديمة، بما في ذلك تعرية كل ما سمحت الرقابة بتعريته في حدود حسن الآداب والنظام العام فضلاً عن هز البطن بكفاءة واقتدار معلمات الرقص الكبار أمام حشد رهيب من أخطر مهربي الهيروين، يلهو ويلعب في إحدى علب الليل بمدينة اثينا.

أقول اثينا لأن أهم أحداث الفيلم إنما تدور في عاصمة الأغريق حيث يقيم مهرب المخدرات “بسيوني” الشهير “بيلي” (فاروق الفيشاوي مرة أخرى).

وحين تذهب إليه “نور” (نادية الجندي) بتكليف من أجهزة الأمن المصرية على أعلى مستوى، التي رأت غرسها وسط عصابة المهرب المذكور كما “رأفت الهجان” وذلك بعد إذ تبين لتلك الأجهزة أنها كانت، وهي فتاة على علاقة حب به، لم تدم طويلاً.

أما لماذا وافقت “نور” على ركوب المخاطر في سبيل مصر، فسيناريو الفيلم – وهو من تأليف بشير الديك – يرجع ذلك إلى سببين متضاربين.

التخليط

الأول: التهديد والوعيد، فهي حين ترفض الإذعان إلى طلب الأجهزة التعاون معها، تُلفق لها تهم من بينها الاتجار في العملات المهربة، ومن ثم، يزجّ بها في السجن مع نساء احترفن كل ألوان الشذوذ والأجرام.

الثاني: الاقناع والترغيب، فهي حيث تعرف أن حبيبها القديم مهرب للسموم البيضاء، تلك السموم التي راحت ضحيتها ابنتها الوحيدة التي في عمر الزهور، تسرع بالموافقة على الانخراط في سلك المجاهدين والمجاهدات في سبيل تخليص الانسانية جمعاء من الأشرار تجار السموم البيضاء.

غير أن السيناريو لم يقل – وما أكثر اللغو الذي قاله- لماذا لم تلجأ تلك الأجهزة بداءة إلى أسلوب الإقناع المتحضر بعرض المهمة القومية الانسانية على نجمة الجماهير طالما أنه كان لديها الاستعداد نفسياً– بسبب ابنتها – للقبول، بدلاً من الابتداء معها بوسائل قهر غير مشروعة، وصلت في القسوة إلى حد الالقاء بها في غيابات السجون مع خساس النساء !!

قصة المدينتين

ومن عجب أن يجئ رسم شخصية المجرم “بيلي” مهلهلاً، مخلخلاً، وذلك رغم أن “بشير الديك” من أبرع كاتبي السيناريو في مصر، وعلى كُلٍ، فذلك التهلهل والتخلخل أمر متوقع بالنسبة لأية شخصية في أي من أفلام  نجمة الجماهير.

ومن هنا عدم الدهشة من أن نرى مجرماً من طراز “بيلي” لا يتورع عن ارتكاب أبشع الجرائم وأضلها سبيلاً، نراه وقد انهار في ثوان أمام جسد نجمة الجماهير، وهو يتثنى ويتلوى أمامه في أحد ملاهي اثينا بعد انقطاع في الحب الذي كان بينهما دام خمسة عشر عاماً أو يزيد.

ثم نراه مرة أخرى، وهو الذي سبق وأن قال أنه لابد أن يظل أسداً في عالم أشبه بالغابة وإلا افترسته الذئاب، نراه وقد تحول إلى حمل وديع يقطر رقة لمجرد سماعه أن الصبية المدمنة المنحرفة التي جرى اجهاضها بدل المرة ثلاث مرات، من لحمة ودمه أنجبتها له نجمة الجماهير..

وإذا به ما أن يصله، إثر علمه بأن له صبية، خبر إصابتها في حادث إصابة جسيمة، وهو خبر كاذب سلل إليه بقصد استدراجه من اثينا إلى كمين منصوب له في القاهرة، حتى يسرع بالسفر إلى مصر كي يكون بجوار فلذة كبده، وهو الذي لم يكن يعلم بوجودها قبل أيام !!

وفي الختام، فلن أعرض لتفاصيل أخرى ساذجة يطفحها “شبكة الموت” ذلك الفيلم الذي أراه عملاً سينمائياً غير مستحب، كل ما فيه لغو وثرثرة، وكل ما فيه أمره غريب على “بشير الديك” صاحب”سواق الأوتوبيس” و”الطوفان”..

الملهاة الموسيقية من البداية حتي كابوريا

من بين الأوهام في دنيا الأفلام، الظن بأنه يكفي أن يحشد المخرج عدداً لا بأس به من الأغاني في فيلمه حتى يتحول به إلى ملهاة موسيقية.

الأمر ليس بهذه البساطة فعندما نستعرض تاريخ الفيلم الموسيقي من خلال سينما هوليوود باعتبارها أول سينما تكلمت وغنت ورقصت، نستطيع أن نفرق في سهولة ويسر بين ما هو حقيقي وما هو زائف في ذلك العالم الوردي الجذّاب، عالم الملهاة الموسيقية.

ولد الفيلم الموسيقي قريباً من نهاية عقد العشرينات وبالتحديد في السادس من أكتوبر عام 1927، يوم أن نطقت السينما بعد صمت طويل، في فيلم مغني الجاز، الذي أنتجته شركة اخوان وارنر آملة بفضله التحرر من آثار الضائقة المالية الآخذة بخناقها.

في ذلك الفيلم تكلم قليلاً المغني الأمريكي ال جولسون بادئاً بهذه العبارة النبوءة “هو أنتم لسه سمعتم حاجة”، وغنى كثيراً مستهلاً بأغنية تناسب ميلاد السينما الناطقة تماما.

وبكل المعايير كان الفيلم بشعاً، ومع ذلك فبفضله ولد عهد جديد.

ومنذ هذا الميلاد والموسيقى تلعب دوراً هاماً في أفلام مصانع الأحلام، حتى وصل الأمر في البداية بجميع نجوم هوليوود فيما عدا جريتا جاربو والكلب رن تن تن، والاثنان كان لهما شأن كبير في ذلك الزمان، إلى الاندفاع نحو تلقي دروس في الرقص والغناء ابتغاء اغتنام دور ولو صغير فيما هو آت من أفلام قوامها في كل لقطة من اللقطات الرقص والغناء فضلاً عن ضوضاء الكلام.

السحر الخفي

ومهما يكن من الأمر، فسحر الصور تنطق أصواتاً تغني، وتشع أطيافاً ترقص، كان ولايزال سحراً لا يقاوم.

فالذين شاهدوا الأفلام الرائدة التي تكلمت وغنت ورقصت لا يستطيعون أن ينسوا “فريد استير” يخاصر “جنجر روجرز” يرقص معها في “الطيران إلى ريو” رقصة الكاريوكا.

بل أن تأثير هذا الثنائي الشهير برقصته تلك كان داهماً إلى حد أن راقصة شابة تألقت فيما بعد بحيث أصبحت راقصة مصر الأولى، قد اتخذت من تلك الرقصة اسماً لها.

كما أن أحداً من الذين شاهدوا أول فيلم لمحمد عبد الوهاب، ثم أول فيلم لأم كلثوم في النصف الأول من عقد الثلاثينات لا يمكن أن تنمحي من شاشة ذاكرته لحظة الدهشة والانبهار بسماع صوت مطرب الملوك والأمراء منطلقاً من الشاشة البيضاء متغزلاً في وردة الحب الصافي، أو صوت كوكب الشرق وداد يشارك الطير الأسير مرارة الفراق والحرمان.

الكمّ والكيف

ومع ذلك فمن المعروف أن الفيلم لا يدخل في عداد ما اصطلح علي تسميته بالملهاة الموسيقية مثل الأرملة المرحة (1934) الغناء تحت المطر (1952) وصوت الموسيقى (1965) إذا ما زاد عدد الرقصات والأغاني ويخرج منها إذا ما نقص العدد إلى حد الانعدام.

فهناك من الأفلام بدءًا بـ”استعراض الحب” (1929) وانتهاء بـ”أنت ولد كبير الآن” (1967) للمخرج كوبولا صاحب الأب الروحي. ما لا يثور خلاف بين اثنين حول أنها من نوع الملهاة الموسيقية وذلك رغم أن أحداً في البعض منها لم يخط خطوة واحدة مصممة وفق أصول فن الرقص وفي البعض الآخر لم يفتح فمه بكلمة واحدة منغومة.

وبالعكس فتاريخ السينما حافل بأفلام من نوع آخر متخم بالرقص والغناء كأغلب الأفلام الهندية وكبعض الأفلام التي تطوع لخدمة صوت واحد أو واحدة من أهل الطرب عندنا كفريد الاطرش ووردة الجزائرية ونجاة الصغيرة وصباح.

فضلاً عن أن ثمة أفلاماً “كمظلات شربورج” للمخرج الفرنسي جاك ديمي الحوار فيها يدور كله بالغناء لا بالتموج بين الطبقات العليا والدنيا كما في الأوبرا. ولا بالتحول من وإلى الغناء ذهاباً واياباً كما في الأوبريت ورغم ذلك فأي من تلك الأفلام لا يحسب ضمن الملهاة الموسيقية والسبب أنها لم تتشبع بعنصر الموسيقى بحيث تكون معه مزيجاً جديداً من الابداع.

ولا حيلة لنا – فيما أظن- عندما نتعرض لهذه الأفلام إلا أن نعتبرها من قبيل الدراما العادية، وأن ما حدث في شأنها هو في حقيقة الأمر انتقال بها إلى وضع مفتعل يعبر فيه بالغناء أو بالرقص او بالاثنين معاً، عما جرت العادة أن يكون التعبير عنه بالكلام.

والواقع أن الأفلام التي لها بعض نصيب من الأغاني والرقصات لأن حانة من حانات الليل أو مسرحاً من مسارح المتنوعات يشكل جزءًا من خلفيتها، هذه الأفلام في أغلبها ليس لها حق الانتساب إلى عالم الملهاة الموسيقية.

الشيوع والبساطة

فالفيلم حتى يمكن اعتباره كذلك، لابد أولاً أن يكون بناؤه العام قائماً علي الموسيقى بحيث تشع في كل ركن من أركانه شيوع الماء في العود الرطب.

وثانياً أن يكون ذلك البناء قائماً على خطة بسيطة لا تزدحم بالأشخاص والحوادث. لا تتغلغل إلى المعاني والطبائع.

وقد لا اكون مغالباً إذا ما جنحت إلى القول بأنه في حالة توافر هذين الشرطين فإن الفيلم لابد أن يستغرق كل ذهن المشاهد من أول لقطة فيه إلى آخر لقطة.

ومن عجب توافرهما أخيراً في ثلاثة أفلام مصرية جرى ابداعها في أزمنة متقاربة هي الأراجوز، سمع هس وكابوريا.

ولعله من المناسب هنا أن نشير إلى أن الأفلام الثلاثة قد جرى التقاطها بواسطة كاميرا مدير تصوير واحد، الشاب الصاعد محسن أحمد.

فإذا أضيف إلى ذلك أن سيناريو وحوار كل من الأراجوز وكابوريا من إعداد شاب موهوب آخر “عصام الشمّاع” وأن أغاني سمع هس وكابوريا من تلحين الشقيقين مودي وحسين الامام، وكلاهما من الشباب الذي تعلق عليه في دنيا الموسيقى آمال كبار.

فضلاً عن أن الذي أدى دور رئيس المحكمة الخرب الذمة في سمع هس هو المخرج خيري بشارة، صاحب كابوريا.

انتصار الشباب

فإننا في ضوء ذلك كله، نستطيع أن نقول في ثقة أن الأفلام الثلاثة قد سرت فيها روح واحدة تسودها خصائص، لو أننا أمعنا النظر فيها لألفيناها هي بعينها خصائص الشباب التي أهمها تحطيم القيود وجموح الخيال.

ولن أقف عند الأراجوز لصاحبه المخرج هاني لاشين ولا عند سمع هس لصاحبه المخرج شريف عرفة، لن أقف إلا قليلاً لا لشيء سوى أن الفيلم الأول قد سبق وأن تصديت له بالكتابة في الهلال قبل عام، وأن الفيلم الثاني ستجئ فرصة الكتابة عنه بما يستحق من استفاضة لدى عرضه عرضاً عاماً في مستقبل قريب.

وعلى كُلٍ، فالفيلمان يمتازان ببساطة الفكرة التي نراها في فيلم لاشين تقدم لنا من خلال محرك الأراجوز عمر الشريف المعبر عن الغلابة الذين حاربوا وضحوا من أجل الوطن المثخن بالجراح حتى نجحوا في انتشاله من هاوية الهزيمة والعار.

في مواجهة خساس الناس الذين لم يحاربوا ويضحوا ومع ذلك انفردوا بجني ثمار الانتصار.

الوهم والحقيقة

أما الفكرة في فيلم عرفة لصاحبها كاتب السسيناريو الشاب ماهر عواد، فقد جرى تقديمها لنا من خلال فنانين مشاغبين صعلوكين فقيرين حمص وحلاوة، (ممدوح عبد العليم) و(ليلى علوي) اللذين يستهل بهما الفيلم وهما في سرادق يغنيان ويرقصان علي لحن وكلمات أغنيتهما اليتيمة أنا حمص.. حمص وحلاوة..

وسرعان ما يختلس المطرب الرسمي غندور (حسن كامي) أغنيتهما مستبدلاً بكلماتها كلمات شنانة رنانة لا تقول شيئاً أو بمعنى أصح تقول عبثاً.

أنا وطني بانشد واطنطن.. واتباهى بمجدك ياوطن.. على كل الأوطان متسلطن.

وما أن تصل إلى سمع حمص وحلاوة كلمات أغنيتهما منطلقة من شاشة التليفزيون بعد أن جرى تشويهها علي الوجه سالف البيان، حتى يبدأ بينهما وبين المطرب الرسمي المحتال صراع مرير من أجل استرداد حقهما السليب، تتخلله من حين إلى حين استعرضات شيقة غير مقحمة صمم رقاصاتها الشاب عاطف عوض، لعل أهمها استعراض “الفلوس كل شيء” و”فوق.. فوق”.

القاع والقمة

فإذا ما انتقلنا إلى كابوريا لوجدنا أنفسنا امام ملهاة موسيقية قوامها فكرة بسيطة أخرى لعصام الشماع جرى تقديمها لنا من خلال صعاليك أربعة من قاع المدينة يتزعمهم ملاكم هاو “هدهد” (أحمد زكي) في مواجهة امرأة فاتنة لعوب حورية (رغدة) وزوجها المليونير سليمان (حسين الإمام).

أما كيف التقى أهل القاع بأهل القمة، فهذا ما يحكيه خيري بشارة، في فيلمه الروائي الخامس بأسلوب ساخر، زاخر بالدعابة يمتزج فيه الواقع بالخيال المنطلق من القيود الضارب في آفاق لا تعرف الحدود.

وأول الدعابات في مسلسل المفاجآت الملئ بها كابوريا لقطة البداية التالية مباشرة لانتهاء العناوين ويالها من بداية.

انها تصور وجهي سيدتين في خريف العمر، تتبادلان أطراف حديث لا نفهم منه شيئاً لا لسبب سوى أن كلمات الحديث ليست بلغة الاباء، إنما بلغة الفرنسيس.

صراع الديكة

فاذا ما تحركت الكاميرا بعد ثوان إلى وراء اكتشفنا أن الحديث داخل فندق عائم، وأن ثمة خشبة مسرح يتوسطها المطرب الشعبي شفيق جلال مرتدياً بدلة سهرة بيضاء مشنفاً الآذان، بأغنية فرانكو آراب ما أن تنتهي حتى يزف إلى الحضور بشرى بدء مباراة يتقاتل فيها ديكان يتحلق حولهما الجمع المنقسم إلى فئتين مبعث تخاصمهما مراهنة إحداهما علي ديك، والثانية علي الديك الآخر.

وقد يبدو هذا النوع من اللهو غريباً على مجتمعنا.

ولكن لم استبعاده وسط الشرائح الواسعة الثراء وليدة الانفتاح، تلك الشرائح المعروف عنها ولعها الشديد بكل ما هو أجنبي، والتي هي بحكم مصالحها لا تستثمر أموالها إلا في الخارج حيث الأمن والأمان، وبحكم ميولها الاستهلاكية لا ترنو إلا إلى كل ما هو مستورد، حتى ولو كان لهواً ولعباً.

وقريباً من الفجر، وبعد التعرف علي حورية وزوجها المليونير أثناء الرهان على الديكة، تتجه الكاميرا من العوامة (يلاحظ أن أول فيلم روائي مهم  لبشارة اسمه العوامة 70) إلى سطح النيل حيث نرى قارباً يتهادى بشبان ثلاثة بينهم هدهد الذي كان يردد مع صاحبيه كلمات أغنية “قزقز كابوريا.. أكل الكابوريا لا يعلى عليه”.

النداء

وهي كلمات استرعت انتباه حورية السيدة الجميلة الغنية فحفزتها إلى مناداة الشبان الثلاثة، طالبة إليهم الصعود وذلك للاستماع إلى أغنيتهم والاستمتاع بما تنطوي عليه من غريب الكلمات.

وطبعاً لبوا النداء، غير أنهم ما كادوا يدخلون العوامة حتى لمحهم زوج حورية المليونير واستفزه سوء هيئتهم الذي اعتبره نشازاً خليقاً بالطرد والإبعاد.

فإذا ما قاوموا ذلك، نشبت بينهم وبين حراس فتوات معركة جرى فيها تبادل اللكمات حتى انتهت بهم إلى تخشيبة قريبة سجناء.

وفي فجر اليوم التالي تم الافراج عنهم جميعا بكفالة دفعتها السكرتيرة أو بمعنى أصح الوصيفة سحر رامي، بأمر من سيدتها حورية لغرض في نفسها سرعان ما يستبين لنا فيما هو قادم من مفاجآت.

هكذا بدأ الفيلم بداية بليغة حددت في لقطات قليلة مختصرة الاطار الذي ستجري داخله الأحداث .. إطار الملهاة الموسيقية.

على باب الله

بعد هذه المقدمة التي حددت للفيلم اطاره، ينتقل بنا صاحبه إلى حي شعبي حيث نرى هدهد يتلاكم في مبارة فوق حلبة مقامة بواسطة الأهالي في إحدى الساحات.

وها هو ذا يختلس بين الحين والحين النظر إلى فتاة قمر تتابع المباراة من إحدى النوافذ المطلة على الساحة.

ومن خلال عدد جد محدود من المشاهد التالية لتلك المباراة تتضح لنا ملامح شخصيته.

إنه شاب منصرف عن العمل في ورشة أبيه صانع القوارير الزجاجية مختلفة الألواح، طموحه هو صاحباه إلى الصعود بفضل الملاكمة إلى الأوليمبية (يقصد الأوليمبياد). متعلق بحب جارته قمر التي يرفض أبوها خطبته لها لأنه صعلوك لا مهنه له، ملتقط رزقه بوسائل غير مألوفة تلعب فيها العضلات دوراً حاسماً.

وما أن تنتهي تلك المشاهد، التي من بينها مشهد رائع في مولد حيث ينضم إلى الشلة شاب رابع ضخم مفتول العضلات، كان هدهد قد كشف احتياله أمام المتفرجين مضيعاً عليه بذلك عرق جبين ليلة بكاملها حتى ترسل السيدة الجميلة وصيفتها إلى هدهد وشلته عارضة عليهم القيام بمباريات ملاكمة علي حلبة مقامة في حديقة قصرها المنيف.

المصارعون الجدد

وبدءًا من لحظة قبولهم لذلك العرض المغري ينعطف الفيلم انعطافاً شديداً، فإذا بنا أمام مشاهد داخل ذلك القصر يقامر فيها أصحابه علي الآدميين بدلاً من الديكة، مشاهد تهزنا إلى الضحك بما تعرض أمام أعيننا من مناظر سمعنا عن متشابهات معها علي مدار التاريخ، فنضحك من سخفها أو نتفكه بمفارقاتها.

مناظر تذكرنا بعهود طغيان الأباطرة الرومان حينما كانوا يدفعون بالعبيد إلى ملاعب للاقتتال كالوحوش الكاسرة، وسط صيحات غضب او استحسان مندفعة من حناجر متفرجين متعطشين للدماء.

وكأن صاحب الفيلم يريد بذلك أن يقول أن شيئا لم يتغير فالصعاليك الذين يتم اصطيادهم فجراً كي يتسلى بهم علية القوم ليلاً، شأنهم في ذلك شأن الكابوريا التي يجري اصطيادها مع مطلع الفجر كي يتسلى بأكلها من معه ثمنها، ليلاً، هؤلاء الصعاليك لا يختلف أمرهم كثيراً عن أمر العبيد الذين كان الأسياد يلهون بهم في سالف الزمان.

الذوق السليم

وأخيراً فكم كنت أحب أن أعرض شيئاً من خصائص الفيلم الفنية التي تتصل أولاً بأغانيه التي أراها رغم كل غرابة كلماتها خالية من أي ابتذال يقف حائلاً رقابياً دون سماعها على أشرطة تسجيل.

وثانياً بملابس كل من رغدة وسحر رامي التي أراها قد جنحت إلى ابهار لا يتحلى بأي ذوق سليم.

وكم كنت أحب كذلك أن أتحدث تفصيلاً عن حياة الصعاليك الأربعة في تيه القصر المنيف، وكيف راودت حورية هدهد عن نفسه، وكيف كتب له هو وصحبه التحرر من سحر القصر الخفي، والنجاة بأنفسهم كما يوليس في أساطير الأولين.

ولكن شيئاً من هذا لا أستطيعه لضيق المكان كل ما استطيعه في هذا الخصوص هو أن أقول أن الفيلم قد خلص بصعاليكه إلى النهاية الحتمية في أي عمل سينمائي له طابع الملهاة الموسيقية، النهاية التي تقول بأن الكل سعيد بل قل في منتهى السعادة !!