«باريس.. عناق بين القديم والجديد»

لباريس “روح” تمتاز بها عن كل مدن العالم، فهي إذا نسبت إلى بعض مدن العالم القديمة مثل القاهرة والقدس ودمشق واسطنبول وروما، كانت طفلة بنت يوم، بل بنت ساعة، غير أنها بين مدن الدول المطلة على المحيط الفاصل بين أوربا والعالم الجديد من أقدمها، وهي تباهي كل المباهاة بقدمها، وبما فيها من آثار تاريخية تعود إلى الثورة الفرنسية وما قبلها وبعدها.

وهي تفاخر بلقبها “مدينة النور”

ففيها من المعاهد العلمية والفنية والمتاحف وبيوت الأزياء ما ليس في سواها.

وقد أنجبت نفراً من خيرة الفلاسفة والعلماء والفنانين التشكيليين والموسيقيين والسينمائيين والأدباء.

وهي صبية بمبانيها، شديدة الحرص على أحجارها القديمة الكريمة حتى أنها تفضل فتح أبوابها للغزاة مستسلمة للعار على أن يصيب حجر من تلك الاحجار أي دمار.

ولكن ثمة مفارقة في هذا الخصوص تلفت الأنظار وتتطلب شيئاً من التأمل والتفكير

فرغم كل هذا الشغف بالأحجار والحرص عليها فإنه لم يبق من مباني باريس ما قبل الثورة إلا أقل القليل.

الفتنة الباقية

فعلى الضفة اليسرى لنهر السين، لم يعصم من الضياع سوى مبنى الانفاليد، حيث مستقر “بونابرت” الأخير، والبانتيون حيث تحفظ رفات العظماء أمثال فولتير وروسو، وقصر اللوكسمبورج الذي شُيّد في عصر لويس الثالث عشر كي تقيم فيه أمه الملكة “ماريا دي ميديش” والحي اللاتيني يحيط بأزقته الضيقة الملتوية أكثر جامعات فرنسا عراقة “السوربون”.

أما “الايل ديلاسيتي” تلك الجزيرة التي انبعثت منها باريس، كما خرجت من أمواج البحر فينوس ربّة الجمال، فليس فيها من مباني العهد القديم سوى كاتدرائية نوتردام التي جرى تشييهدها على امتداد قرنين إلا اثنى عشر عاماً.

وعلى بعد خطوات حيث مبنى وزارة العدل، توجد حبيسة فنائه جوهرة باريس “مصلى السانت شابل” الصغير بنوافذه العالية الثمانية المرصعة بمئات التصاوير المنمنمة المستوحاة من قصص التوراه والأناجيل، والمرسومة بقطع زجاج صغيرة من جميع الألوان تسر الناظرين.

وقلعة “الكونسيير جري” (1298 / 1353) ذلك السجن الرهيب الكئيب الذي كان من بين نزلائه أرملة لويس السادس عشر “ماري انطوانيت” روبسبيير، شارلوت كوردي قاتلة “مارا”، مدام “دي باري” و “دانتون”.

واحد منهم لم يكتب لعنقه نجاة من القطع بالمقصلة التي اشتهرت باسم مخترعها “جيلوتين”.

فاذا ما انتقلنا إلى باريس الضفة اليمنى، لما وجدنا من المباني العتيقة التي يرتد عمرها إلى ما قبل الثورة شيئا، باستثناء ميدان “ڨوج” بمبانيه الأنيقة المشيدة بأمر من هنري الرابع (5/1612)، ومتحف اللوڨر، يقف على بعد خطوات منه تمثال صغير ذهبي اللون لحصان تمتطيه “جان دارك” يزدان به ميدان الأهرمات المجاور لحدائق التويليري بالمواجهة للمتحف الشهير.

الهدم.. لماذا؟

والذي أعمل معول الهدم في مباني تلك الضفة هو “لويس نابليون” الذي انقلب على الجمهورية ونصب نفسه امبراطوراً (1852).

ففي عصره الذي طال إلى ثمانية عشر عاماً، ولم ينته إلا بهزيمة منكرة أدت إلى سقوط باريس في أيدي الغزاة الألمان (1870)، في ذلك العصر الذي غالى الشاعر الفرنسي “ڨيكتور هيجو” في ذمّ امبراطوره المغتصب للسلطة، وهجائه هجاءً لاذعاً لم يسمع له مثيل، تغيرت معالم باريس، اختفى ستون في المائة من مباني ضفتها اليمنى، لتحل محله شوارع فسيحة، ترتفع على جانبيها أشجار باسقات، فروعها تعانق السماء. كل ذلك للحيلولة بين الشعب وبين تقليد ما حدث في أعوام 1789 و1830 و 1848، بالثورة على النظام الحاكم، وحمايتها من قوات الأمن بإقامة المتاريس.

انتصار الجديد

إذن فباريس المعاصرة بأبهة مبانيها ذات الطابع الكلاسيكي (البلدية والأوبرا)، وقصورها الشامخة (شايو) ومتاحفها الغنية بروائع الفن (بومبيدو، اورسي) وشوارعها الخضراء لا يُرى لامتدادها نهاية، وساحاتها المزدانة بالنافورات والأعمدة وأقواس النصر، ورياضها وحدائقها الغناء تنفح بالعطر الهواء، وبرجها الحديدي “ايڨيل” يشق الفضاء، باريس هذه إنما هي بنت الثورة الفرنسية، ليس ليها من القديم السابق على تلك الثورة إلا القليل وفيها من الجديد اللاحق على أحداثها الشيء الكثير.

إنها بحق باريس “هاوسمان” نسبة إلى البارون المهندس “جورج اوجين هاوسمان” الذي عمل على هدمها وإعادة بنائها تنفيذاً منه للأمر الصادر إليه بذلك من الامبراطور المغتصب نابليون الثالث (1853).

ومن المفارقات أن أقدم أثر في باريس ليس فرنسياً، ولا حتى أوربياً، بل مصرياً.

إنه مسلة رمسيس الثاني أحد الفراعين، انتقلت من الأقصر إلى باريس إبان عصر محمد على الكبير، بفضل “شامبليون” ذلك العالم الفرنسي النابغة الذي أعاد الروح إلى لغة قدماء المصريين بفك طلاسم حجر رشيد، حيث انتصبت منذ مائة وخمسين عاماً أو يزيد (1836) في ميدان الكونكورد (الوئام). بديلاً للجيلوتين تنحني له رءوس أعداء وأصدقاء الثورة على حدٍ سواء كي يجري قطعها بالمئات تحت قبة السماء.

Palais du Louvre

هرم الانفاق

والحديث عن مسلة رمسيس التي يتحلى بها الكونكورد، ذلك الميدان الذي يعتبر بحق واحد من أجمل ميادين باريس، بل قل العالم، لابد وأن يسحبنا إلى الوقوف أمام الهرم الزجاجي الذي أقامه المهندس المعماري الأمريكي “بي بي” المنحدر من أصل صيني هو ونفر من المعماريين الأفذاذ، وسط فناء نابليون على بعد عشرات الأمتار من تلك المسلة، وعلي بعد خطوات معدودات من متحف اللوڨر، ذلك أنه لم يجر تشييده أصلاً إلا ليكون مدخلاً لهذا المتحف العتيق الذي وصل عدد مقتنياته إلى أربعمائة ألف من بينها الكاتب المصري ولوحة موناليزا (الجوكندا) التي نهبها بونابرت أثناء حملته الايطالية.

هذا وقد أفتتحه الرئيس فرانسوا ميتران بمناسبة الاحتفال بمرور مائتي عام على ثورة الرابع عشر من يولية.

لو ألقينا نظرة طائرة مهرولة على هذا الهرم الصغير الشفاف الذي يغلب عليه طابع التجريد لاعتبرناه عملاً متطفلاً على الفناء الذي يحيط به مبنى اللوڨر من ثلاث جهات، مقتحماً حرمة مكان له طابع كلاسيكي ذو جلال.

عصر الفضاء

ولكن لوتأنينا في نظرتنا، لبدا لنا وكأنه سفينة فضاء شدت إلى الأرض، ولكنها على وشك الرحيل عائدة من حيث أتت، بعد أن رأى روادها متاع المتحف وقرّوا عينا.

وليس من شك أنه هرم قوامه مزيج من العلم والفن وفقا لأقصى ما بلغاه في الربع الرابع من القرن العشرين.

وهو بوصفه كذلك إنما يتماشى مع ميل الباريسيين إلى التعاصر، وولعهم الشديد بكلمة التعايش، يقصدون بها أن يجاور الجديد القديم في تواصل وانسجام.

سقطة

ولكن كل هذا المديح، لا يعني أنه هرم بلا مشاكل فلقد شاء مبدعوه أن يحيطوه بثلاثة أهرامات زجاجية صغيرة.

وكان هدفهم من ذلك أن يغمر ضوء النهار الطبيعي الممرات التي تحت الأرض، تلك الممرات التي تصل الهرم الرئيسي بأجنحة مباني اللوڨر القديمة حيث يوجد عزيز المقتنيات التي جرى جمعها من جيمع أنحاء العالم على امتداد قرنين من عمر الزمان.

ورغم نبل هذا الهدف، فإنه، والحق يقال، ليس ثمة مبرر لهذه الأهرامات الثلاثة، لا سيما وأن وجودها إنما يضعف ذلك الاحساس الذي أسلفنا ذكره، أثيرية الهرم الرئيسي، وما يتفرع عن ذلك من تخيلنا له أشبه بسفينة فضاء أسطورية حطت على الأرض امام اكثر مااحف فرنسا روعة وجمالا.

فقدان الاتجاه

هذه واحدة، أما الأخرى فهي مشكلة يلزم بموجبها أن نعود إلى الصلة بين طراز هذا الهرم وبين الطراز المعماري الضخم السائد حوله من جميع الجهات.

من المعروف أن اللوڨر يقع عند نهاية طريق النصر من الجهة الشرقية، ذلك الطريق الذي يعتبر في نظر البعض أعظم محور مدائني في العالم، إذ يمتد في خط عمودي من قوس نصر الكاروسيل المشيّد تكريماً لانتصارات بونابرت (6/1808)، مروراً بحدائق التوليري، فميدان الكونكورد حيث مسلة الأقصر ثم شارع الشانزليزيه، فميدان شارل ديجول (اتوال) حيث (قوس النصر)، ومنه إلى وزارة الدفاع.

وكما سبق أن ذكرنا فماني اللوڨر تحيط بفناء نابليون من جهات ثلاث أما جهته الرابعة فمنفتحة على هذا المحور العظيم.

ولكن ذلك الفناء ليس واقعاً على خط عمودي مستقيم مع المحور المذكور، إنه خارجه ببضع درجات.

وهكذا، فعندما يقف المرء في منتصف فناء اللوڨر، فإنه لا يرى المحور العظيم من منتصفه مستقيماً وإنما يراه منكسراً قليلاً.

ومن الغريب أن بناة الهرم قد وضعوه في منتصف فناء نابليون تماماً، بحيث يحيط به جناحا اللوڨر بشكل يتسم بالتناسق الكامل.

وهو ما يعني أن الهرم قائم على محور اللوڨر وليس على محور طريق النصر.

وهنا الخطأ

فلقد كان من الأسلم أن يوضع الهرم على محور ذلك الطريق، بحيث يكون امتداداً مستقيماً لقوس النصر.

طريق الندامة

وهذا مؤداه بحكم اللزوم إلا يكون موضعة في منتصف فناء نابليون على بعد متساو من جناحي اللوڨر.

والمشكلة الآن هي أن الهرم بوضعه الحالي، إنما يرنو بشكل أو بآخر إلى أن يكون انعكاساً مكملًا للنظام الكلاسيكي الذي هو الطابع المميز لمباني اللوڨر الأكثر منه قدماً.

ولكن الهرم لا يشكّل جزءًا من هذا النظام . إنه على العكس يمثل النقيض له، المتمرد عليه.

وهو بوصفه كذلك يعتبر في حقيقة الأمر جزءًا من صرح طريق النصر الأكثر شمولاً وشموخاً، بأقواسه وحدائقه ونافوراته، وتماثيله، ومسلته المصرية تبرز من بين كل هذا الجمال المتداخل المتواصل خطاً واحداً صاعداً دالاً على إرادة الانتصار.

والسؤال المحير بعد ذلك، هو كيف غاب كل هذا عن بال بناة الأهرام أمام المتحف العتيق ؟

صلاح أبوسيف …صعود الي الواقعية

القاهرة عاصمة السينما في الوطن العربي ما في ذلك شك.

وهي ما كان يمكن أن تصبح تلك العاصمة التي تتطلع إلى أفلامها الأبصار من المحيط إلى الخليج، لولا كوكبة من رواد أوائل لمع من بينها اسم “صلاح أبو سيف” الفائز بجائزة الدولة التقديرية.
ولا غرابة في هذا الانفراد بالتألق والتميز.

فحياته منذ البداية تدور حول السينما وجوداً وعدماً.

فهو ما أن اكتشف دنيا الأطياف حتى فُتن بها فإذا به يشاهد الأفلام بانتظام منذ أن كان صبياً.

يؤلّفها منذ أن كان شاباً فتياً.

يخرجها منذ خمسة وأربعين عاماً ويواصل إبداعها، رغم أنه بلغ من الكبر عتياً.

ولقد استطاع الفنان صلاح أبو سيف، بفضل كل هذا الحب والمثابرة، علاوة على موهبة الإبداع السينمائي، أن يرسم بالكاميرا قطاعات حية آخاذة من المجتمع المصري إبان النصف الأول من القرن العشرين، مجتمع الوحش وريا وسكينة والفتوة وغير ذلك من أفلام أمتعت الجماهير ولا تزال.

وأن يترجم قاهرة نجيب محفوظ وأمين يوسف غراب ويوسف السباعي إلى لغة السينما في بداية ونهاية وفضيحة في القاهرة 30 وشباب امراة والسقا مات.

وهو بهذا المحصول السينمائي الوفير يكون قد لعب دوراً كبيراً حاسماً في ولادة السينما المصرية من جديد.

في الانتقال بها من مرحلة الطفولة حيث كانت بدائية تحبو إلى مرحلة أكثر نضجاً واكتمالاً، ترنو فيها إلى واقعية بلا شطآن.

ولد قبل خمسة وسبعين عاماً إلا قليلاً. وبالتحديد في العاشر من مارس لعام 1915.

والعجيب أن مولده لم يكن في بيت أبيه عمدة قرية “الحومة” من أعمال مركز الواسطي، ذلك العمدة الثري المتعدد الزوجات.

وإنما في بيت أمه “البندرية” التي كانت قد غادرت ريف الصعيد ثائرة على حياة حريم قوامها الاستسلام للذل والهوان، مؤثرة العودة إلى حارة “قساوات” ببولاق، ذلك الحي الشعبي الذي لا يفصله عن الزمالك حي أبناء الذوات سوى شريط ضيق من ماء.

وأعجب العجب أن أمه هي التي أسمته “صلاح الدين” وبهذه البشرى أرسلت برقية إلى زوجها العمدة الذي لم يبادر بشدّ الرحال إلى القاهرة مفضلاً ألا يرى كتلة اللحم والدم التي تدعى ابنه حتى اليوم السابع.

مؤجلاً الاستمتاع بسماع وعوعة ابن البندرية وصياحه، تلقفه بين ذراعيه وتقبيل وجنتيه إلى ذلك اليوم، يوم “سبوع ” الصغير.

وليس من شك أنه ما كان له أن يبصر يومئذ الصلة التي بين هذا المولود الجديد، الذي لا يعرف من أسراره سوى أنه صبي، وبين عالم الأطياف.

ففي ذلك الزمن الموغل في القدم لم يكن للسينما من العمر سوى عشرين عاماً.

ولم يكن في مصر صناعة تنتج أفلاماً.

وعلى كُلٍ فلو كان لعمدة “الحومة” أن يرى تلك الكتلة الصغيرة التي تقطر حياة بعد خمسة وسبعين عاماً تفوز بجائزة الدولة التقديرية للدور الذي لعبته في النهوض بالسينما المصرية، لظن أن ما يمر أمام عينيه إن هو إلا أضغاث أحلام.

ولو كان له– وهو في غمرة السعادة بذلك التكريم أن يشاهد أحد الأفلام التي من أجلها منح وليده تلك الجائزة المشتهاة، وليكن “الزوجة الثانية” لهاله سخرية الفيلم اللاذعة بالعمدة ونظام تعدد الزوجات ولأنقلب فرحه إلى غم وتحولت بهجته إلى رعشة وآلام.

وبعد ذلك بعشرة أعوام، أثناء تسكع الصبي “صلاح” في شوارع القاهرة القريبة من حيه بولاق هرباً من دراسة إضافية أجبر عليها في المساء استرعت انتباهه صور معلقة على واجهة مبنى بشارع إبراهيم باشا (الجمهورية الآن) وكان أن سمع صوتاً يغريه بالدخول في تجربة تدفع به إلى المجهول.

وها هو ذا يشتري تذكرة بقرش صاغ من حر مصروف يده الذي لم يكن يتجاوز خمسة مليمات في اليوم الواحد.

وها هو ذا جالس في الصف الأول من قاعة سينما ايديال، وعلى شاشة بيضاء أمامه يتحرك رجل صغير مرتدياً قبعة طاسة وحذاءً كبيراً مرتخياً وسروالاً منفوخاً بالياً محاكياً في سيره مشية البطة.

وهكذا التقى “صلاح” لأول مرة بالسينما في شخص “شارلي شابلن” المتشرد الخالد.
وبفضل هذا اللقاء السعيد بدأ مشوار “صلاح أبو سيف” مع الفن السابع، ذلك المشوار الذي كُتب له أن يستمر قرابة أربعة وستين عاماً من عمر الزمان.

واقعية متميزة

وفي الحق فإن طريقه إلى الاحتراف السينمائي صعوداً إلى الإخراج والتميّز فيه بالواقعية لم يكن من تلك الطرق الملكية المفروشة بالزهور والرياحين.

كان على “صلاح” أن يخوض معارك كثيرة قبل أن ينجح في الإنفراد بإخراج أول فيلم روائي طويل “دائماً في قلبي” (1946).

وكان عليه أن يصبر ويثابر قرابة خمسة أعوام بعد التاريخ الأخير حتى يستطيع أن ينطلق بإبداعه من كهوف السينما التقليدية المظلمة إلى رحاب الواقعية بفيلم لك يوم ياظالم (1951).

مرة أخرى لن تكون المرة الأخيرة يذهب به قدره إلى لقاء آخر سعيد… وأين؟

في المحلة الكبرى بعيداً عن القاهرة التي كانت تتخلق عاصمة للسينما العربية وذلك بدءاً من منتصف العشرينات.

وهو في هذه المرة لا يلتقي بطيف من نور داخل قاعة مغلقة بالظلام وإنما يلتقي بشخص المخرج “نيازي مصطفى” الذي كان قد جاء إلى قلعة الصناعة المصرية في المحلة ابتغاء تصوير فيلم يسجل أمجاد شركات بنك مصر.

ومهما يكن من أمر، فما أن التقيا هو و”نيازي” وتبادلا أطراف الحديث، حتى اكتشف الأخير أنه إنما يواجه شاباً مولعاً بالسينما وقارئاً ممتازاً لكل ما كتب عنها في لغة الضاد.

نهاية مرحلة الهواية

وما أن عاد نيازي– ذلك المخرج الذي رحل عن دنيانا مقتولاً قبل ثلاثة أعوام– إلى القاهرة حتى أطلق في ردهات شركة مصر للتمثيل والسينما نبأ وجود شاب يعمل في شركة الغزل بالمحلة وله بالسينما شغف شديد ورغبة في أن يبدأ حياته من جديد صانعاً للأفلام وكما في الأساطير والأحلام نجح “نيازي” في اقناع المسئولين بتلك الشركة بنقل الشاب المحلاوي المولع بالسينما إلى الاستوديو بالقاهرة حيث استهل حياته السينمائية بالعمل مساعداً بقسم التوليف “المونتاج” (1936).

وتعتبر هذه البداية نهاية مرحلة الهواية في حياة “صلاح”.

فبدءًا من ذلك التاريخ، أي منذ خمسين عاماً أو يزيد و”صلاح” يحترف السينما لا يعيش إلا بها ولها حتى يومنا هذا .

والآن إلى لقائه السعيد الثالث على عكس لقاءيه مع “شابلن” و”نيازي” كان لقاؤه مع “كمال سليم” وليد تفكير وتدبير… كيف؟

لأمر في نفس الأقدار سمع “صلاح” اسم “كمال” يتردد كثيراً في أروقة استديو مصر بوصفه شخصاً عنيداً ينشد الكمال في كل شيء، لا يرتضي به بديلاً.

واذا به يجد نفسه مشوقاً أشد الشوق إلى الالتقاء به ولا يستطيع على ذلك صبراً.

ولما كان “كمال” قد ترك الأستديو في لحظة غضب مستقيلاً، وكان معروفاً عنه أنه يسهر في مقهى رجينا بشارع عماد الدين “محمد فريد الآن” ملتقى الفنانين الشبان فقد توجه صلاح إلى ذلك المقهى في إحدى الأمسيات مبيتاً النية على التعرف بكمال وما أن التقى الإثنان حتى نشأت بينهما صداقة زادت قوة وتوثقاً على مر الأيام.

وكان من بين ثمارها أن اتصلت الأسباب الوثيقة بين “صلاح” وبين جماعة من المثقفين شغفت بالأدب والفن وأتخذت من الماركسية هادياً ومرشداً.

كان من بين نجوم تلك الجماعة الفريدة الرسام “رمسيس يونان” والأديب “ألبير قوصيري” والسينمائي “كمال سليم” بطبيعة الحال.

ولم يقف الأمر بين الرجلين كمال وصلاح عند هذه الصداقة وهذا الانتماء وإنما نشأت بينهما صلات عمل في مجال السينما ذلك المجال المحبب لقلب صلاح والذي هو عنده غاية الغايات.

وغني عن البيان أن خير ما أثمرته هذه الصلات هو فيلم العزيمة الذي أخرجه كمال وشارك صلاح فيه بالتوليف.

وأخص ما يمتاز به العزيمة هو جنوحه إلى الواقعية.

خطوة في طريق الواقعية

فلأول مرة تذهب الكاميرا إلى حارة ولأول مرة تلعب الحارة دوراً هاماً ذا دلالة في رسم شخصيات الفيلم وفهمها.

وهذا الانتقال من جانب صانعي العزيمة إلى الحارة على وجه يخدم المعالجة السينمائية لم يكن بالأمر السهل اليسير.

فالرقابة بشقيها الرسمي وغير الرسمي كانت تحمل العداء الشديد لأية انطلاقة من الصالونات والبارات والكاباريهات وما إلى ذلك من أماكن الحياة اللذيذة إلى أزقة وحواري الأحياء الشعبية حيث تقيم الغالبية الغالبة المعذبة بالفقر والشقاء.

ومع ذلك فالعزيمة لا يعدو أن يكون خطوة متواضعة إلى أمام في طريق الواقعية.. لماذا؟

لأن مبدعيه لم يذهبوا إلى الحياة المصرية ليعرضوها كما هي دون تزويق وتجميل.

وإنما اكتفوا بحارة مشيدة داخل استديو حسب تصور كمال سليم لها وهو تصور منبت الصلة بالواقع وآية ذلك أنه لم يجد حلاً لمشكلة البطل المتبطل في الفيلم حسين صدقي إلا في تبني أحد الباشاوات أولاد الأكابر لقضيته، وانتهاء ذلك التبني الزائف إلى تسكين البطل في وظيفة محترمة أعادت إليه الثقة والاعتبار.

ومهما يكن من شيء فلقد استفاد صلاح من تلك الخطوة التي بفضلها انكشف له من أسرار الفن السابع الكثير.

غير أنه كان لابد له من نوافذ أخرى يطل منها على هذا الفن الوليد الشديد التعقيد.

وها هو ذا في مدينة النور لأول مرة قبل نشوب الحرب العالمية الثانية بقليل.

إنه بين مصدق ومكذب، هل هو في حلم أم هو في علم؟

وما أن يفيق من هول الصدمة الثقافية حتى يقبل بقلب مفتوح على الدراسة وعلى مشاهدة الأفلام.

ويتأثر كثيراً بتيار الواقعية الناقدة الذي كان متسيداً السينما الفرنسية في تلك الأيام الكئيبة العصيبة وهو تيار يغلب عليه اليأس اليائس.

وبالنظر إلى اندلاع نيران الحرب فقد أسرع “صلاح” بمغادرة باريس عائداً إلى استديو مصر حيث لم تتح له فرصة العمل كمخرج إلا بعد ستة أعوام.

ومن عبث الأقدار أن يكون أول فيلم يخرجه صلاح وهو “دايماً في قلبي” مقتبساً من قصة فيلم هوليوودي “جسر ووترلو” بطولة ففيان لي نجمة “ذهب مع الريح”.

ولو استمر صلاح في طريق صنع أفلام مقتبسة على هذا الوجه القبيح لما بقى في ذاكرتنا حياً ولكان الآن نسياً منسياً وهنا ولأمر ما في علم الغيب التقى صلاح بنجيب محفوظ في منتصف الأربعينات وإذا به يشجع أديبنا على العمل معه في السينما يوهمه بأن كتابة السيناريو لا تختلف عن كتابة القصة في كثير أو قليل.
وتبدأ بينهما علاقة عمل سينمائية تستمر خمسة عشر عاماً تثمر أفلاماً متصلة بعصرها مثل “ريا وسكينة” “الوحش” و”الفتوة” أفلاماً أكثر وعياً ونضجاً من العزيمة، وما أنتج بعده من أعمال سينمائية معظمها خليق ألا يحفل به ولا يلتفت إليه وهكذا، وبفضل لقاء آخر سعيد ربح الفن السابع موهبتين.

نجيب محفوظ كاتباً للسيناريو وللقصة السينمائية وصلاح أبو سيف مخرجاً رائداً ثابت الأقدام.

أوسكار التحريف للتاريخ والتعصب المقيت

أوسكار.. تمثال برونزي صغير، يقرأ اسمه علي صفحات مئات الجرائد والمجلات، تشاهد صورته علي مئات الملاين من الشاشات، وهو يسلم إلى كل من كان من نصيبه الفوز به من مبدعي الأفلام علي مدار العام السابق، وذلك في حفل أو استعراض كبير يقام في عاصمة السينما “هوليوود” قريباً من نهاية شهر مارس من كل عام.

ومن هنا جاءت شهرته التي تجاوزت وطنه الولايات المتحدة إلى جميع ارجاء المعمورة بلا استثناء.

ولعله الآن أشهر تمثال في العالم.

ولعل جائزته تفوق في الأهمية والمكاسب المادية جائزة نوبل في أكثر الأحيان.

وغني عن البيان أن “أوسكار” خير داعية لما ينتجه مصنع الأحلام في هوليوود من أفلام.

وعادة يجري التمهيد لأوسكار بجوائز أخرى توزع في احتفالات ومهرجانات سينمائية عديدة تقام في أمهات المدن الأمريكية مع بداية العام، وتعلن نتائجها قبل الترشيح للأوسكار بأيام.

وقد لا أكون بعيداً عن الصواب إذا ما خلصت إلى القول بأن جوائز الكرة الذهبية، هي أهم هذه الجوائز جميعاً.

عادات وتقاليد

فعندما يفوز فيلم بعدة كرات ذهبية، يكون ذلك إيذاناً بترشيحه للأوسكار، وبفوزه بها، هو وبعض مبدعيه في أغلب الأحوال.

هذه الظاهرة التي كادت تصبح تقليداً أراها تتكرر على مر الأعوام.

“فغاندي” ما أن خرج من حلبة الصراع على تلك الكرة فائزاً بجوائز أفضل فيلم أجنبي ومخرج وممثل وسيناريو، حتى رأيناه بعد ذلك بأيام مرشحاً لعدد كبير من جوائز أوسكار، ثم فائزاً منها بنصيب الأسد.

نفس الشيء تكرر بعد أربعة أعوام مع “الإمبراطور الأخير” (1988) عندما كتب له أن يفوز بأربع كرات ذهبية من بينها الكرات المخصصة لأفضل فيلم ومخرج وسيناريو درامي.

فإذا ما جاءت الليلة الكبيرة.. ليلة أوسكار رأيناه منتصراً على جميع الأفلام الأخرى بالضربة القاضية، متوجاً– رغم أنه فيلم أجنبي– بتسع جوائز أوسكار.

وهو عدد لم يفز به أو بأكثر منه في تاريخ الأوسكار الطويل سوى ثلاثة أفلام.

لذلك عندما فاز “رجل المطر” بالكرة الذهبية باعتباره أفضل فيلم درامي منذ ثلاثة أشهر أو يزيد، كما فاز بها “داستن هوفمان” عن أدائه في الفيلم المذكور لدور “رايموند بابيت”، اعتبر هذا الفوز دليلاً لا يتسرب إليه الشك على أن “رجل المطر” فيلم مبشر بأوسكار، وأن فوزه بها، هو ونفر من مبدعيه أمر شبه أكيد.
وكما كان متوقعاً، فقد جرى ترشيحه لثماني جوائز أوسكار.

وقبل ليلة توزيع الجوائز بقليل تحمست جريدة “الجيروساليم بوست” الإسرائيلية لكل من الفيلم وصاحبه المخرج “باري ليفنسون” وبطله “داستين هوفمان” حماساً شديداً.

وما أن ذاع خبر فوز الفيلم وصاحبه وبطله بالأوسكار الموعود حتى نشرته تلك الجريدة في مكان بارز من عددها الصادر في 31 من مارس 1989 مباهية الأمم بانتساب الفائزين “ليفنسون وهوفمان” إلى يهود هوليوود.

والآن إلى ما يحكيه “رجل المطر” الذي خرج من مضمار أوسكار متوجاً بأربع جوائز بينها أوسكار أحسن سيناريو مبتكر “رولند باس” و”باري مورو”.

يحكي هذا الفيلم قصة شاب وسيم فهلوي “شارلي بابيت” (توم كروز) يعمل بلوس أنجلوس في تجارة السيارات.

الحرمان والعصيان

والحكاية تبدأ به، وقد تلقى ذات صباح مكالمة هاتفية تخبره بوفاة والده الذي لم يلتق به منذ أن كان شاباً يافعاً ليس له من العمر سوى ستة عشر عاماً.

وسرعان ما يكتشف أن والده قد أوصى بكل ثروته التي تقدر بثلاثة ملايين دولار إلى شخص مجهول لا يعرف من أمره شيئاً.

وبعد قليل، يعرف، وهذا هو الأغرب– أن ذلك الشخص المجهول أقرب إليه مما كان يتصور، إنه شقيقه الأكبر.

والسبب في إخفاء أمره عنه أنه متخلف عقلياً، يعيش في مصحة للمعوقين على الساحل الشرقي، بعيداً عن الناس، وما يحمله القرب منهم لمن كان في مثل حالته من أخطار جسام.

وعلى كُلٍ، فما أن التقى بشقيقه في تلك المصحة، حتى تبين له مقدار تخلفه.

فكان أن فكر في خطفه ابتغاء الاستيلاء علي ما أوصي له من ملايين.

ولم يمض وقت طويل، إلا وكان قد اختطفه فعلاً.

وها هو ذا في طريقه إلى الساحل الغربي، ومعه في السيارة شقيقه المعوق الذي رفض السفر بالطائرة لأنه يهاب الانتقال بين الأماكن معلقاً في الفضاء.

عبقرية الأقلية

وأثناء السفر يكتشف “شارلي” أن شقيقه عبقري في لغة الأرقام.

ومن هنا توقفه في “لاس فيجاس”، مدينة القمار، حيث استغل عبقرية شقيقه تلك في الفوز من خلال المقامرة بثروة طائلة فاقت الملايين الموصى بها.

ولقد كان في إمكانه، لو شاء، أن يكسب المزيد، لولا أن أصحاب نوادي القمار في مدينة الشيطان الأصفر قد تنبهوا لخطورة عبقرية شقيقه المعوق، فحالوا بينه وبين الاستمرار في المقامرة.

الأهم من هذا كله، والذي يريد الفيلم أن يركزعليه– هو ذلك التغيّر الذي طرأ علي شخصية “شارلي” بفضل تعايشه مع شقيقه الأكبر خلال الرحلة، واستحالة علاقته به إلى حب أكيد.

ففي البدء حين لقيناه في لقطات الفيلم الأولى، كان أنيقاً في ملبسه، حاد التقاطيع، جشعاً، طامعاً في ملايين شقيقه المحروم منها.

غير أنه عند اقتراب الفيلم من النهاية، نراه وقد استحال شخصاً أكثر إنسانية في التعامل مع شقيقه ومع الآخرين.

وفي الحق، فرجل المطر يسلّط الأضواء لا على “رايمون” المعوق، وإنما على “شارلي” الفتى الطموح المستلب بعبادة المال.

وهو، من خلال الأحداث، يخطو به نحو الحب شيئاً فشيئاً، حتى ولو لم يكن ثمة أمل في أن يبادله الشقيق المعوق حباً بحب.

بعد نظر

وهنا، قد يكون من المفيد أن أذكر ما تصوره أصحاب الفيلم عندما اتصلوا “بهوفمان” لاقناعه بالتمثيل في “رجل المطر”.

لقد تصوروا من منطلق خاطئ في تقدير الأمور أن الدور المناسب له هو دور “شارلي” الشقيق الأصغر. ولكن “هوفمان” بفضل حاسته الفنية التي لا تخيب إلا لماماً، وبفضل حاسته التجارية التي لا تخيب أبداً، وقع اختياره علي دور “رايمون” الشقيق المعوق، وذلك رغم أنه أصغر من الدور الآخر المعروض عليه ابتداء.

وأغلب الظن أنه لو كان لم يسمع سوى صوت الطمع فاندفع إلى الوقوع في فخ إيثار الدور الأكبر علي الدور الأصغر، لما فاز بجائزتي الكرة الذهبية وأوسكار.

يبقي أن أقول أن “رجل المطر” لا يستحق كل الضجة الكبرى التي أثيرت حوله باعتباره فتحاً فنياً مبيناً، ولا كل الجوائز التي أمطروه بها.

فهو فيلم قائم على سيناريو مفتعل أشد افتعال، أحداثه وشخصياته مرسومة حول معان غامضة لم يستطع المخرج أن يقدمها لنا بجلاء.

ومع ذلك، فمما يحسب “لرجل المطر” أن التوقعات القائمة على الاعتقاد الشعبي بأن المرض العقلي لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال القداسة في بعض الأحيان، ومن ثم فقد يكتب “لريمون” المعوق الولي الشفاء، هذه التوقعات لم يتحقق منها شيء بفضل امتناع أصحاب الفيلم عن أن ينتهوا به تلك النهاية السعيدة البلهاء.

شيخوخة مبكرة 

ولو انتقلنا بعد ذلك إلى الأفلام الأخرى التي دخلت بشكل أو بآخر في عداد الأفلام الفائزة بالجائزة المشتهاة مثل “الأرنب روجر” الذي افتتح به مهرجان القاهرة السينمائي الأخير أو “الفتاة العاملة” لصاحبه “مايك نيوكلس” أو “السائح بالصدفة” لصاحبه “لورانس كازدان” أو “حرب الفاصوليا” لصاحبه الممثل المخرج والمنتج “روبرث ردفورد” أو “فندق نرمينوس حياة وأزمنة” كلاوز باربي، لصاحبه “مارسيل أوفلس” أو “المتهمون” لصاحبه “جوناثان كابلان” أو “المسيسيبي يحترق” لصاحبه “آلان باركر”.

وألقينا عليها نظرة طائرة لوجدنا أنفسنا أمام ظاهرة غابت عن انتباهنا طويلاً، هي أن هوليوود قد شاخت، وليس في استطاعتها أن تقدم جديداً نافعاً.

ومهما يكن من أمر هذه الظاهرة فقد يكون من المفيد الوقوف عند الأفلام الثلاثة الأخيرة ولو قليلاً. “فندق ترمينوس” فيلم وثائقي طويل يدور حول جرائم “كلاوز باربي” ذلك الألماني النازي الملقب “بسفاح ليون”. والفيلم عماده لقاءات أجرى فيها المخرج حوارات مع ضحايا هذا السفاح سواء أكانوا من رجال المقاومة الفرنسية أو ممن جرى شحنهم إلى معسكرات الموت ومعظمهم من اليهود!!

جرائم وقحة

أما “المتهمون” فيبدأ ببطلته “سارة توبياس” (جودي فوستر) مندفعة من باب بار إلى الشارع وهي ممزقة الثياب، صارخة فزعاً، ملتمسة النجاة.
وفي الظلام شاب على الرصيف يرتعد خوفاً، وهو يصرخ في سماعة التليفون ملتمساً من الشرطة انقاذ هذه المرأة المبتلاة.

وسرعان ما نعرف سبب صراخها على هذا الوجه الذي يثير الرعب في القلوب.

لقد اغتصبها شبان ثلاثة أمام أعين رواد البار والعجيب أن أحداً من هؤلاء الرواد لم يحرك ساكناً لحمايتها من الاغتصاب.

وأغرب العجب أنهم– فيما عدا قلة صامتة– كانوا بمشهد الاغتصاب البشع الذي أمام أعينهم فرحين، مصفقين بل قل مشجعين.

ولكن ما الذي حدا بالشبان الثلاثة إلى اغتصاب “سارة” هكذا علناً في محل عام، وبهذا الشكل المشين؟

في تلك الليلة– وقبل ذهابها إلى البار- تشاجرت “سارة” مع صديقها الموسيقار الذي يشاركها العيش في منزل متحرك.

وكعادتها ذهبت إلى بار قريب كي تحتسي بضع كئوس. لعلها بها تنسى المشاكل، وتتخفف من الهموم.

وفي هذه المرة، وقبل توجهها إلى البار بصحبة صديقة تعمل معها على خدمة الزبائن في أحد المطاعم، تعاطت أنفاساً من الحشيش.

وها هي ذي داخل البار مرتدية ملابس فاضحة، غير مكتفية بعربدة السكر علناً، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بتبادل النظرات مع شاب جذاب، ما أن دعاها إلى مشاركته الشراب حتى قبلت بلا تردد، وأخذت تتجاذب معه أطراف حديث ملؤه الغزل والإيحاءات.
وبينما هو محتضنها في حلبة الرقص يمطرها القبلات، إذا به يطلب منها أمراً لم يكن في الحسبان.

وكلما رفضت أصر لأنه من ذلك الصنف من الشبان الذي لا يقبل من فتاة أن تمتنع وتقول لا. وبمساعدة اثنين من رفاقه دفعها إلى جهاز لعبة الكرة والدبابيس حيث اقترفت جريمة الاغتصاب.

من الجاني؟!

وهذا السلوك المبتذل من قبل “سارة” في مكان لهو ولعب في تلك الليلة الليلاء، كان لابد أن يقف عقبة كئود أمام محققة الإدعاء “كاترين ميرفي” (كيللي ماكجيلليس).. فادعاء فتاة عاملة من الطبقات الدنيا، تسكر وتعربد وتحشش بأنها قد أغتصبت، هذا الادعاء لا يؤخذ مأخذ الجد أمام القضاء.

كل ذلك اضطر المحققة إلى اسقاط تهمة الاغتصاب وبدلاً منها توجيه تهمة تهديد الأرواح والأموال إلى الشبان المعتدين.

وهذا ما أغضب “سارة” التي كانت تتوقع أن تحكي مأساتها أمام المحكمة حتى تنتصف لها العدالة مما وقع على جسدها من اعتداء آثم مهين.

ولم يكن أمام المحققة حتى تعيد المحاكمة، استجابة لرغبة سارة، بعد أن بدأت تتعاطف معها، إلا حلاً وحيداً هو توجيه الاتهام إلى الذين شاهدوا الاغتصاب، ولم يحركوا ساكناً.

ولن أحكي التفاصيل التي بها استطاعت المحققة أن تضيق الخناق على شهود الجريمة التي ما كانت لترتكب فيما لو اتسم سلوكهم بالمبالاة والإقدام. فذلك شيء يطول.

وإنما اكتفي بأن أقول بأن “جودي فوستر” برزت في دور “سارة” المغتصبة ممثلة عظيمة، ومن هنا فوزها بجدارة عن أدائها لهذا الدور بالأوسكار.

وبأن منتجة الفيلم “شيري لانسينج” لم يفتها في حديث لها مع جريدة “دالاس أوبزرفر”، (20 أكتوبر 1988) أن تجري مقارنة بين موقف الجمهور اللامبالي في فيلم “المتهمون” وبين موقف الشعب الألماني غير المكترث بما حدث في ألمانيا الهتلرية لشعب الله المختار!!

والآن إلى الفيلم الثالث والأخير “المسيسبي يحترق”.
سود وعبيد

هذا فيلم يعرض لنضال السود من أجل المساواة مع البيض في الولايات المتحدة خلال العام الذي حصل فيه “مارتن لوثر كنج الصغير” على جائزة نوبل للسلام (1964) ولكنه يعرض لهذا النضال لا من منطلق أن السود هم الذين كافحوا وضحوا حتى اضطروا الكونجرس الأمريكي إلى إعادة حقوقهم السليبة في الحرية والمساواة إليهم وذلك بعد رحلة طويلة من المعاناة والعذاب.

ولكن من منطلق آخر يقلل من دورهم في هذا النضال الباسل، يقول أنهم كانوا متفرجين سلبيين ينتظرون الخلاص علي أيدي رجال “روبرت كندي” النائب العام أو بمعنى أصح على أيدي بطلي الفيلم “جين هاكمان” و”ويلم دافو”، وكلاهما محقق من رجال “هربرت هوفر” رئيس المكتب الاتحادي للمباحث، والذي كان معروفاً عنه أنه يمقت “مارتن لوثر كنج” مقتاً شديداً.

فبفضل هذين المحققين- وكلاهما من البيض– عثر على جثتي “مايكيل شفرنر” و”اندرو جومان” والاثنان من بيض الشمال. كما عثر على جثة “جيمس شابي” وهو من سود الجنوب.

والثلاثة– وهم مناضلون من أجل الحقوق المدنية، كانوا قد اختفوا قريباً من فيلادلفيا- ميسوري قبل أسابيع، وبعد العثور على جثثهم بأربعة شهور ألقي القبض على تسعة عشر رجلاً بتهمة الاشتراك في قتلهم.

وخلال عام 1967 صدر الحكم على سبعة منهم كان من بينهم نائب الشريف لما ثبت في حقهم من تآمر على المناضلين الثلاثة ابتغاء تصفيتهم بالاغتيال.

الخطايا

وأحد عيوب الفيلم الجوهرية امتناعه حتى عن التلميح إلى عداء رئيس المباحث “هوفر” المتأصل للسود ولزعيمهم “كنج”، ذلك العداء الذي وصل إلى حد التصنت على “كنج” بموافقة “روبرت كيندي” سعياً إلى دليل يثبت أنه واقع تحت نفوذ الشيوعيين، فضلاً عن قيام عملاء المباحث بارسال خطاب وشريط تسجيل لعلاقاته الغرامية إلى زوجته بأمل دفعه إلى الانتحار.

والأخطر من كل ذلك امتناع مباحث “هوفر” عن تنبيهه إلى ما كان قد وصل إلى علمها من تهديدات له بالموت، وذلك إلى أن لقي مصرعه برصاصات انطلقت من غدارة أحد غلاة المتعصبين (1968).

وإن شئت أن تعلم شيئاً يفيد في فهم “المسيسيبي يحترق” الحاصل على أوسكار التصوير، فاعلم أن صاحبه “باركر” قد سبق له أن أخرج “قطار منتصف الليل السريع” (1978)، ذلك الفيلم الذي ينفث عداوة متوارثة للأتراك، وبغضاء طائفية متأججة للإسلام.