المتشرد الخالد.. مائة عام

لو لم يجئه الموت ليلة عيد الميلاد المجيد قبل اثنتين وعشرين عاماً أو يزيد، لكان له في منتصف الشهر من العمر مائة عام.

والغريب أن ثمة اختلافاً حول يوم ميلاد هذا المتشرد الصغير الذي يسير في الأفق وحيداً، مرتدياً قبعته الطاسة، وحذاءه المرتخي الكبير، محاكياً مشية البطة أو طيراً من هذا القبيل.

فهذا اليوم حسب الإعلان عن مولده ببيان إلى الناس نشر في مجلة “الماجنت” اللندرية بعددها الصادر في الحادي عشر من مايو لعام 1889 هو الخامس عشر من شهر أبريل.

أما إذا رجعنا إلى مؤلفه الضخم الذي ضمنه سيرته تحت عنوان “قصة حياتي” فسنجده مستهلاً لها على الوجه الآتي.
الأقدار الساخرة

“ولدت في 16 أبريل 1889، الساعة الثامنة مساء”.

والأغرب أن يجئ مولده في نفس السنة، بل وفي نفس الشهر الذي ولد فيه “أدولف هتلر”..،.. وألا يكون ثمة فرق بينهما في السن سوى بضعة أيام، فالأخير”هتلر” يصغر “شارلز سبنسر شابلن” بخمسة أيام فقط لا غير.

والأكثر غرابة، أن تلتقي حياتهما، وهما في سن الخمسين، لا في الواقع، وإنما في الخيال عندما تقمص “شابلن” شخصية “هتلر” في واحد من أكثر أفلامه جرأة “الدكتاتور العظيم”.

وفي وقت كان كلاهما في أوج المجد، الأول أشهر فنان في العالم يأسر بمتشرده الخالد قلوب الملايين والثاني أشهر طاغية يتوعد الإنسانية بحكم استبدادي لو كتب لجيوشه أن تنتصر لدام ألف عام.

وشهرة شابلن العالمية قد اكتسبها– والحق يقال- في تاريخ سابق على اكتساب هتلر لها بأكثر من خمسة عشر عاماً، لا بفضل دسائس ومؤامرات دموية، وإنما بفضل لقاء نادر.. لقاء الحظ بالعبقرية.. كيف؟

اللقاء السعيد

في الثامن والعشرين من فبراير لعام 1914- أي ولشابلن من العمر خمسة وعشرون عاماً- جاء استديو “كيستون” بهوليوود نبأ من “فينيس” في ضواحي “لوس انجلوس” مفاده أن ثمة سباقاً لسيارات الأطفال.

وطبعاً سارع “ماك سينيت” ساحر السينما الضاحكة الصاخبة وصاحب الاستديو إلى استدعاء “شابلن” الممثل الناشئ، طالباً إليه أن يبحث عن ملابس هزلية يتسكع بها- وهو مرتديها– أمام الكاميرا، وهي تصور ذلك السباق.

وهمست الأقدار في أذن “شابلن” أن يتوجه إلى ثلاثة من زملائه في الاستوديو وهم “ارباكيل” المشهور بالسمين و”مارك سوين” و”فورد سترلنج” فيستعير من الأول سرواله الواسع الفضفاض، ومن الثاني شاربه القصير الصغير، ومن الأخير حذاءه المرتخي الكبير.

وما لبثت الاقدار أن أخذت بيده ظهر نفس اليوم إلى مخزن للملابس بالاستوديو حيث اختار قبعة طاسة ومعطفاً ضيقاً وعصا.

وهكذا، وبفضل هذه الملابس، وبفضل هذا الشارب والعصا خرج إلى النور متشرد شابلن الذي سيكتب له الخلود في عالم الاطياف.

مولد متشرد

ونحن لو رأينا “سباق الأطفال في فينيس”– وهو ثاني أفلامه– ولم نكن على علم بأنه لشابلن لتعرفنا عليه فور ظهوره على الشاشة البيضاء ولأحسسنا أن أمامنا بعضاً منه، هذا البعض الفوضوى الذي لا هم له إلا المشاغبة والمداعبة والسخرية من رجال الشرطة والمصورين والأطفال المتسابقين.

ولو أتيحت لنا فرصة مشاهدة فيلمه الرابع “بين الأمطار” لظهر أمامنا المتشرد شابلن بملابسه الرثة الممزقة، وهو يتعارك مع رجل متواجه متأنق من أجل شمسية وقلب حسناء.

فإذا ما فاز بالإثنين معاً، رأيناه يستدير فجأة، يمشي مشية البطة مبتعداً والشمسية بيمينه وظهره إلينا نحن المتفرجين.

ولاستطعنا– بعد هذا المشهد– أن نقول وكلنا ثقة..،.. لقد رأينا مولد شابلن بتكوينه الخارجي، بظاهره الأسطوري الذي يظل متواصلاً دون انقطاع إلى أن تمر الإنسانية بمحنة حربين عالميتين.
صوت الماضي

والحق، أنه ما كان في إمكان “شابلن” أن يكتمل مظهراً وروحاً خلال السنة الأولى من عمره السينمائي.

فهو كان يعمل عند مكتشفه “سينيت”.

وهو كان مطالباً بأن يمثل ويخرج فيلمين من ذلك النوع المضحك الذي عرف تحت اسم “كوميديات كيستون” وفي مدة لا تزيد على سبعة أيام.

وهو كان ملزماً باتباع أسلوب في الإضحاك لا يختلف في كثير أو قليل عن أسلوب الشخصيات الأخرى التي تمثل في أفلام “كيستون”.. وهي أفلام قوامها المطاردات وتبادل الضرب بالعصى وبفطائر الكريم.

أفلام تسخر من كل شيء، تحطم، تدمر، تعربد في إيقاع سريع صاخب، إلى الجنون أقرب.

وعن طيب خاطر قبل “شابلن” المشاركة في لعبة التحطيم والتدمير والعربدة هذه.

ولعله بهذه المشاركة كان مستجيباً لصوت من الماضي يريد أن ينتقم، بطريقة فوضوية، لشقائه في لندن وقت أن كان طفلاً يتيماً، معذباً بالفقر.

أفلام شيطانية

“فشارلز شابلن”- وهو الاسم الدعائي الذي أختير له بداءة- في أفلام سنة أولى سينما– على النقيض تماماً من شابلن الرقيق، الضعيف. إنه ممسوس بالشر والغضب، يضرب بعنف الأزواج ورجال الشرطة والأقوياء.. ولا يهزم أبدا.

وهو كسول، محب للترف، بخيل، سريع الغضب وفوق كل هذا جبان.

ولو جمعنا الأفلام التي مثلها “شابلن” الشاب خلال سنة أولى سينما لكونت كلاً واحداً متجانساً، سواء أكان هو الذي أخرجها أم “سينيت” أم واحد من أعوان الأخير.

بل أنها لو ضمت لبعضها البعض لخرج منها فيلم يدوم عرضه بضع ساعات .

ولأمكن أن يطلق عليه “مغامرات شارلز شابلن البهلوانية” ذلك الاسم الذي اختاره الناقد “جورج سادول” عنواناً لجميع أفلام شابلن في سنته الأولى مع السينما، وهو اسم يعبر بحق عن جوهرها، فهي لا تنهض إلا بفضل حضوره السينمائي ومطارداته وبهلوانياته وحركاته التقليدية الصامتة.

التحرر كيف 

أما الواقع الاجتماعي ونقده فليس فيها منه إلا نزر يسير نراه أكثر ما نراه في “حياته الموسيقية” حيث يجر شابلن وهو على منحدر تل، عربة تحمل بيانو وكأنه حمار فقير معبراً بهذا المشهد الأليم عن معاناة الرجل الصغير. غير أن هذا النغم الإنساني خافت يكاد لا يسمع وكان لابد لسماعه سائداً من أن يتحرر شابلن من عالم الإضحاك غير الإنساني، كما تتحرر الفراشة من الشرنقة.

أن يتحرر شابلن من المهرج الساخر من كل شيء المحطم المدمر لكل شيء حتى يولد شابلن الذي نعرفه شابلن الإنسان.

وعلى كُلٍ، فمع فيلم “شارع الهوى” (1916) نستطيع أن نقول أن شابلن قد ولد من جديد.

ولو تتبعنا أفلام “شابلن” اللاحقة لهذا التاريخ لوجدناها تزداد عمقاً وإنسانية على مر الايام.

الحرب والسلام

وفي الحق، فكل واحد منها يستحق منا وقفة طويلة غير أنني سأكتفي- لضيق المجال- بالوقوف وقفة قصيرة عند فيلمين من مجموع إبداعه فيما بين “شارع الهوى” و”الكونتيسة من هونج كونج” (1967).

والفيلمان هما “الدكتاتور العظيم” (1940) و”مسيو فيردو” (1947).

من المعروف أن “شابلن” قد تقمص في الفيلم الأول شخصيتين أحدهما شخصية دكتاتور أسماه “هينكل” قاصداً به “هتلر”.
والأخرى شخصية حلاق من المستضعفين في الأرض ينتهي الفيلم به حالاً محل الدكتاتور، مرتدياً ملابسه العسكرية موجهاً الخطاب من المنصة بوصفه الزعيم إلى شعب “تومانيا” (ألمانيا).

وهو في خطابه هذا لا يعلن الحرب كما كان الزعيم مخططاً وإنما يعلن السلام.

والعجيب أنه وكما اختفى الطاغية فجأة من فيلم “الدكتاتور العظيم”، اختفى المتشرد هو الآخر من جميع ما أخرج شابلن بعد ذلك من أفلام.

القاتل الفاضل

وظهر بدلاً منه بادئ ذي بدء “مسيو فيردو” ذلك الرجل المزدوج الشخصية الذي عبّر به شابلن مجازاً عن محنة الإنسان المعاصر.

فهو رب أسرة فاضل يعول زوجة مشلولة وطفلاً جميلاً. وهو في نفس الوقت زير نساء يتزوج في الخفاء أرامل مسنات واسعات الثراء بغرض الحصول على ثرواتهن بعد التخلص منهن بالقتل حتى يتمكن من توفير وسائل الراحة لأسرته، ويجعلها بمنجاة من الشقاء.
فإذا ما حكم عليه قريباً من نهاية الفيلم بالإعدام رأيناه، وقبل أن يذهبوا به إلى المقصلة، يتوجه إلينا بالخطاب ساخراً.

“جريمة قتل واحدة تصنع شريراً، وملايين الجرائم تصنع بطلاً”.

وقد يبدو أنه ليس ثمة علاقة بين شابلن المتشرد وبين “فيردو” القاتل المحترف.

وفي الحقيقة فالأخير لا يعدو أن يكون استمراراً للأول، ولكن في أزمنة أكثر إجراماً، أزمنة ما بعد كارثة هيروشيما.

بل أنهما وجهان لشخصية واحدة، شخصية مبدعهما الذي أطل على العالم منذ مائة عام.

ولم يتركه إلا وكان قد ترك في الفن السابع أثاراً بعيدة عميقة ليس إلى محوها سبيل.

يحيي حقي محباً ناقداً للسينما

نشأت في أسرة تعشق السينما رجالاً وصبياناً، لا يخرج حديث مائدة العشاء عن ذكر الأفلام القديمة والحديثة والقادمة وعن ترديد أسماء الممثلين في إيطاليا وألمانيا وأمريكا والمقارنة بينهم. لا أشترك في الحديث– لصغر سني- بل تلتقط أذناي منهم كل كلمة تقال.
هكذا حكى صاحب قنديل أم هاشم الذي لا يجئ ذكر لاسمه إلا وتذكر هذه النفيسة التي يزداد ما تقطره من زاد على مر الأيام عطراً وسحراً.
قصة حب
هكذا حكى يحيى حقي لنفسه ولنا في فاتحة المجلد العاشر من الكتابات النقدية في السينما كيف وقع في غرام السينما قبل خمسة وسبعين عاماً أو يزيد، أي وهو يتحسس طريقه صبياً لا يزال.
وعلى كُلٍ، فهذه الفاتحة الصغيرة الكبيرة القيمة قد كشفت لنا عن جانب مضيء في صاحب القنديل انفرد به دون أدبائنا الكبار جميعاً، وهو شغفه بالسينما، واتقاد شرارة هذا الشغف، في قلبه على وجه انعكس في شدة اهتمامه بالفن السابع وحسن تلقيه لما كان يشاهد من أفلام، وسرعة تصديه بالكتابة فيما ارتآه منها حدثاً سينمائياً هو في الغالب كذلك بفضل رؤية عميقة تستند إلى ذكاء وعلم وسع الكثير من لغة العصر.
وأول ما يلاحظ على هذه الكتابات أنها رفيعة المستوى في الأسلوب لا تجنح إلى استعمال غريب الألفاظ بل على العكس تميل إلى ما كان منها سهلاً ممتنعاً يسيل سيل نبع وديع لا يعكر صفوه لفظ واحد خارج ثقيل.
ولا غرابة في هذا، وقد عاش في بيت وصفه في حديث أجراه معه الأديب فؤاد دوارة صاحب الفضل في خروج هذه الكتابات إلى النور منذ خمسة وعشرين عاماً إلا قليلاً، وصفه بأنه كان يغلب على جوه أولاً: شيء من الإعجاب برشاقة اللفظ والابتهاج بالتوفيق في العثور عليه. وثانياً: نوع من الحياء بحيث ينتبه إلى زلة اللسان مهما كانت طفيفة.
قوى الظلام
وكم هو مثير للحزن، أن معظم هذه الكتابات قد شاءت لها الأقدار الظالمة أن تنشر في صحف قليلة التوزيع والتأثير كما المساء والتعاون.
وأن تحجب بذلك عن قراء صحف ذات جلال في كل العهود مثل الأهرام والأخبار. فلو لم يحدث هذا العزل غير العادل لكان للنشر أثر كبير. ولما انحدر النقد إلى مستواه المتدني حالياً. ولن أتوقف ولو قليلاً عند وليمة الكلمات في كتابات وأسلوب أديبنا الموهوب فهي وليمة دسمة غنية عن أي بيان.
وإنما أتوقف عند ظاهرة صفاء ونقاء هذه الكتابات وخلوها من شوائب العبارات العوراء التي تمتهن النقد بالكراهية والقبح والبذاءات. خذ مثلاً ما كتبه في نقد فيلم “البوسطجي” المأخوذ عن رائعته التي بنفس الاسم.
القاعدة والاستثناء
إنه قلق إزاء إخراج حسين كمال لهذا الفيلم غير مرتاح له ارتياحاً تاماً. فماذا كتب؟ بداءة كتب أنه قبل أن يرى الفيلم لأول مرة في الأسبوع الثاني من عرضه قد استمع لآراء عديدة عنه تتراوح بين الثناء الشديد والذم الشديد.
(هذه ذريعه لبيان أن– وهو صاحب القصة– لم يشاهد الفيلم قبل عرضه على الجمهور، بل أن مشاهدته له قد تأخرت إلى ما بعد انتهاء الأسبوع الأول).
وما أن انتهى من هذه المقدمة التي كشفت عن قلة ذوق صانعي الفيلم حتى انتقل إلى تباين الآراء فيه متخذاً منها برهاناً على أنه قد شذ عن بقية أفلامنا العديدة التي لا ترتفع لمستوى النقد. وهذا نجاح من العدل والإنصاف أن نقر له به مهما اختلف حكمنا عليه.
أنه جعلنا نترك مقالب الزبالة أو مقابر الأموات لنخالط الأحياء في العمار، أصحاء كانوا أم معلولين فالمطلب الأول في العمل الفني هو دبيب الحياة فيه.
الفلك المستقل
وبعد الكلام عن القصة والخيطين اللذين انعقدا فيها وأراد لهما القدر أن يتشابكا. الخيط الأول مفتول بصدقه فتلاً فوتوغرافياً عن الواقع، وهو مصرع جميلة الخاطئة على يد أبيها.
والخيط الثاني من محض الخيال. مأساة البوسطجي، هذا الشاب القاهري الذي يفترسه الملل في الصعيد المحايد الذي لا عليه ولا له يقلب كما أبله دوستيافسكي كل مجتمع يخالطه.
استطرد في محاولة منه لتبرئة الفيلم من تهمة إهدار صاحبه روح القصة، قائلاً: دعوا القصة جانباً، الفيلم عمل فني مستقل بذاته، أننا نحاسب من داخله لا من خارجه، والمخرج هو صانع الفيلم لا كاتب القصة، وكل نجاح أو فشل للفيلم ينبغي أن ينسب كله للمخرج.
غربة ورجاء
ولكنه ها هو ذا قريباً من نهاية المقال يستسمح الأستاذ حسين كمال في أن يقول له ناصحاً بأن لا يرسل الفيلم لمهرجان كما هو، فإن حساسية الذوق في أوروبا تأبى أن يرى المشاهد بعينه منظر السكين في يد الأب وهو يطعن بها ابنته كأنها شاة أو دجاجة.
والقصة تركت جميلة ولا شيء يدل على قتلها إلا دق أجراس الكنيسة. متمنياً عليه وعلى شركة القاهرة للإنتاج السينمائي لو كان في استطاعتهما إعداد خاتمة أخرى غير هذه الخاتمة. وطبعاً لم تسمع لا الشركة ولا المخرج لقول الأديب الأريب. وبقيت الخاتمة كما هي دون أي تعديل.
مثل آخر لهذا النقد الفريد الأقرب إلى التلميح منه إلى التصريح ما كتبه اولا في حق فيلم “الحياة، الحب، الموت”. لصاحبه المخرج الفرنسي كلود لولوش المعروف بغلوه في الانتصار للصهيونية. في هذا الفيلم عالج لولوش قضية الحكم بالإعدام وهل يجوز للمجتمع أن يقتل القاتل فيماثله بل لقد يفوقه قسوة.
مصائب قوم
والبطل الذي وقع عليه اختياره للفيلم فتى أسمر منحدر من أصل جزائري، عنين مصاب بمرض نفسي دفع به إلى خندق عدد غير قليل من المومسات. وزاد المخرج من تعدد وتشابك الخيوط التي تصور هذا البطل رجلاً ممزقاً بين العقل والجنون، بين الاستقامة والشذوذ بأن جعله أيضاً لصاً يسرق وفي يده مسدس يهدد به ضحاياه.
ومع كل ذلك فالمخرج يقول أن قتل مثل هذا الرجل المريض الضعيف جزاء على جرائمه، إنما هو نوع من السادية. ولذلك أطال في تصوير عذابه في السجن انتظاراً ليوم إعدامه. بل صوره لنا وهو يقاوم جلاديه ساعة أن سحبوه للمقصلة، فإذا بهم يجرونه بعنف جراً.
وثانيا ماافرده لكل واحد من المخرجين صاحبي الفلاح والينابيع في أكثر من مقال.
تمنيات وأحلام
وكم كان أديبنا بعيد النظر عندما دعا الله في ثالث وآخر مقال له عن الفلاح الفصيح أن يحرس نجم شادي في ضلوعه، وأن ينجيه من المخاطر، مخاطر الاغترار بالنفس تأتيه من داخله، ومخاطر العقبات الجسام التي تلقيها في طريقه تحكمات الروتين الحكومي أو بعض الذين يعدون كل نصر لغيرهم هزيمة لهم. أو الذين يمنحهم فقرهم الغني ثراء فاحشاً في الهجوم والتجريح. ولا عجب في كل هذا الحماس للسينما التسجيلية في فنان ولهان بحب شعب مصر يحلم بفيلم عن النخلة، تلك الشجرة العجيبة ذات الخط الواحد أم الخير والبركة.
ويحلم بفيلم آخر عن الغراب، هذا الطائر العجيب الذي يعيش بيننا ولا نتنبه له كثيراً. وبفيلم ثالث عن نيلنا العظيم من منبعه إلى مصبه. يعرض علينا حياته وشطآنه وصخوره ومختلف شعوبه وحيوانه ونباته.
وفي الحق، فلم يتحقق من هذه الأحلام سوى فيلم واحد، ينابيع الشمس الذي استغرق إعداده خمسة أعوام كاملة (من 1962 إلى 1967). كما استغرق تصويره ستة شهور، واقتضى السفر إلى أوغندا والحبشة والسودان والصعود إلى أعالي جبال القمر، هذا الفيلم التحفة معروض الآن في القاهرة (أبريل1970).
سأواري وجهي من الخجل إذا لم يشتد الإقبال عليه، أتمنى أن أرى على باب السينما زحاماً لا يقل عن الذي تحظى به أفلام الجنس والجريمة أو رعاة البقر الأمريكان.
ولابد أنه أخفى وجهه خجلاً عندما علم أن الفيلم قد فشل، فلم يستمر عرضه في دار السينما سوى أسبوع بالكاد كان هو الأول والأخير.
الصيحة والصدى
وكم كان متفائلاً أديبنا عندما كتب منادياً هيا بنا نعرضه سريعاً في المدارس والقرى، وفي التليفزيون بعد وقت غير طويل والمسامح كريم يا مؤسسة السينما. ثم نبذل كل جهدنا– وهذا هو الأهم في الترويج لهذا الفيلم في الأسواق الخارجية للعرض السينمائي والتليفزيوني.
يكفي أن اسم مصر سيتردد على الألسن، ويعود مقامها الجليل في الحضارة إلى الأذهان. كم كان متفائلاً فشيء من هذا لم يحدث، لم يعرض ينابيع الشمس لا على الشاشات الكبيرة أو الصغيرة في الخارج حتى هذه الساعة. كما لم يعرض على شاشات تليفزيون بلدنا إلا في العام الماضي بمناسبة إعادة الاحتفال بوفاء النيل.
ولست أشك أنه لو وصل إلى علم أديبنا صاحب دمعة وابتسامة ما واجه ينابيع الشمس من أهوال تفوق كل خيال لاستمر هادئاً متفائلاً لا تفارقه ابتسامته الويعة المشبعة بروح العطف. فهو من تلك الفئة القليلة التي لا ترى ما يدور حولها بمنظار قاتم. هو من القلائل أصحاب القلوب الكبيرة التي تحمل لنقائص الإنسان ونقائضه عطفاً كثيراً ورثاءً غير قليل.

الأراجوز و«أيام الغضب» خطوة إلي الأمام

لعلي لست بعيداً عن الصواب إذا ما خلصت إلى القول بأن موهبة الإخراج من أكثر المواهب الفنية ندرة.
ومن هنا قلة الأعمال السينمائية التي كتب لها البقاء بوصفها غذاء للروح من بين الآلاف المؤلفة من الأفلام التي جرى إنتاجها على امتداد عمر الفن السابع، وهو عمر مديد يكاد يقارب المائة عام.
ومرة أخرى، لعلي لست بعيداً عن الصواب إذا ما ذهبت من فرط حماسي لفيلمين أبدعهما “هاني لاشين” و”منيرراضي” إلى حد القول بأنهما مخرجان يتحليان بموهبة تؤهلهما للإسهام بدور كبير في النهوض بصناعة الأفلام.
والفيلمان هما “الأراجوز” و”أيام الغضب”.
وأول ما يلاحظ على أراجوز “لاشين” هو وقوع اختيار صاحبه على “عمر الشريف” وذلك لأداء دور محرك الأراجوز ابن الشعب.
وليس من شك أنه اختيار جرئ وموفق في آن واحد.
فلقد اعتدنا “عمر الشريف” في أدوار يمثل فيها شخصيات محترمة طابعها المميز حسن القوام والهندام، عهدناه ضابط شرطة في “بداية ونهاية”، شريفاً عربياً في “لورانس”، طبيباً ضائعاً في “الدكتور جيفاجو” وجيهاً متواجهاً في “الرولزس رويس الأصفر”، عاشقاً إحدى ملكات الليل في “فتاة مرحة”، سائراً ثائراً في “شي” وهكذا.. وهكذا، أما أن نراه يطل علينا من الشاشة البيضاء لابساً طوال الفيلم جلباباً مخططاً، محركاً للأراجوز وسط ساحات القرى، بعيداً في بطون الريف.
فهذا مالا يمكن أن يخطر على البال مهما شطح الخيال.
وفي الحق، فأنا لا أعرف كيف اقتنع “عمر الشريف” نجم النجوم العرب بأداء هذا الدور الذي أراه مدهشاً.
كل ما أعرفه أنه قد نجح في تقمص شخصية محرك الأراجوز ابن الريف، فكان أن حمل الفيلم على كتفيه، بفضل فهمه للدور وتمثله لكل صغيرة وكبيرة فيه، حتى استطاع أن يصعد به إلى مستوى فني قل أن يصل إليه عمل سينمائي من أعمال أيامنا هذه، تلك الأعمال الرديئة التي يغلب عليها الاستسهال والابتذال.
وغني عن القول أن الفضل في ذلك إنما يرجع إلى مخرج الفيلم.
فلولاه لما اقتنع “عمر” بأن يخلع أردية العز والأبهة، مستبدلاً بها رداء الفقر والبهدلة، رداء محرك أراجوز من عامة الناس الغلابة المعذبين.
ولما استمتعنا به في مشهد طويل بعض الشيء، يغني لأول مرة بصوت عذب واحدة من أجمل أغاني الفيلم “الارا…أراجوز”.
وفضلاً عن “عمر” ودوره الذي يعتبر أعجوبة بين جميع الأدوار التي أداها إبان ثلاثة عقود من عمر الزمان، فإن فيلم الأراجوز في مجمله يعتبر هو الآخر أعجوبة بين الأفلام المصرية.
فهو فيلم موسيقي ممتع تقطر كل لقطة من لقطاته حباً لمصر الغلابة، أولئك الذين حاربوا وضحوا من أجل الأرض والعرض، حتى نجحوا في الخروج بالوطن المثخن بالجراح منتصراً، ليجدوه، وقد أصبح في غمضة عين نهباً لخساس الناس.
وهو مزيج غريب من الشعر والحوار في أرقى صور البساطة والسلاسة، قوامه سيناريو للدكتور عصام الشماع محكم البناء مستلهم من الأساطير الشعبية.
وهو متعة للحواس بفضل شعشعة الألوان وتناغم الأشياء في تشكيل مهندسة الديكور “رشوى حامد” ورفاهة كاميرا مدير التصوير “محسن أحمد”، تلتقط بعينها اليقظة كل ما يتحرك أمامها لتتمثله، فتخرجه آيات تسر الناظرين.
وألحان”عمار الشريعي” لأغنيتي “الأرا.. أراجوز” و”أراجوز المدارس”، وكلتيهما من أحلى الأغاني لحناً وكلاماً من إبداع الشاعر “سيد حجاب”.
والآن يبقى أن أقف قليلاً عند باقي نجوم الفيلم لأقول أن “ميرفت أمين” و”سلوى خطاب” قد تألقتا، الأولى في دور فلاحة حرة رافعة الرأس في كبرياء، والأخرى في دور بندرية بنت أكابر مصاصي دماء.
ولأشهد بأن كلاً من “هشام سليم” و”عبد العظيم عبد الحق” و”أحمد خليل” قد أجادوا جميعاً الأدوار المسندة إليهم، على وجه أعاد إلينا الثقة فيما عندهم من ملكات هبة السماء.
أيام الغضب
فإذا ما انتقلنا بالحديث إلى الفيلم الثاني “أيام الغضب”، فسنجد أنفسنا أمام عمل فني وصلت فيه حرفة السينما إلى ذروة عالية من البراعة والإتقان.
ومما يثير الدهشة أنه أول فيلم روائي طويل لمبدعه المخرج الشاب “منير راضي”.
ولو كنا على غير علم بأسرار السينما وكنا لا نعرف أنه لم يسبق له الوقوف وراء الكاميرا، لأنصرف بنا الظن إلى أن “أيام الغضب” قد أبدعه مخرج ذو ماض جليل بفضل سجل من روائع الأفلام طويل.
وفي الحق، فلا غرابة في هذا الظن، فالفيلم محكم البناء، يقوم على سيناريو متقن يترتب لاحقه على سابقه بحيث تنساب أحداثه في يسر وانسجام.
وأول ما يلفت النظر فيه أنه فيلم يروّع بفنه ذي المستوى الرفيع.
وروعته هذه أنما ترجع إلى عدة أسباب، لعل أهمها موهبة مخرجه التي نراها متجلية في اختيار موفق لا يخيب للذين ساهموا معه في الإبداع.
فالدكتور مصطفى ناجي هو مؤلف الموسيقى التصويرية التي أدت دورها ببراعة لا مزيد عليها.
وآية ذلك أنها جاءت مقتصرة، خفيفة الصوت بلا ضجيج، عرفت كيف تعبرعن محنة بطل الفيلم التي أسبغت لونها القاتم على مجمل أيام الغضب.
وأستطيع أن أقول واثقاً أنها من الأمثلة النادرة عندنا التي تثبت فيها الموسيقى التصويرية أنها عنصر جوهري في الفيلم لا غناء عنه بأي حال من الأحوال.
ولا يفوتني هنا أن أقف قليلاً عند سحر تصوير “ماهر راضي” ودقة توليف “أحمد متولي” وأغنية سيد حجاب التي أنشدتها جوقة المجانين في واحد من أرق مشاهد الفيلم وأكثرها بهجة وفرحاً.
أقف عندها لأذكر أن أيام الغضب قد أرتفع بفضلها إلى مستوى من الخصب والامتياز والجمال يصعب أن تصل إليه أفلام هذه الأيام.
كما نلحظ موهبة “منير” المتفجرة في اختياره للممثلين الكبير منهم والصغير على حد سواء، وتحريكه لهم على وجه بلغ به كل الغايات.
فمثلاً “نور الشريف” الذي لا نراه مقنعاً في كثير من الأفلام، نراه في “أيام الغضب” نجماً في قمة الأداء والعطاء. وكذلك الحال بالنسبة لكل من إلهام شاهين في دور الفلاحة المغتصبة على الدوام و”يسرا” في دورالإخصائية الاجتماعية المنقذة للمعذبين في مستشفى المجانين و”سعيد عبد الغني” في دور الممرض السادي المتحكم في مصير هؤلاء المعذبين.
يبقى أخيراً أن أقف قليلاً عند بعض الأدوار الثانوية وبالتحديد عند أولاً “أمل ابراهيم” وأدائها المذهل لدور زوجة ذلك الممرض البغيض والمسئولة عن عنبر النساء المختلات عقلاً. وثانياً “نجاح الموجي” لتمثيله الموزون لشخصية عاقل مدعي الجنون. وثالثاً “علاء ولي الدين” لتقمصه شخصية شاب بدين مجنون من أعالي الصعيد.
أنه، والحق يقال، كشف مفاجئ لموهبة مخبوءة، أرجو لها توالي اللمعان.
والآن بعد ذلك كله إلى قصة “أيام الغضب” أنها تدور حول فكرة عودة الغائب من سفر في بلد عربي نفطي، ليجد نفسه، وقد سلب أعز ما يملك، تلك الفكرة التي نراها سائدة في أغلب ما ألف كاتب السيناريو “بشير الديك” والغائب في “أيام الغضب” هو “إبراهيم محمود القمحاوي” “نور الشريف” العائد إلى القاهرة بعد خمسة أعوام قضاها بعيداً في الخليج من أجل إدخار المال اللازم لشراء شقة يعيش فيها مع ابنة عمه التي عقد قرانه عليها قبل سفره بقليل.
أنه يطل على المدينة البدينة من نافذة الطائرة قبل هبوطها ويقول سعيداً “مصر حلوة قوي من فوق”.
غير أنه ما أن يلتقي بزوجته على باب الشقة الفاخرة المشتراه “بتحويشة العمر” حتى يفاجأ بها حاملاً من رجل آخر تزوجته بعد أن استصدرت حكماً غيابياً بالطلاق منه، وهو في بلاد الغربة يشقى.
وطبعاً يثور لشرفه المهان، فيحاول قتل ذلك الزوج الدخيل الذي اختلس زوجته وشقته بسكين حاد.
فإذا ما حيل بينه وبين ذلك أرسل مقبوضاً عليه إلى قسم الشرطة، ومنه إلى النيابة العامة التي قامت بتحويله إلى مستشفى المجاذيب حيث يبدأ حياة بائسة معلقة بين اليأس والرجاء حتى يدركه الجنون.
ولم أعرض شيئاً من تفاصيل مأساته داخل مستشفى المجانين، وإنما عرضت خلاصتها في كثير من الإيجاز. ولو قد عرضت تفصيلها لتنقلت من شيء فاجع إلى شيء فاجع.
ومهما يكن من أمره في تلك المستشفى فمأساته تتشابك مع مآسي نزلائها من المجانين.
وبفضل هذا التشابك المتعدد والخيوط وبفضل حبكة الفيلم التي تميل إلى التلقائية، بفضل ذلك كله أخرج لنا “منير راضي” فيلماً فيه المتاع كل المتاع.