المقدر والمكتوب على الطريقة الأمريكية

على امتداد عقد كامل من عمر الزمان، انتج مصنع الأحلام في هوليوود خمسة أفلام من سلسلة أعمال تحت اسم «المصير النهائي» أو «المصير القاتل» وفقاً للترجمة العربية.

وكانت الفكرة السائدة في الفيلم الذي به استهلت السلسلة، وظلت سائدة في الأفلام الأربعة اللاحقة له كانت باختصار عن الموت، بوصفه قدراً ليس لهارب منه نجاة، آت لا ريب فيه أيام كانت محاولات خداعة، لبعض الوقت وفرص إلحاق الهزيمة به، ولو إلى حين، فبدءا من أولى لقطات فيلم الاستهلال هذا نرى بطله «اليكس» مستشعراً كارثة على وشك أن تحيق بالطائرة التي استقلها مع نفر من زملائه في الدراسة، ولاتزال جاثمة على ارض المطار.

وما أن تصعد بهم الطائرة الى عنان السماء حتي تنفجر، متحولة بكل ما فيها، الى حطام ورماد وسرعان ما نكتشف، مع «اليكس» أن ما شعر به، وشوهد على الشاشة ليس إلا محض خيال.

وأن الأمر لا يعدو أن يكون كابوسا، أو ربما رؤيا لكارثة قادمة في مستقبل قريب وعلى كل، فتحت تأثير الكابوس أو الرؤيا يهب «اليكس» فزعاً، راجياً من زملائه مغادرة الطائرة فوراً، تفاديا لموت وفعلاً يستجيب زملاؤه للرجاء، ويغادرون معه الطائرة، التي ما أن ترتفع الى عنان السماء حتي تنفجر، وتتساقط بمن عليها شظايا، وبقايا الركاب الضحايا.

ويجنح الوهم بالناجين، الى أنهم قد فروا وانتصروا على الموت، فلا خوف عليهم من مجيئه من أجل قريب، غير أن وهمهم هذا سرعان ما يتبدد بمجيئه الى كل واحد منهم، منتقما من عبثهم بالأقدار.

والفيلم الأخير في السلسلة «المصير القاتل» لا يحيد قيد أنملة عن نهج الأفلام الأربعة السابقة عليه.

نفس الفكرة السائدة، نفس البطل وإن كان باسم آخر «سام»، نفس استشعار الكارثة القادمة، وإن كان سيناريو الفيلم قد استبدل بالطائرة حافلة ركاب بها مجموعة عاملين باحدى الشركات، في اجازة نهاية الاسبوع وفجأة عند عبور الحافلة لكوبري معلق يبدأ الكوبري في الانهيار. ويحاول «سام» انقاذ رفاقه، ولكنه يفقدهم واحداً تلو الآخر، وفجأة يستيقظ ليكتشف أن ما رآه لا يعدو أن يكون رؤيا كارثية، فيوقف الحافلة محاولاً اقناع الجميع بمغادرتها. غير أنه لا يستجيب لندائه سوى ثمانية رفاق، وما هي إلا لحظات حتي ينهار الكوبري ويموت جميع من لم يستمعوا للنداء.

وكما حدث في الفيلم الذي استهلت به السلسلة، وما بعده من أفلام يطارد الموت الناجين الثمانية ويحاولون، دون جدوى، النجاة ورغم اننا نعرف مقدما أنهم موتى، لا محالة، إلا أن نظل متعلقين بأمل نجاتهم من الموت، بفضل براعة إخراج «ستيفن كويل» الذي عمل مساعد مخرج «لجيمس كاميرو» صاحب فيلمي «تيتانيك» و«آفاتار».

عما جري يوم الهول في أمريكا

استرعي انتباهي وأنا أتصفح العدد الأخير من المجلة الشهرية الأمريكية «السياسة الخارجية» عنوان مقال عما جري يوم الحادي عشر من سبتمبر قبل عقد كامل من عمر الزمان.

وكان من بين ما أشار إليه العنوان وجاء تفصيلاً في ذلك المقال أن ستوديوهات هوليوود لم تنتج حتي يومنا هذا فيلماً ذا قيمة عما جري في ذلك الوقت من أحداث جسام، جوهرها اختطاف طائرات مدنية، بركابها الأبرياء والاصطدام بها في مبان ترمز إلي قوة وثراء الولايات المتحدة.
united-93

وفيما يبدو من ظاهر المقال أن صاحبه اكتفي بحصر ما جري أثناء يوم الهول هذا، فيما حدث من دمار شامل لواحد من أهم معالم مدينة نيويورك وتحديداً جزيرة مانهاتن، وذلك الحصر يعيبه ولا شك إغفال صاحب المقال لحدثين آخرين، لا يقل كلاهما في الأهمية عما حدث في مانهاتن، فاختطاف الطائرات في ذلك اليوم الفارق في تاريخ الحضارة الإنسانية لم يقتصر علي الطائرتين اللتين توجه بهما المختطفون إلي حي مانهاتن، حيث نجحوا في تدمير مبني مركز التجارة العالمي، «البرجان التوأم» علي النحو الذي رأيناه وقت وقوعه لحظة بلحظة، عبر البث التليفزيوني المباشر.

ذلك أنه كان ثمة اختطاف آخر لطائرتين جاء مواكباً لاختطاف الطائرتين اللتين دمرتا البرجين التوأم إحداهما توجه بها مختطفوها إلي مبني وزارة الدفاع الضخم، المعروف تحت اسم «البنتاجون»، حيث نجحوا في تدمير أحد أجنحته بنفس الوسيلة التي تم بها تدمير برجي مانهاتن.

والأخري كان مقدراً لها أن يتوجه بها مختطفوها – في أرجح الظن – إلي مبني الكونجرس الأمريكي «الكابيتول» لتدميره ولكنهم لم ينجحوا في تحقيق مخططهم هذا، ويرجع لفشلهم وهو الفشل الوحيد الذي واجهه مخططون اختطاف الطائرات، في ذلك اليوم التالي، يرجع إلي أن ركاب الطائرة «يونيتد 93» المختطفة وصل إلي علمهم خبراً تدمير برجي مانهاتن وأحد أجنحة مبني البنتاجون، فتأكد لهم علي وجه اليقين أن غرض مختطفي طائرتهم المتجهين بها إلي العاصمة واشنطن ليس كالمعتاد في حالات الاختطاف الحصول علي مبلغ من المال أو الإفراج عن بعض المسجونين السياسيين، أو تحقيق بعض المطالب السياسية المعتذر تحقيقها بوسائل سلمية.

وإنما لهم غرض آخر، هو الاصطدام بالطائرة ومن فيها، بأحد المباني المهمة بالعاصمة، أسوة بما فعله مختطفو الطائرات الثلاث الأخري.

ومن هنا تمردهم علي مختطفي الطائرة ومحاولة تغيير مسارها، والعودة بها إلي إحدي المطارات.. غير أنه لم يصادفهم النجاح، فيما سعوا إليه وتهاوت بهم الطائرة أرضاً في أحد حقول ولاية بنسلفانيا، حيث لقي الجميع مصرعهم ركاباً ومختطفين.

وعن مأساة ركاب هذه الطائرة «يونيتد 93» ولا أقول ملحمتهم، أبدع المخرج الإنجليزي «بول جرينجراس» فيلمه «يونيتد 93» بعد ملحمة التمرد والموت بخمس سنوات.

وكانت الإشادة بالفيلم منقطعة النظير، حيث انتهي به الأمر مرشحاً لجائزتي أوسكار أفضل مخرج، وأفضل توليف «مونتاج».. فضلاً عن ترشيحه للعديد من جوائز بافتا «الأكاديمية البريطانية للفيلم والتليفزيون» وفوزه من بينها بثلاث جوائز أفضل تأليف وإخراج جائزة دافيد لين وأفضل فيلم إلكسندر كوردا.

ودون نظر لما رشح له من جوائز، ولما فاز به، فالفيلم والحق يقال، تحفة من بين الأفلام التي عرضت ليوم الهول وأحداثه الجسام، فكلها تهون وتشحب بجانبه.

فيلم آية في الاتقان، تكفي مشاهدته ولو مرة واحدة للوصول إلي معرفة ما حدث بدءاً من فجر يوم دام، حتي لحظة سقوط الطائرة يعقبها إظلام.

الأيام الأخيرة في حياة الطغاة

الآن وشمعة طاغية ليبيا وملك ملوك إفريقيا علي وشك الانطفاء. من بعد أن ملأ بتخريفاته جو الأرض ضوضاء فلا أخبار عنه سوي أنه وذريته مطاردون والمطلوب العثور عليهم أحياء أو أموات ولا شيء من إنجازاته المبعثرة علي شاشات التلفاز، سوي تماثيل محطمة، وأعلام ممزقة وجثث مشوهة، وصور تداس بالأقدام، ومخابئ ودهاليز مشيدة في أعماق الأرض، كي يحتمي بها الطاغية من عاديات الزمان.

ومع ذلك لم تفده شيئاً، بعد أن أسدل الستار علي ساعته المليئة بالصخب والغضب، تلك الساعة التي قضاها علي خشبة المسرح بين الاختيال والاهتياج ومع رؤية سفينته غارقة، لا محالة وجدتني أسترجع علي شاشة ذاكرتي مخبأ شيده طاغية آخر في أعماق الأرض إبان الحرب العالمية الثانية.. وأين؟

في عاصمة الرابخ الثالث «برلين»، وذلك لحماية هتلر من موت ليس لهارب منه نجاة.
Der-untergang

وعن حياة ذلك الطاغية الذي ترك ألمانيا أرضاً خراباً، في مخبئه هذا، وتحديداً الأيام العشر الأخيرة من تلك الحياة، تدور أحداث «السقوط»، ذلك الفيلم التاريخي، المأخوذ موضوعه عن مؤلفين أحدهما صاحبه «يواخيم فست» والآخر صاحبته إحدي سكرتيرات الطاغية «تراودي يونجمي»، ترجمهما إلي لغة السينما المخرج الألماني «أوليفر هيرشبيجل».

ويتقمص شخصية هتلر في الفيلم الممثل السويسري «برونو جانز». وتقمصه لها ارتفع إلي مستوي ليس له ما فوقه، كاد يصل إلي حد الكمال وبطبيعة الحال، فجميع أحداث الفيلم تدور وجوداً وعدماً حول «هتلر» ذلك الطاغية الذي اختصر ألمانيا في شخصه.
der-untergang_2

كما أنه، فيما ندر لم تغادر الكاميرا المخبأ، حيث كان هتلر مع عصابته يقيم، ومن أمثلة مغادرتها مشهد حرق جثتي «هتلر» وعشيقته إيفا براون»، خارج المخبأ، بعد انتحارهما حتي لا يقعا في أسر الجيش الروسي، الذي أحكمت قواته حصار «برلين».

واللافت في حياة هتلر، قبل بضعة أيام من انتحاره، أنه داخل المخبأ كان يحتكر جميع السلطات.

كان شريراً، مجنوناً، عليلاً، فضلاً عن أنه كان قد خسر الحرب، ومع ذلك يواصلها، تحت تأثير خياله المريض.

يشير إلي الخرائط، يوجه الإنذارات، يحرك قوات لم يعد لها وجود، يصدر الأوامر إلي قادة في عداد الأموات، معتمداً علي مجيء النجدة من قبل جيوش من صنع الخيال.
Der-untergang_3

ومما يدعو إلي الاستغراب أن أحداً من قادته ووزرائه المقيمين معه في المخبأ لم يرفع راية العصيان رغم أن جنونه كان ظاهراً، دون لبس أو إبهام، ورغم أن قوات العدو كانت علي الأبواب، ليس بينها وبين اقتحام برلين، والعصف بالمخبأ سوي بضعة أيام، إن لم يكن بضع ساعات.

وهذا العجز عن حسم الصراع مع الطاغية، حتي في لحظة هزيمته الكبري، إنما هو نتاج إشاعة الخوف وبثه في القلوب، معززاً بسلوك وحشي رسمي منهجي ومديد.