كازينو الريس عمر

معاً، وكأنهم على موعد، طرح أولو الأمر والنهي في السينما المصرية، في دور السينما، بطول وعرض البلاد، فيلمين متشابهين في الأحداث، وإن كانا مختلفين في المكان أحدهما اسمه كبارية والأخر كان اسمه أصلاً “كازينو” ولأمر ما، جرى تغييره إلى “الريس عمر حرب” مما كان سبباً في إثارة غضب “هاني سلامة” بطل الفيلم، ونجمه الوسيم.

أما لماذا أغضبه استبدال “الريس عمر حرب” “بكازينو” فذلك لأن هذا التغيير أدى إلى تسليط الضوء على “خالد صالح” المتقمص شخصية “عمر حرب” وبحكم ذلك، كان لابد أن يوحي بأن “خالد” وليس “هاني” هو الشخص الذي يتمحور حوله الفيلم.

وعلى كُلٍ فثمة شيء مشترك بين الفيلمين، هو أن  كليهما تدور أحداثه في ماخور، وإن كان أحدهما تركز اللهو واللعب فيه على الرقص والطرب، في حين كان التركيز في الاخر على القمار، وما يترتب على إدمانه من آثار.

ولأمر ما، فرقت الرقابة بين الماخورين، فقصرت مشاهدة ماخور “الريس عمر حرب” على الكبار، أما ماخور “كبارية” فجعلته مباحاً للجميع، متيحة بذلك مشاهدته للصغار وأياما كان أمر إختلال ميزان الرقابة فالفيلمان فيهما من ألوان الميلودراما الزاعقة الشيء الكثير وأن كان يلاحظ على الميلودراما في كبارية، أنها من ذلك النوع العتيق، الذي برع في صنعه مخرج الفواجع “حسن الامام”، أما الميلودراما في “الريس عمر حرب” فعلى العكس من ذلك، ذات طابع متفرنج متأثر بأفلام من نوع “حسناء الليل”.

وما إلى ذلك من أنواع أخرى أقل شأناً، بحكم جنوحها إلى استغلال الجنس، لا سيما ما كان منه يمارس، على نحو غير معتاد، والفيلم مستمد من سيناريو مبتكر “لهاني فوزي” صاحب “أرض الأحلام” و”بحب السينما” وروائع أخرى، تعتبر علامات في تاريخ السينما المصرية، والسيناريو متأثر، بشكل أو بآخر، بفيلمين أمريكيين، أحدهما “كازينو” للمخرج الأشهر “مارتين سكورسيزي” والآخر “داعية الشيطان” حيث يلعب النجم “آلـ باشينو” دوراً إذا ما استرجعناه على شاشة ذاكرتنا، لاكتشفنا أن دور “خالد صالح” يشبه إلى حد كبير، والحق أنه ليس ثمة عيب في أن يتأثر “هاني” بهذين الفيلمين، أو بغيرهما، ذلك أن كل ما سبق أن أنتجته السينما من أفلام في مشارق الأرض ومغاربها ملك للفنان، ينهل منه حسبما ووقتما يشاء.

ما قد يعد عيباً في حق “هاني” أنه لم يغضب مثلما غضب نجم الفيلم، عندما جري تغيير اسم الفيلم، بحيث أصبح “الريس عمر حرب” بدلاً من “كازينو” ولم يغضب عندما زاد مخرج الفيلم “خالد يوسف” من جرعة الجنس، على نحو أدى إلى الانحدار به من عمل جاد يقول شيئاً مفيداً، إلى عمل مشوب بقدر، غير قليل من الإبتذال!!

الماجيك

هذا اسم لفيلم، وفي الوقت نفسه اسم لبطله الشاب الصاعد الواعد “أحمد حاتم” والفيلم من تأليف كاتب السيناريو “محمد حسان”، واخراج محمد مصطفي” صاحب “أوقات فراغ” أكثر أفلام العام الماضي إثارة للدهشة والاعجاب.

وموضوعه يدور أساساً حول مجموعة من الشباب الضائع، وتحديداً ثلاثة شبان يعيشون في عشوائيات “ميت عقبه” وشاب رابع يحيا في بحبوحة العيش، بحي راق، مجاور للعشوائيات والمجموعة يقودها “الماجيك” في لغتنا العربية تعني السحر أما لماذا أسلمت المجموعة قيادتها إليه، فذلك لأنه أكثر أفرادها طموحاً وقدرة على ركوب المخاطر، سعياً إلى الصعود والارتقاء إلى مصاف الأثرياء، وحتى يحقق حلمه في التسلل إلى فردوس الحياة اللذيذة، لم يكن أمامه سوى سبيل ممارسة السرقة إلى حد الامان، في الأماكن حيث يتردد الأغنياء.

وكعهدنا في معظم أفلام الميلودراما المصرية، وعلى امتداد ثمانين عاماً، هي عمر انتاج الأفلام الروائية “الطويلة” على ضفاف النيل، لم يقنع كاتب السيناريو “حسان” إلا بخيوط درامية متعددة متشابكه أذكر من بينها.

أولاً، خط الفتاة “درة” تؤدي دورها إيناس المصري- التي نراها في أولى مشاهدها وأسرتها الفقيرة تزوجها من ثري عربي مسن إلى درجة العجز عن السير بمفرده فضلاً عن العجز عن القيام بواجبه، كزوج ليلة الدخلة رغم لجوئه إلى استعمال المنشطات بما في ذلك الحبة الزرقاء.

ومن بين مفاجآت هذا الخط، وما أكثرها اعتراف “درة” لفتى المجموعة المتيسر الحال ويؤدي دوره “كريم قاسم” أنها تزوجت خمس عشرة مرة، فضلاً عن رفضها معاشرته لها معاشرة الأزواج إلا بعد أن يقول لها “أنا زوجك أمام الله”!!

ثم رفضها إنهاء علاقتها به إلا بعد النطق بعبارة “انت طالق” وهناك خط ثان، هو خط الفتاتين “دنيا وسارة” اللتان تزعمان أنهما من بنات البيوتات، في حين أنهما في حقيقة الأمر من بنات الهوى، شغلتهما التردد على صالات الديسكو الصاخبة لا لهدف سوى اصطياد أبناء الموسرين الظامئين إلى الجنس الحرام. ولم أعرض للخطوط الأخرى، فذلك شيء يطول، وأنما اكتفي بأن أقول أن كاتب السيناريو خانه التوفيق كثيراً، عندما عرض لمأساة الفتيات الثلاث بأسلوب مباشر فيه من الفجاجة الشيء الكثير علاوة على ركاكة من النادر أن يكون لها نظير.

وختاماً، لا يفوتني إلا أن أذكر أن “الماجيك” مقارنة “بأوقات فراغ” أول فيلم روائي طويل للمخرج “محمد مصطفى” يعتبر خطوة إلى الوراء، فالماجيك يفتقد والحق يقال سحر التلقائية وحركة الروح سعياً فيها إلى آفاق بلا حدود ولا قيود.

عمارة يعقوبيان أو سينما البساط الأحمر في مهرجان كان

جاء الصيف بحره اللعين، ومع مجيئه بدأت مباريات كأس العالم على أرض المانيا وبدأت تظهر على شاشات السينما بأرض المحروسة الأفلام المصرية المرتهن نجاحهاً تجارياً بالعرض أثناء فصل الصيف. وكانت البداية بفيلمين كان حظهما من النجاح أقل من القليل وهما “زي الهوا” لصاحبه المخرج “أكرم فريد” و”الفرقة 16 إجرام” لصاحبه المخرج حامد سعيد ولم ينقذ السينما المصرية بعد كارثة هذين الفيلمين، من الانحدار إلى ما هو اسوأ، وأضل سبيلاً سوى فيلمين.

الفيلم المفاجأة

أحدهما كان مفاجئاً لكل من شاهده متفرجاً كان أم ناقداً، وذلك لتميزه بروعة الاخراج وحسن الأداء رغم أنه أول فيلم روائي طويل لمخرجه محمد مصطفى وأول فيلم لأبطاله الشبان الأربعة (أحمد حاتم – عمروعابد – كريم قاسم – أحمد حداد) فضلاً عن أن تكلفة انتاجه من الجنيهات لم تتجاوز الثلاثة ملايين، وهو بكل المعايير مبلغ ضئيل.. هذا الفيلم المفاجأة هو “أوقات فراغ”.

أما الفيلم الآخر فهو “عمارة يعقوبيان” لصاحبه المخرج الشاب “مراوان حامد”، وفيما عدا أن “عمارة يعقوبيان” أول فيلم روائي طويل لمروان، شأنه في ذلك شأن “محمد مصطفى” مع “أوقات فراغ”، فيما عدا ذلك، فكلا الفيلمين يختلف عن الآخر في كل شيء.

شباب وشيخوخة

فأوقات فراغ مأخوذ عن سيناريو مبتكر لشاب “عمر جلال” ليس له من العمر سوى عشرين عاماً إلا قليلاً في حين أن سيناريو العمارة استوحاه كاتب السيناريو المخضرم “وحيد حامد” من قصة بنفس اسم الفيلم من تأليف الطبيب الأديب “علاء الاسواني” وعلاوة على ذلك “فعمارة يعقوبيان” من أفلام ما يسمى بالانتاج الضخم ذلك النوع من الأفلام الذي صرف على انتاجه والدعاية له عشرات الملايين من الجنيهات ولعل فيما تقوله أبواق الدعاية له تأييداً لذلك فماذا قالت؟

اعلان في شكل إعلام

قالت، ولاتزال تقول في أكبر حملة دعاية لفيلم في تاريخ السينما بديار مصر، أنه كلف منتجيه مبالغ طائلة، وصلت إلى خمسة وعشرين مليوناً من عزيز الدولارات أي ما يعادل بعملتنا حوالي مائه وخمسين مليون جنيه. ومن بين التكاليف أذكر على سبيل المثال فرش البساط الأحمر لنجوم الفيلم على سلالم قصر العروض بمهرجان كان وعلى العكس تماماً من “أوقات فراغ” جاء “عمارة يعقوبيان” فيلماً متضخماً بالنجوم وليس أدّل على ذلك من أنه في عداد ممثليه وممثلاته يدخل سبعة من نجوم المسرح والسينما والإذاعة والتليفزيون وهم حسب ترتيب الحروف الابجدية (أحمد بدير- أحمد راتب – عادل إمام – نور الشريف – هند صبري – يحيي الفخراني (بصوته) – ويسرا) والفيلم يبدأ بصوت الفخراني دون أن نراه، راوياً تارخ العمارة باختصار.

الحنين لم يعد كما كان

واللافت للنظر فيما رواه عنها بدءاً من تشييدها إبان عشرينيات القرن العشرين أنه ملئ بالحنين لعهد جميل، اطفأت شمعته ثورة الثالث والعشرين.

وفي الساعات الثلاث التالية لذلك الحنين امتزج الجنس بالسياسة بالدين إلى حد التخليط وإلى حد التبرير وإن كان بشيء من الاستحياء للإرهاب متمثلاً في الفتى ابن بواب العمارة ويؤدي دوره في الفيلم “محمد إمام” ابن نجم النجوم وسفير النوايا الحسنه “عادل إمام”!!

وكم ذا بالسينما المصرية من المفارقات والمضحكات!!