اسكندريه كمان وكمان في الميزان

السينما صناعة  وهي إذا كانت تختلف عن صناعة الأدب من بعض الوجوه فانها تشبهها في بعض الوجوه الأخرى، وأية ذلك قيام مخرجي السينما بإبداع أفلام عن الأفلام.

فثمة وجه شبه بين ذلك النوع من أنواع الابداع وبين قيام الروائيين من حين لآخر بكتابة روايات مدارها أمثالهم من الروائيين أو جنوح المسرحيين من حين إلى حين إلى كتابة مسرحيات ليس لها من موضوع سوى ما يدور في كواليس المسرح من وقائع وأحداث.

وهناك مبررات للأفلام التي من ذلك النوع – من بينها رغبات مبدعيها في تعرية أنفسهم من جميع الأسرار والأوزار واستعادة ذكريات ما كان من أمرهم مع المنتجين والاستديوهات، والتعبير عن غضبهم على نظام يستغلهم بلا حسيب أو رقيب.

يبقى مبرر آخر – ولعله الأهم، وهو وصف العالم الذي كل ما فيه مكشوف لهم، في تناول أبصارهم وأفكارهم على وجه ليس في مقدور الغير سواء كان هذا الغير من خاصة أو عامة الناس، آملين بفضل ذلك الالتفات إلى الوراء الإدلاء ببيان على الشاشة قد يكون مسوغاً لتبادل النظرات والاختبارات والآراء.

وعلى كل حال، فقد اشتهر عن دنيا الأعمال في مجال السينما القسوة البالغة في المعاملات.

ولا غرابة إذن إذا ما عكست أغلب الأفلام التي محورها الأفلام تلك القسوة، فضلاً عن التعبير بدرجات متفاوتة من التكثيف عن المأزق الذي يعيشه مبدعو الأطياف.

والسؤال ما هو هذا المأزق وما أسبابه ؟

والجواب على هذا السؤال ليس عسيراً.

فأولاً ثمة ذلك الصراع الدائم من أجل التمويل والجهد المجدب الذي يثقل كاهل المبدعين، وغالباً لا طائل فيه ولا غناء.

هذا – أول

ثم تلك المعارك التي تستنزف الطاقات مع رؤساء استديوهات حظهم من الثقافة أقل القليل، ومنتجين مستبدين يقاسون من غباء شديد ونجوم كل شيء من أمر نزواتهم وأهوائهم غريب عجيب !

وفوق كل هذا ممارسات فاسدة وشريرة في صناعة ما استطاعت آية صناعة أخرى أن تبلغ شأنها في الفساد ولا تساويها ولا تضاهيها في النكر والشر.

فعلى امتداد تاريخ السينما – وهو تاريخ قصير- كثيراً ما كان يجد صاحب الفيلم نفسه مواجهاً بالتعدي المذل على ابداعه بالتعديل والتبديل، تارة بإعادة التصوير، وتارة بإعادة التوليف.

فإذا ما كتب لفيلمه أن يتوج في الشباك بالنجاح، ضيعوا عليه بالغش والخداع نصيبه العادل من الأرباح.

أما فيما لو لم يقبل الجمهور على مشاهدة فيلمه، فهذه النقمة لابد وأن تنتهي به موصوماً محروماً من مواصلة الابداع، والحواديت المرعبة التي تُروى في هذا الخصوص لا عدّ لها ولا حصر.

أسئلة وأجوبة

وفي الحق، فما أن يلتقي صانعوا الأفلام، حتى يبدأ الحديث، وتتتابع الأسئلة لاهثة حول الخيانات والاساءات وصنوف التشويهات التي لا تعرف قصداً ولا اعتدالاً.

لماذا عاد “اليا كازان” إلى كتابة الروايات تائباً عن إخراج الأفلام ؟

ولماذا كلما جاء ذكر لحياة “اورسون ويلز” الفنية اعتبرها الكثير حياة أقرب إلى المأساة.

ولماذا وجد “فرانسيس فورد كوبولا” نفسه، وهو يصور “الأب الروحي” مرفوتاً بدل المرة خمس مرات؟

ولماذا لم تتح لشادي عبد السلام فرصة إخراج “اخناتون” بعد رائعته “المومياء”؟

ولماذا تراجعت “مترو جولدين ماير” عن اتفاقها مع “فريد زيغمان” الذي كان على وشك الشروع بموجبه في إخراج قصة “اندريه مالرو” الشهيرة “مصير انسان”؟

ولماذا امتنع على “جورج كوكور” مواصلة إخراج “ذهب مع الريح”؟

ولماذا لم يستطع “جون هوستون” الوفاء بالتزامه إخراج “وداعاً للسلاح”؟

ولماذا انتهى الأمر بالمخرجين العبقريين “اريش فون شتروهايم” و”دافيد جريفيت” إلى حياة عامة كلها بؤس ويأس؟ ولماذا مات المخرج “نيازي مصطفى” مقتولاً قبل ثلاثة أعوام، ولم يعثر على الجناة حتى يوما هذا؟

وماذا عن كتاب السيناريو الذين أدرجت أسماؤهم في قوائم سوداء تحول بينهم وبين الاستمرار في الإبداع والممثلين الذين ضيق عليهم الخناق حتى آثروا مفارقة الحياة بالانتحار؟

ولماذا كل هذا الكم الهائل من الفضائح والخلافات والخصومات؟

ولماذا الانحدار بالمواهب الجميلة دون أخذ ندرتها في الاعتبار؟ اسئلة كثيرة لا نهاية لا لها.

وطبعاً، وفي كل حالة ثمة إجابة لكل واحد منها.

قانون الغاب

ولكن الإجابة العامة عليها جميعاً إنما تكمن في خصائص صناعة السينما، تلك الصناعة التي تقوم على انتاج سلع ليس لها قيمة تستطيع بها أن تتجاوز حدود قدرتها على التسلية والامتاع.

وهكذا لا تعتمد، لاستمرار بقائها إلا على قوة الذوق العام، وهي قوة يصعب التنبؤ بها وحسابها حساباً دقيقاً فصناعة السينما، وعلى عكس غيرها من الصناعات كالصلب والفحم والسيارات، تتعرض بحكم طبيعتها إلى ضغوط اقتصادية شديدة الصرامة، وتلك الضغوط يتولد عنها تقلبات عنيفة مؤدّاها تمزق الأفراد، والتحول بهم أحياناً إلى مسوخ شائهة أو إلى حطام.

فدنيا الأعمال في مجال السينما دنيا فاسدة، متقلبة، قاسية لا ترحم.

وكل ذلك يرجع إلى عدة أسباب أهمها تزاوج جميع المشاكل الملازمة لأي نوع من أنواع تجارة الاستعراض (وتجارة الأفلام لا تعدو أن تكون امتداداً لتجارة الكرنفال والسيرك) بالمشاكل الملازمة للمضاربة في رأس المال الكبير.

فمن المعروف أنه ما أن يتعرض رأس المال الكبير للخطر، حتى يعاني الفنان.

فمن الصعوبة بمكان التوفيق بين متطلبات النجاح في الشباك، وبين تحقيق فنان السينما لذاته من خلال التعبير بلا قيود عما يحس ويشعر.

ومن عجب أنه، ورغم كل ما تقدم فعدد الأفلام التي تدور وجوداً وعدماً حول عملية إبداع الأفلام قليل بل قليل جداً، إذا ما قيس بالآلاف المؤلفة من الأفلام التي جرى انتاجها على امتداد قرن من عمر الزمن.

التجديد والتقليد

وأعجب العجب أن أهم تلك الأفلام القليلة – إذا ما استثنينا “الردئ والجميل” (1952) لصاحبه “فنسنت مينيللي” و”السكّين الكبير” (1955) لصاحبه “روبرت الدريش” لمخرجين من غرب أوربا “فثمانية ونصف” (1963) للمخرج الايطالي “فيديريكو فيلليني” و”الاحتقار” (1963) للمخرج السويسري “جان لوك جودار”، و”الليل الأمريكي” (1973) للمخرج الفرنسي الراحل “فرانسوا ترينو” و”حالة الأشياء” (1982) للمخرج الألماني “فيم فندرز”.

وأكثر تلك الروائع الأربعة غموضاً هو”الاحتقار” وليس هذا بالأمر الغريب، لما هو معروف عن صاحبه “جودار” من ميل جامح نحو الابتكار والتجديد.

والآن، يمكننا أن ندخل في عداد تلك الأفلام الجدّ قليلة فيلم يوسف شاهين الأخير “اسكنرية كمان وكمان”.

ولعلي لست بعيداً عن الصواب إذا ما جنحت إلى القول بأنه أول فيلم متكلم بلغة الضاد، يعرض لموضوع من هذا القبيل.

وهو بهذه المثابة، يعتبر في نطاق الوطن العربي عملاً سينمائياً رائداً. وأول من تنبه إلى أن “اسكندرية كمان وكمان” هو من ذلك النوع النادر من الأفلام كان مراسل التايم الأمريكية في القاهرة (عدد 3/9/1990) الذي كتب عنه قائلاً “أنه فيلم تتشابك فيه الكوميديا الموسيقية بالتسجيلية الاجتماعية والفانتازيا والهزل والهازل”. كل ذلك والمخرج منهمك بالبحث عن الحقيقة ومعرفة الذات إنه المعادل لفيلم “فيلليني” “ثمانية ونصف”.

ورغم كثرة الكلام عن الفيلم في جميع محلاتنا وصحفنا، وهو كلام في جملته يتسم بالإسراف في الإشادة والإطناب.

وكل ما يمكن أن أقوله في شأن هذا الكلام هو ترديد فاتحة “جان بول سارتر” لدراسته “ما الأدب؟”، “ما أكثر الحماقات وما أسرع ما يقرأ الناس، وما أقل ما يفهمون، وما أكثر ما يحكمون قبل أن يفهموا” رغم ذلك فإن أحداً من أصحاب هذا الكلام الكثير لم يشر إلى “ثمانية ونصف” لا من قريب ولا من بعيد.

وفي اعتقادي أن “شاهين” قد تأثر وهو يُعمل فكره في سيناريو”اسكندرية كمان وكان” لا بفيلم واحد، وأنما بفيلمين أحدهما “ثمانة ونصف” والآخر”الاحتقار”.

ولا عيب في التأثر بهاتين الرائعتين فلا أحد مولع بالسينما إلا ومعجب بهما.

والإعجاب أول التقليد والتقليد أول الابداع. ولعل تأثره بالاحتقار يحمل بعض التفسير لغموض المغزى المقصود من مشاهد “الاسكندر الأكبر” و”كليوباطرة” وغموض صلة تلك المشاهد بالخط الرئيسي للفيلم، وغموض تقاطعها وتعارضها مع ذلك الخط.

وليس من شك أن كل هذا الغموض المشوب به الفيلم قد جعله بمنأى عن الفهم.

ولو استطعنا الفهم، وهو أمر من الصعوبة بمكان في حالة الاكتفاء أولاً بمشاهدة الفيلم مرة واحدة وثانية بسماع الحوار، لا سيما ما جاء منه على لسان “يحيى الاسكندراني” (يوسف شاهين) دون الاستعانة بترجمة له على الشريط بإحدى اللغات الأجنبية.

العلاقات الخطرة

لو استطعناه لاستبان لنا أن الخط الرئيسي في الفيلم محوره علاقة معقدة بين مخرج “يحيى الاسكندراني” وممثل شاب “عمرو عبد الجليل” كان الأول قد اكتشفه واتاح له فرص التألق في أفلام من إخراجه عرض بعضها في مهرجانات أولها “برلين” وآخرها “كان”.

والفيلم يبدأ بالممثل الشاب متمرداً رافضاً أداء دور “هاملت في الاسكندرية” فيلم أستاذه الجديد.

وما هي إلا مدة قصيرة حتى كان الفتى قد تحرر نهائياً من وصاية الأستاذ بالزواج من الفتاة التي أحبها، فضلاً عن إخراج مسلسلات تليفزيونية سوقية يجري تمويلها ببترو دولارات قادمة من الخليج تنشر الفساد.

ويعاني الأستاذ من عذاب فراق الفتى، بل قل التمثال الجميل الذي أحسن تشكيله على صورته بحيث يكون امتداداً لشبابه الذي ولى بلا أمل في أن يعود، فإذا به بفضل الفتى يعود.

ويمتد به العذاب على امتداد عرض الفيلم لأن حبه للفتى لم يكن حباً عابراً ولا سطحياً وإنما كان من هذا الحب الذي لا يكاد يبلغ القلوب حتى يستقر فيها ويستأثر بها.

وهو من فرط حب هذا الذي ملك عليه كل شيء يتصور الفتى في أدوار هاملت والاسكندر الأكبر.

الاعتصام.. لماذا ؟

فاذا ما انقلب الحب بينهما من شراب صفو إلى سم زعاف لاسيما بعد أن أصبح الفتى بفضل ذهب الخليج من تلك الفئة القليلة صاحبة العربات المرسيدس الفارهة وبعد أن امتنع عن الذهاب إلى دار نقابة السينمائيين للتعبير عن تضامنه مع المعتصمين والمضربين عن الطعام احتجاجاً على القانون رقم 103 لسنة 1987.

رأينا الأستاذ قريباً من نهاية الفيلم، وقد جنحت به ساديته إلى تصور الفتى في وضع دموي ممعن في القسوة.

فها هو ذا، وفقاً لهذا التصور، راقد داخل تابوت زجاجي في حجرة فرعونية تحت الأرض يخترق سقفها خازوق يصل إلى قلب الفتى مفجراً دماءه التي تسيل حتى تغطي الشاشة تماماً.

وفي أثناء هذا كله، ثمة خط فرعي مقحم على حكاية وقوع الأستاذ في غرام الفتى، مداره اعتصام نفر من الفنانين احتجاجاً على قيام مجلس الشعب باصدار القانون المُشار إليه في الخفاء.

فبفضل هذا الاعتصام الذي صاحبته ضجه كبرى، وانتهى في الواقع كما في الخيال الفيلمي إلى لا شيء، بفضله يلتقي الأستاذ في دار النقابة بفتاة متمردة “نادية” (يسرا) حلوة الحديث، تجمع إلى براعتها في فن التمثيل، ثقافة واسعة وظرفاً فاتناً.

وسرعان ما تترك الفتاة في قلبه جذوة لا سبيل إلى اطفائها، فيتصورها كليوباطرة، ويعلق عليها آمالاً عراضاً تنسيه حبه القديم، وتدفع به إلى مواجهة قضية حياته مع الفن في أفقها الوسيع والعميم.

الغائب والحاضر

يبقى أن أقف قليلاً عند ثلاث ملاحظات لا تزيد. الأولى أن الخط الرئيسي في الفيلم ليس محوره الصراع بين المخرج والمنتج كما هو الحال في روائع مثل “ثمانية ونصف” و”الاحتقار” و”حالة الأشياء”.

وأنما نوع آخر من الصراع غريب بين مخرج هيمان بممثل، ولا يريد له أن يكون حراً مستقلاً يختار الحياة خاصة كانت أم عامة وفقاً لمزاجه ولما يراه محققاً لمصالحه.

وعندي أن ثمة سبباً لمجئ الفيلم خالياً من أي صراع بين المخرج والمنتج حتى ولو كان تلميحاً، وما استتبع ذلك من نتائج ليس أقلها الافتقاد لأي نقد جاد لفساد الأمكنة والعلاقات في دنيا السينما.. فما هو؟

إنه يكمن في أن صاحب الفيلم يجمع بين وظيفتي الانتاج والاخراج وغني عن البيان أنه ما أن تجري المفاضلة بين الاثنتين، إلا وتكون الغلبة للتاجر على حساب الفنان في أغلب الاحيان.

والثانية أن الفيلم دار حول معان كثيرة دون أن يقدمها لنا بجلاء ومنطق واضح يترتب لاحقه على سابقه.

صوت الرجعية

وبالتالي عجز عن أن يبعث فينا الاحساس بمأساة الضياع والفقدان.

ولعل مشهد الفتى، وهو يرقص وحيداً على صوت أم كلثوم وهي تشدو “فات الميعاد” تعبيراً منه عن أوجاعه الناجمة عن عدم فوزه بجائزة التمثيل في مهرجان كان، هذا في نفس الوقت الذي نرى فيه الأستاذ غير مكترث بحال الفتى، محتسياً مع الرفاق الأجانب الشمبانيا، وكأن شيئاً لم يحدث.

لعله أحد المشاهد التي تدل دلالة قاطعة على ذلك العجز عن البيان.

فصاحب الفيلم يريد أن يقول بهذا المشهد أن صوت أم كلثوم رمز للتخلف.. وأن الفتى باستمرار الاستماع اليه والتأثر به مشدود لا محالة إلى الوراء.

وليس من شك أنه وبفرض صحة ذلك القول – وهو في رأيي غير صحيح – فالرمز للتخلف بصوت أم كلثوم أمر غير مفهوم إلا لقة من الناس.

أما الملاحظة الثالثة والأخيرة، فتنحصر في أن مشاهد الاسكندر الأكبر وكليوباطرة إنما تروع بسوقيتها وما أحب أن أدخل في أعماق تلك السوقية وتفاصيل تيهها فذلك شيء لا يتسع له هذا الحديث.

كل ما أستطيع أن أقوله الآن عن تلك المشاهد أنها من نوع فن “الكيتش”، وهي لفظة إلمانية تعني التافه أو الهراء أو النفاية في بعض الأحيان.

محرقة اليهود في الأفلام

كلمة “هولوكوست” من الكلمات التي لها تاريخ يرتد إلى أيام الرومان، فهي لاتينية الأصل، تعني الإبادة الكاملة، لاسيما بالاحراق.

ولم يكن للإبادة بذلك المعنى علاقة باليهود لا من قريب ولا من بعيد.

وظل الحال كذلك إلى أن بدأت محاكمات مجرمي الحرب في نورمبرج عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية بانحدار المانيا الهتلرية.

فبفضل تلك المحاكمات تكشف للعالم أن من بين جرائم النازية- وهي كثير- تبني سياسة تقوم على أساس تقسيم الشعوب عنصرياً إلى شعوب راقية تتحكم وتسود، وأخرى منحطة لا تستحق البقاء.

العاصفة المميتة

وكان من مقتضى تلك السياسة المسرفة في عنصريتها حشد الأفراد المنتمين إلى تلك الشعوب المقول بانحطاطها، حشدها في معسكرات اعتقال تمهيداً للإلقاء بهم في أفران أعدت خصيصاً لقتلهم جماعياً بغازات سريعة المفعول، حتى إذا ما جاءهم الموت بغته، تم حرقهم بنيران حامية لا تبقى من جثثهم شيئاً.

وما أن ذاع أمر هذه الجريمة البشعة، حتى تطلعت على الانسانية كلمة “هولوكوست” يعبر بها عن أهوال الاصطلاء بنيران تلك الأفران.

فإذا بها تعطي الآثر المراد من استعمالها لا أقل ولا أكثر وإذا بها منصرفة منذ البداية إلى جميع ضحايا المحرقة سواء أكانوا من الروس أو البولنديين أو الغجر أو اليهود أو غير ذلك من الشعوب التي اصطلت بتلك النيران.

وجملة القول أنها كانت كلمة مناسبة تماماً للمقام.

تحريف التاريخ

ثم تتقدم الأعوام، وإذا بأخبار كابوس المحرقة ينتشر رويداً على وجه يوحي باقتصار المحنة الكبرى على اليهود دون غيرهم من الشعوب.

وإذا بالكلمة تتعرض لتشويه أحالها إلى لفظة لا تعني كلما قيلت سوى شيء واحد.. محرقة اليهود.

ونتيجة لذلك كاد جميع ضحايا تلك المحنة، فيما عدا اليهود، أن يختفوا من على شاشة الذاكرة.

وهكذا كتب على ضحايا المحرقة- باستثناء اليهود- الإبادة مرتين الأولى بواسطة هتلر وجلادية والثانية بواسطة محرفي التاريخ.

والآن، وبمناسبة ذكرى مرور نصف قرن من عمر الزمن، على نشوب الحرب العالمية الثانية وخمسة وأربعين عاماً على انتهائها، خرجت علينا مطابع دور النشر في الغرب بكتب عديدة عن المحرقة من بينها “الكل أو لا شيء”: المحور والمحرقة (هولوكوست) لصاحبه “جوناثان شتا ينبرج”، “لماذا تظلم السماوات – الحل النهائي ” لصاحبه “ارنومايير” و”نهاية المحرقة.. تحرير المعسكرات” لصاحبه “يون بريد جمان” و”الشرطي ابتسم” لصاحبه “باري تيرنر” و”ظلال لا تنمحي.. الفيلم والمحرقة” لصاحبته الدكتورة “انيت انسدروف” “الطبعة الثانية”.

وهذه الكتب – جميعها وبلا استثناء – تتناول مأساة المحرقة من منطلق أن اليهود وحدهم هم الضحايا.

وأسجل، منذ الآن، أني لن أعرض من بين الكتب سالفة الذكر، إلا للكتاب الأخير، لا لشيء سوى أنه الكتاب الوحيد الذي تناول محرقة اليهود في السينما، فضلاً عن أن تناوله لها قد اتسم بالإمعان والتعمق.

وما أزعم لهذه المحاولة احاطة وشمولاً فهي لا تعدو أن تكون تمهيداً للكلام عن أهم أفلام أمريكية تناولت محرقة اليهود مما جرى عرضها خلال الأشهر الأخيرة.

وهي أفلام ثلاثة لا تزيد، أحدها “انتصار الروح” سبق وأن عرضت له باستفاضه هنا في مجلة الهلال (مايو 1990).

أما الفيلمان الآخران “أعداء.. قصة حب” و”صندوق الموسيقى”، فقد اتيحت لي فرصة مشاهدتهما أثناء زيارة أخيرة لباريس.

القديسون الجدد

وقبل الكلام عنهما أعود إلى كتاب “ظلال لا تنمحي”، فأقول أن صاحبته تنحدر من أسرة يهودية تعرضت للاضطهاد إبان فترة خضوع أوروبا للنير الهتلري، حتى أن والديها قد زجَّ بهما في غيابات معسكرات الاعتقال حيث أوشكا على الهلاك في محارق الأفران.

وثمة مقدمة لكتابها في طبعته الثانية بقلم “ايلي ڨيسيل” الحاصل على جائزة نوبل للسلام، وهو بدوره من المنتمين لشعب الله المختار، ومن الذين عانوا عذابات معسكرات الاعتقال، إلى أن هيأت له السماء مع فئه قليلة معجزة النجاة من موت أكيد.

وفي وصف من بقى من تلك الفئة على قيد الحياة، قال أحد أبطال فيلم “صندوق الموسيقى” أنهم بمثابة قديسين أبرار!!

وعلى كُلٍ، “فڨيسيل” في مقدمته تلك يقول أن عالم معسكرات الاعتقال “أوشڨتز” و”تربلينكا”، يتحدى  التعبير بالكلمات.

ويتساءل، هل توجد وسيلة أخرى، لغة أخرى يمكن التعبير بها عن ذلك العالم.

وبعد أن يطرح الصورة وسيلة بديلة للتعبير، يعود فيقول أنها بدورها تثير مخاوفه، بل أن تخوفه منها أكثر بكثير.. لماذا ؟

لأن موضوع الإبادة الجماعية لليهود تنفيذاً لمخطط الحل النهائي، هو في حقيقة الأمر موضوع مقدس، وأي تناول له بواسطة وسائل الإعلام الجماهيرية، وبخاصة الأفلام، إنما يحمل في طياته خطر التدنيس لتلك القدسية.

غير أنه سرعان ما يستدرك قائلاً أن ثمه أفلام عن المحرقة تذهل بمصداقيتها، وأخرى تصدم بسوقيتها.

وفي رأيه أن من بين أفلام النوع  الأول “الليل والضباب” للمخرج الفرنسي “آلان رينيه” صاحب “هيروشيما حبي” و”حديقة فينزي كونتيني” للمخرج الايطالي “فيتوريو دي سيكا” و”قيثرات الحفل” للمخرج الفرنسي”ميشيل دراش” و”الحانوت في الشارع الرئيسي” للمخرجين التشيكيين “يان كادار” و”المار كلوس”.

عش الغراب

أما بالنسبة للافلام الموصومة بالسوقية، فلم يتوقف “ڨيسيل” إلا عند المسلسل الأمريكي الشهير “المحرقة” قائلاً أن عرض أهوال المحرقة في صورة مغامرة رومانسية، لأمر مهين للموتى، جارح للاحساس.

وفي مقدمة أخرى، ولكنها لصاحبة الكتاب، جاء على لسانها ما مفاده، انه رغم أن ما شاهدته من أفلام عن المحرقة حتى عام 1980، قد بلغ عدده ستين فيلماً على الأقل، إلا أنها ما كادت تنتهي من وضع اللمسات الأخيرة على الطبعة الأولى لكتابها (1982)، حتى كان قد تم طرح عشرين فيلماً جديداً عن المحرقة ثم تكاثر عدد الأفلام التي من هذا القبيل على وجه يشبه تكاثر عش الغراب، حتى وصل الأمر قريباً من نهاية عام 1988 إلى أن ثمة حوالي مائة فيلم جديد ما بين روائي (40 فيلماً) وتسجيلي (60 فيلماً).

وهي جميعاً ليس بينها فيلم واحد لا يستحق أن يُشار إليه في الكتاب، ولو ببضع كلمات..

هذا ولو كان قد كتب للطبعة الثانية من كتابها أن يتأخر ظهورها وقتاً قصيراً، لوجدت نفسها أمام عدد غير قليل من أفلام جديدة تعرض للمحرقة من بينها “أعداء.. قصة حب” و”صندوق الموسيقى”.

وأغلب الظن أنها، ومهما اصطنعت الحذر والاحتياط، فما كانت لتطمئن لهذين الفيلمين، وما كانت لتتحمس لهما لا لسبب سوى أن الأول مسرف في السوقية، والثاني مفرط في الفاشية.. كيف ؟

تعدد الزوجات

“هرمان برودر” (رون سيلڨر) بطل “أعداء.. قصة حب” الفيلم المأخوذ عن رواية للأديب الأمريكي اليهودي “اسحاق سنجر”؛ ذلك البطل أحد الناجين من النار.. نار الأفران.

والفيلم يبدأ به مختبئاً في جرن، وكلاب النازي من حول المكان تنبح مسعورة.

أنه في كابوس، يشقى به أثناء اليقظة، وأثناء النوم وها هو ذا، يهب مفزوعاً، لنكتشف أنه ليس في أوروبا أيام النازية، وإنما في أمريكا وبالتحديد “كوني ايلاند” بنيويورك.

ولنكتشف، بعد ذلك، أنه يعيش مع “يادويجا” (مارجريت سوفي شتاين)، وهي فلاحة كانت تعمل خادمة في بيت عائلته اليهودية ببولندا، وكان لها فضل انقاذه من المحرقة بتوفير مكان أمين له في الريف حيث ظل مختبئاً زهاء ثلاثة أعوام إلى أن كتب له النجاة.

ورغم زواجه منها عرفاناً منه لجميلها عليه، إلا أن هذا لم يحل بينه وبين اقامة علاقة غرامية عاصفة مع “ماشا” (لينا أولين)، وهي أمراة يهودية ألّمت بها خطوب العذاب الذي لا يشبهه عذاب في معسكرات الاعتقال النازية والسوفييتية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل انتهى، ازاء الحاح “ماشا”، إلى عقد قران بينهما جرى وفقاً للطقوس اليهودية.

كل ذلك، والزوجة “يادويجا” لا تعلم من أمر تلك الخيانة شيئاً.

وتمضي الأيام، وإذا بهرمان يلتقي فجأة في وسط نيويورك “بتامارا” (انجيليكا هوستون)، وهي أمراة يهودية كان قد تزوجها في بولندا قبل نشوب الحرب.

وكان من المفترض أنها وأولادها منه قد ماتوا جميعاً مقتولين برصاص الألمان.

وهكذا نجد “هرمان” وقد عبثت به الأقدار فإذا به صاحب ثلاث زوجات في آن واحد وهو نتيجة لذلك في حيرة مهلكة، لا يعرف لنفسه غاية يقف عندها، ولا يعرف كيف يصل إلى قرار.

ولعل خير وصف لحيرته تلك أحد مشاهد الفيلم حيث نراه داخل إحدى محطات مترو الأنفاق متردداً بين القطارت أيها يستقل.. قطار”كوني ايلاند” حيث “يادويجا” أم قطار “برونكس” حيث “ماشا” أم قطار وسط نويورك حيث “تامارا”.

الجنس اللذيذ

وفيلم له موضوع كهذا، ومن انتاج هولويوود وإخراج “بول مازورسكي”، لابد وأن يكون زاخراً بمواقف لا تخلو من فكاهة، ومشلهد لا تخلو من جنس فاضح، وآية ذلك المشاهد التي تصور علاقة هرمان  بماشا.

فهي تصور حبهما الجامح المندفع كالسيل من خلال لقطات لهما، وهما عاريان يتصببان عرقاً.

وفي ظني أن تلك المشاهد هي التي حدت “بڨارايتي” أقدم مجلات السينما وأوسعها انتشاراً إلى وصف الفيلم.. وهي في مجال الثناء عليه – بأنه جنسي لذيذ.

وليس من شك أن الفيلم بتلك المشاهد التي آراها تجارية شديدة الابتذال، قد أساء إلى قداسة المحرقة القائل بها “ڨيسيل” في مقدمته سالفة الذكر.

فإذا ما انتقلنا إلى “صندوق الموسيقى”، لوجدنا أنفسنا أمام فيلم قال عنه صاحبه المخرج “كوستا جافراس” في حديث له مع مجلة “سينيياست” الأمريكية (العدد الثالث 1990)، أنه أراد بإخراجه إعادة المحرقة إلى الذاكرة، وبخاصة ذاكرة الشباب.

الماضي المجهول

والمحور الذي يدور حوله الفيلم وجوداً وعدماً هو العلاقة بين “مايك لازلو” الذي قام بأداء دوره الممثل الألماني الكبير “أرمين مويلر شتال” وابنته “أن تالبوت”، وقد قامت بأداء دورها النجمة الذائعة الصيت “جيسيكا لانج” و”لازلو” حسب سيناريو الفيلم الذي أبدعه “جواشترهاس”، مجري ترك وطنه مهاجراً إلى الولايات المتحدة عقب انتهاء الحرب العالمية بثلاثة أعوام. وبعد أن مضت الأيام حتى أصبحت أربعين عاماً، جاءه كتاب من وزارة العدل الأمريكية مفاده أنه متهم بإخفاء حقيقة مهنته في طلبه الذي مُنح بموجبه الجنسية الأمريكية.

وأنه في حالة ثبوت تلك التهمة، فلابد من ترحيله إلى المجر حيث تتجه النية إلى محاكمته عن جرائم بشعة اقترفها في حق اليهود.

وطبعاً ينكر “لازلو” الاتهامات الموجهه إليه، مُصّراً على أنه كان فلاحاً بسيطاً، وليس حارساً في فرق التعذيب والإبادة.

الولاء لمن؟ 

وتنبري ابنته “آن”– وهي محامية ماهرة– إلى الدفاع عنه، وذلك لأنها كانت تؤمن ببرائته مما يصفون.

وما أن تنتهي القضية بصدور حكم ببرائته، حتى يتضح لها، بفضل صور ثابتة لأبيها لا تقبل الشك، أنه من عتاة مجرمي الحرب.

وهنا يتنازعها ولاءان أحدهما الولاء للأسرة، والآخر الولاء للمجتمع.

وبعد تردد لم يدم طويلاً، تغلبت مسئوليتها نحو المجتمع على ولائها نحو أسرتها.

وها هي ذي تتصل بمكتب الإدعاء طالبة إليه إعادة إقامة الدعوى العمومية ضد أبيها على أساس الصور الثابتة التي في حوزتها.

والفيلم بتلك النهاية، إنما يريد أن يقول أن على الأبناء أن يشوا بالآباء إذا كان في ذلك تحقيق للصالح العام.

ومثل هذا القول لا يختلف في جوهره عما كان يدعو إليه أنصار النازية في سالف الزمان.

نظرة طائرة علي مهرجان السينما بالقاهرة

بدأ مهرجان القاهرة السينمائي الثالث عشر بداية متواضعة كل التواضع، غريبة كل الغرابة.

فلقد استهل عروضه ليلة الافتتاح بدار سينما مترو لا بفيلم من أفلام الافتتاح الضخم مثل (الطريق إلى الهند) و( الأرنب روجرز)، وإنما بفيلم قصير أقرب إلى التسجيلي منه إلى الروائي، لم يمكث عرضه سوى دقائق معدودات وفوق هذا له من العمر خمسة وسبعون عاماً أو يزيد.

فما هو هذا الفيلم القصير، القديم الذي أجنح بمهرجان القاهرة إلى الخروج الأكيد عن التقاليد؟

إنه “سباق عربات الصغار في فينيس”، ذلك الفيلم الذي جرى تصويره في إحدى الضواحي “لوس انجلس”. وهو ثاني فيلم يمثله شارلي شابلن ، وأول فيلم يظهر فيه مرتدياً زي المتشرد الخالد.. السروال المنتفخ، السترة الضيقة، الحذاء الضخم المترهل، القبعة الصغيرة المستديرة، العصا الخيزران الملتوية، فضلاً عن الشارب الأسود القصير الوقور.

وسباق السيارت هذا، إنما كان سباقاً حقيقياً توجه اليه شارلي شابلن مع المصور “هنري لهرمان” استجابة منهما لأمر صادر إليهما من “ماك سينيت” صاحب “ستديو كيستون” باستغلال هذا الحدث وعمل فيلم سريع منه. يتيح للاستديو فرصة تنفيذ التزامه بتسليم دور العرض كل أسبوع ثلاثة أفلام من بكرة واحدة لا تزيد.

ومما يميز فيلم الافتتاح الذي صور السباق المشار إليه عن غيره من الأفلام ، هو أن أشهر شخصية سينمائية ابتدعتها خيال الانسان قد بدأت مشوارها به.

وبدأته واقعيا في سياق حقيقي، وليس في عالم مصنوع قوامه الايهام. فالمتشرد الخالد ذلك الكائن الذي من صنع الخيال، إنما يظهر بلحمه ودمه لأول مرة وسط جماهير حقيقية مقتحماً سباقها، مسجلاً ذلك الاقتحام على فيلم ، لينقل فور ذلك، وإلى الأبد، فيما بعده من أفلام إلى عالم الأطياف القائم على محض الخيال.

ولعلها المرة الأولي والوحيدة في تاريخ السينما التي نشاهد فيها كيف أصبح جمهور نظارة أثناء حدث عام شاهداً ومكتشفاً لميلاد أسطورة.

وغني عن البيان أن اختيار ذلك الفيلم الفريد كي يكون فيلم الافتتاح، إنما يرجع إلى جنوح المهرجان إلى تكريم شارلي شابلن بمناسبة احتفال العالم بميلاده قبل مائه عام. وبالتحديد في الخامس عشر ممن شهر ابريل لعام 1889.

ولم يكتف المهرجان بتكريم شابلن المتشرد الخالد، بل كرّم إلى جانبه ممثلنا ومخرجنا “نجيب الريحاني”، وكذلك كلاً من المخرج البولندي “كافالوروفيتش” صاحب فيلم “فرعون” الذي شارك فيه مخرجنا الراحل “شادي عبد السلام” بالديكور، والمخرجة التشيكوسلوفاكية “فيراشتيلوفا” والمخرج الفرنسي “رينيه كليمان” والمخرج الاسباني “جوزيه لويس بوراي” والمخرج الأمريكي “بوب رافلسن” الذي شارك في المهرجان بثلاثة من أفلامه آخرها “ساعي البريد يقرع الجرس دائماً مرتين” (1981) تمثيل “جاك نيكلسون” و “جيسكا لانج” و “انجيليكا هوستون” ابنة المخرج الراحل “جون هوستون”.

ومن ضمن ما ابتدعه المهرجان تكريم النجمتين الايطاليتين الساحرتين “ستيفانيا ساندرلي” و”كلاوديا كاردينالي”.


فضلاً عن إقامة عرض بانورمي للسينما الأفريقية ، وذلك بمناسبة انتخاب حسني مبارك رئيساً لمنظمة الوحدة الافريقية. وعرض للسينما التونسية منذ البداية وإلى هذه الساعة. وفوق كل هذا عرض للأفلام التي من ابداع نساء مخرجات.

وكما هو الحال في العامين السابقين، كان للسينما الأمريكية نصيب الأسد من الحضور والاقبال والاهتمام.

ولو فكرنا تفكيراً هادئاً في أفلام المهرجان ، لانتهى بنا الأمر إلى القول بأن أهمها إنما يعرض لمحنة المرأة من خلال العلاقات المشوهة المفروضة عليها باعتبارها سلعة تباع وتشترى وهنا، وقبل تناول هذه الظاهرة بالكلام، أرى من المناسب أن أذكر أن السينما العربية، إنما تأخذ بخناقها أزمة ابداع حادة، وآية ذلك أنها لم تستطع أن تتقدم لعروض المهرجان الرسمية بفيلم يرقى إلى المستوى اللائق بحضارة لها من العمر آلاف السنين.

واستثني من هذا الغم فيلماً واحداً إلا وهو “سمع.. هس” رائعة المخرج المصري الواعد “شريف عرفة”.

ومن عجب أنه في الوقت الذي لم تتميز فيه السينما العربية خارج مصر بأي فيلم، تميزت السينما الأفريقية الشابة بفيلمين أحدهما “الاختيار” للمخرج “ادريس اودراجو” الذي أثار ضجة كبرى بفيلمه الأخير “بابا” (1989)، وهو من مواطني بوركينا فاسو.

أما الفيلم الثاني “الضوء” فصاحبه المخرج المالي “سليمان سيس”.

ولعله أول فيلم من أفريقيا السوداء يكتب له أن يفوز بجائزة لجنة تحكيم مهرجان كان (1988). وقصته تدور حول الصراع بين القديم والجديد من خلال عرض يكاد يكون تسجيلياً للطقوس والتقاليد.

سينما الملايين

ومرة أخرى ، وقبل الكلام عن الأفلام التي تعرض لمحنة المرأة على مر العصور، قد يكون من المفيد أن نشير اشارة عابرة إلى خمسة أفلام ضخمة أنفق على انتاجها ملايين الدولارات وهي “فوق السطوح”، و”الأزرق العظيم” و”روزالين والأسود” و”الامريكي العجوز” و”ثورة”.

وأولها “فوق السطوح” للمخرج الامريكي “روبرت وايز” صاحب قصة “الحي الغربي” و”صوت الموسيقى”.

وموضوع الفيلم لا يعدو أن يكون تكراراً لقصة الحي الغربي المستوحاة من مأساة روميو وجولييت مع افتعال نهاية سعيدة.

Original Cinema Quad Poster – Movie Film Posters

ولو رأيت “فوق السطوح” دون أن تكون على علم بأن مبدعه مخرج مخضرم في طريقة إلى الخامسة والسبعين ، لذهب بك الظن إلى أن الفيلم من صنع شاب في مقبل العمر.فهو عمل سينمائي موسيقي صاخب، لاهث الايقاع ، يشع حيوية وانطلاقاً.

أما الفيلم “الأزرق العظيم” فقد تركز عليه كثير من الترقب واللهفة، لكثرة مديح الصحافة الفرنسية له ولافتتاح مهرجان كان (1988) به، وهو من اخراج “لوك بيسون”.

هذا وقد تركز ترقب واهتمام المولعين بالسينما الفرنسية لا على “احذر يمينك” آخر فيلم يبدعه المخرج الرائد المجدد “جا لوك جودار” وإنما على “روزالين والأسود” لصاحبه “جان جاك بينيكس” ذلك المخرج الشاب الذي بهر العالم بجرأة تناولة للموضوعات، وحسه السينمائي العالي المستوى.

ولقد جاء فيلمه الرابع “روزالين” مخيباً لآمال المترقبين المهتمين لخلوه من أية مشاهد جنسية فاتحة للشهية، هذا فضلاً عن أن موضوعه لا يتصف بالجدة والابتكار.

ومع ذلك فهو يعتبر واحداً من أجمل أفلام المهرجان لوصول حرفة السينما فيه إلى ذروة عالية من البراعة وبخاصة في مشاهد “روزالين” (ايزابيل باسكو) وهي داخل القفص تروض الأسود.

رحلة غريبة

فاذا ما انتقلنا إلى “الأمريكي العجوز” فسنجد أنفسنا أمام فيلم طموح مستوحى من قصة الأديب المكسيكي المعاصر “كارلوس فوينتس” التي بنفس الاسم.

والامريكي العجوز هو “افيروز بيرس” الأديب والصحفي المعروف الذي امتطى حصاناً، وسافر به إلى المكسيك أثناء ثورة “بانكوفيلا” (1914) حيث اختفى دون أن يترك أثراً.

و “فوينتس” في روايته لمأساة ذلك الأديب الذي ذهب إلى المكسيك ولم يعد، إنما يعرض لها من خلال تخيل لحالته النفسية، بالقيام برحلة داخل عقله الذي شك في جدوى كل ما كتب وكل ما آمن به، حتى انتهى به الأمر إلى الظن بأنه قد خان رسالته في الحياة.

الأجل المحتوم

 فكان أن سافر وحيداً إلى المكسيك التي كانت وقتذاك تموج بثورة رأى فيها انعكاساً لما كان يعتمل داخله من شد وجذب واضطراب.

وهناك في صحبة عانس امريكية “جين فوندا” وثوري شاب “جيمس سميتس” يسترد الثقة بنفسه، يجد لحياته معنى جديداً، وذلك إلى أن يجيئه الموت برصاصات تنطلق من غدارة هذا الشاب.

ولقد لعب “جريجوري بك” (73سنة) دور هذا الأديب الصفحي المتأزم نفسياً، الباحث عن الذات.

ومن مزايا الفيلم تصويره في أماكن أحداث الثورة، أي على أرض المكسيك، بمجموعات حاشدة، من المكسيكيين المقيمين جنوب نهر الريوجراند، مما أسبغ عليه طابعاً مكسيكياً أصيلاً، نجده مفتقداً في الأفلام الأمريكية الأخرى التي عرضت لثورة المكسيك مثل “يحيا زاباتا”.

يبقي فيلم “ثورة” وهو عن الثورة الامريكية وأحداثها الجسام قبل مائتي عام. ومخرجه هو “هيو هدسون” الذي سبق أن رأينا له “جرى ستوك” أحدث أفلام طرزان و”عربات النار” الفائز بجائزة أوسكار أحسن فيلم (1981).

ولقد اختير لأداء الأدوار الرئيسية فيه نجوم لامعة في مقدمتها “آل باشينو” و”دونالد سوذرلاند” و”ناستسيا كينسكي” و”جوان بلاورايت”، زوجه الفنان الراحل “لورانس أوليفييه”.

كما حشد لمشاهد المظاهرات والمعارك الحربية الزاخر بها مئات الكومبارس، مما أسبغ على تلك المشاهد واقعية ومصداقية آخاذة.

ومع ذلك فهو يعتبر كارثة فنية من البداية وحتى النهاية ولعل ضعف السيناريو هو الذي أدى إلى عدم الارتقاء به إلى المستوى اللائق بمخرجه وممثليه.

والآن إلى أهم الأفلام التي عرضت للعلاقات التي تفسد بين المرأة والمجتمع.. أعود..

هي ثلاثة أفلام “المتهمة” و”العلاقات الخطرة” و”فضيحة”.

امتحان قاس

وأولها يعرض لحادث اغتصاب فتاة عاملة في مكان عام، وعدم أخذ القضاء شهادتها مأخذ الجد.

ومن هنا اضطرار المحققة “كيللي ماكجيليس” إلى اسقاط تهمة الاغتصاب، وبدلاً منها توجيه تهمة تهديد الأرواح والأموال إلى الشبان الثلاثة المغتصبين.

وهذا ما أغضب الفتاة المغتصبة “جودي فوستر”، وذلك لأنها كانت تتوقع أن تنتصف لها العدالة إذا ما حكت مأساتها تفصيلاً أمام المحكمة، وكانت ترى في ذلك خير تعويض لها مما وقع على جسدها من اعتداء آثم مهين.

ولم يكن أمام المحققة، حتى تستطيع اعادة المحاكمة استجابة لرغبة المجني عليها التي بدأت تتعاطف معها، سوى حل وحيد، هو توجيه الاتهام إلى رواد المكان العام (وهو بار) الذين شاهدوا الاغتصاب، وكأنهم متفرجون يستمتعون باستعراض حي مثير.

دغل الجنس 

أما “العلاقات الخطرة” فهو عندي أكثر الأفلام الامريكية جرأة وهو مستوحى من قصة الأديب الفرنسي “كودرلو دي لاكلو” (1782)، تلك القصة التي أحدثت ضجة كبيرة عند نشرها قبل قيام الثورة الفرنسية بقليل.

  ومما يقال في حقها أن الملكة “ماري أنطوانيت” كانت تحتفظ بنسخة منها سراً.

والفيلم الذي أبدعه المخرج الانجليزي “ستيفن فريزر” ليس مأخوذاً مباشرة عن تلك القصة، وإنما من مسرحية مستوحاة منها ألفها الأديب الانجليزي المعاصر “كريستوفر هامبتون”.

وبطولة الفيلم يتقاسمها متآمران “الماركيزة دي ميرتي” (جين كلوز) أما المتآمر الآخر الكونت دي فالمونت (جون مالكوفيتش).

والفيلم يبدأ بهما يتآمران.

فهي تطلب إليه باسم حبهما القديم أن يوقع الصغيرة العذراء (سيسيل دي فولانج) في شباك الحب، لا لسبب سوى أنها في سبيلها إلى الزواج من الشاب الوجيه “المسيو دي باستيد” أحد عشاق الماركيزة المغيظة من أنه على وشك الافلات من قبضتها التي لا تلين. ولكن “فالمون ” أكثر طموحاً.

وسرعان ما يتفق الاثنان – الماركيزة والكونت – على لعبة مزدوجة جوهرها التآمر والخيانة والاغراء.

فضيحة القرن

يبقي فيلم “فضيحة” الذي يعرض لعلاقات الغانية “كريستين كيللر” مع “بروفومو” وزير حربية انجلترا في حكومة المحافظين تحت رئاسة “هارولد ماكميلان” (57/1964) والملحق البحري السوفييتي “ايفانوف” وغيرهما من الرجال.

وكما هو معروف انتهت تلك العلاقات الآثمة باستقالة الوزير، وبسقوط حكومة المحافظين، وبانتحار “ستيفن وارد” (جون هيرت) رسول الغرام بين الغانية والوزير، وبسجن “كيللر” عدة أعوام.

ولو خيرت لاخترت “فضيحة” واحداً من أحسن الأفلام التي تناولت واقعة من واقعات التاريخ المعاصر. فهو آية في الصدق والاتقان، يروع بدقة البحث والاستقصاء.

وعرضه للفضيحة وتصاعد أحداثها، إنما يتصف بالفهم الواعي لمآسي الغانيات، باعتبارهن ضحايا علاقات مشوهة تقوم على استبداد القوي بالضعيف.