ثرثرة حول أفلام محورها: دنيا الكأس والكركرة

 كانوا ثلاثة وكنت رابعهم.. ماعدا الكلب.. عزيزة أمير تلمع في حليّ من أحجار كريمة غالية، وإلى جانبها زوجها، شاب كريم من أسرة كريمة في هيئته سمات الحب حينما يصبح مرضاً عضالاً لا يشفيه القرب أو البعد.. وأمامهما رجل ضخم الجسم، واضح الغنى يرضع (الويسكي) ثم يتلمظ ويتحلب ريقه، وكأنه لم يشرب، وهو أحد الباشوات الذين اشتهروا بعطفهم على الفن والفنانين…

هذه السطور قد يظن القارئ اللبيب أن صاحبها أنما يصف بها مشهداً من فيلم مثلته عزيزة أمير.. ولكن المشهد ليس من الخيال في شيء.. إنه الواقع بلحمه ودمه، كما رآه زكي طليمات رأي العين في أول زيارة له لقصر رائدة السينما المصرية، بل قل العربية، وكما وصف بعد أربعين سنة في كتابه الشيق “ذكريات ووجوه”.

كأس الإلهام

 ومع ذلك، فمنذ البداية، والسينما في مصر غالباً ما تستعين بمشهد كهذا، تلعب فيه الخمر دوراً رئيسياً، أو على الأقل تشكل خلفية لما يجري في الفيلم من وقائع أكثرها تافه.

ولم يكن هذا بالأمر الغريب في أزمنة كان يتغنى فيها بأن الدنيا سيجارة وكأس، وكان الفكر السائد في عالم الأطياف والأوهام أن الخمر مصدر مزعوم من مصادر الإلهام..

طبعاً.. هذا لا يعني أن تعاطي الخمر في الأفلام أمر دخيل على السينما، أو بتعبير آخر أمر مكروه.. كل ما يؤخذ على مشاهد الخمر والسكر في الأفلام المصرية هو مجيئها بغتة دون ارتباط بسياق الأحداث، واتصافها بالإعادة والتكرار..

المكان المناسب

 ومن هنا انقطاع الخيط بين مشاهد الكئوس وبين الجمهور المتلقي.. فكي تؤثر هذه المشاهد، لابد أن تكون جزءًا من بنية الفيلم، موظفة لخدمة الموضوع.. وليست كائنات زخرفية.. وهذا أمر لم يحدث إلا نادراً.. في أفلام تعد على أصابع اليد الواحدة مثل “صراع الأبطال” (1962) رائعة (توفيق صالح)…

فمن حسنات مشهد الخمر فيه أنه في مكانه المناسب.. في حفل زفاف سيد القصر “صلاح نظمي” ابن الأكابر: فالمدعوون من علية القوم ، وضيف شرف الفرح قائد معسكر الجيش البريطاني..

وإذن فلا غرابة إذا كان المشروب السائد هو الويسكي الاسكوتلندي.. ولا غرابة إذا ما أمسكت “جيهان هانم” أم العريس بالكأس ترفعه مع الضابط البريطاني لتشرب نخب صفقة شراء فضلات جيش الاحتلال، تلك الصفقة التي ستكون سبباً في ظهور وباء الكوليرا يحصد الأرواح بالآلاف.

الجوزة المستحية

 واستعراض تاريخ الخمر والسكر في السينما المصرية يستلزم وقفة قصيرة عند فيلم آخر لنفس المخرج ” زقاق السيد البلطي” (1970)… ففي هذا الفيلم الذي كان ختاماً لعقد السبعينات، حاول “توفيق صالح” أن يدخل عالم صيادي السمك دخولاً كاملاً شاملاً.. فوجد نفسه مضطراً إلى أن يذهب أحياناً بأبطاله إلى الخمّارة أو بمعنى أدق “البوظة”.

وفي مشاهد “البوظة” هذه ظهرت الجوزة باستحياء شديد، مرت على الشاشة مرور الكرام.. لم تحاول أن تكيّف أحداً.. هذا المرور العابر كان ارهاصة لما هو قادم، لتبني شعار الدنيا جوزة وكأس.. تمهيداً لغزو الشاشة بالجوزة ولوازمها.

انهيار الجدار

والواقع أن المناخ كان مناسباً فالمخدرات كانت قد اتسعت قاعدتها بانتشار الغرز، وبامتداد تعاطيها إلى أوساط المثقفين.. وللمرة الأولى في تاريخ الأدب العربي المعاصر غامر كاتب كبير بكسر جدار الخوف.. فسجّل في قصة طويلة سهرات شلة أنس مع الجوزة داخل عوامّة أو غرزة يوماً فيوما “ثرثرة فوق النيل” (1966).. وبلغة المنتجين والموزعين، الجمهور كان “عاوز كده” أي كان يريد أن يرى الانحلال على الشاشة صنوفاً وألواناً، والدليل “أبي فوق الشجرة” (1969).. وذلك الاقبال منقطع النظير على مشاهدته لا لشيء سوى أن راقصة البحر، وكل البحار “نادية لطفي”.. قد ازدحمت الشاشة بجسدها عارياً نهباً لقبلات لو وزعت على أفلام الموسم وكل موسم لنفدت الأفلام قبل أن تنفد قبلات الجسد العاري.

السد الواطي

 عائق وحيد كان يقف سداً مانعاً أمام تسلل الجوزة ومساطيلها… الرقابة العامة بتعليماتها العتيقة التي ترجع إلى العهد البائد، والتي لم تكن تسمح لأحد بأن يرفع الكلفة ويظهر المناظر الخاصة بتعاطي الكيف.. وكان لابد من فعل شيء. لابد من هدم سور الرقابة من وضع حد لحالة اللاشرعية التي كانت منها الجوزة تعاني.. وكان الحل هو “ثرثرة فوق النيل” أن تبدأ الغرزة بها، كيف؟

قصة “نجيب محفوظ” بطلها “أنيس زكي” (عماد حمدي) وليّ أمر العوامة الغرزة أو حسب كلمات شلة الأنس “وزير شئون الكيف”.. وشخصيات الشلّة من الرجال جميعاً وبلا استثناء عدمية منحلة.

“أحمد نصر”موظف” شيء لا يقدم ولا يؤخر في الحياة”.

“مصطفي راشد” محام يجد ملاذه في التأمل المسطول.

“على السيد” ناقد خنزير ووغد كبير.

“خالد عزوز” كاتب وجد مهربه في الجوزة والجنس والفن الهلامي.

“رجب القاضي” يمتهن الجنس بلا عقيدة ولا مبادئ… أما نساء الشلة فأكثر انحطاطاً.

“سنية كامل” (نعمت مختار) زوجة فاجرة تمارس تعدد الأزواج.

“ليلى زيدان” (سهير رمزي) مترجمة شقراء رائدة جنس متهافتة مدمنة.

“سناء” (مرفت أمين) جامعية عبثية لا تنتمي لشيء.

الشخصية الجدية الوحيدة وسط دخان الجوزة وكركرتها كانت الصحفية “سمارة بهجت” “ماجدة الخطيب”.. ومع ذلك فبعد لحظة الحقيقة، وبعد أن شاركت في حادث قتل فلاح بسيارة “رجب” (أحمد رمزي) التي كانت تستقلها ليلاً مع شلة العوامة.. وبعد أن ضعفت، فلم تبلغ عن الجريمة متواطئة في مؤامرة الصمت… وبعد ذلك كله أصبحت هي الأخرى لا تصلح لشيء… أصبحت كسواق الجوزة وليّ النعم نصف ميتة… نصف مجنونة…

أهلاً بالمعارك

 الأكيد إذن أن قصة بشخصيات كهذه كلها مسطولة هاربة في الادمان والاوهام الكاذبة، لا يجرؤ رقيب على الترخيص لها بتدنيس حرمة الشاشة البيضاء…

والأكيد.. الأكيد.. أنها لو بقيت في السيناريو المعدّ عنها بالنهاية التي إرتاها “نجيب محفوظ”.. أي انحدار الجدية أمام فقدان المعنى، وانهيار الايجابية أمام صور الانحلال والسلبية لما كتب لفيلم “ثرثرة فوق النيل” أن يرى النور.

إذن.. كان لابد من البحث عن مخرج.. أين؟

القصة كتبت سنه 1966 أي قبيل زلزال هزيمة الخامس من يونية (حزيران).. وقائعها عبارة عن رحيل داخل جلسات محورها الجوزة بطقوسها، بأحجارها.. كيف تكرّس، ترص، تبكر.. وعلي الأوغاد والمنحلين والمدمنين.. كيف تدور.. من يقرؤها بامعان يستشف أن أفراد المجتمع-“والقصة عبارة عن نقل فوتوغرافي لواقعه”- جميعاً ضائعون، بلا أمل منهزمون.. وأن ثمة كارثة قادمة ليس لأحد منها نجاة.

وطبعاً، وبحكم أن القصة سابقة على الزلزال، فهي لم تعرض له، ولا لما أعقبه من حروب استنزاف وعبور وما بعد عبور وأخطر ما فعله سيناريو “الثرثرة..” بالقصة هو أنه خرج بوقائعها من زمن ما قبل الخامس من يونية إلى زمن تال له زمن حرب الاستنزاف.

وغيّر المخطط العام لها تغييراً جذرياً بأن أحدث انفصالاً بين سواق الجوزة “عماد حمدي” والصحفية الجادة “ماجدة الخطيب” من ناحية، وبين باقي أفراد الشلة المنحلة من ناحية أخرى.. وهذا الانفصال بدأ قريباً من نهاية الفيلم، باستصحاب الصحفية سواق الجوزة إلى جبهة القتال بالقنال. حيث تحول السواق بسحر أرض المعارك والأبطال إلى مناضل تنتهي به الزيارة ومعها الفيلم صائحاً مردداً: ـ  “الفلاحة ماتت.. ولازم نسلّم نفسنا”.

وهكذا وحدّ صاحب السيناريو بين ممارسات الجوزة ودورانها على المساطيل وبين الدعوة إلى مقاومة العبث بالعودة إلى الإيمان رغم الادمان، عن طريق الالتحام مع المحاربين البواسل على ضفاف القناة!!

وبذلك ضرب عصفورين بحجر واحد، ضمن للفيلم أن يدور حول جوزة تدور دون أن تثور الرقابة.

وضمن له الحماية لأن أي منتقد سيتهم بإثم خيانة أولادنا في الجبهة!!.. والأخطر أن اخراج الفيلم سلمت مقاليده إلى “حسين كمال” صاحب “أبي فوق الشجرة” فكان أن استبدل الجوزة بالجسد العاري.. وكان أن ملأ الشاشة بها وبدخانها بدءًا من لقطات العناوين.

وكان أن فتح الباب على الواسع لسينما من لوازمها الجوزة والمساطيل، في مشاهدها سحر الفص المذاب ومساء الجمال.

الممنوع مشروع

 وإلى هنا كان المتوقع أن تنتهز الجوزة فرصة انفتاح الباب بالثرثرة (1971) وتدخل عالم السينما بلا حساب.. ولكن الشيء الأكيد أنه، ورغم هذا الانفتاح، ورغم نجاح ثرثرة “حسين كمال”.. ظل أنصار الجوزة في السينما مترددين، متخوّفين لا يعرفون إلى أين ستجرهم الجوزة ولا حجم المفآجات التي تنتظرهم مع سيف الرقابة؟

وهنا، وبسبب لا أعرفه وقع غير المتوقع.. أصدر وزير الأعلام والثقافة في 28 من أبريل قراره الرقيم 220 لسنة 1976.

قبله كان اظهار المناظر الخاصة بتعاطي المخدرات أمراً ممنوعاً! أما بعده فقد أصبح الممنوع مشروعاً لا قيد عليه ولا شرط سوى شرط يتيم.. ألا يوحي ظهور تلك المناظر على الشاشة بأن التعاطي شيء مألوف.

وهكذا أصبح لقعدات الحشيش بكل لوازمها من جوزة وخلافه حق الظهور.. وكل مخرج وشطارته.

وكان “حسام الدين مصطفى” أشطر المخرجين، فبه بدأت الموجة الجديدة المستفيدة مما أباحه القرار التاريخي.

وأول فيلم له بعد القرار “حكمتك يارب” يبدأ بمقدمة تشير إلى وقائع الفيلم اللاحقة.

فأمامنا قطيع من الجمال يساق عبر أهم شوارع القاهرة وميادينها حيث تعيش نعيمة “سهير المرشدي” بنت السلخانة التي تخرجت في كلية الحقوق وكرست عملها وثقافتها لخدمة أولاد البلد، أهل حيها ومصدر عزها.

وأم نعيمة “سناء جميل” المعلمة مهربة المخدرات صاحبة القلب الكبير التي تحيا وتموت من أجل وحيدتها العزيزة الغالية.

“وزكي قدره” (عادل أدهم) الفتوة الذي يحشو بالمخدرات بطون الجمال، ولا يهوى سوى الجنس والمال.

وفي مواجهة المذبح بفتواته وفتياته، بمعلميه ومعلماته، يقف رجل المباحث “حسين” (حسين فهمي) ابن الباشا وحيداً منتصراً للحق والفضيلة، للمساواة والحب.

ومن خلال هذه الأنماط المستهلكة تتصاعد أحداث كلها افتعال مثل اصابة “أم نعيمة” بالخرس عقب ضبطها متلبسة والقاء القبض عليها.

ومثل صعود روحها إلى بارئها، وهي جالسة في قفص الاتهام وراء القضبان باسمة كما القديسات.

وأهم ما يلاحظ على هذا الهراء المحطم للقلب ليس الجوزة التغزل فيها عن طريق قعدات المعلم “قدره” وقفشاته التي يهتز لها الجمهور طرباً.

لا..إنه شيء أخطر من ذلك بكثير نجده متكرراً لازماً فيما هو آت من أفلام . أنه ذلك التعاطف مع المعلمة تاجرة المخدرات بمحاولة رسم شخصيتها وكأنها من النساء الصالحات.

“فشقاوة” (صفيه العمري) في أسوار المدابغ ( 1984) معلمة تدير غرزة، تجئ لزبائنها بالكيف يتحول بهم إلى مساطيل يهيمون في الملكوت.

ومع ذلك فهي، ومن دون كل نساء الفيلم الوحيدة الشهمة صاحبة القلب الكبير.

أما كيف حدث هذا التخليط؟ ولماذا؟ فعلم ذلك عند صانعي الفيم وحدهم دون أحد سواهم.

الأمن والأمان

 وفي مطلع الثمانينات، استمر الفيلم – الجوزة متمدداً على السينما المصرية، لا يجرؤ أحد على المساس به.

انتقلت الكاميرا إلى “الباطنية” حيّ تجار السموم.

وللمرة الأولى زيّنت شوارع مدن مصر الملصقات تطل منها “نادية الجندي” في فيلم “لحسام الدين” على المارة محتضنة جوزة، تدخنها في أمن وأمان.

وبدأ تقليد جديد أن يتغزل الفيلم في سواق الجوزة “حميدو” (سيد زيان) الشاب الناعم الذي يقوم على خدمة القعدة، وأن يتغزل “حميدو” بدوره في الجوزة.. يدلعها متغنياً بفضائلها “السلخانة”(1981) بطولة “سمير صبري”.

ولأن بقاء الحال من المحال.. فقد بدأ الجمهور يملّ.. بدأ اقباله يقلّ على أفلام جوهرها الغرزة والجوزة كيف تدور.. آية ذلك فشل “الراقصة والطبال” رغم أن “عادل أدهم” و”نبيلة السيد” لا يظهران في أية لقطة إلا والجوزة معهما يداعبانها في حنان.. وفشل “أسوار المدابغ” رغم أنه يبدأ بالجوزة.. وبعد رحلة طويلة معها ومع الكأس ينتهي بالشقي “حسين فهمي” مقتولاً أمام غرزة شقاوة المرأة الطيبة الشجاعة.

حقاً لا تزال هناك أفلام من هذا النوع الفاسد المفسد في الطريق إلى دور العرض وأجهزة الفيديو… وقد يكتب لبعضها النجاح كفيلم “حتى لا يطير الدخان” لا لسبب.. سوي قيام “عادل امام” والجوزة معه بأداء الدور الأول فيه.

وعلى كُلٍ، فالقدر المتيقن أن موجة انفتاح السينما على المخدرات في انحسار… وأن هذه السينما في سبيلها إلى الاندثار.. إلى أن تكون ماضياً أقرب إلى العار…

السينما بين فاطمة وليلة القبض عليها وكارمن ويوم قتلها

إذا كانت 1984 سنة “اورويل” ونبؤته السوداء، فهي بالنسبة للسينما المصرية سنة الكلام عن “فاطمة” وساحات القضاء، وبالنسبة للسينما العالمية سنة “كارمن” المرأة الحرة المرة ومأساة الرجال معها.

الثابت أن الأحداث السينمائية عندنا قد بدأت في ساحة القضاء بطعن “لنادية الجندي” ضد حكم لمحكمة القضاء الإداري رفعته أمام المحكمة الإدارية العليا طالبة فيه الحكم بالافراج عن درّتها الحبيسة “خمسة باب”.

ومن بعده بادرت نقابة السينمائيين إلى إقامة دعوى أمام محكمة جنح عابدين طالبة فيها الحكم بمصادرة فيلم أمريكي عن “السادات” أينما كان ومعاقبة المسئولين عن إنتاجه في هوليوود أشدّ عقاب.

ثم بادر نفر من المحامين إلى إقامة دعاوي كثيرة أمام القضاء الجنائي بطول مصر وعرضها طالبين في غضب الحكم بالقبض على “الافوكاتو” حياً أو ميتاً ومجازاة كل من أسهم في تمويله وإنتاجه وإخراجه وتمثيله ولو بنصيب قليل.

زوبعة الفنجان

وما أن هدأت هوجة التقاضي هذه أو كادت إلا وكانت السحب تتجمع داكنة منذرة بزوبعة قد يطلق عليها المؤرخون “زوبعة  الخادمة ” (نادية الجندي).

إذن فالسينما على أرض مصر كانت مشغولة طوال 1984 بالكرّ والفرّ في ساحات القضاء وبزوابع نادية الجندي وجبروتها (يلاحظ أن السنة تنتهي بفيلم لها اسمه “جبروت امرأة” وأن سنة 1985 قد تبدأ بفيلم آخر لها أطلقت عليه اسم “طماطم والبلطجي”.

وعلى كُلٍ، فما تقدم ذكره من أحداث غريبة لم يكن وليد صدفة، فليس في عالم السينما شيء اسمه المصادفة.

ذلك أنه من المسلمات أن كل سبب مسبب وأن لكل معلول علة.

ومن ثم فهذه المشاحنات والزوابع إن هي إلا إفراز السينما المصرية وثمرة مصدرها وعجزها عن مسايرة روح العصر.

حكمة مجرب

ورغم ما تقدم فثمة ظواهر إيجابية في رحلة السينما عبر 1984 لعل أهمها أن تعود “فاتن حمامة” إلى الشاشة في فيلم “ليلة القبض على فاطمة”.

وعن تمثيلها في هذا الفيلم والجهد الذي بذلته – وهو جهد عظيم – لتغطية ثغرات الضعف والركاكة في القصة والسيناريو والحوار نذّكرها بما كان يقوله المخرج الراحل “عبد الرحيم الزرقاني” للممثل إذا ما أحسن أداء نص لا قيمة له.

كان يقول له ناصحا: “احسنت.. إلا أنك نفخت رئتيك في باطل”. وأن تتاح الفرصة لسمير سيف أكثر مخرجي الجيل الأول المتخرج في معهد السينما عشقاً للفن السابع ومعرفة بقواعده وأصوله كي يخرج ثلاثة أفلام أهمها ولاشك “آخر الرجال المحترمين”.

وحكاية آخر أفلام “سيف” – وهو فيلمه التاسع – مستوحاة مما يحدث كل يوم في القاهرة بعد أن تضخمت فتحولت إلى مدينة بدينة مترهلة تسقط فيها الأحلام وتغتال الزهور.

فلا يمرّ يوم أو بعض يوم إلا ونقرأ نبأ اختفاء طفل أو نسمع خبر العثور على جثة طفلة مشوهة بين الخرائب والأطلال.

وتمرّ الأيام ويصبح الطفل المفقود أو الطفلة المقتولة نسياً منسياً.. يهمل شأنها وكأن شيئاً لم يحدث.

من هذا المخزون الهائل من الفواجع المنسية اختار كاتب السيناريو “وحيد حامد” مادته، تفتق ذهنه عن فكرة نسج من حولها موضوعاً ساحراً ساخراً دبج له حواراً لاذعاً يقطر رقة ومرارة.

ومن خلال مشاهد قصيرة سريعة الايقاع، وبفضل خبرته في التشويق وفي تحريك الممثلين وفي اختيار مواقع الأحداث استطاع المخرج “سيف” أن يقول في نقد المجتمع وأمراضه الشيء الكثير.

حصاد العواصف

ومن اللازم هنا – ونحن في مجال الكلام عن الايجابيات – التنوية بفيلم المخرج “محمد خان” (الحريف) تمثيل “عادل إمام” و”فردوس عبد الحميد” وذلك لطابعه المتميز وأسلوبه الخاص جداً.

وبفيلمه الآخر “خرج ولم يعد” لخروجه من مهرجان قرطاج متوجاً بالجائزة الثانية ولحصول بطله “يحيي الفخراني” من نفس المهرجان على جائزة أحسن ممثل.

ومن أفلام “1984” التي يجدر الإشارة إليها “بيت القاضي” لجرأة موضوعه بفضل سيناريو مأخوذ عن قصة لإسماعيل ولي الدين أحسن كتابته “عبد الحيي أديب” وأساء إخراجه “أحمد السبعاوي”.

و “أيوب” لنجاح مخرجه “هاني لاشين” في توظيف “عمر الشريف” – وقد دخل مرحلة الكهولة – لأداء دور رجل أعمال يتجرع عبودية الشلل ومرارة الفشل.

و”الأفوكاتو” لابتعاد صاحبه “رأفت الميهي” به كل البعد عن الشكل التقليدي للفيلم الكوميدي ففيه كسر لكثير من مفرداته، هروب من لغة سينما لا تقول شيئاً.. لا تعني شيئاً.. لا تنقل حرارة ولا رطوبة.. هو أقرب إلى الكوميديا المجنونة التي ابتدعها “ميل بروكس” في “الأسرجة الملتهبة” و”فرانكشتين الصغير” و “وودي آلن” في “اخطف الفلوس واجري” و”موز” و”الحب والموت”.

وهذا النوع من الكوميديا يتسم بانفراط مسبحة الحبكة الروائية وبافتقاد الرسم العميق للشخصيات، فضلاً عن الدوران حول شخصية واحدة عدوانية لابد أن ينتهي الفيلم بها فائزة منتصرة.

وهي في “الأفوكاتو” شخصية “حسن سبانخ” يؤديها “عادل إمام”.

فسبانخ وحده دون شريك يطلق النكات والقفشات وبه وحده دون القصة، تتحدد معالم الفيلم بناءً وايقاعاً.

ونظرة سريعة على فيلم “رأفت الميهي” تؤكد أن الخيال حلّق به إلى عالم اختلط فيه الواقع بالحلم.. والممكن بالمستحيل، عالم عجيب وقائعه الغريبة اتخذت وسيلة – ليس إلا – لكشف عالم مجنون.. مجنون.. وتخفيف وطأته بالتعرية له..

المخرج الغائب

وفوق كل هذا يلزم الوقوف قليلاً عند الفيلم التسجيلي “انقاذ” لصاحبه المخرج الشاب “مختار أحمد حسن”.. لماذا؟

لأنه عندي الفيلم الذي أنقذ سمعة السينما المصرية في مهرجان قرطاج من عارالسقوط. فلولاه لما فازت أقدم وأقوى سينما في الوطن العربي بأية جائزة كبرى ذات قيمة. ولخرجت من المولد تجر أذيال خيبة الدخان الذي لا يطير.

ومع ذلك فعندما نودي على المخرج الشاب كي يسلم جائزة “التانيت الذهبي” لم يصعد إلى المنصة أحد. ساد صمت الانتظار طويلاً. وإذ بموظف إداري من العاملين بوزارة الثقافة يصعد الدرجات مزهواً لاستلام الجائزة نيابة عن المخرج الغائب وتساءل الحضور لماذا؟

وكانت الإجابة أن صاحب “انقاذ” متخرج في معهد السينما حديثاً. وأن أمثاله لا مكان لهم في المهرجانات.

وقد تبين بعد ذلك أن المخرج الغائب ذهب إلى المسئولين الإداريين بالوزارة المذكورة مشاغباً مطالباً بحقه في مرافقة فيلمه إلى قرطاج.

ولكن أحداً لم يعره التفاتاً وبدلاً منه ونيابة عنه سافروا وأضاعوا عليه فرصة العمر أن يتلقى بيديه الجائزة الذهبية. أن يندهش – ومن شدة الفرح – يحتضن المستقبل.

والمخرج الغائب يعرض فيلمه لمأساة انهيار المباني القديمة وتوفير السكن لمن أصبحوا معذبين بلا مأوى.

و “إنقاذ” يبدأ بانهيار منزلين ثم القطع على عناوين الصحف تشير إلى عدد الضحايا. ومع خلفية موسيقية تتحرك الكاميرا صامته تتجول بين أنقاض المنازل المنهارة وأطلال الوجوه المشردة. ومنها تنتقل إلى الخيام التي أصبحت لهم مأوى بل قل جهنم وبئس المصير.

وفي الدقائق العشر التالية الباقية من “انقاذ” تطرق آذاننا أصوات آتية من خارج الكادر تحمل شكاوى النساء والرجال ممن تم ترحيلهم إلى منازل أقرب إلى الكهوف شيدت في منطقة جبلية نائية تتقطع أنفاس الناس كلما تسلقوها صعوداً إلى حيث المستقر الأخير.

خلاصة الخلاصة أذن أن السينما المصرية سنة 1984 في وضع مهزوز، الجيد من أفلامها قليل يعد على أصابع اليد الواحدة لم ينقذ سمعتها سوى فيلم قصير من أربع عشرة دقيقة فقط لا غير.

والأفق خال من أيه مؤشرات على أنها بمستطيعة في المستقبل القريب على تجاوز الغوغائية والتحرر من داء الاستسهال وبكل تأكيد فهي بدون هذا التجاوز والتحرر لا تستطيع أن تفتح فتحاً عظيماً أو تنجز إنجازاً يترك أثراً…

ظاهرة كارمن

فإذا ما انتقلنا إلى السينما العالمية فسنجد أنفسنا أمام ظاهرة عجيبة تستوجب الوقوف والتأمل.

مع بدايات 1984عرض للمخرج السويسري “جان لوك جودار” فيلم “الاسم الأول.. كارمن” بعد ذلك بأسابيع قليلة عرض للمخرج الأيطالي “فرانشسكو روزي” فيلم تحت اسم “كارمن” فإذا ما تذكرنا إنه – قبل ذلك بأشهر معدودة – عرضت أربعة أفلام تدور حول كارمن لوصل عدد الأفلام المستوحاه من مأساتها خلال أقل من عام إلى ستة أفلام.

ومن هنا لا يملك المرء إلا أن يتساءل لماذا كارمن؟ لماذا هذا التهافت من قبل السينما العالمية على حكاية هذه المرأة بالذات؟

لماذا يقبل أربعة من ألمع مخرجي أوروبا وأكثرهم موهبة “كارلوس ساورا” من أسبانيا و “روزي” من إيطاليا و “جودار” من سويسرا و “بيتر بروك” من “انجلترا” على سيرة هذه الغجرية من الأندلس يستلهمون وحي الابداع؟

بل لماذا يصل الأمر بأحدهم “بروك” إلى حد أن تشتبك حياته بحياة غانية اشبيلية، فتذهب به الخيالات مذاهب شتى تدفعه إلى أن يخرج في وقت واحد ثلاثة أفلام عن سحرها كيف يستحوذ على الرجال؟

هل كل هذا لأنها امرأة حرة تسمع صوت القلب، لا تحيد عما يرغب ويريد. ومن هنا وقفة الاعجاب بها والتأييد؟ أم لأنها امرأة مرة تندفع وراء نداء الجسد بشهواته ولذاته. ومن هنا الخوف من بهيج السموم وضرورة التحذير؟ أم لأسباب أخرى لا علاقة لها لا بذاك ولا بهذا؟

بداءة من هي هذه الغانية اللاهية ملهمة المخرجين الأربعة الكبار؟ ما حكايتها؟

الحب والموت

لو رجعنا إلى ما كتبه عنها الأديب الفرنسي “برسبير ميراميه” في أقصوصة تحمل اسم “كارمن” لما وجدنا أنفسنا أمام شيء كثير جدير بالذكر، فالأقصوصة تدور حول غجرية ساحرة أو فاجرة تدفع عسكرياً “دون جوزيه” إلى أن يجرع مرارة حبها معصورة من قلبه، تمتلكه حتى تكاد تسلخه عن نفسه، تثير فيه الغيرة إلى مدى يدفعه إلى حد اختيار الخلاص منها قتلاً.

فإذا ما انتقلنا إلى الأوبرا المستوحاه من الأقصوصة كما كتب كلماتها “هنري ميلهاك” و “لود فيك مالفر” وأبدع ألحانها الموسيقار الفرنسي “جورج بيزيه” لصادفنا عملاً فنياً كبيراً بفضله تحولت “كارمن” إلى رمز مزدوج للحب والموت ثم إلى أسطورة غرام وانتقام.

سحر الأصالة

نحن في “اشبيليه” بأزقتها البيضاء الضيقة الملتوية، شذاها تتشربه المسام الجدران تشع أصالة وقدماً، الجو مشبع بأنغام الفلامنجو والحب وحطام الأحلام.

أمام مصنع تبغ، العاملات يتسكعن مستعرضات المفاتن، يدخن، يتبادلن عبارات الغزل مع فتية لا حديث لهم ولا سؤال إلا عن أكثرهن صيتاً، الكارمنسيتا “الغجرية”.

وما أن تظهر إلا ويتدافع من حولها الفتية اشتياقاً واشتهاءً.

ولكن أحداً منهم لا يثير، لا يطير بها هياماً إنها جميلة تعرف أنها جميلة.. مرغوبة تعرف أنها مرغوبة إلا من العسكري “دون جوزيه” الوحيد المتعالي الذي لا يسعى إلى جمالها يحييه.

إذن لابد من إشعال النار في قلبه، من جعل أنفاسه ملتهبة راقصة مع أنفاسها .. كيف؟

هنا تنطلق حنجرتها بكلمات أغنية “الهابانيرا” الشهيرة – وهي المفتاح لفهم شخصيتها – “الحب طير متمرد، ما يعرف الحدود ولا القيود، إن كنت ما بتحبني، باحبك، وإن حبيتك ياويلك”.

ومع نهاية هذه الكلمات الطلقات تلقي إليه بوردة حمراء تغري بها القلب، تجعله يهيم ويستسلم، يشتعل ويذوب.

مجنون كارمن

وتبدأ المحنة فبعد أن قطف “دون جوزيه” الثمرة المحرمة، تذوق حلاوتها، يريد من التي ألهته عن واجبه، صرعته، يريد منها أن تبقى رفيقة الحياة حتى نهاية العمر.

ولكن هيهات لقد غاب عنه أنها امرأة متقلبة، لا تستقر على حب واحد، تستبدل الرجال كما تستبدل حذاء بحذاء.

وفي ختام الأوبرا يصل به الهوان إلى حد استعطافها، تسول حبها بعد اتهامه لها بخيانته مع مصارع الثيران “اسكاميللو”.

فإذا ما تهدّدها بالموت، سخرت منه غير مبالية متحدية. “كارمن لا تركع أبداً.. كارمن ولدت حرة، وحرة تموت”.

ثم اندفعت إلى حيث عشيقها الجديد في حلبة المصارعة ينازل الثور منتصراً.

يغلي الدم في عروق العاشق المهووس، يقطع الطريق عليها، يغمد خنجره في قلبها، يلقي بنفسه على جسدها الذي تبخرت منه الحياة منتحباً صائحاً: “آه كارمن.. كارمن حبيبتي”. باختصار هذه هي الحكاية.

وعندما ووجه “ساورا” المخرج الأسباني الذي بدأت به حمى “كامن” في السينما بنفس السؤال السابق طرحه في البداية “لماذا كارمن”؟ جاءت إجابته سريعة قاطعة “ولم لا؟”

“أنها حكاية تقطر جمالاً، يمتزج فيها سحر الأندلس بعطر الفن.”

الأسطورة والواقع

فمنذ أن كنت صغيراً واسم كارمن له عندي دلالة خاصة، لا أعرف لماذا كنت أتخيله مرتبطاً بصورة فتاة أندلسية شعرها الفاحم ينسدل محيطاً بوجه خمري تزينه شفاه ممتلئة وعيون كعيون المها.

كنت وأنا تلميذ عندما أسمع “كارمن” أتصورها فتاة رائعة الجمال، قوية الإرادة.

الآن كبرت الفتاة، أصبحت امرأة كاملة الأنوثة، تسكن عالم الأساطير.. لها فيه ما “لفاوست” من منزلة ومقام وما “لدون جوان من سلطان”.

أما المخرج الايطالي “روزي” فقد تصورها امرأة جمالها لا يلفت الأنظار. تفيض أنوثة، تشع سحراً غامضاً، تغير على حريتها، تعتبر أي مساس بها مساساً بكرامتها. وفوق هذا فهي بحكم طبعها الشرس المتميز، تدفع بالرجل الذي يهيم بها إلى الثأر لكرامته الجريحة بقتلها.

وللمخرج العبقري “جودار” رؤية لكارمن خاصة جداً إنها عنده أسطورة أنثوية كبرى.

وعنها يقول: “أشعر أن كل واحد منا يعرف حدوته “كارمن” ولكن أحداً لا يعرف ما حدث بين “دون جوزيه” و “كارمن” بالتفصيل.

الكل يعرف كيف بدأت الحدوتة وكيف انتهت ولكن أحداً لا يعرف الوقائع متسلسة من البداية وحتى النهاية بحدثها الفاجع.. إذا كانا في المطبخ معاً فماذا قالا، وإذا كانا في السيارة فماذا دار بينهما من حديث.

ومهما يكن من أمر فالمشهور المذكور عن كارمن في فيلم “جودار” الحاصل على الجائزة الكبرى لمهرجان فينيسيا، إنها فتاة عصرية تلبس البلوجينز، تغري من يسكر بنشوة حبها بسرقة المصارف، بارتكاب أشياء أخرى تسحبه إلى طريق تحف بها المهالك.

الحيرة والخوف

يبقى المخرج الانجليزي “بروك” لقد ذهب مع كارمن بعيداً… فصنع لها أفلاماً ثلاثة لأنه كان حائراً كيف يرسم شخصيتها، أي وجه لها يختار، أيرسمها امرأة مدنسة بالجنس تعيش به وله، أم امرأة تعشق حريتها لا تقبل لها بديلاً، أم امرأة ترمز إلى القدر المحتوم.. استسلام الحب للموت على الدوام.

والآن عود إلى نفس السؤال الذي مازال يبحث عن إجابة.. لماذا  كارمن؟

في اعتقادي أننا لو تأملنا الجو الفكري والنفسي العام الذي جرى فيه إخراج أفلام “كارمن” الستة وغصنا في الأعماق لتكشف لنا أنه جو مشحون بالتخوف من تحرر المرأة، بالشعور إن خطأً أو صواباً بأن هذا التحرر إيذان بأن وقت أفول مملكة الرجل قد حان.

فكارمن، كما هو معروف، نموذج بارز للمرأة المتحررة المميتة.

رمز يرتكز على مبدأ أساسي هو أن الرجل ضحية المرأة. أسطورة تشير إلى الجحيم القديم الذي ينتظر أدم فيما لو عاد الميزان فمال لصالح حواء.

وأغلب الظن أن المخرجين الأربعة – وكلهم رجال – يعانون من عقدة الخوف هذه.

ومن هنا هوس كارمن !!

-رحلة حول فيلم يمجد غزو مصر – الوداع يابونابرت

لو كان عنوان فيلم “يوسف شاهين” القادم “إلى الجحيم يا بونابرت” بدلاً من “الوداع يا بونابرت” لاطمأن القلب فالوداع كلمة لا تُقال عادة إلا لمن كان عزيزاً على النفس، فراقه يُعذب القلب ويُضني الفؤاد.

وبونابرت لم يُفلح في كسب حب العرب.. لا عرب مصر، ولا عرب الشام.
توقع الترحاب.. أن تتكرر مشاهد الأفراح في إيطاليا التي احتفلت به غازياً مُحرراً. أن يُقابل هو وجنده وعلماؤه من الشعب العربي في القطرين بالأحضان والورد والريحان. ولكن ما أن نزلت قواته على الساحل المصري إلا وخاب ظنه وتبخرت أحلامه.

قاومت الإسكندرية وعَبّرت عن مقاومتها تحت قيادة حاكمها السيد/ محمد كريم- وهو من الأشراف- كتب بونابرت في تقرير مرفوع منه إلى حكومة الإدارة، “أن كل بيت كان قلعة” و”أن هذه الأمة تختلف كل الاختلاف عن الفكرة التي أخذناها من رحلاتنا. إنها أمة هادئة، باسلة، مُعتزة بنفسها”.

وكتب “ميييه”- وهو جندي اشترك في الهجوم على المدينة- في مذكراته: “ظننا أن المدينة استسلمت وشدّ ما أدهشنا أن ينهال علينا رصاص البنادق ونحن نمر أمام أحد المساجد، فأمرنا قائد اتفق وجوده هناك أن نقتحم باب المسجد ولا نُبقي على أحد فيه. وهكذا هلك الرجال والنساء والأطفال بحد السناكي”.

قصة المدينتين

قاومت القاهرة. وعن مقاومتها يقول “الجبرتي”: صعد “عمر مكرم” إلى القلعة فأنزل منها بيرقاً كبيراً سماه العامة البيرق النبوي، فنشره بين يديه من القلعة إلى بولاق، وأمامه وحوله الآلاف من العامة بأسلحتهم التي هبّوا ليقاوموا بها الغزاة.
وكتب “مالو” أحد أعضاء اللجنة الخماسية التي أناط بها بونابرت مهمة الإستيلاء على المدينة “أنه لما هبط الليل دخل الضباط الخمسة القاهرة تحرسهم سريتان من المشاة على عزف الموسيقى. وكان سكانها 300.000 نسمة. ولم نلتق إنساناً واحداً في طريقنا.. ولم يدلنا على وجود الأهالي غير صرخات النساء المتصاعدة من جميع المنازل”.

بداية النهاية

قاومت عكا.. أمام أسوارها كان الاندحار الأول بداية نهاية الطاغية في سهول روسيا وتحت ثلوجها، تتقلص بها إمبراطورية الاستبداد إلى جزيرة صغيرة نائية في المحيط يتذكر منها الإمبراطور الأسير جرائمه، يجتر أحزانه وأشجانه إلى أن يجيئه الموت وحيداً.

تحت أسوار قلاعها الباسلة تهشمت ذراع الجنرال “كفاريللي” اثر إصابتها بقذيفة مدفع تركي.. ما لبث بعد بتره أن أصيب بحمّى شديدة وبدأ يعالج سكرات الموت.
وعندما سأل بونابرت سكرتيره “كيف حال كفاريللي” أجاب “لقد أشرف على نهايته”.

وفي وصف كفاريللي كتب “الجبرتي” “كفرلي المُسّمى بأبي خشبة.. وهو يمشي بها بدون معين ويصعد الدرج ويهبط منها أسرع من الصحيح، ويركب الفرس ويرمحه وهو على هذه الحالة، وكان من جملة المُشار إليهم فيهم، والمدبر لأمور القلاع وصفوف الحروب، ولهم به عناية عظيمة واهتمام زايد..”

الأعرج والأعور

وحول هذا الجنرال العالم الأعرج تدور أحداث فيلم يوسف شاهين وجوداً وعدماً. وهنا- ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين- لا يسعني إلا أن أتذكر جنرالاً عالماً أعوراً لعب هو الآخر- وبعد مُضي زُهاء قرنين من عمر الزمن على حملة بونابرت- دوراً مُشابهاً كدور كافاريللي في بر مصر والشام.. هذا الجنرال العالم اسمه موسي ديان.

ويوسف شاهين في فيلمه يحاول أن يرد الاعتبار إلى هذا الجنرال الذي كان موته بعد بتر يده تحت أسوار عكا إيذاناً باندحاره وتراجعه مع فلول جيشه المهزوم من الشام إلى القاهرة، وبانحسار مد الاستعمار الفرنسي في المشرق العربي- ولو إلى حين.

أهلاً بالاستعمار

ومما يؤيد أن رد الاعتبار هو القصد من الفيلم الذي هو انتاج فرنسي مصري مشترك ذلك الحديث الخاص المنشور في مجلة “اليوم السابع” “الإثنين 10 أيلول- سبتمبر 1984”.
ففي هذا الحديث وجّه “خميس الخياطي” إلى “يوسف شاهين” السؤال الآتي: “عنوان فيلمك هو “الوداع يا بونابرت” ولكن عند قراءة السيناريو كان بالإمكان تسميته “أهلاً بكافاريللي” لماذا أهملت قليلاً شخصية بونابرت؟”

وعلى غير عادته جاءت إجابته واضحة صريحة إذ قال “هذا طبيعي.. فالاستقبال الحسن ليس موجهاً لكافاريللي فقط بل لكل إنسان لا يأتي إلى بلدي بنية احتلاله، اغتصاب فكره أو استعماره، بل يأتي ليُقيم معي علاقة شاملة، علاقة عطاء وأخذ.

أرى أن العلاقة المستحسنة بين بلدين هي القائمة على هذه النظرة حتى وإن مرا في مرحلة المُستَعمَر والمُستَعْمِر.. علاقة التَسّلط هذه قصيرة.. فالشيء الذي لا يأتي عليه الزمن هو التفاهم القائم على الحب. فعندما تنظر إلى الحروب القائمة حولنا والكراهية المهيمنة على العالم تعرف ما هي قيمة الحب الحقيقية”.

العطاء الكبير

إذن هذا الجنرال المُدبر لأمور القلاع وصنوف الحروب، والذي تعتني به الحملة عناية عظيمة وتهتم به اهتماماً زائداً. والذي بدأ بموته تحرر العرب شواماً ومصريين من رقة الاحتلال الفرنسي- هذا الجنرال في رأي يوسف شاهين قد جاء إلى الوطن العربي لا بنية الاحتلال، وإنما بنية إقامة علاقة شاملة.. علاقة عطاء وأخذ مع العرب.

وعطاء كافاريللي أو بمعنى أصح الحملة الفرنسية لنا هو العلم.. رفع المُعاناة عنّا نحن العرب الأجلاف بنشر المعرفة وفلسفة التنوير بين صفوفنا بإدخال المخابز.. المطابع.. طواحين الهواء.. وما إلى ذلك من عجائب الغرب وغرائبه.

ومقابل هذا العطاء لا يريد كافاريللي سوى الحب. فهو وفقاً لسيناريو الفيلم كما قرأته في نسخته الفرنسية التي لم يجر تسليمها إلى الرقابة المصرية إلا بعد الإنتهاء من تصوير المشاهد الخارجية.. رجل عاشق لمصر.. متغزل بها وبسواد عيون غلمانها.

وبينما هو يحتضر أمام قلعة عكا قريباً من نهاية الفيلم تنفك عقدة لسانه بكلمات أخيرة تقطر بحب مصر.. وحب الوسيم “علي” أحد أبنائها المتفرنسين.

وطبعاً الحقيقة التاريخية عكس هذا الهراء تماماً- فكافاريللي- وهو يُشرف على النهاية- طلب إلى “يوريين” سكرتير “بونابرت” أن يقرأ عليه مقدمة “فولتير” لكتاب “مونتسكييه” “روح القوانين” ثم أدركه النُعاس.

وعندما سمع بونابرت هذه الرواية على لسان سكرتيره عقب “عجباً! أراد أن يسمع هذه المقدمة هذا مضحك”!!

التاريخ المُفترى عليه

وافتراء سيناريو “يوسف شاهين” على التاريخ لا يقف عند حد. فهو في الوقت الذي يُركز الأضواء على “كافاريللي” باعتباره إنساناً وهاباً لخير المعرفة والعلم، كارهاً للحرب، صانعاً للسلام. لا يخشى أن يُفصح عن حبه حتى ولو كان من نوع الحب الشاذ المستحيل.
نجده لا يهتم بمشايخ الأزهر الذين تزعموا ثورة القاهرة الأولى ضد الاحتلال الفرنسي.

فإذا ما استفسر منه خميس الخياطي في محاوراته عن السر في هذا الإهمال لشأن هؤلاء القادة البواسل رغم أن كتب التاريخ تقول أن تلك الثورة نشبت تحت قيادة مشايخ الأزهر مثل الشرقاوي والسادات. إذا به ينسى أو يتناسى أنه اختار بطلاً لفيلمه واحداً من أهم جنرالات الحملة الفرنسية وأكثرهم خطورة في مجال المعارك..

وإذا به يقول: “إننا نبحث دائماً عن البطل. لماذا يجب أن يكون قواد ثورة كاملة وحملة عجيبة أسماء أشخاص مُعينين؟ لماذا لا تكون هذه القيادة جماعية؟

إذا كان لي أن أجيب عن هذا السؤال الآتي من الذي كان نابغة تلك الأيام؟ أقول: لا أحد بالتحديد، كل الناس غرقت نوعاً ما في الخداع.

ولكن الذين خرجوا من ديارهم بدون سبب وماتوا هؤلاء هم الأبطال.

لا يمكن أن أحكي قصة مشوار حضاري من خلال علاقة بين قائدين. بالنسبة لي المسألة أكبر بكثير من كل هذا.. الشعوب التي دفعت الثمن هي التي تهمني.

والجندي المجهول أهم من أكبر قائد.

هؤلاء القادة كانوا مجانين، لذا أدير وجهي عنهم وأهتم بأبطال الحياة اليومية الذين يتحملون شجاعة كل يوم.

فيلمي هو لقاء بين حضارتين لذا عنوانه هو الوداع يا بونابرت.

والتوديع هنا لشخص بونابرت.

إن تبادل العطاء بين المصريين والفرنسيين أهم من شخصيات بونابرت والمشايخ. حصيلة فيلمي هي من أعطى لمن؟.. وماذا أعطاه؟

لقد تغير كافاريللي في الفيلم وعرف أن ما يقدمه قد يخلده. قدّم معرفته لشاب في سن السابعة عشرة ولكنه مُتحضر ويحب معدات علم الفلك.

وعندما يعرف “علي” أن كافاريللي قدّم له شيئاً ثميناً يشكره بقوله “لقد كنت أستاذاً طيباً” فَيُجِيبُه كافاريللي “سيدي أنت متواضع” ذلك لأن كل واحد قدّم شيئاً للآخر.

الشيء الذي أريد أن أقوله هو ليس في إمكان أحد أن يعيش في معزل عن الآخر. وأول ما يلاحظ على هذه الإجابة الطويلة جداً أنها جاءت منطوية على تناقض صارخ. فهو فيها يعترف بأهمية دور الفرد “كافاريللي” وينكرها في آن واحد.

نوم العقل

وهذا التناقض يرجع إلى كون عقل يوسف شاهين يتعامل مع الممكنات الذهنية لا مع المعطيات الواقعية.

ففي تصوره، ومن منطلق مفهوم فوضوي، أن التاريخ إنما يتحرك بفعل الجماهير وحدها ودون أن يكون للفرد أدنى دور.

وعلى كُلٍ، ودون الدخول في تيه عقل صاحب “الوداع يا بونابرت”- وهو عقل غير قادر على تدشين قطيعة مع نموذج الاستعمار الغربي وبالذات النموذج الفرنسي المعاصر، فالقدر المتيقن من خلال الاطلاع على كل من حوار “اليوم السابع” وسيناريو الفيلم المطبوع بلغة الفرنسيس أن يوسف شاهين يحاول في فيلمه أن يلتمس للحملة الفرنسية وجهاً حضارياً.

فهو يعتبرها مشواراً حضارياً تم أثناءه تبادل العطاء بين المصريين والفرنسيين. ولست أدري كيف تحولت الحملة الفرنسية إلى مشوار حضاري؟ ما هي العصا السحرية التي أدت إلى هذا التحول المُعجز؟

من المعروف أن الحملة الفرنسية على المشرق العربي لا تختلف من ناحية أهدافها الاستعمارية عن حملات فرنسية مماثلة على الهند الصينية.. الجزائر.. تونس.. المغرب.. وموريتانيا..

فحكومة الإدارة في فرنسا التي أعدت الحملة لم تَقُم بارسال بونابرت وجنده إلى مصر بغرض تحرير المُعذبين على أرضها من نير المماليك أو العثمانيين.. ولا من أجل نشر العلم وفلسفة التنوير.

فأمر هؤلاء المُعذبين ما كان ليدور في خُلد هذه الحكومة الفاسدة المنهارة التي انتكست بالثورة الفرنسية.

الفراغ الحيوي

الذي كان يدور في خلدها ويثير اهتمامها هو أن تحقق بفضل احتلال بونابرت لمصر ومن بعدها المشرق العربي أهدافها التي أفصح عنها “تاليران” في إحدى رسائله السرية إلى سفير فرنسا المعتمد لدى الباب العالي.

“إن جميع تجارة البحر المتوسط يجب أن تنتقل إلى أيدي الفرنسيين”. تلك هي الرغبة الخفية لحكومة الإدارة ثم إنها ستكون النتيجة المحتومة لمركزنا في ذلك البحر. ومصر التي كانت فرنسا تتمنى على الدوام الاستيلاء عليها هي بالضرورة من نصيب الجمهورية. وهذا المشروع الاستعماري كان ثمرة تخمر استمر عشرات السنوات.

نادى به في القرن السابع عشر الفيلسوف الألماني “ليبنز” عرضه على الملك الشمس “لويس الرابع عشر” ودعاه إلى غزو مصر.

ولم تكن هذه الدعوة مُنبته الصلة بالمصالح الاقتصادية. فالدوائر ذات النفوذ داخل البرجوازية الفرنسية وبخاصة كبار التجار وأصحاب السفن في مارسيليا والموانئ الفرنسية الأخرى المطلة على البحر المتوسط كانت- ومنذ زمن بعيد- على صلة قوية بمصر وبساحل الشام.

وفي تقدير “شارل رو” صاحب المؤلف الضخم “أصول الحملة المصرية” “1910” أن حجم التجارة السنوية بين فرنسا ومصر بلغ في منتصف القرن الثامن عشر حوالي خمسة ملايين من الجنيهات.

رواد صهيونية

وليس محض صدفة أن تكون فرنسا أول من طرح بشكل جدي الفكرة الاستعمارية الداعية إلى توطين اليهود في فلسطين. فإبان عام غزو مصر “1798” أعدت حكومة الإدارة خطة سرية لإقامة كومنولث يهودي في فلسطين حال نجاح الحملة الفرنسية في احتلال مصر والمشرق العربي.

وما أن نجح بونابرت في النزول بقواته على أرض مصر إلا وكان قد أصدر بياناً حثّ فيه يهود آسيا وأفريقيا على الالتفاف حول رايته من أجل إعادة مجدهم الغابر وإعادة بناء “مملكة القدس القديمة”.

ثم ما لبث أن وجه نداء آخر أثناء حصار عكا كان مما ورد فيه: “أن العناية الآلهية التي أرسلتني على رأس هذا الجيش إلى هنا قد جعلت العدل رائدي وكفلتني بالظفر. وجعلت من القدس مقري العام، وهي التي ستجعله بعد قليل في دمشق التي يضيرها جوارها لبلد داود”.

وتابع بونابرت نداءه مُخاطباً اليهود باعتبارهم ورثة فلسطين الشرعيين. طالباً منهم مؤازرته والعمل على “إعادة احتلال وطنهم” ودعم “أمتهم والمحافظة عليها بعيداً عن أطماع الطامعين لكي يصبحوا أسياد بلادهم الحقيقين”.

خراب مصر

وقد يكون من المفيد في هذا الخصوص الرجوع إلى ما كتبه المؤرخ الأمريكي “كريستوفر هيرولد” في ختام مؤلفه النفيس “بونابرت في مصر”.

هو يعتقد أن الحملة الفرنسية لم تحقق سوى خسارة الأرواح والخراب. ومصر في رأيه كان مآلها إلى التغيير حتى ولو لم يظهر بونابرت في سمائها.

فآيات الفن وروائعه في الكرنك وما حوله كان مصيرها إلى الكشف حتى لو لم يزحف “ديزيه” “أحد جنرالات الحملة” على الصعيد.

والرموز الهيروغليفية كانت ستفك حتى ولو لم يٌكتشف حجر رشيد إلا بعد الحملة بسنوات. وقناة السويس كانت ستحفر حتى ولو لم يأمر بونابرت بمسح البرزخ.

إذن فالحملة كانت حماقة كبرى ارتكبها بونابرت أو حكومة الإدارة أو الإثنان معاً. ولو نجحت لما كان لها من نفع سوى زيادة ثراء أغنياء فرنسا على حساب فقراء مصر.

ولكن صاحب السيناريو يكابر فيعتبرها مشواراً حضارياً، شراً جلب لمصر خيراً كثيراً.

خلط مقصود

ومن افتراءات صاحب السيناريو على التاريخ أنه يبدأه بأكذوبة كبرى. ففي المشاهد الأولى من السيناريو نرى الأبطال من المصريين- وهم ثلاثة أشقاء أبناء خباز السيد “محمد كريم” حاكم الإسكندرية- نراهم وقد قرروا الهجرة بالعائلة إلى القاهرة وذلك لأن حاكم الإسكندرية كاره للنضال، راغب في الاستسلام.

والواقع أن ما حدث تاريخياً كان عكس ذلك تماماً، محمد كريم قد ناضل ولم يستسلم. وفي النهاية أصدر بونابرت حكماً بإعدامه مع إعطائه فرصة افتداء نفسه بمبلغ 150 ألف شلن. ولكنه أبى أن يدفع الفدية ومن ثَمّ جرى إعدامه رمياً بالرصاص وحُمِل رأسه في الشوارع ليُعرض على الملأ.

والحديث عن الإفتراءات الأخرى على التاريخ لا ينتهي. ولعل أكثرها غرابة وإثارة للدهشة الإيحاء بأن كبار علماء ومشايخ الأزهر قد ذهبوا في التعاون مع بونابرت إلى أبعد الحدود. وبأن ثورة القاهرة في 21 من أكتوبر سنة 1798 قد أخذتهم كما الفرنسيين على غرة وذلك لأنها كانت بقيادة شباب الأزهر والوطنيين من الأقباط “فلتاؤوس” واليهود “إسحاق” صاحب الفندق.

والحق يُقال أن هذه الإفتراءات تُكذبها وقائع التاريخ. فمحاولات بونابرت التقرب من العلماء والمشايخ باءت كلها بالفشل.

فالسيد عمر مكرم انسحب مع المماليك والعثمانيين إلى يافا بفلسطين حيث ظل يرقب الموقف رافضاً عضوية الديوان المعاون لجيش الاحتلال، مفضلاً النفي على مهادنة الغزاة غير عابئ بنهب الفرنسيس داره واستيلائهم على أملاكه وفصله من نقابة الأشراف حيث أحلوا محله خليل البكري أحد الشيوخ المتعاونين.

والفرمان الذي أذاعه السلطان خليفة المسلمين على الشعب ضد الفرنسيين قرأه كل إمام ومؤذن في جميع مساجد مصر. والاحتفالات بالمولد النبوي أقيمت بأمر بونابرت بعد أن قرر الزعماء الدينيون العدول عن الاحتفالات العامة في عام الغزو بسبب تعطيل الأمور وتوقف الأحوال.

شهداء.. لماذا؟

وخلافاً لما توقعه بونابرت شبّت ثورة القاهرة بقيادة الفقهاء المتقين. وقد خص التاريخ بالذكر منهم ستة شيوخ على رأسهم العلامة الفاضل الفقيه الشيخ أحمد الشرقاوي.

اعتقلوا في بيت الشيخ البكري ومنه نقلوا إلى القلعة ليلة الثاني من نوفمبر سنة 1798. وفي صباح اليوم التالي- وبعد أن أدانهم مجلس عسكري في محاكمة صورية- قُطعت رقابهم وماتوا شهداء.

وأخيراً وليس آخراً فالأكيد أن الاستعمار الفرنسي قد عمل كل ما في وسعه لقمع الثقافة الوطنية العربية الإسلامية وتقزيم نموها، محاولاً فرض ثقافته وبخاصة على شعوب المغرب العربي. وكان رد الفعل هو الاتجاه نحو إحياء الثقافة الوطنية تثبيتاً للهوية وحفاظاً على مقومات الشخصية.

والأكيد.. الأكيد أن محاولته هذه قد باءت بالفشل، فلم يستطع تدمير الثقافة الوطنية العربية الإسلامية، ولا طمس معالمها.. لماذا؟

لأنها كانت ولا تزال ثقافة حية لغةً وأدباً وديناً وفكراً، متغلغلة في العقل والشعور.. في الفكر والسلوك.

وفوق ذلك كانت ولا تزال ثقافة الماضي الممجد الحاضر دوماً في الذاكرة مع كل مشاعر الاعتزاز والشجن والحنين المتخذ ملجأ وحمى ضد تهديد الآخر وتسلل الغريب.

وسيناريو فيلم “الوداع يا بونابرت” بحكم جنوحه إلى الإنبهار بالثقافة الفرنسية وتعظيمه لها في مرحلة غزوها الوطن العربي إنما يُضعف من مقاومة الثقافة الوطنية لمظاهر الاستلاب إزاء الغرب.. وهذا أمر ولا شك كريه.