عمارة يعقوبيان أو سينما البساط الأحمر في مهرجان كان

جاء الصيف بحره اللعين، ومع مجيئه بدأت مباريات كأس العالم على أرض المانيا وبدأت تظهر على شاشات السينما بأرض المحروسة الأفلام المصرية المرتهن نجاحهاً تجارياً بالعرض أثناء فصل الصيف. وكانت البداية بفيلمين كان حظهما من النجاح أقل من القليل وهما “زي الهوا” لصاحبه المخرج “أكرم فريد” و”الفرقة 16 إجرام” لصاحبه المخرج حامد سعيد ولم ينقذ السينما المصرية بعد كارثة هذين الفيلمين، من الانحدار إلى ما هو اسوأ، وأضل سبيلاً سوى فيلمين.

الفيلم المفاجأة

أحدهما كان مفاجئاً لكل من شاهده متفرجاً كان أم ناقداً، وذلك لتميزه بروعة الاخراج وحسن الأداء رغم أنه أول فيلم روائي طويل لمخرجه محمد مصطفى وأول فيلم لأبطاله الشبان الأربعة (أحمد حاتم – عمروعابد – كريم قاسم – أحمد حداد) فضلاً عن أن تكلفة انتاجه من الجنيهات لم تتجاوز الثلاثة ملايين، وهو بكل المعايير مبلغ ضئيل.. هذا الفيلم المفاجأة هو “أوقات فراغ”.

أما الفيلم الآخر فهو “عمارة يعقوبيان” لصاحبه المخرج الشاب “مراوان حامد”، وفيما عدا أن “عمارة يعقوبيان” أول فيلم روائي طويل لمروان، شأنه في ذلك شأن “محمد مصطفى” مع “أوقات فراغ”، فيما عدا ذلك، فكلا الفيلمين يختلف عن الآخر في كل شيء.

شباب وشيخوخة

فأوقات فراغ مأخوذ عن سيناريو مبتكر لشاب “عمر جلال” ليس له من العمر سوى عشرين عاماً إلا قليلاً في حين أن سيناريو العمارة استوحاه كاتب السيناريو المخضرم “وحيد حامد” من قصة بنفس اسم الفيلم من تأليف الطبيب الأديب “علاء الاسواني” وعلاوة على ذلك “فعمارة يعقوبيان” من أفلام ما يسمى بالانتاج الضخم ذلك النوع من الأفلام الذي صرف على انتاجه والدعاية له عشرات الملايين من الجنيهات ولعل فيما تقوله أبواق الدعاية له تأييداً لذلك فماذا قالت؟

اعلان في شكل إعلام

قالت، ولاتزال تقول في أكبر حملة دعاية لفيلم في تاريخ السينما بديار مصر، أنه كلف منتجيه مبالغ طائلة، وصلت إلى خمسة وعشرين مليوناً من عزيز الدولارات أي ما يعادل بعملتنا حوالي مائه وخمسين مليون جنيه. ومن بين التكاليف أذكر على سبيل المثال فرش البساط الأحمر لنجوم الفيلم على سلالم قصر العروض بمهرجان كان وعلى العكس تماماً من “أوقات فراغ” جاء “عمارة يعقوبيان” فيلماً متضخماً بالنجوم وليس أدّل على ذلك من أنه في عداد ممثليه وممثلاته يدخل سبعة من نجوم المسرح والسينما والإذاعة والتليفزيون وهم حسب ترتيب الحروف الابجدية (أحمد بدير- أحمد راتب – عادل إمام – نور الشريف – هند صبري – يحيي الفخراني (بصوته) – ويسرا) والفيلم يبدأ بصوت الفخراني دون أن نراه، راوياً تارخ العمارة باختصار.

الحنين لم يعد كما كان

واللافت للنظر فيما رواه عنها بدءاً من تشييدها إبان عشرينيات القرن العشرين أنه ملئ بالحنين لعهد جميل، اطفأت شمعته ثورة الثالث والعشرين.

وفي الساعات الثلاث التالية لذلك الحنين امتزج الجنس بالسياسة بالدين إلى حد التخليط وإلى حد التبرير وإن كان بشيء من الاستحياء للإرهاب متمثلاً في الفتى ابن بواب العمارة ويؤدي دوره في الفيلم “محمد إمام” ابن نجم النجوم وسفير النوايا الحسنه “عادل إمام”!!

وكم ذا بالسينما المصرية من المفارقات والمضحكات!!

قصة سقوط وصعود

اعتراني الذهول وأنا اقرأ في جريدة ذات جلال في كل العهود عنواناً جرت كلماته على الوجه الآتي “شفرة داڤنشي”.. مرفوض مرفوض!

وتفسيراً له جاء تحته أن لجنة الثقافة والاعلام والسياحة بمجلس الشورى أكدت ضرورة حظر عرض الفيلم الامريكي “شفرة داڤنشي” داخل دور العرض المصرية لما به من الكثير من الافتراءات والأكاذيب عن السيد المسيح. ومما خفف من وضع العنوان البائس والتفسير له الأكثر بؤساً، ما قرأته في مجلة هي الأخرى ذات جلال، وحاصله أن الكنيسة المصرية اتخذت موقفاً مستقلاً ورزيناً يخلص في أنها قررت عدم المطالبة بمنع الفيلم، وفي نفس الوقت تقديم النصح إلى رعاياها بعدم مشاهدته.

انزعاج فانشراح

ومثلما اعتراني الذهول عند قراءة العنوان البائس وجدتني مذهولاً وأنا أشاهد “أوقات فراغ” أول فيلم روائي طويل يخرجه “محمد مصطفى” ذلك الفنان الذي ظل يعمل مساعد مخرج زهاء ربع قرن من عمر الزمان.

ولم يكن ذهولي مرده الانزعاج، وإنما الدهشة الممزوجة بالانشراح.

فمؤلف السيناريو المستمد منه الفيلم واسمه “عمر جمال” ليس له من العمر سوى عشرين عاماً أو أقل قليلاً، وكذلك حال أبطال الفيلم أحمد حاتم وعمروعابد وكريم قاسم وأحمد حداد، كلهم من نفس السن كلهم لم يسبق لهم الوقوف أمام الكاميرا.

ومع ذلك قدم السيناريو المعاني التي يدور حولها الفيلم بجلاء ومنطق واضح يترتب لاحقه على سابقه وأدى الأبطال الأربعة أدوارهم بإتقان منقطع النظير. وكم كان مذهلاً أن نراهم على الشاشة بوجوههم الصافية، الجذابة، وملامحهم القلقة وعيونهم الحادة الضاحكة وهم يصورون شقاوة الأولاد المحرومين من الحنان ومعاناتهم من الفراغ.

حسن الأداء

ولايفوتني هنا أن أشيد بأداء راندا البحيري وصفاء، الأولى في دور “منة” الفتاه التي يفقدها عذريتها “حازم” الفتى الثري الطائش ويؤدي دوره أحمد حاتم.

والثانية في دور “مي” الفتاة العاقلة التي تعامل “أحمد” الفتى الضائع المدمن ويؤدي دوره عمرعابد – وكأنه ابن قابل للصلاح، وإذا ما اكتشفت أنه لايزال سادراً في غيه، حسمت الأمر بقطع كل صلة به.

عناية بالتفاصيل

ومن بين مزايا الفيلم الأخرى أن مخرجه عرف كيف ينقل إلينا خلال التفاصيل جو الحياة التي يعيشها شباب أفقده الفراغ والانحراف الجنسي وتعاطي المخدرات أي شعور بالمسئولية والانتماء، وباعد بينه وبين أي شكل من أشكال الالتزام.

حلقة مفرغة

يبقى لي أن أقول أنه كما بدأ الفيلم في فاتحته بالأصدقاء الثلاثة حازم وأحمد وعمرو و”كريم قاسم” هم في حالة ضياع، انتهى بهم في خاتمته وهم أكثر ضياعاً داخل مقصوره في مرجيحة بالملاهي، انقطعت عنها الكهرباء معلقين بين الأرض والسماء، يستنجدون ولا أحد يجيب سوى كلمات للشاعر عبد الرحمن الأبنودي عن حال دنيا دواره، ليس لها أمان يشدو بها المغني “مروان خوري”.

ومع هذه الخاتمة المفتوحة ينتهي فيلم شيق به قد تعود الروح إلى السينما المصرية!!

الرقابة ومحنة حرية التعبير

كل شيء في شرقنا العربي من الخليج إلى المحيط يتغير، فيما عدا الرقابة الراسخة رسوخ الجبال.

فالثابت على وجه اليقين أن لغتها بمفرداتها الجامدة، البعيدة كل البعد عن روح العصر، لا تزال، كما هي، لم تتغير منذ منتصف أربعينات القرن العشرين.

ولعل خير دليل على ذلك، موقف الرقابة من “شفرة داڤنشي” فهذا فيلم من ذلك النوع المسمى بأفلام التشويق، موضوعه مستمد من قصة بنفس الاسم، حققت حينما نشرت مبيعات منقطعة النظير.

الواقع والخيال

فيها طرح مؤلفها الأديب الامريكي “دان براون” فكرة قوامها خيال جامح، عماده أن السيد المسيح، على نقيض ما جاء في الأناجيل الأربعة تزوج من “مريم المجدلية” التي أنجبت له ابنة، لايزال بعض أحفاد أحفادها يعيش بيننا، وإن كان في السر والخفاء.

وحتى لا يلحق أي منتسب إلى ذريتها أذى تكونت جماعة سرية هدفها احاطة أمر وجودها بسياج من الكتمان الشديد.

وكان بين أعضائها، على مر العصور، مشاهير مثل: “ليوناردو داڤنشي”، “اسحاق نيوتون” و”فيكتور هيجو”.

إذن فالفيلم، والحق يقال، يتمحور حول فكرة خيالية، ترجمها إلى لغة السينما “رون هوارد”، ذلك المخرج الامريكي الذي سبق له الفوز، قبل ثلاثة أعوام، بجائزتي أوسكار، هو وفيلمه “عقل جميل”.

ولم يزعم “هوارد” في ترجمته لقصة “بروان” مع كاتب السيناريو “اكيتا جولدسمان” الفائز هو الآخر بجائزة أوسكار أفضل سيناريو عن “عقل جميل”، أقول لم يزعم أنه صاحب رؤية صحيحة للدين. ولا صاحب رسالة علمية مثل “جاليليو” الذي ركب المخاطر، عندما قال منذ بضعة قرون أنه اكتشف عكس ما كانوا يعتقدون، أن الأرض ليست ثابتة، وإنما تدور.

اثم الظن السيئ

فكان جزاؤه عن ذلك العقاب وبئس المصير من قبل قوم، دأبوا على الخلط بين الرأي والإيمان.

ومع ذلك، اساءت الرقابة الظن بالفيلم، كما اساء به الظن غلاة المعادين لحرية التعبير فحتى قبل مشاهدته هرولت الرقابة من منطلق الفزع الشديد إلى سحب ترخيصها بالعرض العام لمقدمات الدعاية للفيلم رغم أن هذه المقدمات كانت خالية تماماً مما قد يشير سواء بالتصريح أو التلميح إلى موضوع السيد المسيح.

عدوان على القانون

ولم تكتف الرقابة بذلك العدوان على حرية التعبير بل تمادت في غيها إلى حد الاعلان بلسان رئيسها أنه من المفترض ألا يصرح بعرض دعاية لأي فيلم إلا بعد مشاهدة نسخته الأصلية والترخيص لها بالعرض العام.

وهذا الاعلان مؤداه حظر عرض المقدمات، حتى ولو كانت غير مشوبة بأي عيب من العيوب المنصوص عليها في القوانين المنظمة للرقابة على المصنفات الفنية، وهو ما يعد، ولا شك، أمراً مخالفاً لروح تلك القوانين. اللافت للنظر أنه منذ اقتراب موعد عرض الفيلم عالمياً، والتليفزيونات لا تمل من مناقشته، وعرض الأفلام الوثائقية عنه، مستعيدة بعض الفصول من “شفرة داڤنشي”، القصة المستمد منها الفيلم.

واللافت كذلك أن هذا السيل التليفزيوني ترافق مع سحب اعلانات عرض الفيلم من أغلب دور السينما في الدول العربية، حيث كان محدداً لعرضه يوم السابع عشر من شهر مايو.

والسؤال : ما جدوى المنع بعد هذا السيل؟